مقرات الاقتراع في محافظات مصر الحدودية تواجه «مخاوف الاستهداف»

دمج اللجان في سيناء لزيادة التأمين.. ولجان شعبية من القبائل بمطروح

جنود يحملون أكياسا من الرمل لصنع حواجز أمام أحد المقرات الانتخابية في محافظة الإسكندرية أمس استعدادا للاقتراع اليوم وغدا (أ.ف.ب)
جنود يحملون أكياسا من الرمل لصنع حواجز أمام أحد المقرات الانتخابية في محافظة الإسكندرية أمس استعدادا للاقتراع اليوم وغدا (أ.ف.ب)
TT

مقرات الاقتراع في محافظات مصر الحدودية تواجه «مخاوف الاستهداف»

جنود يحملون أكياسا من الرمل لصنع حواجز أمام أحد المقرات الانتخابية في محافظة الإسكندرية أمس استعدادا للاقتراع اليوم وغدا (أ.ف.ب)
جنود يحملون أكياسا من الرمل لصنع حواجز أمام أحد المقرات الانتخابية في محافظة الإسكندرية أمس استعدادا للاقتراع اليوم وغدا (أ.ف.ب)

تبدأ محافظات مصر الحدودية التصويت، اليوم، في انتخابات الرئاسة، وسط مخاوف شعبية من تأثير حالة الانفلات الأمني في تلك المحافظات على سير العملية الانتخابية. ويرى مراقبون، أنه «رغم أن المحافظات الحدودية لا تحظى بكثافة سكانية كبيرة، فإن المخاوف الأمنية والطبيعة الجغرافية وتوزيع لجان التصويت تمثل تحديات أمام مشاركة أهالي تلك المناطق الانتخابية، بما ينعكس على تصنيفها الانتخابي كأقل المحافظات من حيث الإقبال والمشاركة».
وقال رئيس جمعية القبائل العربية، الشيخ علي فريج، إن «هناك مخاوف من استهداف لجان الاقتراع في سيناء»، لكنه أكد في المقابل وجود إجراءات أمنية مشددة من القوات المسلحة والشرطة بالتنسيق مع القبائل للتصدي لأي استهداف للجان. وأكد منسق عام قبائل مطروح، الشيخ مسعد العزولي، أن «شيوخ القبائل والعائلات قرروا تشكيل لجنة شعبية تعاون الأجهزة الأمنية في تأمين مقار اللجان».
وتتقدم تلك المحافظات الحدودية، سيناء في الشرق، وهي مقسمة لمحافظتين في الشمال والجنوب، ثم مطروح في الغرب، وجنوبا تأتي محافظة أسوان ومنطقة حلايب وشلاتين في البحر الأحمر والوادي الجديد.
وتأتي قضية الوضع الأمني في سيناء وتطهيرها من البؤر الإرهابية وتحقيق التنمية لأهلها بجانب الاهتمام بالموارد الطبيعية في مطروح بالتزامن مع مخاوف على الجهة الأخرى من تأثير ما تشهده ليبيا على الحدود المصرية في الغرب، إلى جانب وضع تسوية حقيقية لملف النوبة في الجنوب والاهتمام بالمصريين في منطقة حلايب، ضمن التحديات الاستراتجية التي تؤثر على أبعاد الأمن القومي المصري وتفرض على الرئيس القادم الاهتمام بها.
وكان المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي قد التقى في مارس (آذار) الماضي ممثلين للقوى المجتمعية والقبائل بالمحافظات الحدودية، ومنهم ممثلو النوبة وعدد من مشايخ القبائل في مطروح وممثلو القبائل في سيناء لتأكيد اهتمامه بهم وبمشكلاتهم. ويقول مراقبون: «لا تحظى المحافظات الحدودية بوجود سياسي أو حزبي كبير، نظرا لأن الطبيعة القبلية وعادات المعيشة بين العائلات والقبائل هي التي تحكم المعيشة وإدارة الحياة بها، وبالتالي فإن تجمعات القبائل العربية ومجلس القبائل العربية هو صاحب الصوت المؤثر بتلك المحافظات».
وبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) عام 2011، أعلن مجلس القبائل العربية عن تأسيس الحزب العربي للعدل والمساواة، والذي يضم في عضويته أبناء القبائل العربية بمختلف المحافظات ويمثلهم سياسيا، ولكن هذا لم يمنع بعض الأحزاب من الوجود النسبي.
والخريطة التصويتية لسكان المحافظات الحدودية تميل أغلبها للمشير السيسي، وخصوصا في سيناء، حسب ما يؤكده رئيس جمعية القبائل العربية الشيخ علي فريج، رئيس حزب العدل والمساواة المعبر عن القبائل العربية. وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن القبائل العربية أعلنت صراحة دعمها للسيسي، لكن هذا لا يمنع وجود بعض الأصوات المؤيدة لمنافسه حمدين صباحي.
وكان مجلس القبائل العربية قد عقد أكثر من مؤتمر شعبي لدعم السيسي في الانتخابات الرئاسية بعدد من المحافظات التي يكثر بها وجود تلك القبائل خلال فترة الدعاية الانتخابية. وقال فريج، إن «القبائل العربية منتشرة في معظم محافظات مصر، وقد يصل تعدادها إلى نحو 30 مليون مصري، لكن الكتلة الأساسية منها في سيناء ومطروح وفي جنوب البلاد».
وعن الوضع في سيناء خلال الانتخابات، عبر رئيس جمعية القبائل العربية عن مخاوف أهالي محافظتي شمال وجنوب سيناء من الوضع الأمني أثناء عملية التصويت بالانتخابات، قائلا إن «هناك مواجهة مستمرة بين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مع قوى الإرهاب الرافضة لخريطة المستقبل في سيناء. وهناك مخاوف من استهداف لجان الاقتراع في المنطقة».
وحاول رئيس جمعية القبائل العربية التقليل من تأثير تلك المخاوف على نسب الإقبال في الانتخابات المقرر لها اليوم (الاثنين) وغدا، وقال إن «هناك إجراءات أمنية مشددة من القوات المسلحة والشرطة بالتنسيق مع القبائل في سيناء للتصدي لأي استهداف للجان التصويت، باستثناء إذا كانت هناك محاولات فردية من أي شخص».
وأضاف الشيخ علي فريج، أن منطقة التوتر الحقيقية في سيناء تتمركز في الشريط الحدودي الملاصق لقطاع غزة، وفي منطقة رفح على امتداد 30 كيلومترا، وأن باقي المناطق والقرى في سيناء مؤمنة ولا توجد بها أي تهديدات أمنية، على حد قوله.
وبلغت نسبة المشاركة في انتخابات الرئاسة الماضية عام 2012 بمحافظة جنوب سيناء نحو 40.3 في المائة، وفي شمال سيناء نحو 42.9 في المائة من إجمالي من يحق لهم التصويت من سكان المحافظتين، إلا أن الشيخ فريح كشف عن قيام لجنة الانتخابات بدمج بعض اللجان الانتخابية وتقليل توزيعها الجغرافي للتسهيل على الأجهزة الأمنية في تأمين مقار اللجان.
ويجري التصويت في شمال سيناء في 60 لجنة فرعية، في حين يصل عدد اللجان بمحافظة جنوب سيناء إلى 20 لجنة فرعية، وقامت القوات المسلحة المساعدة للجنة الانتخابات بنقل القضاة الذين سيشرفون على التصويت بتلك اللجان عبر طائرات حربية أول من أمس.
في السياق ذاته، قال فريج إن لجنة الانتخابات بدأت مع عملية الاستفتاء على الدستور مطلع العام الماضي، بتجميع لجان الاقتراع في سيناء، بحيث جرى فتح لجنة انتخابية لكل خمس قرى بدلا من فتح لجنة واحدة في كل قرية، لافتا إلى أن منطقة وسط سيناء بها 21 قرية جرى تجميع اللجان بها لتكون أربع لجان فقط، وهو ما سيجري الاعتماد عليه في انتخابات الرئاسة أيضا.
وحول إذا ما كان هذا الدمج سيؤثر على نسبة الإقبال من قبل الناخبين، قال فريج إن «دمج اللجان يمثل عبئا على الناخبين في سيناء نظرا لصعوبة التنقل وبعد المسافات بين القرى، ولكنّ مشايخ القبائل والقادة الشعبيين يساعدون الأهالي بتوفير وسائل تنقل للجان الاقتراع، ذلك لأنهم يتعاملون مع الانتخابات بجدية ويريدون توصيل رسالة خارجية بأن حكم جماعة الإخوان المسلمين خطأ لن يتكرر مرة أخرى».
وفي البوابة الغربية، حيث محافظة مطروح الملاصقة للحدود المصرية مع ليبيا، لم يختلف الوضع كثيرا عن سيناء في ظل تأثيرات مباشرة لتطورات الوضع السياسي والأمني في ليبيا على تلك المنطقة ومع كثرة انتشار السلاح بها. ويقول مراقبون، إن «البعد السياسي الأهم الذي تمثله محافظة مطروح، أنها أكثر المحافظات تصويتا وتأييدا للإخوان وللرئيس السابق محمد مرسي، وهو ما عبرت عنه نتائج التصويت في الانتخابات السابقة».
لكنّ منسق عام قبائل مطروح، الشيخ مسعد العزولي، نفى أن تكون نسب التصويت السابقة للإخوان في مطروح تعبر عن حجم وجود كبير للتيار الإسلامي هناك، وقال إن «الناخبين في مطروح أعطوا أصواتهم لمرشحي الإخوان كنوع من التغيير بعد ثورة يناير، وحتى لا يعود نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك بشخصياته، فهم كانوا يبحثون عن الجديد وكانوا يعتقدون أن الإخوان يمثلون عهدا جديدا».
وأضاف قائلا إنه رغم التحديات الأمنية الموجودة، فإن شيوخ القبائل والعائلات قرروا تشكيل لجنة شعبية تعاون الأجهزة الأمنية في تأمين مقار اللجان، ذلك أن كل لجنة فرعية تقع في نطاق جغرافي لقبيلة من القبائل العربية هناك، وبالتالي ستوفر الحماية للناخبين على سبيل «كرم الضيافة».
وقال العزولي، إن «هناك وجودا لمؤيدي المرشحين في الانتخابات، ودعاية لحشد الناخبين على التصويت، ولكن ما يقلق في عملية المشاركة هي الصورة التي يحملها كثير من الأهالي بأن الانتخابات محسومة لصالح مرشح بعينه، وبالتالي قد يؤثر ذلك سلبيا على نسب الإقبال رغم محاولات الحشد»، لافتا إلى أنه يجري التصويت في محافظة مطروح في 149 لجنة فرعية.
وفي جنوب مصر، حيث محافظة أسوان، ورغم بعد المسافة عن العاصمة القاهرة، فإن الوضع الأمني هناك ليس بالخطورة التي هو عليها سواء في سيناء أو مطروح، حيث جرى توزيع 253 لجنة انتخابية على مراكز المحافظة المختلفة.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أنه رغم كبر مساحة محافظة أسوان، فإن نسب المشاركة بها في الانتخابات السابقة وصلت إلى 31 في المائة فقط من كتلة ناخبيها، لكنّ الناشط النوبي أحمد صالح، مدير معابد أبو سمبل في أسوان، قال إن «هناك قطاعات كثيرة من أبناء أسوان يريدون ترك بصمة في تلك الانتخابات، رغم كثرة مشكلاتهم وتجاهل الدولة لهم لسنوات».



تصعيد «الانتقالي» الأحادي يهزّ استقرار الشرعية في اليمن

جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يتفقدون شاحنة خارج مجمع القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يتفقدون شاحنة خارج مجمع القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
TT

تصعيد «الانتقالي» الأحادي يهزّ استقرار الشرعية في اليمن

جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يتفقدون شاحنة خارج مجمع القصر الرئاسي في عدن (رويترز)
جنود موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي باليمن يتفقدون شاحنة خارج مجمع القصر الرئاسي في عدن (رويترز)

يشهد شرق اليمن، وتحديداً وادي حضرموت ومحافظة المهرة، واحدة من أكثر موجات التوتر خطراً منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل (نيسان) 2022، وسط تصاعد في الخطاب السياسي، وتحركات عسكرية ميدانية، وإعادة رسم للتحالفات داخل المعسكر المناهض للحوثيين؛ الأمر الذي يضع البلاد أمام احتمالات مفتوحة قد تنعكس على كامل المشهد اليمني، بما في ذلك مسار الحرب مع الجماعة الحوثية، وواقع الإدارة المحلية، ووضع الاقتصاد المنهك.

وفي هذا السياق، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي بوضوح نيته المضي نحو تعزيز سيطرته الأمنية في وادي حضرموت. وقال علي الكثيري، رئيس الجمعية الوطنية للانتقالي، إن «الانتصارات الأخيرة شكلت بارقة أمل لأبناء حضرموت»، مشيراً إلى أن «مرحلة ما بعد التحرير تتطلب تضافر الجهود للحفاظ على المكتسبات».

رئيس مجلس الانتقالي الجنوبي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عيدروس الزبيدي (أ.ب)

وكان لافتاً حديثه عن أن «تأمين وادي حضرموت يمثل أولوية قصوى»، في إشارة مباشرة إلى مطلب الانتقالي القديم بإخراج القوات الحكومية من الوادي واستبدالها بقوات «النخبة الحضرمية» الموالية له، بالتوازي مع تأكيده أنّ الجنوب «مقبل على دولة فيدرالية عادلة»، في تكرار لرؤيته الداعية إلى إنهاء الوحدة بصيغتها الحالية.

بالنسبة للانتقالي، فإن السيطرة على وادي حضرموت والمهرة ليست مجرد توسع جغرافي؛ بل جزء من رؤية استراتيجية تهدف إلى ترسيخ النفوذ جنوباً استعداداً لأي تسوية سياسية مقبلة بخاصة في ظل مطالب المجلس باستعادة الدولة التي كانت قائمة في جنوب اليمن قبل 1990.

موقف العليمي

في المقابل، صعّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خطابه بعد أن غادر العاصمة المؤقتة عدن بالتوازي مع تصعيد المجلس الانتقالي؛ إذ شدد بشكل واضح على «انسحاب القوات الوافدة من خارج حضرموت والمهرة» وتمكين السلطات المحلية من إدارة شؤون المحافظتين.

وجاءت مواقف العليمي من خلال تصريحاته أمام السفراء الراعيين للعملية السياسية في اليمن، وأخيراً من خلال اتصالات هاتفية مع محافظي حضرموت والمهرة، في رسالة أراد من خلالها تقديم دعم مباشر للسلطات المحلية والدفع نحو تهدئة التوتر بعيداً عن الخطوات الأحادية التي أعلنها المجلس الانتقالي.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وشدد العليمي على ضرورة «عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه»، محذراً من مخاطر التصعيد على الاقتصاد والواقع الإنساني. كما دعا إلى «تحقيق شامل في الانتهاكات المرافقة للإجراءات الأحادية»، في إشارة إلى الاعتقالات والإخفاءات التي تقول جهات حقوقية إنها رافقت عمليات الانتقالي في بعض المناطق الجنوبية.

ويبرز من هذه التصريحات حجم الهوة داخل مجلس القيادة الرئاسي نفسه؛ إذ يتحرك كل طرف من أطرافه بشكل مستقل، بينما تتسع الفجوة بين مواقف العليمي والانتقالي بشأن مستقبل الإدارة الأمنية والعسكرية للشرق اليمني.

مخاوف واسعة

يثير تصاعد الأحداث في شرق اليمن مخاوف من أن تتحول حضرموت والمهرة، وهما أكبر محافظتين في البلاد مساحة، إلى بؤرة صراع داخلي قد تجرّ اليمنيين إلى فوضى جديدة. فالمنطقة، التي تمتاز بامتدادات جغرافية واسعة وثروات نفطية ومنافذ برية مهمة مع السعودية وسلطنة عُمان، حافظت لسنوات على نمط من الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق الحرب الأخرى.

لكن دخول قوات إضافية وفرض وقائع أمنية وعسكرية قد يؤدي إلى تقويض الإدارة المحلية التي تعتمد على التوازنات القبلية والسياسية، وعرقلة إنتاج النفط الذي يمثل شرياناً اقتصادياً أساسياً، مع ارتفاع خطر الجماعات المتطرفة التي تستغل عادة الفراغات الأمنية، إضافة إلى تعميق الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي وانعكاس ذلك على قدرته في إدارة ملفات الحرب والسلم.

كما يهدد التصعيد بتفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعيش أكثر من 23 مليون من سكانه على المساعدات، بينما تشير تقارير أممية إلى أن 13 مليوناً قد يبقون بلا دعم إنساني كافٍ خلال العام المقبل.

تنسيق الزبيدي وصالح

على خلفية هذه التطورات، أجرى طارق صالح اتصالاً برئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، في خطوة أضافت طبقة جديدة من التعقيد، بخاصة وأن الطرفين عضوان في مجلس القيادة الرئاسي الذي يقوده العليمي.

وحسب بيان الانتقالي، ناقش الطرفان «سبل التنسيق المشترك لإطلاق معركة لتحرير شمال اليمن من الحوثيين»، مؤكدين أن «المعركة واحدة والمخاطر واحدة»، مع الإشارة إلى تعاون مستقبلي لمواجهة «الجماعات الإرهابية» بما فيها الحوثيون وتنظيم «القاعدة».

المجلس الانتقالي الجنوبي يطالب باستعادة الدولة التي كانت قائمة في جنوب اليمن قبل 1990 (أ.ف.ب)

هذا التواصل ليس عادياً؛ فهو يجمع بين قيادتين تنتميان لمدرستين سياسيتين مختلفتين، الزبيدي بمشروعه الانفصالي جنوباً، وطارق صالح بمشروع «الجمهورية الثانية» شمالاً. لكن المشترك بينهما هو الرغبة في إعادة ترتيب موازين القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتشكيل محور عسكري قادر على التحرك خارج حسابات الحكومة الشرعية، غير أن الرهان دائماً سيكون منوطاً بالإيقاع السياسي الذي تقوده الرياض.

وحسب مراقبين، يسعى الطرفان إلى استثمار الجمود في مسار التفاوض مع الحوثيين وملء الفراغ الناجم عن التغاضي الدولي تجاه الوضع في اليمن؛ وذلك لصياغة تحالف جديد يعيد تشكيل الخريطة السياسية، ويمنح كلاً منهما مساحة أكبر للتأثير، لكن كل ذلك يبقى غير مضمون النتائج في ظل وجود التهديد الحوثي المتصاعد.

بين الحوثيين والانتقالي

تأتي هذه التطورات في وقت تتراجع فيه العمليات القتالية بين الحكومة والحوثيين على معظم الجبهات. ومع أن الحوثيين يواصلون الحشد والتجنيد، فإن خطوط الجبهة الداخلية بين شركاء «معسكر الشرعية» باتت أكثر اشتعالاً من خطوط القتال مع الحوثيين أنفسهم.

ويحذّر خبراء من أن أي انقسام إضافي داخل هذا المعسكر سيمنح الحوثيين هامشاً أوسع لتعزيز نفوذهم، خصوصاً أنهم يراقبون من كثب ما يجري في الشرق، حيث تعتمد الحكومة الشرعية على الاستقرار هناك لضمان مرور الموارد والتحركات العسكرية.

وبين دعوات الانتقالي إلى «مرحلة ما بعد التحرير»، ومطالب العليمي بعودة القوات إلى تموضعها السابق، ومحاولات الزبيدي وطارق صالح لتشكيل موقف موحد، يجد سكان حضرموت والمهرة أنفسهم أمام مشهد معقد يشبه صراع نفوذ متعدد الطبقات.

وفد سعودي برئاسة اللواء محمد القحطاني زار حضرموت لتهدئة الأوضاع (سبأ)

فالمنطقة التي لطالما عُرفت بقبائلها وامتدادها التجاري والاجتماعي مع دول الخليج، باتت اليوم ساحة اختبار لمعادلات سياسية تتجاوز حدودها، وسط مخاوف من أن يقود هذا التصعيد إلى هيمنة على السلطة تتناسب مع المتغيرات التي فرضها المجلس الانتقالي على الأرض، بالتوازي مع تحذيرات من انفجار جديد يعمّق الانقسام اليمني بدلاً من رأبه.

وفي كل الأحوال، يرى قطاع عريض من اليمنيين والمراقبين الدوليين أن العامل الحاسم يظل مرتبطاً بموقف الرياض التي تمسك بخيوط المشهد الرئيسية، وقد دعت بوضوح إلى خفض التصعيد والتهدئة، عادَّة أن أي فوضى في المناطق المحررة في الجنوب والشرق اليمني ستنعكس سلباً على جهود إنهاء الحرب مع الحوثيين، مع اعترافها الواضح أيضاً بعدالة «القضية الجنوبية» التي يتبنى المجلس الانتقالي الجنوبي حمل رايتها.


«خطط الإعمار الجزئي» لرفح الفلسطينية... هل تُعطّل مسار «مؤتمر القاهرة»؟

يستخدم أفراد الدفاع المدني حفارة للبحث عن رفات الضحايا في أنقاض مبنى مدمر في مخيم البريج للاجئين (أ.ف.ب)
يستخدم أفراد الدفاع المدني حفارة للبحث عن رفات الضحايا في أنقاض مبنى مدمر في مخيم البريج للاجئين (أ.ف.ب)
TT

«خطط الإعمار الجزئي» لرفح الفلسطينية... هل تُعطّل مسار «مؤتمر القاهرة»؟

يستخدم أفراد الدفاع المدني حفارة للبحث عن رفات الضحايا في أنقاض مبنى مدمر في مخيم البريج للاجئين (أ.ف.ب)
يستخدم أفراد الدفاع المدني حفارة للبحث عن رفات الضحايا في أنقاض مبنى مدمر في مخيم البريج للاجئين (أ.ف.ب)

حديث عن خطط للإعمار الجزئي لمناطق في قطاع غزة، تقابلها تأكيدات عربية رسمية بحتمية البدء في كامل القطاع، بعد نحو أسبوعين من تأجيل «مؤتمر القاهرة» المعني بحشد تمويلات ضخمة لإعادة الحياة بالقطاع المدمر وسط تقديرات تصل إلى 35 مليار دولار.

تلك «الخطط الجزئية» التي تستهدف مناطق من بينها رفح الفلسطينية، تقول تسريبات عبرية إن حكومة بنيامين نتنياهو وافقت على تمويلها، وهذا ما يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» تماشياً مع خطط أميركية سابقة حال التعثر في الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة، وأشاروا إلى أن مؤتمر القاهرة للإعمار سيعطل فترة من الوقت؛ ولكن في النهاية سيعقد ولكن ليس قريباً ومخرجاته ستواجه عقبات إسرائيلية في التنفيذ.

ونقل موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مسؤول إسرائيلي قوله إن تل أبيب وافقت مبدئياً على دفع تكاليف إزالة الأنقاض من قطاع غزة وأن تتحمل مسؤولية العملية الهندسية الضخمة، وذلك بعد طلب من الولايات المتحدة الأميركية، وستبدأ بإخلاء منطقة في رفح جنوبي القطاع من أجل إعادة إعمارها.

ويتوقع، وفق مصادر الصحيفة، أن تكون إسرائيل مطالبة بإزالة أنقاض قطاع غزة بأكمله، في عملية ستستمر سنوات بتكلفة إجمالية تزيد على مليار دولار.

وترغب الولايات المتحدة في البدء بإعادة إعمار رفح، على أمل أن تجعلها نموذجاً ناجحاً لرؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتأهيل القطاع، وبالتالي جذب العديد من السكان من مختلف أنحائه، على أن يعاد بناء المناطق الأخرى في مراحل لاحقة، وفق الصحيفة الإسرائيلية.

تلك التسريبات الإسرائيلية، بعد نحو أسبوعين من تصريحات للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، تميم خلاف، لـ«الشرق الأوسط»، أكد خلالها أن القاهرة تعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين على تهيئة البيئة المناسبة لنجاح مؤتمر «التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة». في معرض ردّه على سؤال عن سبب تأجيل المؤتمر.

وفي 25 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن المؤتمر «لن ينعقد في موعده (نهاية نوفمبر) وسيتأجل». وأرجع ذلك إلى التصعيد الحالي بالقطاع، وسعي القاهرة إلى توفر ظروف وأوضاع أفضل على الأرض من أجل تحقيق أهدافه، تزامناً مع تقرير عن مخططات إسرائيلية لتقسيم قطاع غزة لقسمين أحدهما تحت سيطرة إسرائيلية والآخر تتواجد فيه «حماس» ولا يتجاوز نحو 55 في المائة من مساحة القطاع.

صبيان يحتميان من المطر وهما جالسان على عربة يجرها حمار في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

واعتمدت «القمة العربية الطارئة»، التي استضافتها القاهرة في 4 مارس (آذار) الماضي، «خطة إعادة إعمار وتنمية قطاع غزة» التي تستهدف العمل على التعافي المبكر، وإعادة إعمار غزة دون تهجير الفلسطينيين، وذلك وفق مراحل محددة، وفي فترة زمنية تصل إلى 5 سنوات، وبتكلفة تقديرية تبلغ 53 مليار دولار. ودعت القاهرة إلى عقد مؤتمر دولي لدعم إعادة الإعمار في غزة، بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن تلك الخطط لن يوافق عليها ضامنو وبعض وسطاء اتفاق غزة باعتبارها مخالفة للاتفاق، وتطرح مع تحركات إسرائيلية لتعطيل المرحلة الثانية بدعوى أهمية البدء في نزع سلاح القطاع أولاً.

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن موافقة إسرائيل على تمويل الإعمار الجزئي وعودة الترويج له إسرائيلياً، يشير لعدم احتمال الوصول لمرحلة ثانية واللجوء لخطة بديلة تحدث عنها جاريد كوشنر صهر ترمب بالبناء في المناطق الخارجة عن سيطرة «حماس» ما دامت الحركة لم تُنهِ بند نزع السلاح، مشيراً إلى أن عودة الحديث عن خطط الإعمار الجزئي تؤخر الإعمار الشامل وتعطي رسالة للدول التي ستمول بأن ثمة عقبات، وبالتالي ستعطل عقد مسار مؤتمر القاهرة.

وفي 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد كوشنر، في مؤتمر صحافي بإسرائيل، أن إعادة إعمار غزة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي «مدروسة بعناية وهناك اعتبارات جارية حالياً في المنطقة الخاضعة لسيطرة جيش الدفاع الإسرائيلي، ما دام أمكن تأمينها لبدء البناء كغزة جديدة، وذلك بهدف منح الفلسطينيين المقيمين في غزة مكاناً يذهبون إليه، ومكاناً للعمل، ومكاناً للعيش»، مضيفاً: «لن تُخصَّص أي أموال لإعادة الإعمار للمناطق التي لا تزال تسيطر عليها (حماس)».

فلسطينيون نازحون يسيرون أمام المباني المدمرة في حي تل الهوى في الجزء الجنوبي من مدينة غزة (أ.ف.ب)

تلك الخطط الجزئية تخالف مواقف عربية، وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة، في اتصال هاتفي، الخميس، على ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق وقف الحرب في القطاع، وحتمية البدء في عملية إعادة إعمار القطاع، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وفي مقابلة مع المذيع الأميركي تاكر كارلسون، بـ«منتدى الدوحة»، الأحد الماضي، قال رئيس الوزراء القطري، محمد عبد الرحمن آل ثاني «لن نتخلى عن الفلسطينيين، لكننا لن نوقّع على الشيكات التي ستعيد بناء ما دمره غيرنا».

ويعتقد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن طلب قطر قبل أيام بتحمل إسرائيل تمويل ما دمرته «تعبير عن موقف عربي صارم للضغط لعدم تكرار التدمير»، مشيراً إلى أن مصر تدرك أيضاً أن إسرائيل تتحرك في الخطة البديلة بإعمار جزئي في رفح لكن القاهرة تريد تعزيز الموقف العربي المتمسك بالإعمار الكامل، والذي سيبدأ مؤتمره مع بدء المرحلة الثانية التي تشمل انسحاباً إسرائيلياً. بينما يرى المحلل السياسي الفلسطيني أن الموقف العربي سيشكل ضغطاً بالتأكيد لكن هناك وجهات نظر متباينة، مشيراً إلى أن مؤتمر إعمار القاهرة مرتبط بحجم التقدم في المرحلة الثانية ونزع السلاح بالقطاع؛ إلا أنه في النهاية سيحدث، لكن ليس في القريب العاجل وستكون مخرجاته مهددة بعقبات إسرائيلية.


جبايات الحوثيين تعمّق الركود الاقتصادي وتغلق عشرات الشركات

ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين يعيشون في ظروف صعبة جراء ضيق سبل العيش (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين يعيشون في ظروف صعبة جراء ضيق سبل العيش (أ.ف.ب)
TT

جبايات الحوثيين تعمّق الركود الاقتصادي وتغلق عشرات الشركات

ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين يعيشون في ظروف صعبة جراء ضيق سبل العيش (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين يعيشون في ظروف صعبة جراء ضيق سبل العيش (أ.ف.ب)

تتواصل الأزمة الاقتصادية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية بصورة متسارعة، مع تصاعد شكاوى التجار من الزيادات الجديدة في الضرائب والرسوم المفروضة عليهم، وهي إجراءات وصفوها بـ«التعسفية»، كونها تمتد إلى مختلف الأنشطة التجارية دون استثناء.

في هذا السياق، أكد تقرير دولي حديث أن الضغوط المالية المفروضة على القطاع الخاص باتت تهدد بقاء مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة، كما دفعت بالفعل العديد منها إلى إغلاق أبوابها خلال الأشهر الماضية.

وحسب التقرير الصادر عن «شبكة الإنذار المبكر للاستجابة للمجاعة»، فإن الوضع الاقتصادي في مناطق الحوثيين «يستمر في التدهور بوتيرة متصاعدة»، نتيجة الحملات المتكررة للجبايات التي تستهدف المطاعم والمتاجر والفنادق وقطاعات التجزئة.

وأشار التقرير إلى أن سلطات الحوثيين فرضت مؤخراً رسوماً إضافية على التجار تحت مبرر دعم الإنتاج المحلي، غير أن تلك الرسوم جاءت في سياق سلسلة ممتدة من القيود المالية والتنظيمية التي أثقلت كاهل أصحاب الأعمال.

الحوثيون تجاهلوا مطالب التجار بالتراجع عن زيادة الضرائب (إعلام محلي)

واحد من أبرز هذه الإجراءات كان فرض ضريبة جمركية بنسبة 100 في المائة على السلع غير الغذائية المستوردة، وهو ما أدى -وفق التقرير- إلى إغلاق عدد كبير من محلات التجزئة والمؤسسات الصغيرة التي لم تعد قادرة على تحمّل ارتفاع التكلفة التشغيلية والانخفاض المتواصل في الطلب. وتزامن ذلك مع استمرار الحوثيين في تجاهل مطالب التجار بالتراجع عن هذه الزيادات، رغم الاحتجاجات التي شهدتها صنعاء خلال الأسابيع الماضية.

تراجع غير مسبوق

يشير التقرير الدولي إلى أن العمل بالأجر اليومي والأعمال الحرة التي كانت تشكّل مصدر دخل رئيسياً للأسر الفقيرة والمتوسطة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باتت تواجه تراجعاً غير مسبوق نتيجة خسائر الدخل وتراجع القدرة الشرائية.

ويحذّر التقرير من أن استمرار هذا التراجع سيقلل «على الأرجح» من قدرة الأسر على الحصول حتى على الغذاء بالتقسيط، وهو إحدى آخر الوسائل التي كان يعتمد عليها السكان خلال السنوات الماضية لمواجهة الضائقة المعيشية.

المزارعون والتجار في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون من الجبايات (رويترز)

وفي المقابل، استعرض التقرير الإجراءات الاقتصادية التي تنوي الحكومة المعترف بها دولياً اتخاذها، ومنها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة.

وعلى الرغم من التأكيدات الحكومية أن المواد الغذائية الأساسية مستثناة من هذا التعديل، يتوقع محللون أن ترتفع أسعار السلع غير الغذائية بنحو 6 إلى 7 في المائة، وسط مخاوف من استغلال بعض التجار للوضع ورفع الأسعار بنسب أكبر في ظل ضعف الرقابة المؤسسية.

استمرار الأزمة

تتوقع «شبكة الإنذار المبكر» أن تستمر حالة الأزمة واسعة النطاق في اليمن (المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي للأمن الغذائي) حتى مايو (أيار) من العام المقبل على الأقل.

ويعزو التقرير الدولي ذلك إلى تأثيرات الصراع الاقتصادي بين الحوثيين والحكومة اليمنية الشرعية الذي أدى إلى تقويض النشاط التجاري، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتدهور بيئة الأعمال، بالإضافة إلى ضعف سوق العمل وانحسار القدرة الشرائية للمواطنين.

أما في محافظات الحديدة وحجة وتعز فيتوقع التقرير استمرار حالة الطوارئ (المرحلة الرابعة)، نتيجة آثار الهجمات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت البنية التحتية الحيوية مثل المنشآت والمواني في الحديدة، بالإضافة إلى عجز سلطات الحوثيين عن إعادة تأهيل هذه المرافق.

الحوثيون متهمون بتدمير مستقبل جيل يمني بكامله جراء انقلابهم (إ.ب.أ)

وقد أدى هذا الوضع إلى انخفاض شديد في الطلب على العمالة، وتراجع مصادر الدخل الأساسية للأسر في هذه المناطق.

وتناول تقرير الشبكة التطورات المتعلقة بالوديعة السعودية للبنك المركزي اليمني، وتوقعت أن تُسهم هذه المبالغ في تعزيز المالية العامة ومعالجة عجز الموازنة، بما يمكن الحكومة من استئناف بعض التزاماتها المتوقفة، بما في ذلك صرف الرواتب.

ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هذا الدعم «قصير الأجل» ولا يعالج المشكلات الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد اليمني، خصوصاً في جانب الإنتاج وفرص العمل وبيئة الاستثمار.