تاريخ الإسلام والمسلمين في فرنسا منذ العصور الوسطى حتى اليوم

كتاب جماعي أسهم فيه 70 باحثاً تحت إشراف محمد أركون

محمد أركون  -  لوحة جدارية لابن رشد بريشة الرسام الإيطالي أندريه بونايوتو عام 1366
محمد أركون - لوحة جدارية لابن رشد بريشة الرسام الإيطالي أندريه بونايوتو عام 1366
TT

تاريخ الإسلام والمسلمين في فرنسا منذ العصور الوسطى حتى اليوم

محمد أركون  -  لوحة جدارية لابن رشد بريشة الرسام الإيطالي أندريه بونايوتو عام 1366
محمد أركون - لوحة جدارية لابن رشد بريشة الرسام الإيطالي أندريه بونايوتو عام 1366

كان المفكر الكبير محمد أركون قد أشرف على تأليف كتاب موسوعي يخص العلاقات بين فرنسا وعالم الإسلام منذ أقدم العصور حتى اليوم. وشارك في تأليف هذا الكتاب الجماعي الضخم ما لا يقل عن سبعين باحثاً عربياً وأجنبياً. وصدر عن دار «منشورات ألبان ميشيل» في أكثر من ألف ومائتي صفحة من القطع الكبير. إنه كنز مليء بالمعلومات والتحليلات والإضاءات عن عالم العرب والإسلام وعلاقته بفرنسا. وفي هذه الظروف الحرجة التي تمر بها العلاقات بين الغرب كله من جهة، والعالم الإسلامي من جهة أخرى يُستحسن بنا أن نعود إلى هذا الكتاب القيم كمرجع أساسي لاستيضاح الأمور. هذا وقد حظي الكتاب بمقدمة قصيرة للمؤرخ الشهير جاك لوغوف، ومقدمة طويلة للبروفسور أركون ذاته. يقول جاك لوغوف في مقدمته ما فحواه: «ينبغي على فرنسا داخل إطار الاتحاد الأوروبي أن تدمج الجالية المسلمة في أحضانها وتعطيها كل الحقوق. وينبغي عليها بشكل خاص أن تحترم كل ما في تراث المسلمين يتماشى مع فلسفة الأنوار وقيم الحداثة الفرنسية». بمعنى آخر لا مكان للأصولية الدينية المتطرفة في فرنسا العلمانية المتحررة. إذا ما أراد المسلمون أن يندمجوا فليتخلوا عنها وليرتبطوا بأفضل ما أعطاه تراثهم إبان العصر الذهبي والذي كان أساس نهضة أوروبا ذاتها. هذا ما نفهمه من كلام المؤرخ الكبير. هذا الكلام كتبه جاك لوغوف قبل التفجيرات الخطيرة التي أدمت فرنسا عام 2013 وما تلاه. وهي تفجيرات لم يتح له أن يشهدها لأنه مات قبلها.
أما محمد أركون الذي يعتبر أحد أهم المفكرين في تاريخ الإسلام على مر العصور فيقول لنا ما معناه: لكي نفهم الأمور بشكل صحيح فإنه ينبغي العلم بأن المسار التاريخي لعالم الإسلام كان معاكساً للمسار التاريخي لفرنسا والعالم الأوروبي في مجمله، فعندما كان الإسلام يعيش عصره الذهبي في بغداد العباسية أو قرطبة الأندلسية كانت أوروبا تغط في نوم عميق. كانت تعيش ظلاميتها الدينية وتكفّر العلم والفلسفة. وعندما استفاقت أوروبا في عصر النهضة إبان القرن السادس عشر، بل وما قبله، كان العالم الإسلامي قد دخل في عصر الانحطاط وأصبح هو الذي يغط في نوم عميق. وعن ذلك نتج سوء التفاهم ثم التصادم بين العالم الإسلامي والعالم الأوروبي. ولكن ماذا عن الإمبراطورية العثمانية التي حكمت العالم العربي طيلة أربعة قرون، من القرن السادس عشر حتى التاسع عشر؟ هل كانت نهضوية تنويرية؟ هذا السؤال يجيب عنه البروفسور أركون قائلاً: «أبداً لا. إن حكمها يتزامن مع عصر الانحطاط ولا علاقة له بالعصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية». صحيح أن العهد العثماني شكل انبعاثاً لقوة الإمبراطورية الإسلامية على الأصعدة السياسية والإدارية والعسكرية والعمرانية/ لكنه لم يضف شيئاً جديداً على مستوى الفكر الفلسفي والعلمي، قياساً إلى العصر الذهبي للعرب، بل شكّل تراجعاً كبيراً عنه. وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تخترع وتبدع على يد كوبرنيكوس وغاليليو وديكارت ونيوتن وكانط وهيغل وعشرات غيرهم كان شيوخ الإمبراطورية العثمانية يغطّون في نوم عميق ولم يشعروا بالفجوة الهائلة التي أخذت تُحفر بين أوروبا التنويرية والعالم الإسلامي إلا بعد فوات الأوان. نستنتج من كل ذلك ما يلي: من هنا مسؤولية الإمبراطورية العثمانية عن تخلف العرب والمسلمين بمن فيهم إخوتنا الأتراك أنفسهم، وهي مسؤولية ضخمة. ولذلك فإن محاولة إعادة هيمنتها مجدداً على يد إردوغان من خلال ما يدعى بـ«العثمنة الجديدة» لا يمكن أن تلقى أي صدى لدى العرب لسبب بسيط: هو أنها كانت إمبراطورية انكشارية، قمعية، ظلامية، لا فلسفية ولا تحريرية ولا تنويرية. وبالتالي فالعرب يريدون نسيانها ككابوس مزعج، لا العودة إليها باشتياق. يضاف إلى ذلك أن تركيا إردوغان التي يهيمن عليها «الإخوان المسلمون» لا يمكن أن تكون قدوة لمصر - السيسي أو للعرب الذين يصْبون إلى إسلام الأنوار واستعادة العصر الذهبي مرة أخرى.
بمعنى آخر وبكلمة واحدة: إما إسلام الأنوار، وإما إسلام الإخوان. نقطة على السطر. أما إسلام العصر الذهبي وإما إسلام عصر الانحطاط. واللبيب من الإشارة يفهم... هذا الموقف لا يعني أي عداء تجاه الشعب التركي الكبير، فهو جارنا المباشر وأخ لنا. وإذا ما انتصر التيار الأنواري التركي يوماً ما على التيار الإخواني الحالي فسوف ينعكس ذلك علينا حتماً. أقول ذلك وأنا أعرف أنه توجد نخب ثقافية طليعية ومستنيرة في تركيا. ولكنها مغلوب على أمرها حالياً. وإذا ما انتصر تيار التنوير العربي يوماً ما فسوف ينعكس ذلك على الأتراك أيضاً. مصيرنا مرتبط بعضه ببعض. كلنا في الهوى سوا.
من بين الفصول المهمة التي يمتلئ بها هذا الكتاب الموسوعي نذكر البحث الذي كتبته السيدة مريم سبتي، وهي فيلسوفة وباحثة في المركز العلمي للبحوث العلمية الفرنسية، كما أنها مختصة بفكر ابن سينا، وكانت قد نشرت كتاباً بعنوان: «ابن سينا: النفس البشرية»، فماذا تقول لنا عن هذين العملاقين في الفكر العربي، الفارابي وابن سينا؟ ومعلوم أن الثاني كان تلميذاً للأول قبل أن يستقل بنفسه وتتفتح عبقريته على مصراعيها. إنها تقول ما فحواه: لقد أسهمت الأنوار الفلسفية العربية في يقظة أوروبا وخروجها من العصور الظلامية للقرون الوسطى، كما أسهمت في انبثاق النهضة الأوروبية الأولى التي سبقت نهضة القرن السادس عشر. نقصد بذلك النهضة التي حصلت بدءاً من القرن الثالث عشر وتواصلت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. هذه النهضة الأوروبية الأولى ناتجة مباشرة عن ترجمة روائع الفكر العربي وبالأخص مؤلفات الفارابي وابن سينا وذلك قبل التنبه إلى أهمية ابن رشد. ثم تردف الباحثة قائلة ما معناه: في النصف الثاني من القرن الثاني عشر حصلت في مدينة طليطلة الأندلسية ترجمة جزء كبير من المؤلفات العلمية والفلسفية العربية. وهذه الترجمة أسهمت في انبعاث الفكر الأوروبي واستيقاظه من غفوته أو غفلته الطويلة. وقد ترجم المسيحيون الأوروبيون أولاً الكتب العلمية العربية وبالأخص كتب علم الفلك والطب. ثم بدءاً من عام 1150 أخذوا يهتمون بشكل كبير بترجمة مؤلفات الفارابي وابن سينا. ولكنهم ترجموا أيضاً بعض مؤلفات الفيلسوف العربي الأول الكندي، وبخاصة كتابه «رسالة في العقل». أما ابن سينا فقد تعرفوا عليه عن طريق ألدّ أعدائه (الأمام الغزالي)... مَن يصدق ذلك؟ ولكن إذا عُرف السبب بطُل العجب. فالواقع أن الغزالي كان قد ألّف كتابين عن الفلسفة: الأول بعنوان «مقاصد الفلاسفة»، والثاني بعنوان «تهافت الفلاسفة»، في الأول يستعرض نظريات الفارابي وابن سينا بكل موضوعية وألمعية إلى درجة أن الأوروبيين ظنوا أنه فيلسوف! وبما أن الكتاب الثاني لم يصلهم فقد توهموا أنه فيلسوف فعلاً وصنفوه في خانة الفلاسفة لا في خانة الفقهاء ورجال الدين. ومعلوم أنه في الكتاب الثاني راح يشن هجوماً عنيفاً على ابن سينا والفارابي والفلسفة بأكملها، ومعلوم أيضاً أنه لم تقم للفلسفة قائمة في أرض الإسلام بعد هجومه الحاد هذا. وعلى هذا النحو دخلنا في عصر الانحطاط بعد أن كفّر الغزالي وكل الفقهاء الذين تلوه الفكر الفلسفي العقلاني، وراحوا يقولون «من تمنطق فقد تزندق»، أو «كان يتفلسف لعنه الله»، إلى آخر هذه الكليشيهات... هكذا نلاحظ أنه في الوقت الذي راحت فيه أوروبا تهتم بالعلم والفلسفة رحنا نحن ندير ظهرنا لهما بل ونشتمهما، راحوا هم يقدسون الفكر العلمي والفلسفي العقلاني ورحنا نحن نمزق مؤلفات ابن سينا والفارابي وابن رشد وابن باجة على أثر الإدانة اللاهوتية للغزالي، سامحه الله، إلخ... وكان أن دخلنا في ظلام عميق لم نخرج منه حتى الساعة. والدليل على ذلك انتشار الحركات الأصولية والإخوانجية الداعشية في جسد الأمة كالسرطان واحتلالها الشارع العربي من مشرقه إلى مغربه.
من الفصول الممتعة في الكتاب، وما أكثرها، نذكر الفصل المطول الذي اتخذ العنوان التالي «من الاستشراق إلى علم الإسلاميات»، وهو من تأليف البروفسور دانييل ريغ المختص بالدراسات العربية والإسلامية، وفيه يتحدث لنا عن الوجه الجديد للاستشراق وعن تأسيس مدرسة اللغات الشرقية في باريس وعن أوائل المستشرقين الكبار، وكان في طليعتهم ريجيس بلاشير (1900 - 1973) الذي توصل إلى مرتبة الأستاذية في السوربون عام 1950 واحتل كرسي اللغة والآداب العربية فيها، ولكنه قدم أيضاً دراسات مهمة عن القرآن الكريم من بينها: ترجمة القرآن، مدخل إلى القرآن، ثم اشتهر بكتابه عن تاريخ الأدب العربي في ثلاثة أجزاء. هذا وقد كوّن بلاشير مجموعة من التلاميذ الذين سيصبحون لاحقاً أساتذة الأدب العربي من بعده، وفي طليعتهم يقف أندريه ميكل الذي تخرج على يديه عدد كبير من طلبة الدكتوراه العرب. ولا ينبغي أن ننسى أعلام الاستشراق الفرنسي في تلك الفترة من أمثال مكسيم رودنسون وجاك بيرك وشارل بيلا وروجيه أرنالديز وآخرين عديدين، وهؤلاء قدموا مؤلفات قيمة عن التراث الإسلامي والمجتمعات العربية، والعديد منها مترجم إلى اللغة العربية، ولا ينبغي أن ننسى فانسان مونتيل (1913 - 2005) الذي من كثرة انغماسه في الدراسات العربية والإسلامية عشق المنطقة وراح يعتنق الإسلام ديناً في نهاية المطاف وأصبح اسمه فانسان – منصور مونتيل. ونحن مدينون له بترجمة رسالة الغفران إلى اللغة الفرنسية، ولو لم يفعل غيرها لكفاه ذلك فخراً؛ فهي إحدى روائع الأدب العربي على مر العصور ولا مثيل لها في لغة الضاد، ومعلوم أنه نص صعب جداً من الناحية اللغوية – التركيبية، وربما ينبغي أن نترجمها إلى اللغة العربية الحديثة لا إلى اللغة الفرنسية فقط لكي يفهمها طلاب الثانوي والجامعي والجمهور العريض بشكل عام.
هناك فصول أخرى كان ينبغي أن تحظى باهتمامنا وفي طليعتها الفصل الذي يتخذ العنوان التالي «الإسلام في الفكر الفرنسي من عصر الأنوار إلى الجمهورية الثالثة»، وقد كتبه البروفسور هنري لورنس أستاذ التاريخ المعاصر للعالم العربي في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون).
ولا ننسى الخاتمة المطولة التي كتبها المفكر التونسي الراحل عبد الوهاب المؤدب، فهي تشكل شهادة من الطراز الأول على التكوين المعرفي المزدوج الذي تلقاه في تونس أولاً وباريس ثانياً. إنه نتاج كلا التنويرين: التنوير العربي الإسلامي، والتنوير الفرنسي والأوروبي. من هنا إعجابه بابن عربي وابن رشد والجاحظ وابن المقفع والمعري وبقية عباقرة العرب والإسلام من جهة، وإعجابه بدانتي ورابليه وفولتير وبقية عباقرة الفكر الأوروبي من جهة أخرى. أخيراً هناك فصول أخرى عديدة تستحق الذكر والاهتمام ولكن الوقت ضاق والمكان لا يتسع.



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.