لافروف لـ«الشرق الأوسط»: حوار رفيع متواصل مع السعودية حقق ثماراً ملموسة

اعتبر العلاقات مع واشنطن «أسيرة لمشاكسات المؤسسة الأميركية»... وحمّل إدارة أوباما مسؤولية «تدميرها»

وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف.
وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف.
TT

لافروف لـ«الشرق الأوسط»: حوار رفيع متواصل مع السعودية حقق ثماراً ملموسة

وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف.
وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف.

اعتبر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لموسكو، غداً، «انعطافة حقيقية» في علاقات البلدين، متوقعاً انتقال التعاون بين الرياض وموسكو إلى «مستوى جديد تماماً»، بما يحقق «مساهمة عميقة الفائدة في استقرار منطقة الشرق الأوسط».
وكشف لافروف، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن هناك حواراً متواصلاً «على أرفع المستويات» بين المملكة وروسيا في شأن قضايا تهم البلدين، مشيراً إلى أن هذا الحوار «بدأ في تحقيق جملة من الثمار العملية الملموسة». وشدد على أهمية استمرار التنسيق فيما يخص الأزمات الإقليمية واتفاق خفض إنتاج النفط.
ونوّه بالجهود التي تبذلها السعودية لتشكيل وفد المعارضة السورية، معتبراً أنه «قد يصبح شريكاً منصفاً» في محادثات جنيف. وأكد أن التسوية السياسية عبر الحوار بين السوريين على أساس قرار مجلس الأمن رقم «2254»، «لا تزال أهم مجالات العمل لتجاوز الأزمة الراهنة».
وحمّل الوزير الروسي إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مسؤولية «تدمير» أسس العلاقات بين موسكو وواشنطن التي رأى أنها «لا تزال أسيرة لمشاكسات المؤسسة الأميركية». وتحدث عن «حملة مصطنعة معادية لروسيا داخل الولايات المتحدة تتضمن تكهنات بتدخل مزعوم في الانتخابات الرئاسية». غير أنه رأى أن «هناك أملاً في أن بمقدورنا التغلب على الأزمة المصطنعة الحالية، وإن كان مستقبل العلاقات لا يعتمد علينا نحن فحسب، وإنما كذلك على الجانب الأميركي»... وفيما يلي نص الحوار:

> فيما يتعلق بزيارة خادم الحرمين الشريفين إلى روسيا، كيف تقيّمون العلاقات الروسية - السعودية على المستوى الثنائي، وفيما يخص النقاش حول أزمات المنطقة؟
- إننا نشارك القيادة السعودية الاعتقاد بضرورة تحقيق مزيد من التطور المتصاعد في العلاقات السعودية - الروسية على مختلف الأصعدة، بما في ذلك جهود ضمان الاستقرار الإقليمي والعالمي.
ويتواصل الحوار السياسي على أرفع المستويات بين المملكة العربية السعودية وروسيا، بعيداً عن الأضواء، في شأن جملة من القضايا ذات الاهتمام المشترك. وقمت، في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، بزيارة إلى المملكة، وشرفت خلالها بلقاء العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، كما أجريت محادثات مع وزير الخارجية عادل الجبير. وأود الإشارة إلى ارتياحي التام لنتائج تلك الزيارة.
ونعمل على تكثيف الجهود الرامية إلى تعزيز أواصر التعاون التجاري والروابط الإنسانية المشتركة مع المملكة. ويكمن هدفنا المشترك في زيادة حجم المبادلات التجارية، والتوسع في نطاق مكوناتها من السلع الأساسية التي يرى الجانبان أنها لا تتسق مع الإمكانات الكبيرة المتوفرة لدى البلدين.
ومن دواعي سروري أن العمل المشترك بين البلدين قد بدأ في تحقيق جملة من الثمار العملية الملموسة، فلقد اتُخذ عدد من الترتيبات المهمة في الآونة الأخيرة، وتم تحديد المجالات التي تستأثر بالأولوية والاهتمام. كما أود الإشارة على وجه الخصوص في هذا الصدد إلى العمل المثمر والبناء للجنة الثنائية بين حكومتي البلدين بشأن قضايا التجارة، والاقتصاد، والتعاون العلمي والتكنولوجي، فضلاً عن الاتصالات المباشرة بين الوزارات المعنية والاتحادات التجارية في البلدين. كما أننا نولي اهتماماً كبيراً لجهود تعزيز الأطر القانونية ذات الصلة.
وتشارك الرياض وموسكو في تنفيذ اتفاقيات «أوبك - بلس» لخفض إنتاج النفط العالمي. ونرى أنه من المهم للغاية مواصلة تنسيق الجهود مع الشركاء في المملكة العربية السعودية في هذا الصدد.
أما بالنسبة إلى الأزمات الإقليمية الراهنة فيرى البلدان أنه لا بديل فعلياً عن الحلول المستدامة والدائمة من خلال فقط الوسائل السياسية والدبلوماسية عبر الحوار الوطني الشامل والقائم على أسس راسخة ومتينة من القانون الدولي.
وهذه المسائل، وغيرها، من المسائل ذات الصلة ستكون محل النقاش العميق المرتقب على جدول الأعمال الثنائي والدولي خلال الزيارة المقبلة لخادم الحرمين الشريفين إلى روسيا، بناء على دعوة رسمية موجهة من الرئيس فلاديمير بوتين. ونحن على قناعة بأن هذا الحدث الذي يمثل انعطافة حقيقية في علاقاتنا سينتقل بالتعاون بيننا إلى مستوى جديد تماماً، ويحقق مساهمة عميقة الفائدة في استقرار منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
> اسمحوا لي بسؤالكم عن روسيا، بصفتها اللاعب الرئيسي في سوريا. هل بلغت الأزمة السورية مرحلة البحث عن حل سياسي؟ وما الحل في سوريا في تقديركم؟
- الصراع في سوريا مستمر منذ سنوات عدة. وأصرت روسيا، منذ بدايات الأزمة السورية، على الحل بالوسائل السلمية من خلال الحوار الموسع بين مختلف الأطراف في سوريا. كما دعونا المجتمع الدولي إلى مد يد المساعدة إلى الشعب السوري لإنهاء العنف وإراقة الدماء، والحيلولة دون دعم المجرمين والإرهابيين في الداخل السوري.
واتخذت جامعة الدول العربية، وكثير من الأطراف الإقليمية والدولية، قراراً بتجريد الرئيس السوري بشار الأسد من شرعيته لجملة من الأسباب المتنوعة. ومن خلال ذلك، فإنهم قد اعتدوا عملياً على حق الشعب السوري في تقرير من سيحكم سوريا وبأي طريقة. نحن نختلف وبشدة مع هذا المنهج. كما أننا، وفي مختلف المحافل الدولية، قد أيدنا وعلى الدوام استقلال الجمهورية العربية السورية، ووحدتها، وسلامة أراضيها. وذكرنا بأن مصير سوريا ومستقبلها يجب أن يرجع إلى الشعب السوري بنفسه وبطريقة قانونية تماماً ومن خلال حوار وطني.
وفي سياق الصراع السياسي الداخلي، فإن التطرف في سوريا قد بلغ مستويات هائلة. وقد اهتز العالم بأسره للفظائع اللاإنسانية التي يرتكبها تنظيم داعش الإرهابي وغيره من الكيانات الإرهابية الأخرى. ولقد امتدت التهديدات الإرهابية الناجمة عن الإرهابيين الموجودين في سوريا إلى خارج البلاد وطالت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأسرها.
ولقد اتخذت روسيا قرارها بمساعدة الحكومة السورية بناء على طلب من الأخيرة، بهدف تخليص البلاد من الإرهابيين. وفي الوقت نفسه، فإننا لا نزال نعتقد أن الحملة العسكرية ضد المتطرفين يجب أن تترافق مع البحث عن حل سياسي للأزمة. وسعياً وراء هذه الغاية، فإننا نواصل مكافحة الجماعات الإرهابية في الداخل، مع تعزيز جهودنا لوقف إراقة الدماء، وتوفير المساعدات الإنسانية للسكان، وتكثيف العملية السياسية على النحو المنصوص عليه في قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم «2254».
نرى أن الاجتماعات الدولية حول سوريا في آستانة خطوة مهمة نحو تسوية الصراع السوري. وفي إطار عملية آستانة بمشاركة وفد حكومة الجمهورية العربية السورية، إلى جانب ممثلي جماعات المعارضة المسلحة، وافقت الأطراف المعنية على أنه لا بديل عن التسوية السياسية والدبلوماسية تحت رعاية الأمم المتحدة، وأعربت عن التزامها بوقف إطلاق النار. وإضافة إلى ذلك، وضعت آلية التنسيق الكفيلة بمراقبة وقف إطلاق النار ودخلت حيز التنفيذ الفعلي، وحُددت مناطق خفض التصعيد الرامية إلى ضمان تطبيع الأوضاع في الداخل، وتسوية المشكلات الإنسانية العاجلة، وعودة اللاجئين، والمحافظة على وحدة سوريا ككل.
واليوم، يجب على جميع الجهات الفاعلة التخلي عن أطماعها الجيو - سياسية الخاصة والمساهمة الكاملة في إعادة الاستقرار والأمن في سوريا وأرجاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كافة. وفيما يلي أهم بنود جدول الأعمال: إعادة بناء البنية التحتية المدمرة خلال الصراع، ورفع العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب التي فرضتها دول عدة على سوريا، وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ولا تزال التسوية السياسية على أساس قرار مجلس الأمن الدولي رقم «2254» عبر الحوار الشامل بين السوريين أهم مجالات العمل لتجاوز الأزمة السورية الراهنة. والهدف من وراء هذه التسوية توطيد الاتجاهات على أرض الواقع، وإنهاء المواجهات المسلحة. وفي هذا الصدد، أود التأكيد على أهمية الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية لتشكيل وفد المعارضة السورية الذي قد يصبح شريكاً منصفاً لوفد الحكومة السورية في المحادثات التي تجرى برعاية الأمم المتحدة في جنيف.
> تحظى روسيا بعلاقات جيدة مع تركيا وإيران. كيف ترى موسكو دور هذين البلدين في سوريا والعراق؟
- تولي روسيا أهمية كبرى للتعاون مع تركيا وإيران في إطار تسوية الأزمة السورية ومساعدة بغداد على مواجهة التهديدات الإرهابية الصادرة عن تنظيم داعش. ونحن نعتقد أن الجهود المشتركة بين روسيا وتركيا وإيران قد نجحت في تغيير الأوضاع في سوريا على نحو أفضل، ودمرت مراكز مقاومة «داعش» و«جبهة النصرة» وغيرهما من الجماعات الإرهابية، وكفلت الظروف اللازمة لإجراء حوار واسع وبناء بين الأطراف السورية المعنية حول مستقبل النظام السياسي في البلاد.
ومن أحدث الأمثلة على التفاعل المثمر والوثيق بين الدول الثلاث اتفاقيات الاجتماع الدولي السادس بشأن التسوية السورية الذي عقد في آستانة في 14 و15 سبتمبر الماضي، وسبل عمل منطقة نزع التصعيد في إدلب. وفي واقع الأمر، تم إيجاد الظروف الضرورية الرامية إلى إنهاء الحرب بين الأشقاء في سوريا، والقضاء التام على الإرهابيين وعودة الشعب السوري إلى الحياة السلمية. وتهدف الخطوات المتخذة بالتنسيق مع أنقرة وطهران إلى الحفاظ على وقف الأعمال القتالية في سوريا، وتعزيزه، والمساعدة على تسوية النزاع بالوسائل السياسية، وتخفيض مستويات العنف، وتحسين الأوضاع الإنسانية هناك بشكل كبير.
ويكشف التعاون العملي على الأصعدة كافة والاتصالات اليومية المشتركة بين مختلف الجهات أن تركيا وإيران تلعبان، وبالمعنى الكامل للكلمة، دوراً رئيسياً في ضمان استقرار الأوضاع في سوريا والعراق. ومع النظر إلى التحديات المعقدة ومتعددة الأبعاد التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط، فإننا نعتقد أن زيادة التفاعل السياسي الخارجي بين موسكو وأنقرة وطهران تخدم مصالح دول المنطقة كافة.
وإننا نعتزم مواصلة التبادل العميق للآراء والعمل النشط والفعّال مع الشركاء في تركيا وإيران، أولاً وقبل أي شيء، لمواجهة الكيانات الإرهابية في سوريا والعراق، والعمل على تطبيع الأوضاع بشكل مطرد في منطقة الشرق الأوسط بوجه عام.
ولقد نوقش هذا الأمر، بين جملة من الأمور، خلال المفاوضات بين الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره التركي في 28 سبتمبر. ولقد أكدا، على وجه الخصوص، التزامهما بالتمسك باتفاقيات آستانة، ومواصلة التعاون الوثيق بين وزارات الخارجية المعنية، فضلاً عن المؤسسات العسكرية والاستخباراتية، بغية تعميق تنسيق الإجراءات المشتركة الرامية إلى تسوية الأزمة في سوريا وحل المشكلات الإقليمية ذات الصلة.
> رغم المشاورات الجارية بين الولايات المتحدة وروسيا، تشهد العلاقات بين البلدين تردياً. هل تتوقع أن تعود العلاقات إلى سابق عهدها؟ وما السبب في رأيك وراء هذا التردي؟
- لا يقع اللوم على الروس فيما يتعلق بالتردي الراهن في العلاقات الروسية - الأميركية، وإنما يشكل هذا التراجع نتيجة مباشرة للسياسات التي انتهجتها إدارة (الرئيس الأميركي السابق باراك) أوباما والتي دمرت أسس التعاون فيما بيننا. إضافة إلى ذلك، زرعت هذه الإدارة قبل رحيلها قنابل زمنية وخلفتها وراءها لجعل الأمر أكثر صعوبة أمام الإدارة التي ستخلفها.
من جانبها، تقف روسيا على استعداد للبحث عن سبل جديدة، بالتعاون مع إدارة أميركية جديدة، لتحسين العلاقات بين البلدين على أساس مبادئ الثقة المتبادلة واحترام كل طرف مصالح الآخر. ولسوء الحظ، لا تزال علاقاتنا الثنائية أسيرة لمشاكسات المؤسسة الأميركية.
ومن الواضح أن الحملة المصطنعة المعادية لروسيا داخل الولايات المتحدة، التي تتضمن تكهنات بتدخل روسي مزعوم في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها الولايات المتحدة العام الماضي، تعوق بشكل خطير أي محاولة لتطبيع الحوار بين الجانبين. وثمة انطباع لا يمكن للمرء تجاهله حول أن البعض داخل واشنطن غير مرحب بالصورة التي عبر بها الشعب الأميركي عن إرادته، ويحاول إلقاء اللوم على عاتقنا عن إخفاقاته، ولا يتردد هؤلاء عن استغلال الورقة الروسية بكل صفاقة في خضم صراعاتهم السياسية.
أما نحن، فقد حرصنا على عدم الانسياق وراء العواطف ومارسنا ضبط النفس، خصوصاً أننا نأخذ في الاعتبار الواقع المعقد للمشهد السياسي الداخلي الذي يتعين على الإدارة الأميركية الجديدة العمل في إطاره. ومع هذا، لا يمكننا ترك كل ما يجري من دون رد منا على الإجراءات العدائية من عينة إقرار قانون «مكافحة أعداء أميركا» من خلال العقوبات.
ومع هذا، نأمل أن يسود صوت الحكمة في نهاية الأمر داخل واشنطن، وما زال من الممكن الحيلولة دون اندلاع مزيد من المواجهات بين الطرفين. ونحن من جانبنا نسعى حقاً وراء ذلك. كما أننا ندرك أن الولايات المتحدة وروسيا باعتبارهما قوتين كبريين تمتلكان أسلحة نووية، تتحملان مسؤولية خاصة تجاه الوضع العالمي العام، فيما يخص الحفاظ على الاستقرار والأمن العالميين. ويمكن النظر إلى مسألة استئناف موسكو وواشنطن الحوار بينهما حول عدد من القضايا الاستراتيجية في سبتمبر بعد أن ظل مجمداً منذ مطلع عام 2014، باعتبارها مؤشراً إيجابياً.
واللافت أنه لا تزال هناك إمكانات كبيرة غير مستغلة أمام التعاون الروسي - الأميركي على صعيد الشؤون الدولية في كثير من الجوانب. من ناحيتنا، نحث نظراءنا في الولايات المتحدة منذ أمد بعيد على بناء تنسيق حقيقي معنا في مجال مكافحة الإرهاب، وكذلك التعامل مع تحديات خطيرة أخرى، مثل انتشار أسلحة الدمار الشامل وتجارة المخدرات والجرائم السيبرية، ناهيك بتسوية الأزمات الإقليمية التي يعانيها العالم، ويبدو للأسف أن أعدادها لا تنحسر.
من ناحية أخرى، هناك فرص لتنفيذ مبادرات تعود بالنفع على الجانبين في مجالي التجارة والاستثمار. واللافت أن الشركات الأميركية تولي أهمية كبرى لوجودها داخل السوق الروسية وترغب في المشاركة في مشروعات تخدم مصالح الجانبين مع شركاء روس. في يونيو شارك وفد تجاري أميركي يمثل 40 شركة في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي، ليصبح بذلك الأكبر عدداً بين الوفود المشاركة. كما أن هامش الربح الذي تحققه الشركات الأميركية داخل روسيا أعلى بكثير من الأسواق الأخرى، علاوة على أن ظروف العمل إيجابية للغاية.
وعليه، فإن هناك أملاً في أن بمقدورنا التغلب على الأزمة المصطنعة الحالية على صعيد علاقاتنا، وإن كان مستقبل العلاقات بيننا لا يعتمد علينا نحن الروس فحسب، وإنما كذلك على الجانب الأميركي.
> كيف تقيّم أداء التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة الولايات المتحدة؟ وما حدود الدور الروسي في الحرب ضد التنظيم؟
- لن أخوض في تفاصيل، لكن أعتقد أنه ينبغي على المرء البدء بالقول إنه من منظور السوريين والقانون الدولي فإن هذا التحالف يتطفل على سوريا. من جانبها، تبدي الحكومة السورية تسامحاً إزاء هذا الأمر، ما دامت نشاطات التحالف موجهة ضد الإرهابيين داخل الأراضي السورية. بيد أننا تحدثنا علانية عن شعورنا بالقلق إزاء الإجراءات الجزئية التي تتخذها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ذلك أنه عندما يجري اتباع معايير مزدوجة ينقسم الإرهابيون إلى «أشرار» و«ليسوا أشراراً بما يكفي»، وعندما يأتي تجنيد التحالف أعضاءه على أسس سياسية، من دون اعتبار لموافقة مجلس الأمن على نشاطاته، فإن المرء لا يتوقع نجاح مثل هذا التحالف في محاربة الإرهاب بفعالية. في الواقع، إن الضربات التي شنتها القوات الجوية الروسية والجيش السوري هي التي دفعت «داعش» نحو التراجع.
إن نشاطات القوات التي تقودها الولايات المتحدة في سوريا تثير كثيراً من التساؤلات. في بعض الحالات، تشن هذه القوات ضربات ويقال إنها غير مقصودة ضد الجيش السوري، وبعدها تشن قوات «داعش» هجمات مضادة. وفي بعض الحالات، تشجع هذه القوات على نحو غير مباشر إرهابيين آخرين على مهاجمة مواقع استراتيجية استعادت دمشق سيطرتها الشرعية عليها مؤخراً، أو تعمد الدخول في استفزازات دموية ضد قواتنا. ناهيك بالهجمات الكثيرة «غير المقصودة» ضد البنية التحتية المدنية التي قتلت مئات المدنيين.
من جهتنا، فإن مشاركتنا في القتال ضد «داعش» ترمي إلى ضمان الأمن الوطني الروسي وتعزيز الأمنين العالمي والإقليمي. ونرى أن استخدام القوة وحده ليس كافياً للقضاء على الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إننا على قناعة بذلك. وتتمثل ميزة سياساتنا في أنها لا ترمي لخدمة أجندة خفية. وفي هذا الإطار، ننوي تعزيز جهودنا من أجل تسوية الأزمات والصراعات الكثيرة القائمة داخل المنطقة عبر سبل سياسية ودبلوماسية سلمية. كما أننا نرحب بكل من يرغب في المشاركة في هذا الجهد الصادق المشترك.



ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من ملك البحرين

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى (واس)
TT

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من ملك البحرين

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى (واس)

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

تسلَّم الرسالة، المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي، خلال استقباله بمقر الوزارة في الرياض، الخميس، الشيخ علي بن عبد الرحمن آل خليفة، سفير البحرين لدى السعودية.

المهندس وليد الخريجي لدى تسلّمه الرسالة من الشيخ علي بن عبد الرحمن (واس)

وجرى خلال الاستقبال، استعراض العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، ومناقشة الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.


عهد الملك سلمان والتحول الرقمي: من بناء الدولة الرقمية إلى السيادة في الذكاء الاصطناعي

الملك سلمان بن عبد العزيز شهد عهده نقلات في مختلف المجالات (واس)
الملك سلمان بن عبد العزيز شهد عهده نقلات في مختلف المجالات (واس)
TT

عهد الملك سلمان والتحول الرقمي: من بناء الدولة الرقمية إلى السيادة في الذكاء الاصطناعي

الملك سلمان بن عبد العزيز شهد عهده نقلات في مختلف المجالات (واس)
الملك سلمان بن عبد العزيز شهد عهده نقلات في مختلف المجالات (واس)

في ذكرى البيعة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تتجلى مسيرة تحوّل تاريخية نقلت السعودية من دولة تتعامل مع التقنية بوصفها وسيلة مكمِّلة إلى دولة رقمية يتكامل فيها الاقتصاد والمعرفة والذكاء الاصطناعي.

وشهدت سنوات الحكم منذ 2015، في عهد الملك سلمان، وبرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، سلسلة من الإصلاحات والتشريعات والمؤسسات التي أعادت هيكلة الدولة حول البيانات، والحوسبة، والابتكار لتصبح المملكة اليوم من أكثر الدول تطوراً في مؤشرات الحكومة الرقمية والحوكمة الرشيدة، وتدشّن مرحلة جديدة من السيادة الحاسوبية والذكاء الاصطناعي.

ومنذ انطلاق «رؤية السعودية 2030» في عام 2016، وضعت القيادة السعودية التكنولوجيا في صميم خطة التحول الوطني والتنويع الاقتصادي. والهدف لم يكن توفير خدمات إلكترونية فحسب، بل إعادة صياغة المجتمع والمؤسسات للاستفادة من معطيات العصر الرقمي.

المملكة والخدمات الرقمية

فقد أظهر مسح الحكومة الإلكترونية 2022 الصادر عن دائرة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية أن السعودية صُنِّفت في أعلى فئة لمؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية (EGDI) واحتلّت المرتبة 31 بين 193 دولة، فيما صُنِّفت مدينة الرياض ضمن أعلى المدن في جودة الخدمات عبر الإنترنت.

ويعكس هذا التصنيف حجم الجهود الحكومية في تحديث البنية التحتية للاتصالات والخدمات، ويبرز موقع المملكة في فئة الدول «مرتفعة جداً» في تقديم الخدمات الرقمية.

كما يوضح التقرير نفسه، أن التحول الرقمي وفق «رؤية 2030» يهدف إلى إعادة صياغة المجتمع السعودي بأفراده ومؤسساته للانطلاق إلى مستقبل قائم على المعرفة، مع التركيز على تحسين الخدمات الحكومية وتحفيز الاستثمار والابتكار. ويتوافق ذلك مع السعي إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة وخلق بنية تحتية ذات مستوى عالمي تدعم الاقتصاد الرقمي.

القيادة الرقمية في مواجهة الأزمات العالمية

شكّلت استضافة المملكة العربية السعودية لقمة مجموعة العشرين عام 2020 برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز محطة تاريخية جسّدت انتقال المملكة إلى مركز التأثير في إدارة القضايا العالمية، ليس سياسياً واقتصادياً فحسب، بل رقمياً أيضاً. فقد جاءت القمة في ذروة جائحة كورونا، وانعقدت عبر تقنيات الاتصال المرئي، لتكون أول قمة افتراضية لقادة أكبر اقتصادات العالم. هذا الحدث عكس نضج البنية الرقمية السعودية، وقدرتها على إدارة حدث دولي بهذا الحجم عبر منصات رقمية آمنة وموثوقة، كما أبرز دور القيادة السعودية في توظيف التقنية والبيانات في تنسيق الاستجابة العالمية للأزمة الصحية والاقتصادية.

وتحت رئاسة الملك سلمان، تحولت القمة إلى نموذج عالمي لكيف يمكن للدولة الرقمية أن تواصل القيادة وصناعة القرار حتى في أحلك الظروف، وهو ما ينسجم مع رؤية المملكة في بناء حكومة ذكية واقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

خادم الحرمين الشريفين يرأس أعمال القمة الافتراضية لقادة دول مجموعة العشرين 2020 (واس)

ترسيخ السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي

وفي سياق ترسيخ البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية، جاء إعلان الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) مطلع عام 2026 عن إطلاق وتشغيل مركز البيانات «هيكساجون» بوصفه أحد أكبر مراكز البيانات في المنطقة، وأكبر مركز بيانات حكومي في العالم، ليؤكد انتقال المملكة من مرحلة تبنّي التقنية إلى مرحلة امتلاكها وتوطينها.

فمركز «هيكساجون» لا يمثّل مجرد منشأة تقنية، بل يعد ركيزة أساسية في مشروع السيادة الرقمية، حيث يوفّر قدرات حوسبة عالية لتخزين ومعالجة البيانات الوطنية، ودعم تدريب النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، وتمكين الجهات الحكومية والقطاع الخاص من تطوير حلول ذكية داخل المملكة. يأتي هذا المشروع في إطار الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي التي أُطلقت في عهد الملك سلمان، ليجسّد عملياً رؤية القيادة في جعل البيانات والذكاء الاصطناعي من الممكِّنات الرئيسية للتنمية، وأدوات للريادة الاقتصادية، وحصناً لحماية القرار والسيادة في العصر الرقمي.

«سدايا» والذكاء الاصطناعي

ولتنفيذ أهداف «رؤية 2030»، أُعيدت هيكلة الدولة عبر إنشاء مؤسسات جديدة تتمحور حول البيانات والذكاء الاصطناعي، في مقدمها، الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وهي الركيزة المحورية؛ فهي جهة حكومية مستقلة تأسست بأمر ملكي في 30 أغسطس (آب) 2019 وترتبط مباشرةً برئيس الوزراء.

تتولى «سدايا» مسؤولية إدارة وتشغيل كل ما يتصل بالبيانات والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في المملكة، وتشرف على حماية البيانات الوطنية وتطوير الاستراتيجيات الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي.

من أعمال القمة العالمية للذكاء الاصطناعي بنسختها الثانية - سبتمبر 2022 (واس)

المبادرات المؤسسية: أطلقت «سدايا» بنك البيانات الوطني الذي دمج أكثر من 150 مجموعة بيانات حكومية لتقديم خدمات مبنية على البيانات، ومشروع سحابة «ديم» الحكومية التي تستضيف أكثر من 149 مركز بيانات حكومياً، وتوفر خدمات سحابية لأكثر من 40 جهة. خلال جائحة «كوفيد-19» طوَّرت «سدايا» خدمات مثل منصة «بروق» للاجتماعات الافتراضية، وتطبيق «توكلنا» وتطبيق «تباعد»، وأطلقت أيضاً خدمة «نفاذ» الموحدة للوصول الوطني.

السياسات: اعتمدت «سدايا» في سبتمبر (أيلول) 2020 خمس سياسات حوكمة وطنية للبيانات؛ تشمل سياسة تصنيف البيانات، وسياسة حماية البيانات الشخصية، وسياسة مشاركة البيانات، وسياسة حرية المعلومات، وسياسة البيانات المفتوحة. هذه السياسات تُعدّ إطاراً لازماً لتبادل البيانات بأمان وشفافية ولتطوير اقتصاد البيانات الوطني.

الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي: أطلقت «سدايا» الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى وضع المملكة ضمن أفضل 15 دولة في مجال الذكاء الاصطناعي، وأفضل 10 دول في البيانات المفتوحة، وأفضل 20 دولة في المساهمة بالبحوث العلمية؛ كما تسعى لتكوين أكثر من 20 ألف مختص وخبير في البيانات والذكاء الاصطناعي، وجذب استثمارات بقيمة 75 مليار ريال سعودي (نحو 20 مليار دولار) وتأسيس 300 شركة ناشئة في هذا المجال.

الحكومة الرقمية

وفي 9 مارس (آذار) 2021، قرر مجلس الوزراء إنشاء هيئة الحكومة الرقمية لتحل محل برنامج التعاملات الإلكترونية «يسّر»، وتصبح المرجع الوطني المنظّم لأنشطة الحكومة الرقمية.

ترتبط الهيئة برئيس الوزراء وتمتلك شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً. تتلخص مهامها في إعداد استراتيجية الحكومة الرقمية الوطنية، ووضع المعايير الفنية لنماذج التحول الرقمي، والإشراف على حوكمة السحابة الحكومية، وبناء القدرات الوطنية في مجال الحكومة الرقمية.

وتسعى الهيئة إلى جعل المملكة ضمن أفضل 10 حكومات رقمية في العالم، وتعمل على تشجيع الاستثمار في مشاريع الحكومة الرقمية عبر مركز الاستثمار والمشتريات الرقمية (سَدَف) الذي أطلقته عام 2022 لتعزيز مشاركة القطاع الخاص في المشاريع الرقمية ولتحويل نماذج الخدمات الفنية الحكومية من إنفاق رأسمالي إلى إنفاق تشغيلي.

إدارة مخاطر الأمن السيبراني

ولجعل الأمن السيبراني عنصراً رئيسياً في التحول الرقمي. أُنشئت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني عام 2017 بأمر ملكي، لتكون الجهة الوطنية المختصة بحماية المصالح الحيوية والبنية التحتية والخدمات الحكومية.

تتولى الهيئة تطوير وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، وإدارة مخاطر الأمن السيبراني عبر القطاعات، وتشغيل مراكز وطنية لرصد الحوادث والتصدي لها، وبناء القدرات الوطنية وإصدار المعايير والضوابط. هذا يعزز الثقة في البيئة الرقمية ويؤمِّن البنية التحتية ضد التهديدات المستمرة.

المملكة والحكومة الإلكترونية

وحققت السعودية قفزات ملحوظة في مؤشرات الحكومة الرقمية. فقد أظهر مسح الحكومة الإلكترونية 2022 الصادر عن دائرة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية تصنيف المملكة في أعلى مجموعة لمؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية لعام 2022.

وفي تقرير «مؤشر نضج الحكومة الرقمية» الصادر عن البنك الدولي لعام 2022، حصلت المملكة على المرتبة الثالثة عالمياً والأولى إقليمياً، مع معدل نضج 97.13 في المائة.

أظهر التقرير أن السعودية حققت درجات 96.29 في المائة في نظم الحكومة الأساسية، و97.93 في المائة في تقديم الخدمات، و96.62 في المائة في مشاركة المواطنين.

وأشاد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله السواحة بأن الإنجاز نتيجة لعمل تكاملي عالٍ بين الجهات الحكومية ضمن برامج التحول الرقمي التي تهدف إلى تحقيق «رؤية 2030».

حماية البيانات الشخصية

وأدركت السعودية أن بناء اقتصاد رقمي قوي يتطلب حماية خصوصية الأفراد وتنظيم مشاركة البيانات. ولذلك صدر نظام حماية البيانات الشخصية (PDPL) بموجب المرسوم الملكي رقم م/19 عام 2021، ودخل حيز التنفيذ في 14 سبتمبر 2023 مع فترة انتقالية لمدة عام تنتهي في 14 سبتمبر 2024.

يطبَّق النظام على الجهات داخل المملكة وكل من يعالج بيانات الأفراد السعوديين خارجها، ويُلزم الجهات بتسجيل نفسها بوصفها مراقِبة بيانات، وتعيين مسؤول حماية بيانات، واعتماد سياسات خصوصية واضحة، وإجراء تقييمات للأثر، واتباع إجراءات صارمة لنقل البيانات عبر الحدود. ويحظر استخدام البيانات الحساسة لأغراض التسويق، وينص على مبادئ المشروعية والشفافية وتقليل البيانات. صدور النظام وتنظيمه عبر «سدايا» يؤكد التزام الدولة بحماية الحقوق الرقمية للمواطنين والمقيمين.

وحملت استراتيجية البيانات والذكاء الاصطناعي وتطوير الكفاءات الوطنية في السعودية، مجموعة من المرتكزات تمثَّلت في تعميق الاقتصاد الرقمي عبر المبادرات الوطنية، من خلال إطلاق مبادرات وبرامج تدعم التحول الرقمي عبر القطاعات.

مواجهة «كورونا» بـ«توكلنا» و«تباعد»

وخلال جائحة «كوفيد-19»، أطلقت «سدايا» تطبيقَي «توكلنا» و«تباعد» لإدارة تصاريح التنقل والرصد الصحي، وأنشأت تطبيق «بروق» لعقد الاجتماعات الحكومية الافتراضية. هذه التقنيات أثبتت استعداد البنية الرقمية للتعامل مع الأزمات غير المتوقعة.

علاوة على ذلك، طورت «سدايا» أكاديمية «سدايا» لتدريب الكفاءات الوطنية، وهي تستهدف دعم وتطوير الكفاءات في القطاعين الحكومي والخاص عبر برامج متنوعة بالتعاون مع جهات محلية وعالمية.

وأكد رئيس «سدايا» الدكتور عبد الله الغامدي، أن تطوير الكفاءات الوطنية في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي عنصر أساسي لسد احتياجات هذا القطاع الحيوي.

المنظمة الدولية للتعاون الرقمي

إضافةً إلى الاندماج الدولي والتحالفات الرقمية، لعبت السعودية دوراً دولياً عبر المنظمة الدولية للتعاون الرقمي (DCO) التي أُطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ضمَّت المنظمة عند تأسيسها الأردن والكويت والبحرين وباكستان، وارتفع عدد أعضائها لاحقاً إلى 11 دولة.

وتتخذ المنظمة من الرياض مقراً لها، وتهدف إلى تمكين الازدهار الرقمي للجميع عبر تطوير السياسات وأفضل الممارسات. وحظيت المنظمة بإشادات من مسؤولي الأمم المتحدة الذين أكدوا أن لديها إمكانية لبناء القدرات الرقمية وتبادل التجارب. هذا الدور الدولي يعكس رغبة المملكة في قيادة التعاون العالمي في الاقتصاد الرقمي.

الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» طارق أمين مع المديرة الإدارية ونائبة الرئيس لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا تانوجا رانديري بـ«أمازون ويب سيرفس (aws)» خلال توقيع الشراكة لنشر ما يزيد على 150 ألف مسرع للذكاء الاصطناعي

الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني

كما جرى تطوير التشريعات والسياسات؛ فإلى جانب نظام حماية البيانات الشخصية، تعمل الهيئات السعودية على تطوير معايير وضوابط الأمن السيبراني، إذ أطلقت السعودية الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني التي تعتمد ستة محاور: التوحيد، والإدارة، والضمان، والدفاع، والشراكة، والبناء. وتهدف إلى تعزيز النضج السيبراني، وحماية الشبكات والأنظمة وتعزيز الابتكار. كما أصدرت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني مجموعة من ضوابط الأمن السيبراني الأساسية (ECC) المحدَّثة لعام 2024، لضمان الامتثال للمعايير العالمية مثل: NIST، وISO 27001.

السحابة الحكومية

من ناحية أخرى، تنظم هيئة الحكومة الرقمية معايير السحابة الحكومية، وتشرف على استخدام الموارد، وتعمل على تجنب ازدواجية المشاريع، كما أن مركز «سَدَف» يستهدف رفع نسبة المشتريات عبر الاتفاقيات الإطارية وتحويل الخدمات الرقمية إلى نموذج تشغيلي. هذه المبادرات تدعم كفاءة الإنفاق وتعزز مشاركة القطاع الخاص.

من الاستخدام إلى الإنتاج... الذكاء الاصطناعي وإدارة الحشود

وأدى التحول الرقمي إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والحيوية. وتستخدم وزارة الداخلية تقنيات تحليل البيانات وإدارة الحشود لتنظيم موسم الحج والعمرة، وجرى تطوير منصات للتنبؤ بالاكتظاظ وحماية السلامة. في قطاع الصحة، وأسهمت منصة «توكلنا» ونظام «موعد» وتطبيقات تحليل الأشعة في تحسين تشخيص الأمراض وتسريع الحصول على الخدمات. كما طوَّرت وزارة النقل خوارزميات لإدارة حركة المرور وتقليل الحوادث. ومن خلال مشروع المدن الذكية، كما تعمل المملكة على بناء بنى تحتية تستخدم الإنترنت والأجهزة الذكية لجمع البيانات وتحليلها لتحسين الخدمات البلدية والطاقة والمياه.

المركز الأول عالمياً

وإلى جانب تصنيف البنك الدولي، أشارت هيئة الحكومة الرقمية في «سعوديبيديا» إلى أن المملكة احتلت المركز الأول عالمياً في مؤشر استراتيجية الحكومة للذكاء الاصطناعي الصادر عن مؤسسة «تورتواس إنتليجنس» عام 2023. ويقيس هذا المؤشر أداء أكثر من 60 دولة في مجال الذكاء الاصطناعي. يعكس التصنيف تفوق المملكة في إعداد السياسات، وتطوير الكفاءات، وتبني التقنيات، مما يؤكد أن الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي بدأت تؤتي ثمارها.

الشراكة السعودية - الأميركية في الذكاء الاصطناعي... مركزاً عالمياً للتقنية

في 12 مايو (أيار) 2025، قبيل زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمملكة، أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إطلاق شركة «هيوماين HUMAIN» لتطوير وإدارة تقنيات الذكاء الاصطناعي. وحسب الإعلان، تهدف الشركة -المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة- إلى تقديم خدمات ومنتجات للذكاء الاصطناعي تشمل مراكز بيانات وحوسبة سحابية ونماذج متقدمة، وإلى جعل المملكة مركزاً عالمياً للتقنية. وجاء إطلاق «هيوماين» بالتزامن مع زيارة ترمب التاريخية، وكان الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي في الرياض.

تأتي هذه الخطوة في سياق «رؤية 2030» الرامية إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وإلى تطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي تستقطب الشركات العالمية وتدعم الابتكار المحلي. شركة «هيوماين»، تعمل تحت إشراف صندوق الاستثمارات العامة على توفير خدمات مراكز بيانات وسحابة وبنية تحتية ونماذج ذكاء اصطناعي متقدمة.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتبادلان اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بعد توقيعها في الرياض - 13 مايو 2025 (أ.ف.ب)

وأثمرت زيارة الرئيس الأميركي ترمب عدداً من الاتفاقات التقنية والاستثمارات المشتركة. حيث إن وزارة التجارة الأميركية سمحت بتصدير ما يصل إلى 35 ألف شريحة من سلسلة «Blackwell» الخاصة بشركة «إنفيديا Nvidia (GB300)» إلى شركتي «G42» الإماراتية و«هيوماين» السعودية. ترتبط هذه الشرائح ببناء مراكز بيانات ضخمة في البلدين، وهي دليل على الثقة الأميركية في الطموح السعودي للذكاء الاصطناعي. وتشير التقارير إلى أن «هيوماين» أعلنت خططاً لشراء 600 ألف شريحة «إنفيديا» إضافية، وأنها تعتزم بالتعاون مع شركة «xAI» المملوكة لإيلون ماسك إنشاء مراكز بيانات بقدرة 500 ميغاواط في المملكة.

شراكة استراتيجية للذكاء الاصطناعي

هذه الصفقات تواكب إعلان الولايات المتحدة والسعودية شراكة استراتيجية في الذكاء الاصطناعي خلال منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي. وتهدف الشراكة إلى بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل المملكة، وتوفير وحدات معالجة الرسوميات المتقدمة، وتطوير أبحاث مشتركة وتطبيقات في مختلف القطاعات. كما أعلنت شركات أميركية كبرى (مثل: AMD، وأوراكل، ومايكروسوفت) التزامها باستثمارات بمليارات الدولارات في مراكز البيانات والخدمات السحابية، مما يضع السعودية على خريطة القوى العالمية المنتجة للذكاء الاصطناعي.

من الاستخدام إلى الإنتاج

وتُمثل زيارة الرئيس ترمب وتدشين «هيوماين» مرحلة التحول من الاستخدام إلى الإنتاج في مسيرة الذكاء الاصطناعي السعودية. فبعد أن نجحت المملكة في بناء بنية تحتية رقمية وتشريعية متماسكة، أصبحت قادرة على الدخول في شراكات دولية مع شركات التقنية الكبرى لتطوير تقنيات محلية وإقليمية. الحراك الذي شهدته الرياض عام 2025 لا يعكس مجرد صفقات تجارية، بل يؤشر إلى تغيّر دور السعودية من مستهلك للتقنية إلى منتج ومصدّر لها، وهو ما يتفق مع «رؤية 2030» في تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد معرفي.

«هيوماين» نموذج للسيادة الحاسوبية

تأسيس شركة «هيوماين» يعد خطوة مفصلية في مسيرة الذكاء الاصطناعي السعودي. فالشركة رمز لانتقال المملكة من استيراد الحلول إلى امتلاك البنية التحتية والنماذج اللغوية والتقنيات. ستعمل «هيوماين» تحت مظلة صندوق الاستثمارات العامة على تقديم خدمات الذكاء الاصطناعي، وبناء مراكز بيانات ضخمة، وتطوير نماذج لغوية متقدمة.

وتهدف الشركة إلى تحقيق عدة محاور:

- تطوير نماذج لغوية عربية ضخمة تخدم مئات الملايين من الناطقين بالعربية، وتعزز سيادة المملكة على بياناتها ولغتها.

- إنشاء بنية حوسبة فائقة داخل المملكة لتدريب النماذج وتشغيلها محلياً دون الاعتماد على مراكز خارجية، بما يعزز الحماية والسيادة الرقمية.

- إطلاق خدمات ومنصات ذكاء اصطناعي لمختلف القطاعات الحكومية والاقتصادية، مما يدعم التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة.

- عقد شراكات دولية مع شركات التقنية مثل: «إنفيديا» و«AMD» و«مايكروسوفت» و«أوراكل»؛ لتطوير تقنيات مشتركة وتوطين سلسلة القيمة.

إلى جانب ذلك، تُسهم «هيوماين» في تنمية القدرات البشرية عبر توفير فرص عمل متقدمة، وتدريب علماء ومهندسين سعوديين في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وربط البحث العلمي بالتطبيق الصناعي. هذا يجسد انتقال المملكة إلى مرحلة السيادة الحاسوبية التي تقاس بامتلاكها البنية الفائقة والقدرة على تطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي محلياً.

ويُظهر استعراض مسيرة التحول الرقمي في عهد الملك سلمان أن المملكة لم تكتفِ بتحديث خدماتها الحكومية، بل أسست دولة رقمية متكاملة ترتكز على البيانات والتشريعات والتقنيات المتقدمة.

جاء إنشاء «سدايا»، وهيئة الحكومة الرقمية، والهيئة الوطنية للأمن السيبراني، ليشكل منظومة حوكمة رقمية شاملة تستند إلى سياسات حماية البيانات ومعايير الأمن والتكامل بين الجهات. لقد انعكس ذلك في تبوؤ المملكة مراتب متقدمة في المؤشرات الدولية للحكومة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وفي قيامها بدور محوري في التعاون الدولي عبر منظمة التعاون الرقمي.


نجاحات رغم التحديات... عقد جديد من حكم الملك سلمان

الملك سلمان قاد الرياض عندما كان أميراً لها إلى التحول الكبير الذي طرأ على المدينة خلال أكثر من نصف قرن (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان قاد الرياض عندما كان أميراً لها إلى التحول الكبير الذي طرأ على المدينة خلال أكثر من نصف قرن (دارة الملك عبد العزيز)
TT

نجاحات رغم التحديات... عقد جديد من حكم الملك سلمان

الملك سلمان قاد الرياض عندما كان أميراً لها إلى التحول الكبير الذي طرأ على المدينة خلال أكثر من نصف قرن (دارة الملك عبد العزيز)
الملك سلمان قاد الرياض عندما كان أميراً لها إلى التحول الكبير الذي طرأ على المدينة خلال أكثر من نصف قرن (دارة الملك عبد العزيز)

تحل يوم الجمعة الذكرى الحادية عشرة لتولي الملك سلمان بن عبد العزيز، مقاليد الحكم في بلاده وسط منجزات لافتة في مختلف المجالات، وحضور محلي وإقليمي وعالمي، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتقنياً واجتماعياً، وشهدت السنوات الـ11 الماضية نقلة كبيرة تحولت البلاد معها إلى ورشة عمل طالت كل شيء لتحقيق مستهدفات الرؤية الوطنية والمضي في مسارات التحديث والتنوع.

وُصِف الملك سلمان بأنه «حاكم الرياض»، وهي صفة لم تطلَق على أمراء المناطق الآخرين، مما يعني أنه وُلد حاكماً، ويملك جينات الحاكم منذ أن كان أميراً على الرياض، كما يوصف بأنه أمين سر أسرة الحكم، ومبعوث الملوك ومستشارهم الخاص، بل كان يُستقبَل في الدول التي يزورها، حينما أوكلت إليه كثير من المهام السياسية من ملوك السعودية كحاكم، وزاد على ذلك بتوكيله بتوقيع اتفاقات ومذكرات التفاهم مع عدد من العواصم في مختلف الدول، وترأس وفود بلاده إلى كثير من المحافل الإقليمية والعالمية.

ونظراً لكونه أميراً للرياض فترة طويلة، فقد توسَّعت دائرة حضوره عند كثير من زعماء الدول ورؤساء الحكومات والزعامات السياسية والثقافية، ولعبت العاصمة السعودية الرياض إبان إمارته دوراً مهماً ولافتاً في صناعة خريطة الاهتمام بالقرار السعودي نظراً لما استضافته من زوار، وزعامات سياسية، وقمم ومؤتمرات.

الملك سلمان خلال زيارته مكتبه السابق بقصر الحكم عندما كان أميراً لمنطقة الرياض - 10 نوفمبر 2022 (واس)

وعندما تمَّت مبايعته ملكاً لبلاده في 23 يناير (كانون الثاني) 2015، أي قبل 11 سنة، حمل لقب خادم الحرمين الشريفين، وأنجز إصلاحات كبرى كانت محل تقدير العالم.

الرياض وجهة العالم المتحضر

كان هاجس الملك عبد العزيز عندما استقرت الأمور في بلاده وجعل الرياض عاصمة لها، أن يحولها إلى مدينة عصرية تليق ببلاده الناشئة، فوقع اختياره على ابنه الأمير سلطان ليكون أميراً لمدينة الرياض وذلك عام 1946، وكان من أهم المشروعات التي أخذت الأولوية في ذلك الوقت هو إجراء أول إحصاء رسمي للمواطنين والسكان، إضافة إلى تقسيم مدينة الرياض إلى عدة مناطق، ووصلت عام 1952 إلى عشر مناطق، وقد تولى إمارة منطقة الرياض على التوالي كل من: الأمير ناصر بن عبد العزيز، والأمير سلطان بن عبد العزيز، والأمير نايف بن عبد العزيز، وفي يوم الثلاثاء 11 رجب عام 1373هـ، صدر أمر ملكي بتعيين الأمير سلمان بن عبد العزيز (حينها)، أميراً لمنطقة الرياض بالنيابة، تلاه أمر ملكي في 25 شعبان من عام 1374هـ، بتعيينه أميراً لمنطقة الرياض.

قاد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، عندما كان أميراً للرياض خلال نحو 6 عقود، التحول الذي طرأ على العاصمة التي تعد أسرع مدن العالم نمواً، حيث تحولت خلال هذه الفترة من بلدة صغيرة تحيطها الأسوار إلى مدينة عصرية، وأضحت إحدى الحواضر ذات التأثير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي خلال العصر الحالي ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على المستوى الإقليمي والدولي.

الملك سلمان قاد الرياض عندما كان أميراً لها إلى التحول الكبير الذي طرأ على المدينة خلال أكثر من نصف قرن (دارة الملك عبد العزيز)

سجل عهد خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، ولأول مرة في تاريخ السعودية حدثَين عالميَّين مهمَّين لا يفصل بينهما سوى أربع سنوات، باستضافة معرض «إكسبو الرياض الدولي 2030»، و«كأس العالم» عام 2034.

يشكّل «معرض إكسبو الدولي» الذي تستضيفه الرياض منصة فريدة يتم من خلالها استعراض أبرز الابتكارات والتقنيات الحديثة وإسهاماتها في تذليل العقبات التي تواجه كوكب الأرض في مختلف المجالات، ويتزامن عقد المعرض مع التاريخ المحدد لـ«رؤية المملكة 2030»، كما حصل ملف استضافة السعودية لكأس العالم 2034 على تقييم بلغ 419.8 من 500، وفقاً لإعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في 11 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، ويُعد أعلى تقييم فني يمنحه الاتحاد الدولي عبر التاريخ لاستضافة هذه البطولة العالمية.

ولي العهد مع الفريق الفني للهيئة الملكية لمدينة الرياض المسؤول عن ملف «معرض إكسبو الدولي» (واس)

شهد العهد السلماني خلال عقد، إنجازات معاصرة في جميع النواحي؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغيرها، وتحوّلت بلاده إلى ورشة عمل لخلق مستقبل الدولة.

ولتحقيق هذه الإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية، شهد عهد الملك سلمان تأسيس عدة كيانات تهتم بالتقنيات الحديثة والدقيقة، منها تأسيس شركات تقنية متخصصة، وكيانات حكومية لتعزيز مكانة السعودية في التقنيات المتقدمة.

وشهد عهد الملك سلمان تأسيس جهات حكومية للإشراف على تنظيم وتطوير هذه التقنيات المتقدمة، منها تأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، التي تأسست عام 2019، وأسهمت في تطوير عدة مشروعات ومنصات متقدمة، وتطوير الكوادر السعودية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، وكذلك أُسست في عهد الملك سلمان «الهيئة الوطنية للأمن السيبراني» عام 2017، التي عزّزت تصنيف المملكة في المؤشر العالمي للأمن السيبراني؛ حيث احتلت المرتبة الـ13 عالمياً، والأولى عربياً في عام 2019. إضافةً إلى غيرها من الهيئات الحكومية المتخصصة والمهتمة بالبحث والتطوير، مثل الهيئة العامة للتطوير الدفاعي، والهيئة العامة للصناعات العسكرية، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار.

مجلس الوزراء وافق خلال جلسة برئاسة الملك سلمان على إنشاء الهيئة العامة للتطوير الدفاعي - سبتمبر 2021 (واس)

اقتصاديات المستقبل

في مجال إنشاء الشركات المتخصصة، أنشئت عدة شركات في عهد الملك سلمان، متخصصة في تقنيات اقتصاديات المستقبل، ففي فبراير (شباط) من عام 2014 تم تأسيس الشركة السعودية للإلكترونيات (آلات) المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، والمتخصصة في صناعة وتطوير الإلكترونيات المتقدمة، مثل أشباه الموصلات، والأجهزة الذكية، والصناعات المتقدمة، وكذلك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

كما شهد العقد الماضي، الذي تولّى فيه الملك سلمان مقاليد الحكم في بلاده، استضافة وإطلاق المملكة عدداً من المؤتمرات العالمية، اهتمت بالتقنيات الحديثة، ففي شهر مارس (آذار) من العام الماضي، تم إطلاق النسخة الثالثة من مؤتمر «ليب»، الذي يعد أضخم مؤتمر ومعرض تقني يهتم بمستقبل التقنيات ودورها في ازدهار البشرية، وذلك بعد النسخة الأولى التي أقيمت في عام 2022، وتلتها النسخة الثانية في عام 2023.

وشهدت الرياض في سبتمبر (أيلول) الماضي القمة العالمية للذكاء الاصطناعي بنسختها الثالثة، وسط حضور دولي ومحلي لافت للإعلان عن عدد من الشراكات الدولية ومذكرات التفاهم والإطلاقات التي من شأنها تعزيز رؤى مستقبل هذه التقنية في المرحلة المقبلة.

الملك سلمان لدى إطلاقه 4 مشروعات نوعية كبرى في مدينة الرياض - مارس 2019 (واس)

كما تَعزّز دور السعودية في مسيرة الذكاء الاصطناعي وقيادة الجهود العالمية في هذا المجال المتقدم؛ حيث ناقشت القمة عدداً من الموضوعات في مجال الذكاء الاصطناعي والاستفادة من تقنياته وتأثيرها في المجتمع والاقتصاد. كما تهدف إلى تعظيم الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإلى إيجاد الحلول للتحديات الحالية لعدة قطاعات، مثل: المدن الذكية، وتنمية القدرات البشرية، والرعاية الصحية، والمواصلات، والطاقة، والثقافة والتراث، والبيئة، والحراك الاقتصادي.

وفي هذا الاتجاه، أعلنت وزارة الطاقة السعودية، على سبيل المثال، أنها سوف تنشئ إدارة عامة للذكاء الاصطناعي وتطوير الأعمال بهدف زيادة كفاءة الطاقة وتقليل الاستهلاك. في حين كشفت «أرامكو الرقمية» عن التعاون مع «غروك» -وهي منصة متكاملة من الأجهزة والبرمجيات توفر سرعة استثنائية في معالجة الذكاء الاصطناعي- لإنشاء أكبر مركز بيانات عالمي لاستقرار الذكاء الاصطناعي في السعودية.

وكانت القمة التي نظمتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، قد شهدت تجارب استثنائية وتفاعلية، وجذبت زواراً فاق عددهم 32 ألفاً من داخل المملكة وخارجها، إلى جانب مشاركة خبراء ومختصين وقادة في الذكاء الاصطناعي من حول العالم، للنقاش حول مستقبل هذه التقنية، وطرح الحلول الملهمة لخير البشرية.