خالد الفيصل: مستقبل الوطن مرتبط بالتعليم الجيد والاقتدار المعرفي

قال إن برنامج خادم الحرمين الشريفين يتضمن استحداث خمس وظائف بالمرتبة الممتازة وحوافز للمعلمين

وزير التربية والتعليم خلال المؤتمر الصحافي في جدة أمس (تصوير: عبد الله آل محسن)
وزير التربية والتعليم خلال المؤتمر الصحافي في جدة أمس (تصوير: عبد الله آل محسن)
TT

خالد الفيصل: مستقبل الوطن مرتبط بالتعليم الجيد والاقتدار المعرفي

وزير التربية والتعليم خلال المؤتمر الصحافي في جدة أمس (تصوير: عبد الله آل محسن)
وزير التربية والتعليم خلال المؤتمر الصحافي في جدة أمس (تصوير: عبد الله آل محسن)

أكد الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم أن من أهم أسباب انتشار الفكر المتشدد الذي وجد في الفترة السابقة في المدارس السعودية، إعطاء الفرصة لأصحاب هذا الفكر لوجودهم في ساحة التعليم، وخلو الميدان من منهج الاعتدال الديني السعودي، وقال: «تخلينا عن أبنائنا فخطفوهم منا»، مشيرا إلى أن المنطقة الإسلامية والعربية تعيش بين تيارين شديدين، وهما التيار «التكفيري» و«الإلحادي».
وأوضح الأمير خالد الفيصل خلال المؤتمر الصحافي للكشف عن تفاصيل برنامج العمل التنفيذي لدعم مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير التعليم في جدة أمس، أن المنطقة العربية والإسلامية حسب رأيه، تعيش بين تيارين شديدين، التيار التكفيري والتيار الإلحادي، وهذان التياران، يحيطان بالمنطقة الإسلامية والعربية، إذ أن هناك من يكفّر، وآخر يحاول التخلي عن الإسلام، وهذان الصراعان وجدا فراغا في السعودية، لأن المجتمع ترك الساحة لهما.
وقال وزير التربية والتعليم بأن المدارس السعودية في السابق، كانت تحتضن جميع الأنشطة لهذه الفئة من التيارين «التكفيري» و«الإلحادي»، وبالتالي لم توجد أنشطة معتدلة للفكر السعودي، الذي يتميز بالاعتدال منذ أن قامت عليه هذه البلاد، وهو أن نتمسك بالقيم والمبادئ الإسلامية، حيث بنينا عليها حضارتنا الإسلامية في استخدام كل وسائل التحضر والرقي والمعرفة الحديثة، مشيرا إلى أن الإسلام لا يرفض التحضر والتجديد والتطوير في الأنظمة والمناهج والحياة اليومية.
وشدد الأمير خالد الفيصل على ضرورة بناء الحضارة ومكتسبات الحياة العصرية على مبادئ وقواعد الإسلام التي قامت عليها البلاد، وهو ما يمثل منهج الاعتدال الذي وصفه بـ«الفذ».
وبين أن مستقبل هذه البلاد يأتي من خلال بناء شخصية الشباب على القواعد الإسلامية بالاستفادة من جميع مكتسبات العصر الحديث، وهو ما تسعى إليه وزارة التربية والتعليم، وذلك بالتركيز على الأنشطة وأندية الأحياء وإشغال أوقات الفراغ للطلاب والطالبات، وتحديد البرامج الرياضية والعلمية وتشجيع الإبداع.
وأوضح وزير التربية والتعليم، أنه جرى رفع هذا البرنامج للمقام السامي في مطلع مارس (آذار) الماضي، إذ غطى أربعة محاور رئيسية هي المعلم، والطالب، والتنظيم والإدارة والمباني المدرسية، حيث وجه المقام بدراستها من قبل الجهات ذات العلاقة من جهة، ودراسة التكاليف المقدرة مع وزارة المالية من جهة أخرى.
وأضاف: «حين اكتملت تلك الدراسات، صدرت موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز على البرنامج، وجرى تشكيل لجنة وزارية، أعلن عنها الأسبوع ما قبل الماضي».
وقال الأمير خالد الفيصل بأن مستقبل الوطن والمحافظة عليه وعلى مكتسباته وأمنه ونمو اقتصاده، مرتبط بالتعليم الجيد وبالاقتدار المعرفي والحضاري لأبنائه، وفي المقابل التعليم غير الجيد هو إحدى أهم المشكلات التي تواجهها الدول التي تتطلع إلى المستقبل الزاهر والتنمية المستدامة.
وزاد: «مخاطر ضعف التعليم وتأثيرها على المجتمع ترتبط باستهداف القوى والمؤثرات الداخلية والخارجية للمجتمع، وتتسبب في زيادة البطالة، وضعف الإنتاجية وتدني الناتج الإجمالي المحلي، وتؤثر على عدم تلبية متطلبات سوق العمل، ويؤدي إلى ارتفاع معدل الجريمة، ونسبة مستخدمي آفة المخدرات، وشيوع السلبية والتذمر والإحباط وانخفاض مستوى الرضا العام، ويشكل كذلك أعباء اقتصادية وضغوطا حادة ومقلقة على أي دولة».
وبشأن تفاصيل الدعم الملكي لبرنامج خادم الحرمين الشريفين، كشف وزير التربية والتعليم أن البرنامج يتضمن استحداث خمس وظائف بالمرتبة الممتازة لمديري التربية والتعليم في مناطق الرياض، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمنطقة الشرقية، ومحافظة جدة، وإحداث 11 وظيفة بالمرتبة الخامسة عشرة لبقية المناطق ومحافظتي الطائف والأحساء، وإحداث 29 وظيفة بالمرتبة الرابعة عشرة لمديري التربية والتعليم في بقية المحافظات.
وذكر الأمير خالد الفيصل أنه جرى تكليف اللجنة الوزارية للبرنامج لدراسة الجوانب التحفيزية والنظر في إيجادها لمديري المدارس، وكذلك حوافز أخرى للمعلمين والمعلمات المتميزين، واعتماد مبلغ خمسة مليارات ريال خلال الخمس سنوات المقبلة، حيث سيجري إيفاد نحو 25 ألف معلم ومعلمة للخارج للتدريب في مدارس الدول المتقدمة، للتعرف على أفضل الممارسات الحديثة في برامج تمتد لمدة عام.
وتمت الموافقة على افتتاح 1500 روضة أطفال، سيستفيد منها نحو 150 ألف طالب وطالبة، وإحداث ثلاثة آلاف وظيفة معلمة خلال خمس سنوات، وتغطية الفرق من الوظائف التي صدر بها الأمر السامي الصادر بتاريخ 29-5-1435هـ، وتعطى الأولوية للمدن الصغيرة، والأحياء المكتظة، وذوي الدخل المحدود.
وفي مبادرة مشروع ربط المدارس بشبكة الإنترنت والتعليم الإلكتروني، أعلن الأمير خالد الفيصل اعتماد مبلغ مالي نحو 1.2 مليار ريال، على مدى ثلاث سنوات، للبنية الأساسية وتشمل الشبكات الداخلية للمدارس، والربط بالإنترنت بسعات عالية لجميع المدارس بشكل كبير لتلبية متطلبات التعليم الإلكتروني، إضافة إلى دعم مالي للمعامل والفصول الذكية والتشغيل والصيانة بنحو 1.1 مليار ريال سنويا، حيث سيستكمل تجهيز جميع فصول المدارس، التي يبلغ عددها نحو 250 ألف فصل، بتقنيات الفصول الذكية.
وذكر أنه جرى تعزيز اعتماد بندي المستلزمات التعليمية، ونفقات النشاط الرياضي والثقافي بمبلغ مالي نحو 500 مليون ريال، ليصبح 1.8 مليار ريال سنويا، إذ يساهم التعزيز المالي في رفع إمكانيات المدارس ويضاعف ميزانياتها المخصصة، وكذلك أنشطة الطلاب الثقافية والمسرحية والأنشطة الرياضية، وسيؤمن للمدرسة احتياجاتها العاجلة واللازمة.
وكشف الأمير خالد الفيصل عن تكليف اللجنة الوزارية للبرنامج بدراسة استحداث وظائف للحراسات في المدارس، وذلك لإيجاد بدائل مناسبة.
وعن مبادرة مراكز الخدمات المساندة للتربية الخاصة، ذكر وزير التربية والتعليم، أنه جرى اعتماد مبلغ مالي نحو 1.5 مليار ريال خلال الخمس سنوات المقبلة، لـ15 مركزا حيث ستساهم في الاكتشاف والعلاج المبكرين، ودعم مواصلة هذه الفئة الغالية دراستهم قدر الاستطاعة.
وأضاف: «اعتمد مبلغ مالي نحو 350 مليون ريال سنويا، لأندية الحي لعدد ألف ناد للبنين والبنات، ومبلغ 50 مليون ريال سنويا، للأندية الموسمية لعدد نحو 800 ناد للبنين والبنات، إذ سيستثمر المجتمع المحيط بالمدرسة والطلاب على وجه الخصوص، مرافق المدرسة بعد تأهيلها في قضاء أوقاتهم بأنشطة مسائية متنوعة ثقافية ورياضية وترفيهية تمتد من الساعة الرابعة عصرا إلى التاسعة مساء».
وقال الأمير خالد الفيصل بأنه خصص مبلغ مالي نحو 1.5 مليار ريال للخمس سنوات المقبلة، لمدراس نوعية للموهوبين والموهوبات والمتميزين والمتميزات.
وأشار الوزير إلى أنه جرت الموافقة على إنشاء مبادرة وقف التعليم العام، بحيث لا يترتب عليه أي التزامات مالية على الخزينة العامة، وسيتم وضع تنظيم مناسب للوقف ودراسته، من قبل اللجنة الوزارية للبرنامج، تمهيدا لرفعه للمقام السامي.
وفيما يتعلق بمبادرة القسائم التعليمية، حيث يتولى القطاع الخاص تقديم الخدمة وتتولى الوزارة تغطية التكاليف وتقييم مستوى الخدمة، إذ اعتمد مبلغ مالي نحو 400 مليون ريال سنويا، لطلاب التربية الخاصة، بحيث يتم تقديم الخدمة من قبل القطاع الخاص للفئات التي لا يمكن تقديم خدمات لها من قبل الوزارة، من بينهم الطلاب التوحديون، وذوو متلازمة داون، وذوو العسر القرائي وغيرهم، إضافة إلى مبلغ مالي نحو 100 مليون ريال سنويا لطلاب رياض الأطفال.
وعن مبادرة المباني المدرسية، ذكر وزير التربية والتعليم، أنه اعتمد المبالغ التالية للمشاريع الحديثة الخاصة في مباني المدارس الجديدة، على النحو التالي، 42.5 مليون ريال لمشاريع المباني المدرسية لمدة خمس سنوات، ليجري بناء ما يقارب نحو 3200 مدرسة، ويستفيد منها أكثر من 1.5 مليون طالب وطالبة، أي ما يقارب 30 في المائة من طلبة السعودية، ومبلغ مالي نحو 3.7 مليون ريال لنزع ملكيات الأراضي لمدة خمس سنوات، ومبلغ مالي 5.5 مليون ريال، لتأهيل وترميم المباني لمدة خمس سنوات، ومبلغ مالي 2.5 مليون ريال للتجهيزات المدرسية، ووسائل الأمن والسلامة وتأمين المكيفات والبرادات لمدة خمس سنوات، ومبلغ مالي 2.5 مليون ريال لعقود التشغيل والصيانة والنظافة.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.