المعارضة التونسية تتمسك بشروطها للعودة إلى الحوار

تخوف من تداعي الأوضاع الليبية على الداخل التونسي

المعارضة التونسية تتمسك بشروطها للعودة إلى الحوار
TT

المعارضة التونسية تتمسك بشروطها للعودة إلى الحوار

المعارضة التونسية تتمسك بشروطها للعودة إلى الحوار

واصلت المعارضة التونسية مطالبتها باستقالة حكومة علي العريض والتراجع عن التعيينات في الإدارة، وتمسكت بهذه الشروط وعدتها أساسية قبل العودة إلى الحوار.
واستفادت حركة النهضة، حسب التحاليل السياسية، من أخطاء المعارضة في إدارتها للحوار والاستفادة من الوضع المتأزم. ولم تستفد قيادات المعارضة من حالات الضعف التي شهدتها حركة النهضة، خاصة بعد حادثة اغتيال شكري بلعيد في فبراير (شباط) الماضي، كأول اغتيال سياسي في تونس وتكرار الأمر مع النائب البرلماني محمد البراهمي يوم 25 يوليو (تموز) من السنة الحالية.
وفي هذا الشأن قال محمد الكيلاني رئيس الحزب الاشتراكي (حزب يساري تأسس بعد الثورة) في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن فشل المعارضة في تحقيق مطالبها وراءه غياب استراتيجية واضحة في التعامل مع الحكومة. وقال إن من بين الأخطاء القاتلة على حد تعبيره التي ارتكبتها المعارضة، مطالبتها في نفس الوقت بحل المجلس التأسيسي (البرلمان) وإسقاط الحكومة والتكفل بمهام إنقاذ البلاد. وأشار الكيلاني إلى السقف العالي للمطالب التي وضعتها أحزاب المعارضة ولم تتمكن من تحقيقها، وقال إن المعارضة تصرفت على أساس أن البلاد تمر «بوضع ثوري» والحقيقة أن تونس في ظرف انتقالي يتطلب عملية إصلاح بدلا من المواجهة والنزول إلى الشارع، والمطالبة بحل المؤسسة الدستورية الوحيدة التي انتخبها التونسيون.
ونفى رئيس الحزب الاشتراكي أن تكون المعارضة قد استفادت من أخطائها الماضية وقال إنها «لم تنتبه بعد إلى أخطائها»، وهي بذلك لم تقدر على إدارة التفاوض والبقاء في موقع القوة. وأشار إلى حالة الاستنزاف التي عاشتها الجماهير التونسية بنزولها في أكثر من مناسبة إلى الشارع للاحتجاج دون تحقيق مطالب ملموسة لفائدة التونسيين. وقال إن هذا الأمر «جعل حركة النهضة تحكم قبضتها على البلاد»، على حد قوله.
وبشأن مستقبل العلاقة بين الحكومة والمعارضة، قال الكيلاني إن حل الأزمة اليوم بات بين أيدي حركة النهضة التي استفادت من مسلسل الهجمات عليها وأدارت الأزمات السياسية المتتالية بحنكة ودهاء، على حد تعبيره.
في السياق ذاته، كشف حمة الهمامي، المتحدث باسم تحالف الجبهة الشعبية المعارض، عن جملة من الشروط الواجب توافرها لإعادة قاطرة الحوار إلى سكتها. وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن التراجع عن التعديلات التي أدخلت على المجلس التأسيسي، والاتفاق المسبق على شخصية رئيس الحكومة وضمان التزام كل من المجلس التأسيسي (البرلمان) ورئاسة الجمهورية بنتائج الحوار هي الشروط الأساسية لاستئناف الحوار من جديد بعد تعليقه من قبل الرباعي الراعي للحوار يوم 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.
ودعا الهمامي قيادات الرباعي الراعي للحوار إلى «صرامة أكبر في التعامل مع من يخرق وثيقة خارطة الطريق أو ينتهك بنودها». وتوقع الرباعي الراعي للحوار استئناف جلسات الحوار الرسمي بداية الأسبوع المقبل بعد الاتفاق المسبق حول المرشح لرئاسة الحكومة.
وحافظت المعارضة التونسية على تمسكها بـ«حزمة» الشروط تلك لاستئناف الحوار السياسي المعلق منذ أكثر من أسبوعين مع الحكومة وقالت إنها «لن تعود إلى الحوار» إلا بعد الاستجابة لتلك الشروط. وأعادت الجبهة الشعبية وهي من مكونات جبهة الإنقاذ المعارضة، اتهام حكومة «الترويكا» المشكلة من حركة النهضة وحزبي المؤتمر والتكتل، بالمناورة والتمسك بالحكم والابتعاد عن فكرة إنهاء الأزمة السياسية التي تفاقمت بعد اغتيال محمد البراهمي النائب في المجلس التأسيسي (البرلمان) في 25 يوليو المنقضي.
في غضون ذلك، أظهر أحدث استطلاع للرأي أجرته الجمعية التونسية «استشراف وتنمية» أن 76 في المائة من التونسيين عبروا عن عدم رضاهم الكلي على أداء الحكومة، وترتفع النسبة إلى 89 في المائة في ولايات (محافظات) الكاف وسليانة وجندوبة وباجة وزغوان، وهي المناطق الأكثر فقرا في تونس. ولم تسلم المعارضة من «سخط» التونسيين، فقد عبرت نسبة 73 في المائة منهم عن عدم رضاها عن أداء أحزاب المعارضة.
ولم تتجاوز نسبة الراضين عن الأوضاع الأمنية في تونس نسبة 44.5 في المائة، وعبرت نسبة 87.5 في المائة عن عدم رضاها عن الأوضاع الاقتصادية، وعبرت نسبة 81.5 في المائة من جانبها عن عدم رضاها عن الأوضاع الاجتماعية.
في غضون ذلك، تبدي تونس تخوفات جدية من انزلاق الوضع الأمني في ليبيا وتأثيره على الداخل التونسي. وتتابع القيادات الأمنية والعسكرية بأعين حذرة، المنحى الدراماتيكي الذي أضحى عليه النزاع المسلح بين الجماعات المتناحرة في ظل غياب شبه كلي لمؤسسات الدولة الليبية.
وحسب تقارير أمنية، فإن تونس تتخوف من إمكانية انتقال جزء من الأزمة من الأراضي الليبية إلى الداخل التونسي بعد فتح أبوابها لأكثر من مليون ليبي للاستقرار في تونس بعد الإطاحة بالنظام الليبي، وتوزع الليبيين أنفسهم بين موالين للنظام السابق ومساندين للثورة، وهو ما قد يكون سببا لاندلاع مواجهات بين الطرفين. كما تبدي تونس تخوفات من وجود امتدادات قبلية بين سكان المدن الصحراوية في كلا البلدين وإمكانية انزلاق الصراع المسلح بين الجماعات المتطرفة والجماعات القبلية هناك إلى تونس.
وفي هذا السياق، قال عبد الحميد الشابي، الخبير الأمني التونسي في مجال الإرهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن خيطا رهيفا يمنع تدهور الأوضاع الأمنية بين تونس وليبيا وإن تاريخ العلاقات المميزة بين الطرفين وفتح الأبواب أمام الليبيين الفارين من جحيم المعارك أثناء الإطاحة بنظام العقيد، من بين الأسباب التي منعت انزلاق العلاقة بين البلدين إلى حدود التصادم.
وأشار الشابي إلى حاجة التنظيمات الجهادية في المغرب الإسلامي إلى الأموال وانتباهها إلى أهمية ثروة النفط الليبي في تمويل عملياتها الجهادية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التضييقات المتكررة التي تعرفها تلك التنظيمات ومحاصرتها بتكوين «منطقة عسكرية عازلة» في الجنوب الشرقي التونسي وتضييق الخناق على عمليات التهريب، قد تكون من بين أسباب النزاع في المستقبل بين أكثر من طرف سياسي. وأفاد الشابي بأن ارتباط بعض التنظيمات الجهادية التونسية بمقاتلين في الجزائر ومالي والنيجر وليبيا، قد تكون محل قلق جماعي على الاستقرار الأمني في منطقة المغرب العربي برمتها.
وتلعب التهديدات التي أطلقها «أبو عياض» زعيم تنظيم أنصار الشريعة السلفي الجهادي المحظور بمهاجمة الجنوب التونسي، دورا حاسما في تنامي تلك المخاوف. ولم تعد القيادات الأمنية والعسكرية التونسية تأمن لمقولة إن تونس «أرض عبور» للجماعات الجهادية بعد استيطان مجموعات مسلحة في جبال الشعانبي وسط غربي تونس واستهداف قوات الأمن والجيش عبر زرع الألغام المضادة للأشخاص والعربات وتنفيذ هجمات مسلحة قاتلة.
ونبه محمد الصالح الحدري العقيد العسكري المتقاعد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى ضرورة تحليل كل الأحداث الأمنية والسياسية التي تحدث في الجارة الشرقية. ويرى أنه من السذاجة تبسيط الأمور وعدم الانتباه إلى الترابط التاريخي في المصالح بين البلدين. وأشار إلى احتضان ليبيا لأكثر من 80 ألف عامل تونسي قبل الثورة وعودة الآلاف منهم إلى ليبيا، وفتح تونس أبوابها أمام قرابة المليون ليبي، وهذا ما يجعل أبواب التأثير والتأثر مفتوحة على مصراعيها، على حد تقديره.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.