برمجيات «التعليم الشخصي» في صفوف المدارس... مزايا تثير الجدل

تسهل التركيز على الاحتياجات الخاصة بكل طالب بدل اعتماد المعايير العامة

برمجيات «التعليم الشخصي» في صفوف المدارس... مزايا تثير الجدل
TT

برمجيات «التعليم الشخصي» في صفوف المدارس... مزايا تثير الجدل

برمجيات «التعليم الشخصي» في صفوف المدارس... مزايا تثير الجدل

في المدرسة المتوسطة، عانى جونيور ألفارادو دائماً من صعوبة في عمليات الضرب وحصل على درجات متدنية في الرياضيات، إلى درجة أنه حين بدأ سنته الأولى في «واشنطن ليديرشيب أكاديمي»، مدرسة ثانوية في العاصمة، شعر بالخوف من عدم قدرته على بلوغ المستوى المطلوب.
ولكن أساتذته استخدموا التكنولوجيا لتحديد نقاط الضعف التي يعاني منها، وخصصوا له خطة تعليم ودربوه من خلالها. والأسبوع الماضي، مع انطلاق سنته الثانية في الهندسة، شعر ألفارادو أنه أكثر ثقة بمهاراته. ويقول ألفارادو (15 عاماً) في حديث نقلته وكالة «أسوشييتدبريس»: «بالنسبة لي، فإن (التعليم الشخصي) personalized learning يعني أن يتلقى الطالب دروسا في صفوف تناسب مستواه». وأضاف أن الأساتذة في هذه الصفوف يشرحون المسألة خطوة بخطوة، ببطء وبالوتيرة التي تناسب الطالب.
- دروس رقمية شخصية
المدارس تجاهد دوما لرفع معدلات التخرج من المرحلة الثانوية وملء الفجوة في معدلات النجاح الدائمة لدى الطلاب من الأقليات وأصحاب الدخل المتدني. وفيها يعتمد المعلمون دروس التكنولوجيا الرقمية في الصفوف كوسيلة لإحراز التقدم. ولكن الخبراء ينبهون إلى أن هذا المنهاج لا يزال بحاجة إلى المزيد من الاختبار، ويحذرون المدارس وأولياء الأمور من المبالغة في الاعتماد على الكومبيوتر.
إن استخدام التكنولوجيا في المدارس هو جزء من مفهوم أوسع للتعليم الشخصي الذي اكتسب شعبية واسعة في السنوات الأخيرة. إنه فلسفة تربوية ترتكز على الحاجات والفوائد الخاصة بكل طالب بدل اعتماد المعايير العامة. كما يتمتع هذا المنهاج بميزات أخرى: توفير بيئات مرنة للتعليم، ومسارات تعليم مخصصة، بالإضافة إلى ترك حرية القرار للتلميذ حول ما يريد أن يتعلمه والطريقة التي يريد أن يتعلم من خلالها.
في ظل إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، خصصت وزارة التعليم مبلغ 500 مليون دولار لبرامج التعليم الشخصي في 68 مدرسة تغطي ما يقارب نصف مليون طالب في 13 ولاية بالإضافة إلى مقاطعة كولومبيا. كما استثمرت المنظمات الكبيرة مثل «بيل وميليندا» مبالغ كبيرة في الأدوات التكنولوجية وغيرها من التطبيقات التي تركز على الطلاب.
- انتشار التعليم الشخصي
تقدر الجمعية العلمية لـ«ك - 12» للتعليم عبر الإنترنت The International Association for K - 12 Online Learning أن ما يقارب 10 في المائة من المدارس الأميركية الحكومية تبنت بعض أشكال التعليم الشخصي. وتخطط منطقة رود آيلاند لإنفاق مليوني دولار بهدف أن تصبح الأولى التي تحول التعليم في مدارسها إلى تعليم شخصي للجميع. كما اعتبرت وزيرة التعليم بيتسي ديبفوس أن التعليم الشخصي جزء من دفعة أكبر نحو التطور في الخيار المدرسي.
يقول الداعمون لهذه الفلسفة التربوية إن نموذج التعليم التقليدي الذي يعطي فيه المعلمون الدروس على اللوح الأسود، ومن ثم يجرون اختبارات لجميع الطلاب في الوقت نفسه عفى عليه الزمن، ولا يعكس صورة العالم الحديث.
يقول مفوض التعليم في رود آيلاند كين واغنر: «يحتاج الاقتصاد إلى طلاب يبدعون في حل المسائل الرياضية، ويركبون المعلومات، ويصوغون ويعبرون عن وجهة نظر. هذا هو النموذج الذي نسعى لبلوغه».
في مدرسة «واشنظن ليديرشيب أكاديمي»، يعتمد المعلمون على برمجيات وبيانات لمتابعة تقدم الطلاب واعتماد أسلوب التعليم الذي يسمح لهم بإتقان المواضيع كل بحسب النسق الذي يناسبه.
وهذا الشهر استخدم طلاب السنة الأولى في المدرسة برامج كومبيوتر للحصول على تشخيص مهاراتهم في اختبارات في الحساب والقراءة، ومن ثم استخدم الأساتذة البيانات لتطوير خطط التعليم الشخصي. وفي صف اللغة الإنجليزية مثلاً، يوكل الأساتذة إلى الطلاب الذين حصلوا على درجات متدنية في القراءة، قراءة الكتب أو المقالات نفسها التي أسندت لزملائهم، مع تخصيص تفسير الكلمات الصعبة في النصوص على شاشات أجهزتهم.
وقال جوزيف ويب، مؤسس المبدأ في المدرسة: «تقول لنا الأداة التكنولوجية: لدينا مشكلة يجب حلها لدى هؤلاء الأولاد، ويمكن البدء من هنا ومن ثم الانتقال إلى هناك؛ ليس علينا أن ننتظر قدوم المشكلة إلينا». تضم المدرسة ما يقارب 200 طالب، معظمهم من الأفرو - أميركيين المتحدرين من الأحياء الفقيرة التي تعيش تحت الخطر. وفي الصفوف، تتدلى رايات أفضل الجامعات في البلاد من السقف بالإضافة إلى ملصق كتب عليه عبارة «أنت قائد» على الباب. بناء على التقييم الوطني للعام الماضي، تحسنت درجات طلابها في الرياضيات كما تحسنت درجاتهم في القراءة، مقارنة بالمدارس التي حقق طلابها نتائج مشابهة في أول العام.
وكانت أيضاً واحدة من عشر مدارس فازت بمنحة 10 ملايين دولار في مسابقة محلية ممولة من قبل لورين باول جوبز، أرملة مؤسس آبل ستيف جوبز، هدفت إلى إعادة هيكلة مناهج المدارس الأميركية الثانوية.
- تجربة مثيرة للجدل
تتذكر نايا ماك نات (15 عاماً) والتي تأمل أن تصبح النسخة النسائية الأفرو - أميركية من بيل غيتس (مؤسس مايكروسوفت)، كيف أنها كانت تشعر بالملل وغياب التحدي في الصف الرابع، مما دفعها إلى التوقف عن أداء فروضها، وأدى إلى تراجع درجاتها.
وعن وجودها في الأكاديمية، تقول ماك نات التي أصبحت طالبة سنة أولى في المرحلة الثانوية، إنها لا تشعر بالملل لأنها تتلقى حوافز كبيرة. وتضيف: «العمل هنا يجعلك تشعر وكأنك تريد القيام بالمزيد، وأن تريد أن تعرف المزيد».
في صف الرياضيات، عملت التلميذة نفسها من خلال المعادلات التربيعية على اللابتوب. وحين أنهت ذلك، زودها النظام بمزيد من المسائل الصعبة التي حفزتها على خوض التحدي. تقول بريتني وراي، أستاذة ماك نات في مادة الرياضيات، إن التلميذة كانت عالقة بين التلامذة المتفوقين وبين أصحاب المستوى المتدني في مدرستها القديمة. وأضافت أنها في مدارس سابقة، لم تكن قادرة على تحديد فشل الطالب في وحدة معينة قبل أن تبدأ بتدريس وحدة أخرى جديدة.
أما الأكاديمية التكنولوجية، فتقدم لـ«وراي» تقييماً فورياً حول المواطن التي يحتاج فيها الطالب إلى مساعدة. ولفتت إلى أن المعلمين يفضلون معرفة المشكلة كي يعملوا على حلها بسرعة.
ولكن على الرغم من كل ما ورد، يقول أغلب الباحثين إنه ما زال من المبكر التأكيد أن التعليم الشخصي يعطي نتائج أفضل من التعليم التقليدي.
ووجدت دراسة حديثة أجرتها شركة «راند» أن التعليم الشخصي أنتج تحسنات متواضعة: 3 مستويات مئوية في الرياضيات، وارتفاع لا يذكر في القراءة مقارنة بالمدارس التي تستخدم مدارس تعتمد مناهج تقليدية. كما تذمر بعض الطلاب من أن العمل المشترك مع الزملاء في الصف كان صعباً لأن كل واحد منهم كان يعمل على مهمة مختلفة.
وقال جون باين، الباحث المساعد في الدراسة إنه لا ينصح الجميع بالتوقف عن ما يفعلونه لاعتماد التعليم الشخصي. واعتبر أنه من الضروري اعتماد منهاج أكثر حذراً.
لا شك في أن الفرص الجديدة ستفرض تحديات جديدة. ويحذر أطباء الأطفال من أن إمضاء الكثير من الوقت أمام شاشات الأجهزة يؤثر سلباً على التفاعل الاجتماعي المباشر، ويحد من النشاط البدني والاستكشافي. كما أظهرت بعض الدراسات أن الطلاب يتعلمون أكثر عبر الكتب وليس عبر شاشات الكومبيوتر، في حين توصلت دراسة أخرى إلى نتيجة مفادها أن إبقاء الأولاد على مسافة من شاشات الكومبيوتر لخمسة أيام متتالية ساهم في تطوير ذكائهم العاطفي.
ولكن بعض الأساتذة يشككون. فقد اعتبرت مارلا كيلفويلي، المديرة التنفيذية في «مؤسسة بداس للأساتذة» أن للتكنولوجيا فوائدها، ولكنها تصر أيضاً على أنه ما من كومبيوتر أو برنامج يمكن أن يحل محل اللمسة البشرة، والتشجيع والتأثير الذي يمنحه الأساتذة للطلاب. وتضيف كيلفويلي: «إن هذا التفاعل وهذا العامل البشري ضروريان جداً حين يتعلق الأمر بتعليم الأطفال».


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.