هل يتجه المسرح المعاصر إلى السينمائية؟

يبقى التيار الرئيسي معتمداً على مزيج من الآداب والفنون

مشهد من مسرحية «ميدان المعركة» لبيتر بروك
مشهد من مسرحية «ميدان المعركة» لبيتر بروك
TT

هل يتجه المسرح المعاصر إلى السينمائية؟

مشهد من مسرحية «ميدان المعركة» لبيتر بروك
مشهد من مسرحية «ميدان المعركة» لبيتر بروك

لا شك أن زمننا الراهن هو زمن التعددية في الفنون الدرامية، ولا شك أن الدراما استفادت من بقية الفنون استفادة متزايدة، سواء كنا نتحدث عن المسرح أو الفن التشكيلي أو الموسيقى أو السينما. لذلك، لا بد أن يستسلم المتفرج المعاصر لفكرة ضرورة تنوع وتعددية المدارس والاتجاهات والتيارات في الفنون الدرامية، وإلا فإنه سيصبح خارج إطار الزمن. علينا أيضاً أن نتقبل فكرة أن لكل نمط من الفن الدرامي جمهوره، وأنه لا يحق لأحد فرض نمط واحد في الدراما، تراجيدياً كان أم كوميدياً، سياسياً كان أم ترفيهياً، تاريخياً كان أم واقعياً، تقليدياً كان أم حداثياً. ويا حبذا لو يتعلم السياسيون الديمقراطية من حكمة الآداب والفنون!
ولا شك أن صدارة العنصر الأدبي بدأت بالتناقص في دراما النصف الثاني من القرن العشرين والعقد الأول من الألفية الثالثة، ليبرز دور المشهدية البصرية. لكن الأمر ما لبث أن بلغ حداً متطرفاً حاول قتل الكلمة كلياً، والاستعاضة عنها بالإيماء والرقص والموسيقى والغناء والتشكيل والسينما والكومبيوتر. وهناك مقاربات كثيرة ألغت النص المؤلف مسبقاً، واستعاضت عنه بنص وليد للبروفات، يسهم في توليفه الممثلون تحت قيادة مخرج، وربما بمساعدة مصمم السينوغرافيا. الفكرة بحد ذاتها طليعية وذات فوائد، لكن الإسراف فيها يؤدي لتسميم لفن المسرح برمته، وإلغاء لماضيه العريق. الاتجاه الأصح هو ألا تستغني الدراما عن تيارها الأساسي في الكلام، إنما تعمل على إضفاء المزيد من الاستمتاع «السمع - بصري»، عبر مشهدية مسرحية تضيف إلى الحوار عنصري الجسد والتكنولوجيا. إن رفد التيار الرئيس بالتجريب أمر مشروع، بل مطلوب لتجديد دماء المسرح في العروق الهرمة، كما برهنت تجارب عدة فيما أطلق عليه اسم «المسرح التشكيلي»، في بولندا وفرنسا على وجه الخصوص، أو في التجارب الرائدة للفنان المسرحي الأميركي جورج كوتس؛ وجميعها اعتمد منهج الحداثة والتجريد الجمالي في التشكيل والإضاءة والصوت، واستغنى كلياً أو جزئياً عن نصوص الحوار. والحق يقال، إن هناك تفرعين لمسرح التفاعل والتقاطع ما بين الفنون: أحدهما جسدي محض، والثاني تقني محض في استخدامه المكثف لوسائل الاتصال المعاصرة. والاتجاهان وليدا ما أطلق عليه اسم «مسرح المخرج»، وهو تيار شاع منذ الثلث الأخير من القرن العشرين، مستلهماً بعض كبار المسرحيين العالميين الرواد، مثل غوردن كريغ، وأدولف آبيا، وماكس راينهارت ومايرهولد. ويعمد المخرج من هذا التيار إلى تفكيك النص، ثم إعادة بنائه من جديد على أساس بصري، ويتحرك الممثلون كدمى معبرة جسدياً عن جمالية ومعنى اللوحات الدرامية المرسومة بدقة من قبل مخرج ملهم. وقد استفاد مخرجون لامعون من هذه التجارب الرائدة، ومنهم يوري لوبيموف (روسيا)، وبيتر شتاين (ألمانيا)، وروجيه بلانشون (فرنسا)، وسواهم. كما نشأ عنها نظريات وممارسات بيتر بروك وجيرزي غروتوفسكي وجوزيف تشيكن ويوجينيو باربا في «المسرح الفقير»، وسط فراغ مسرحي متقشف، يملأه حضور طقسي جسدي للممثل، بعرض احتفالي تستخدم فيه الأقنعة والهياكل العملاقة أحياناً كثيرة. اليوم، نجد أسماء عدة لامعة، نذكر منها: جوليا تيمور، وسيمون ماكبارني، وكيتي ميتشل، وريماس توميناس، وديمتري كريموف.
ماذا كان موقفنا في أقطار العالم العربي من كل هذا؟ بالتأكيد، لم يكن ممكناً الانغلاق على الذات. توزع شرف الريادة بين المغربي الطيب الصديقي، والتونسي المنصف السويسي، واللبنانيين منير أبو الدبس وريمون جبارة ويعقوب الشدراوي، والمصريين سعد أردش وكرم مطاوع وأحمد زكي، والسوري فواز الساجر، والعراقيين إبراهيم جلال وسامي عبد الحميد ويوسف العاني وقاسم محمد. بعد ذلك بمرحلة زمانية، وجدت مساهمات لاحقة متباينة الاتجاهات التجريبية، من طليعية التوانسة الفاضل الجعايبي ومحمد إدريس وتوفيق الجبالي وعز الدين قنون والفاضل الجزيري، إلى حداثية العراقيين صلاح قصب وجواد الأسدي، إلى رؤى انتصار عبد الفتاح وحسن الجريتلي، وجميعها حاولت المزج بين الأصالة والحداثة.
تلك جميعاً نباتات انبثقت من أرض خصبة، تنتمي في أعماقها إلى ملكوت الشعر، وإن كانت تستخدم لغة النثر، أو حتى لغة الصمت.
اتجهت معظم التيارات المسرحية التجريبية إلى استلهام الفن التشكيلي والموسيقى، وكثيراً ما استخدمت مصطلحات مثل «المسرحية / المعرض»، و«المسرحية / الكونشرتو»، بل وصل الأمر إلى ما هو أبعد من التصوير الواقعي أو التعبيري، ليلامس السيريالية، وليبلغ أحياناً حد التجريد المسرحي. كذلك فعلت العروض المسرحية المتأثرة بالموسيقى والرقص، بحيث إن الحركة والتعبير الجسدي صارا طاغيين أحياناً كثيرة على دلالات المعنى.
يبقى التيار الرئيسي للمسرح معتمداً على مزيج من الآداب والفنون، يعمل في انسجام وتنسيق وتآلف داخل كل عملٍ حسب طبيعته وطرازه الدرامي. وتظل الحبكة والحوار دعامتين أساسيتين للدراما، كما أن الديكور والإضاءة والأزياء والموسيقى جميعها عناصر تسهم إسهاماً خلاقاً في تجسيد الدراما. الجميع يعرف أن السينما تأثرت في بداياتها بالمسرح في أوجه كثيرة، لكنني أود أن أضيف أن المسرح تأثر خفية بالسينما أيضاً، ليس من إدماج بعض العروض السينمائية في العرض المسرحي، وإنما من خلال استلهام البناء الدرامي السينمائي نفسه في المسرح، وسريان هذا من التأليف إلى الإخراج والسينوغرافيا، وصولاً إلى فن الأداء.
وفي عصرنا الراهن، إذن، أصبحت السينما الملهم الأكبر للمسرح. فمن ناحية، نجد مخرجي سينما عالميين تفوقوا مسرحياً، ومنهم إنغمار برغمان، وأندريه فايدا، وفرانكو زيفريللي، وباتريس شيرو. كما نجد بعض كبار مخرجي المسرح نحوا إلى إبداع أفلام قيمة، ومنهم أورسون وِلز، لورنس أوليفييه، بيتر بروك وكينيث براناه. ربما كان الأهم أن النص المسرحي في عصرنا بدأ ينحو نحو استلهام السيناريو السينمائي من حيث البناء والحبكة، متحدياً إمكانات المسرح المحدودة، التي أنجبت ما يسمى «لغة المسرح»، واعتمدت على التقشف في الديكور.
وفي السنوات الأربع الماضية، أتيحت لي في الولايات المتحدة الأميركية فرصة حضور كثير من نماذج ما أطلق عليه اسم «NT - Live»، وهو برنامج ينقل تلفزيونياً بقالب فني بعض أشهر المسرحيات البريطانية من إنتاج «المسرح القومي البريطاني» أو سواه من الفرق، ويعرضها على الشاشات السينمائية الكبيرة لجمهور يقتني البطاقات مسبقاً بإقبال لافت للنظر. أذكر من بين هذه العروض التي شاهدتها، وذلك على سبيل المثال، وليس الحصر: «هاملت» من بطولة بنيدكت كامبرباتش، و«كوريولانوس» من بطولة توم هيدلستون، و«سالومي»، و«حلم ليلة صيف»، و«منظر من الجسر»، وسواها.
ولا يتناقض اتجاه التأثر بالسينما كثيراً مع نظرية بروك في اعتبار أية مساحة فارغة مجالاً متاحاً للتمثيل، أو نظرية غروتوفسكي حول المسرح الطقسي المتقشف، ولا نظرية باربا حول «المقايضة» بين ثقافتين متباينتين. نحن لا نتحدث هنا عن إدماج العرض السينمائي بالمسرح، كما كان الأمر في تجارب بسكاتور وراينهارت، التي أثرت بعمق على نظرية وممارسة برشت، وإنما نتحدث عن مسرحٍ ذي بنية سينمائية الطابع. هناك مسرحيات كلاسيكية ومعاصرة يزداد توهجها في زماننا تقوم أساساً على استلهام السيناريو السينمائي، أو الاستفادة من الصور البصرية. نذكر منها على سبيل المثال، مسرحية وليم شكسبير «هاملت»، ومسرحية إدموند روستان «سيرانو دو برجراك»، ومسرحية برتولد برشت «غاليليو»، ومسرحية فرانك فيديكند «يقظة الربيع»، ومسرحية جورج بوشنر «دانتون»، ومسرحية آرثر شنيتسلر «الدائرة»، فضلاً عن كثير من أعمال الميوزيكال، مثل: «شبح الأوبرا»، و«المسيح نجم عالمي»، و«البؤساء»، و«أوليفر»، و«إيفيتا».
وهناك نماذج عربية تأثرت أو طمحت إلى مجاراة السينما، نذكر منها مسرحية ألفريد فرج «الزير سالم»، ومسرحية محمود دياب «باب الفتوح»، ومسرحية عبد الرحمن الشرقاوي «الحسين ثائراً وشهيداً»، ومسرحية الدكتور سلطان القاسمي «الواقع.. صورة طبق الأصل»، ومسرحية محفوظ عبد الرحمن «حفلة على الخازوق»، ومسرحية سعد الله ونوس «منمنمات تاريخية»، ومسرحية ممدوح عدوان «سفر برلك»، ومسرحية كاتب هذه السطور «عبلة وعنتر»، وقد قدمت جميع هذه النصوص المتفاوتة بين التراجيديا والكوميديا بنجاح على خشبات المسرح.
وتعود بدايات التأثر المسرحي بالسينما إلى كتابين رائدين للمخرج السينمائي العظيم سيرغي آيزنشتين، هما «الحس السينمائي» و«الشكل السينمائي»، وكلاهما يتحدث عن جماليات الدراما عموماً من قبل فنان ممارس، كان له شرف الريادة في استكشاف قدرات المونتاج على التأثير العاطفي في المشاهد. وتجرأ آيزنشتين، الذي اشتهر بأفلامه المصورة بالأسود والأبيض، على التحدث باستفاضة عن الأهمية التعبيرية للألوان في السينما. وبالتالي، ليس المونتاج وحده، ولا الفلاش - باك، هما ما يميزان «المسرح السينمائي»، بل استخدام مبهر للتكنولوجيا في السينما. والواقع، منذ زمن آيزنشتين، ظهرت تجارب مسرحية كثيرة في مختلف أرجاء العالم، واحتفي ببعضها في مهرجانات عالمية كبيرة، مثل: «أفينيون» و«إدنبره» و«برلين»، استلهمت روح السينما وتكوينها أفضل استلهام، وانتقل تأثير السينما إلى المسرح، بحيث إن السينوغرافيا كانت بطل عرض الميوزيكال البريطاني «المرأة ذات الرداء الأبيض»، عن رواية ويلكي كولينز الشهيرة، ومن إخراج تريفور نن. وفي عصرنا الراهن، تصدق مقولة «المسرح سينمائي الطابع»، كما كان هناك في عصر مضى «السينما مسرحية الطابع»؛ وهذا المزيج السحري هو ما سيكوِّن مسرح المستقبل.

* كاتب سوري مقيم
في الولايات المتحدة



مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.