هل يتجه المسرح المعاصر إلى السينمائية؟

يبقى التيار الرئيسي معتمداً على مزيج من الآداب والفنون

مشهد من مسرحية «ميدان المعركة» لبيتر بروك
مشهد من مسرحية «ميدان المعركة» لبيتر بروك
TT

هل يتجه المسرح المعاصر إلى السينمائية؟

مشهد من مسرحية «ميدان المعركة» لبيتر بروك
مشهد من مسرحية «ميدان المعركة» لبيتر بروك

لا شك أن زمننا الراهن هو زمن التعددية في الفنون الدرامية، ولا شك أن الدراما استفادت من بقية الفنون استفادة متزايدة، سواء كنا نتحدث عن المسرح أو الفن التشكيلي أو الموسيقى أو السينما. لذلك، لا بد أن يستسلم المتفرج المعاصر لفكرة ضرورة تنوع وتعددية المدارس والاتجاهات والتيارات في الفنون الدرامية، وإلا فإنه سيصبح خارج إطار الزمن. علينا أيضاً أن نتقبل فكرة أن لكل نمط من الفن الدرامي جمهوره، وأنه لا يحق لأحد فرض نمط واحد في الدراما، تراجيدياً كان أم كوميدياً، سياسياً كان أم ترفيهياً، تاريخياً كان أم واقعياً، تقليدياً كان أم حداثياً. ويا حبذا لو يتعلم السياسيون الديمقراطية من حكمة الآداب والفنون!
ولا شك أن صدارة العنصر الأدبي بدأت بالتناقص في دراما النصف الثاني من القرن العشرين والعقد الأول من الألفية الثالثة، ليبرز دور المشهدية البصرية. لكن الأمر ما لبث أن بلغ حداً متطرفاً حاول قتل الكلمة كلياً، والاستعاضة عنها بالإيماء والرقص والموسيقى والغناء والتشكيل والسينما والكومبيوتر. وهناك مقاربات كثيرة ألغت النص المؤلف مسبقاً، واستعاضت عنه بنص وليد للبروفات، يسهم في توليفه الممثلون تحت قيادة مخرج، وربما بمساعدة مصمم السينوغرافيا. الفكرة بحد ذاتها طليعية وذات فوائد، لكن الإسراف فيها يؤدي لتسميم لفن المسرح برمته، وإلغاء لماضيه العريق. الاتجاه الأصح هو ألا تستغني الدراما عن تيارها الأساسي في الكلام، إنما تعمل على إضفاء المزيد من الاستمتاع «السمع - بصري»، عبر مشهدية مسرحية تضيف إلى الحوار عنصري الجسد والتكنولوجيا. إن رفد التيار الرئيس بالتجريب أمر مشروع، بل مطلوب لتجديد دماء المسرح في العروق الهرمة، كما برهنت تجارب عدة فيما أطلق عليه اسم «المسرح التشكيلي»، في بولندا وفرنسا على وجه الخصوص، أو في التجارب الرائدة للفنان المسرحي الأميركي جورج كوتس؛ وجميعها اعتمد منهج الحداثة والتجريد الجمالي في التشكيل والإضاءة والصوت، واستغنى كلياً أو جزئياً عن نصوص الحوار. والحق يقال، إن هناك تفرعين لمسرح التفاعل والتقاطع ما بين الفنون: أحدهما جسدي محض، والثاني تقني محض في استخدامه المكثف لوسائل الاتصال المعاصرة. والاتجاهان وليدا ما أطلق عليه اسم «مسرح المخرج»، وهو تيار شاع منذ الثلث الأخير من القرن العشرين، مستلهماً بعض كبار المسرحيين العالميين الرواد، مثل غوردن كريغ، وأدولف آبيا، وماكس راينهارت ومايرهولد. ويعمد المخرج من هذا التيار إلى تفكيك النص، ثم إعادة بنائه من جديد على أساس بصري، ويتحرك الممثلون كدمى معبرة جسدياً عن جمالية ومعنى اللوحات الدرامية المرسومة بدقة من قبل مخرج ملهم. وقد استفاد مخرجون لامعون من هذه التجارب الرائدة، ومنهم يوري لوبيموف (روسيا)، وبيتر شتاين (ألمانيا)، وروجيه بلانشون (فرنسا)، وسواهم. كما نشأ عنها نظريات وممارسات بيتر بروك وجيرزي غروتوفسكي وجوزيف تشيكن ويوجينيو باربا في «المسرح الفقير»، وسط فراغ مسرحي متقشف، يملأه حضور طقسي جسدي للممثل، بعرض احتفالي تستخدم فيه الأقنعة والهياكل العملاقة أحياناً كثيرة. اليوم، نجد أسماء عدة لامعة، نذكر منها: جوليا تيمور، وسيمون ماكبارني، وكيتي ميتشل، وريماس توميناس، وديمتري كريموف.
ماذا كان موقفنا في أقطار العالم العربي من كل هذا؟ بالتأكيد، لم يكن ممكناً الانغلاق على الذات. توزع شرف الريادة بين المغربي الطيب الصديقي، والتونسي المنصف السويسي، واللبنانيين منير أبو الدبس وريمون جبارة ويعقوب الشدراوي، والمصريين سعد أردش وكرم مطاوع وأحمد زكي، والسوري فواز الساجر، والعراقيين إبراهيم جلال وسامي عبد الحميد ويوسف العاني وقاسم محمد. بعد ذلك بمرحلة زمانية، وجدت مساهمات لاحقة متباينة الاتجاهات التجريبية، من طليعية التوانسة الفاضل الجعايبي ومحمد إدريس وتوفيق الجبالي وعز الدين قنون والفاضل الجزيري، إلى حداثية العراقيين صلاح قصب وجواد الأسدي، إلى رؤى انتصار عبد الفتاح وحسن الجريتلي، وجميعها حاولت المزج بين الأصالة والحداثة.
تلك جميعاً نباتات انبثقت من أرض خصبة، تنتمي في أعماقها إلى ملكوت الشعر، وإن كانت تستخدم لغة النثر، أو حتى لغة الصمت.
اتجهت معظم التيارات المسرحية التجريبية إلى استلهام الفن التشكيلي والموسيقى، وكثيراً ما استخدمت مصطلحات مثل «المسرحية / المعرض»، و«المسرحية / الكونشرتو»، بل وصل الأمر إلى ما هو أبعد من التصوير الواقعي أو التعبيري، ليلامس السيريالية، وليبلغ أحياناً حد التجريد المسرحي. كذلك فعلت العروض المسرحية المتأثرة بالموسيقى والرقص، بحيث إن الحركة والتعبير الجسدي صارا طاغيين أحياناً كثيرة على دلالات المعنى.
يبقى التيار الرئيسي للمسرح معتمداً على مزيج من الآداب والفنون، يعمل في انسجام وتنسيق وتآلف داخل كل عملٍ حسب طبيعته وطرازه الدرامي. وتظل الحبكة والحوار دعامتين أساسيتين للدراما، كما أن الديكور والإضاءة والأزياء والموسيقى جميعها عناصر تسهم إسهاماً خلاقاً في تجسيد الدراما. الجميع يعرف أن السينما تأثرت في بداياتها بالمسرح في أوجه كثيرة، لكنني أود أن أضيف أن المسرح تأثر خفية بالسينما أيضاً، ليس من إدماج بعض العروض السينمائية في العرض المسرحي، وإنما من خلال استلهام البناء الدرامي السينمائي نفسه في المسرح، وسريان هذا من التأليف إلى الإخراج والسينوغرافيا، وصولاً إلى فن الأداء.
وفي عصرنا الراهن، إذن، أصبحت السينما الملهم الأكبر للمسرح. فمن ناحية، نجد مخرجي سينما عالميين تفوقوا مسرحياً، ومنهم إنغمار برغمان، وأندريه فايدا، وفرانكو زيفريللي، وباتريس شيرو. كما نجد بعض كبار مخرجي المسرح نحوا إلى إبداع أفلام قيمة، ومنهم أورسون وِلز، لورنس أوليفييه، بيتر بروك وكينيث براناه. ربما كان الأهم أن النص المسرحي في عصرنا بدأ ينحو نحو استلهام السيناريو السينمائي من حيث البناء والحبكة، متحدياً إمكانات المسرح المحدودة، التي أنجبت ما يسمى «لغة المسرح»، واعتمدت على التقشف في الديكور.
وفي السنوات الأربع الماضية، أتيحت لي في الولايات المتحدة الأميركية فرصة حضور كثير من نماذج ما أطلق عليه اسم «NT - Live»، وهو برنامج ينقل تلفزيونياً بقالب فني بعض أشهر المسرحيات البريطانية من إنتاج «المسرح القومي البريطاني» أو سواه من الفرق، ويعرضها على الشاشات السينمائية الكبيرة لجمهور يقتني البطاقات مسبقاً بإقبال لافت للنظر. أذكر من بين هذه العروض التي شاهدتها، وذلك على سبيل المثال، وليس الحصر: «هاملت» من بطولة بنيدكت كامبرباتش، و«كوريولانوس» من بطولة توم هيدلستون، و«سالومي»، و«حلم ليلة صيف»، و«منظر من الجسر»، وسواها.
ولا يتناقض اتجاه التأثر بالسينما كثيراً مع نظرية بروك في اعتبار أية مساحة فارغة مجالاً متاحاً للتمثيل، أو نظرية غروتوفسكي حول المسرح الطقسي المتقشف، ولا نظرية باربا حول «المقايضة» بين ثقافتين متباينتين. نحن لا نتحدث هنا عن إدماج العرض السينمائي بالمسرح، كما كان الأمر في تجارب بسكاتور وراينهارت، التي أثرت بعمق على نظرية وممارسة برشت، وإنما نتحدث عن مسرحٍ ذي بنية سينمائية الطابع. هناك مسرحيات كلاسيكية ومعاصرة يزداد توهجها في زماننا تقوم أساساً على استلهام السيناريو السينمائي، أو الاستفادة من الصور البصرية. نذكر منها على سبيل المثال، مسرحية وليم شكسبير «هاملت»، ومسرحية إدموند روستان «سيرانو دو برجراك»، ومسرحية برتولد برشت «غاليليو»، ومسرحية فرانك فيديكند «يقظة الربيع»، ومسرحية جورج بوشنر «دانتون»، ومسرحية آرثر شنيتسلر «الدائرة»، فضلاً عن كثير من أعمال الميوزيكال، مثل: «شبح الأوبرا»، و«المسيح نجم عالمي»، و«البؤساء»، و«أوليفر»، و«إيفيتا».
وهناك نماذج عربية تأثرت أو طمحت إلى مجاراة السينما، نذكر منها مسرحية ألفريد فرج «الزير سالم»، ومسرحية محمود دياب «باب الفتوح»، ومسرحية عبد الرحمن الشرقاوي «الحسين ثائراً وشهيداً»، ومسرحية الدكتور سلطان القاسمي «الواقع.. صورة طبق الأصل»، ومسرحية محفوظ عبد الرحمن «حفلة على الخازوق»، ومسرحية سعد الله ونوس «منمنمات تاريخية»، ومسرحية ممدوح عدوان «سفر برلك»، ومسرحية كاتب هذه السطور «عبلة وعنتر»، وقد قدمت جميع هذه النصوص المتفاوتة بين التراجيديا والكوميديا بنجاح على خشبات المسرح.
وتعود بدايات التأثر المسرحي بالسينما إلى كتابين رائدين للمخرج السينمائي العظيم سيرغي آيزنشتين، هما «الحس السينمائي» و«الشكل السينمائي»، وكلاهما يتحدث عن جماليات الدراما عموماً من قبل فنان ممارس، كان له شرف الريادة في استكشاف قدرات المونتاج على التأثير العاطفي في المشاهد. وتجرأ آيزنشتين، الذي اشتهر بأفلامه المصورة بالأسود والأبيض، على التحدث باستفاضة عن الأهمية التعبيرية للألوان في السينما. وبالتالي، ليس المونتاج وحده، ولا الفلاش - باك، هما ما يميزان «المسرح السينمائي»، بل استخدام مبهر للتكنولوجيا في السينما. والواقع، منذ زمن آيزنشتين، ظهرت تجارب مسرحية كثيرة في مختلف أرجاء العالم، واحتفي ببعضها في مهرجانات عالمية كبيرة، مثل: «أفينيون» و«إدنبره» و«برلين»، استلهمت روح السينما وتكوينها أفضل استلهام، وانتقل تأثير السينما إلى المسرح، بحيث إن السينوغرافيا كانت بطل عرض الميوزيكال البريطاني «المرأة ذات الرداء الأبيض»، عن رواية ويلكي كولينز الشهيرة، ومن إخراج تريفور نن. وفي عصرنا الراهن، تصدق مقولة «المسرح سينمائي الطابع»، كما كان هناك في عصر مضى «السينما مسرحية الطابع»؛ وهذا المزيج السحري هو ما سيكوِّن مسرح المستقبل.

* كاتب سوري مقيم
في الولايات المتحدة



مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.