قرية المنيرة السُّنية العراقية وقصة التحرير والانتقام

بعد عام على طرد «داعش»... الحكومة المركزية أمام تحدي كسب ثقة السكان المحليين

يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
TT

قرية المنيرة السُّنية العراقية وقصة التحرير والانتقام

يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة

أتى التحرير ببعض الإغاثة والراحة إلى إحدى القرى العربية السُّنية في العراق، لكن سرعان ما تبعهما الفقر، والإهانة، والانتقام.
نزل جنود إلى جمع من القرويين أمام كشك على جانب الطريق في قرية المنيرة العراقية، وسرعان ما سحبوا بنادقهم. أدى ذلك إلى لغط، وأدى اللغط إلى شجار تطور إلى إهانات. اقتاد الجنود شابين من أهل القرية في كل صلف وغطرسة إلى سيارتهم وكانوا يصفعونهما أمام أهلهما الذين شاهدوا ما يحصل في صمت عاجز.
يقول خالد صالح، عامل الإغاثة الإنسانية الذي كان يقف وسط الحشد يشاهد الجنود قبل بضعة أسابيع: «إنهم يمثّلون الحكومة المركزية. ولكن المشكلة أنهم يعتبروننا جميعاً موالين لتنظيم داعش الإرهابي».
والمشهد من قرية المنيرة التابعة لناحية حمام العليل جنوب الموصل على ضفاف نهر دجلة بشمال العراق. وهو يعكس لمحة من نضال إحدى القرى العربية السُّنية خلال العام التالي على طرد القوات الحكومية للمتطرفين وقواتهم بعيداً. المكان تحاصره الاتهامات المرسلة والشكوك المبهمة، واضطرابات العنف الشديد في أثناء محاولات إعادة التكيّف مع الأوضاع الجديدة من الموت والدمار والخسائر، كما هو الحال في أغلب أنحاء البلاد.
ويكمن الاختبار الحاسم للحكومة العراقية التي تقودها الطائفة الشيعية فيما إذا كانت تستطيع كسب ثقة الأقلية السُّنية في البلاد في مختلف القرى مثل هذه القرية، والتي تستقر بحالة شديدة الاضطراب على خطوط الصدع السياسية والاجتماعية في العراق. والأمة العراقية، بدورها، ظلت تستجدي الإجابات من قرية المنيرة الموصلية، ولماذا قدّم أبناؤها وشبابها الدعم والتأييد للتنظيم الإرهابي المسلح الذي كرّس جهوده لخدمة الإطاحة الدموية العنيفة بحكومة البلاد.
لقد مر 11 شهراً كاملة منذ تحرير قرية المنيرة، غير أن القرية لا تزال في انتظار عودتها مجدداً إلى أحضان الأمة العراقية.
بزغت بارقة الأمل المنشود ولحظات الوحدة التي طال انتظارها إثر هزيمة التنظيم الإرهابي وفرار مقاتليه من معاقلهم العراقية، لا سيما في مدينة الموصل القريبة. وعلى أدنى تقدير ممكن، كان هناك حس بالتضحية المشتركة إثر سقوط الآلاف من قوات الجيش والشرطة خلال هجوم القوات الحكومية الذي أسفر عن تحرير ملايين المواطنين العراقيين، بصرف النظر تماماً عن عرقهم أو طائفتهم، ممن كانوا محاصرين ومعذبين تحت نير الحكم الأصولي المتطرف للتنظيم الإرهابي.
في أبريل (نيسان) الماضي، خلص استطلاع للرأي أجرته «المجموعة المستقلة للأبحاث» إلى أن الآمال كانت قوية بين جموع السواد الأعظم من السُّنة في العراق بشأن توجهات البلاد لما بعد حرب التحرير، وكانت النتيجة مثيرة للدهشة بالنظر إلى كمّ الشكاوى من التهميش الكبير من جانب الحكومة المركزية تجاههم. ولكن عبر العديد من الزيارات المتكررة على مدى العام الماضي إلى قرية المنيرة، التي تضم نحو 440 عائلة سُنية منتشرة على سلسلة من التلال الصحراوية الباهتة، كانت العبارات العاكسة للتفاؤل إما باهتة وإما عابرة، ويبدو أن الأمل قد تبخر أو في طريقه للتلاشي بمرور الأيام.
كان إرث الصراع الطويل والقديم محفوراً على تضاريس القرية الصغيرة. لقد انهارت المنازل على أيدي قوات «داعش» الهاربة أو القوات الحكومية المرسلة للقضاء عليها والتخلص منها. وما تبقى منها كان مصيره النهب والحرق على أيدي الغوغاء والدهماء الذين تحركهم مشاعر الانتقام.
لا تزال جثث القتلى تطفو على ضفاف النهر الكبير، ولا تزال عمليات الكر والفر مستمرة تعكس إمارات الحرب الخفية والقذرة ما بين القوات الحكومية وأعدائها من فلول «داعش» في مختلف أحياء الموصل والمناطق المحيطة بها. ولا يمر يوم على الرعاة إلا ويعثرون فيه على جثث مزقها الرصاص في حقولهم ومراعيهم.
وبعد انتهاء أعمال القتال في القرية، تذكر سعدي خلف –وهو يشاهد الجنود يبتعدون بابنه نمير البالغ من العمر 21 عاماً– إحساساً قديماً وباهتاً بالأمل والإمكانية، قبل وصول المتطرفين إلى قريته. حيث كان الرجال يجدون الوظائف كضباط أو جنود في الشرطة، أو في غير ذلك من المناصب الحكومية المأمولة. ويقول: «كان الشباب يتمكنون من الزواج، وشراء السيارات، ويبنون المنازل»، مشيراً بيديه إلى سمات الإنجازات التي كانت مشهودة في هذه البقاع.
كافحت القوات الحكومية العراقية كثيراً لاستعادة السيطرة على الموصل، ثانية كبرى المدن العراقية، منذ شهور. والآن، غاب الوجود الحكومي تماماً إلا من بعض الضباط والجنود الذين يتخذون مواقعهم للحراسة والتفتيش على مشارف القرية الصغيرة. ويقول سكان في القرية إن حفنة قليلة من ضباط الشرطة قد عادوا إلى مواقعهم هناك. وامتهن الرجال العاطلون تهريب السجائر أو إرسال أطفالهم لبيع زجاجات المياه الباردة لسائقي الشاحنات والحافلات التي تمر في القرية. وكانت الشاحنات تمر عبر القرية من خلال إحدى الطرق الترابية الصغيرة التي تحوّلت على أيدي الجيش مؤخراً إلى طريق مرور رئيسية في المنطقة، ما يعد طفرة صغيرة ولكنها مؤثرة في هذه القرية التي تعيش تحت سحابة من السخام والغبار والأتربة.
وقال سعدي خلف، الذي أطلق الجيش سراح ولده بعد ساعات قليلة من الاحتجاز، والغضب يملأ صدره: «إننا لا نرى مستقبلاً مشرقاً في العراق».
وفور اجتياح المتطرفين المسلحين قرية المنيرة الصغيرة في خريف العام الماضي، اهتزت الأجواء بعمليات الانتقام والانتقام المضاد. فلقد تعرضت 5 منازل تعود لأفراد عائلة واحدة وكبيرة من العائلات المتهمة بتوفير الدعم والتأييد لتنظيم داعش الإرهابي، للنهب والحرق. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، مرت مجموعة من أفراد تلك العائلة بين غرف أحد هذه المنازل التابعة لهم، والتي أفرغت تماماً من كل محتوياتها باستثناء دراجة طفل صغير، وغسالة ملابس محترقة، وحامل خشبي للمعاطف. وقال أصحاب المنزل إن الاتهامات على غير حق أو أساس، وألقوا باللوم في احتراق المنزل على ميليشيا عشائرية سُنيّة كانت مكلفة في ذلك الوقت بتأمين القرية.
ومع تلاوة سكان القرية قصصهم مع نهاية العام الماضي، كان هناك ثلاثة أفراد من الميليشيا يراقبون الطريق. وبدلاً من نفي مسؤولية حريق المنازل عن أنفسهم، أصروا على أن حرق المنازل لم يكن عقاباً كافياً بالنسبة لهم.
يقول شاكر عطا الله هلال، وهو ضابط شرطة متقاعد ومن رجال الميليشيات السُّنية، ويرتدي نظارة داكنة اللون تخفي ندبة خشنة تميّز وجهه: «إنهم لا يزالون يتنفسون الهواء!». وكانت جريمتهم أنهم شاركوا في الاحتجاجات العامة ضد انتهاكات الحكومة المركزية قبل ثلاث سنوات والتي كانت تُقام في المناطق ذات الأغلبية السُّنية في مختلف أرجاء العراق. وتسللت عناصر تنظيم داعش الإرهابي إلى تلك المظاهرات، واستغلت مشاعر السخط والغضب العارمة آنذاك، وبدءوا في مسيرتهم الدموية في جميع أنحاء البلاد.
وقد تعاطف كثيرون من سكان قرية المنيرة مع دعوات وأهداف الاحتجاجات، حتى وإن لم يشاركوا فيها بأنفسهم. بيد أن هذا الفارق الدقيق كان مصيره التلاشي التام في خضم مناخ الانتقام المريع الذي أعقب هزيمة قوات «داعش» في العراق. وقال الضابط هلال: «كانوا هم من جلبوا (داعش) إلى بلادنا»، مستخدما المختصر العربي لمسمى التنظيم الإرهابي.
وتنتشر في المناطق المحيطة بمدينة الموصل القصص المشابهة من حرق المنازل والانتقام الشديد خلال الأيام الأولى من هجوم القوات الحكومية العراقية. ولم يكن مصدر الغضب الشديد خافياً على أحد. فلقد كان الريف العراقي تتناثر به المقابر الجماعية لضباط وجنود الشرطة وغيرهم من أفراد الأمن الذين لقوا حتفهم على أيدي المتطرفين من عناصر «داعش»، وكانت أيديهم موثقة بالحبال خلف ظهورهم في أغلب الأحيان.
وأرخت تلك المقابر على ربوع المنطقة بظلال بؤس لا تمحوه الأيام، كما أضرمت في الصدور نيران غل عميق وانتقام لا ينام.
يقول الضابط هلال، الذي ينتمي إلى إحدى الميليشيات المحلية الجامحة والعنيدة والتي كانت مكلفة بمسؤولية تأمين المناطق المحررة حديثاً من قبضة مسلحي «داعش» المتطرفين: «لن نسمح لهم بالنسيان أبداً». وتحمل هذه الميليشيات مسمى «فرسان جبور» نسبة لإحدى كبرى العشائر السُّنية في المنطقة.
وفي غضون شهور، اختفى الرجال المتهمون بالمشاركة في الاحتجاجات تماماً من قرية المنيرة. وقال ياسر إبراهيم، مدير إحدى المدارس هناك، من على باب منزله في القرية قبل بضعة أسابيع، إنه لا يعرف أحد أيَّ شيء عنهم إطلاقاً. وأضاف أن عائلات أولئك الرجال ظلوا في أماكنهم وراء القرية. وكذلك رجال الميليشيات الذين نهبوا وأحرقوا منازلهم.
وتتركز الأحاديث المتعلقة بالعراق في هذه الأيام حول أن السكان العرب السُّنة الساخطين قد يندفعون يوماً، من واقع الإحباط واليأس الشديد، إلى معاودة الترحيب مرة أخرى بالمتطرفين. غير أن هذه المخاوف لا تشكل خطراً من الأخطار في قرية المنيرة، إذ يتحدث سكانها عن عهد تنظيم داعش بمزيد من الرعب والندم.
وكان بعضهم من ضباط الشرطة في مدينة الموصل قبل الاجتياح، وكانوا يتخذون مواقعهم هناك في ذلك الصباح المشؤوم من يونيو (حزيران) عام 2014. عندما استولى «داعش» بكل سهولة على المدينة، بعدما انسحب الرجال المكلفون بالدفاع عنها وحمايتها فرادى وجماعات. وقال إبراهيم جاسم محمد، وهو من ضباط الشرطة السابقين: «لقد فررنا جميعاً، واضطررت إلى الهروب بالسباحة عبر النهر، لقد كان من أحلك أيام حياتنا جميعاً».
واختطف المتطرفون المسلحون ما لا يقل عن 24 رجلاً من قرية المنيرة، بما في ذلك والد إبراهيم، مدير المدرسة، والذي لم يسمع أحد أي شيء عنه منذ ثلاث سنوات كاملة. وبدلاً من المحافظة على الوجود المستمر هناك، كان عناصر «داعش» يتوجهون إلى قرية المنيرة مرات عدة في الأسبوع. وقال إبراهيم إن الآباء كانوا يمنعون أولادهم من حضور الدروس الدينية للتنظيم لحمايتهم من اعتناق تعاليم المتطرفين وأفكارهم. وكان يجلس في مبنى المدرسة في كل يوم ينتظر وصول المتطرفين المسلحين، ثم يكذب عليهم بشأن عدم وجود طلاب في المدرسة. غير أن جهود سكان القرية الصغيرة في مقاومة المتطرفين لم تلقَ استحساناً من أحد على الإطلاق.
وكانت القرية محظوظة إن وصلها التيار الكهربائي لسويعات عدة في كل يوم، ولم يكن المسؤولون يوزعون قسائم المواد الغذائية على سكان القرية، وكانت إمدادات المياه شحيحة للغاية كذلك، وكانت الشاحنات التي تمر على طول الطريق الترابي الضيق تظهر في أسفلها أنابيب المياه الممزقة بوضوح.
وعلى نحو معاكس، اعتقد القرويون من سكان المنيرة أن الفساد الحكومي المتوطن في العراق حال دون رصف الطريق الرئيسي في القرية. والآن لا يعرف أحد على من تقع مسؤولية إصلاح ما فسد من الأمور.
ومن دون أي شيء يفعلونه، يمكن العثور على أغلب رجال القرية بالقرب من أحد الأكشاك على طول الطريق المزدحم يشاهدون حركة مرور الحافلات والشاحنات، والأطفال الحفاة يبيعون الوجبات الخفيفة وزجاجات المياه لسائقي الشاحنات لكسب قوت أسرهم بدلاً من آبائهم العاطلين عن أي عمل.
يقول عمار محمد، وهو جندي سابق يعمل الآن على كسب رزقه من تهريب السجائر إلى المناطق الكردية في الشمال: «إننا نأمل في الحصول على أشياء جيدة من الحكومة. وليس لدينا سوى الصبر والانتظار».
ولا يزال مصير قرية المنيرة معلقاً بين السماء والأرض، بطريقة ما، على مقدرة حازم خليل، وهو من قدامى سكان القرية، على الاستمرار والبقاء.
وكان شقيق حازم الأكبر من كبار قادة تنظيم داعش الإرهابي، وهو مفقود منذ فترة طويلة ويعتقد أنه فارق الحياة. وكان شقيقان آخران، متهمان بالانضمام إلى التنظيم المتطرف، يقبعان في السجن. ولقد فر والدا حازم المسنان من القرية بعد احتراق منزلهما تماماً سداداً لآثام وأخطاء أبنائهما الثلاثة.
يقول حازم خليل وهو يجلس في منزله مع أطفاله: «أقسم بالله أنه لم يتبق غيري هنا»، مما يعكس حجم الكارثة الهائلة التي حلت به وبأسرته وبقريته.
وفي خضم ذلك نجد شقيقه الأكبر شاكر، الذي درس الأدب الفرنسي وعمل مديراً للمدرسة المحلية وإماماً للمسجد هناك. ولقد تم تجنيده من جانب المتطرفين وفق ما اعتبروه سبباً ذهبياً من وجهة نظرهم؛ فلقد كان سجيناً لمدة عامين ونصف العام تعرض خلالها للتعذيب الشديد، كما قال شقيقه. وعندما استولى «داعش» على الموصل، خدم بينهم في منصب وزير الإسكان والعقارات.
وفي قرية المنيرة، تندر الناس في أسى أن المتطرفين لم يدمروا أي منزل من المنازل من دون موافقة شاكر شخصياً. غير أن السجن لم يكن السبب الرئيسي في تطرفه، كما يقول خليل. فقد كان من الصحيح أيضاً أن حالة السخط والاستياء انتشرت عبر قرية المنيرة وغيرها من المناطق السُّنية الأخرى في الفترة التي سبقت سيطرة المتطرفين على المنطقة، إذ يقول حازم خليل عن ذلك: «تسببت الأجندات السياسية المتضاربة في اندلاع التوترات الطائفية»، مشيراً إلى سياسات الحكومة المركزية في ذلك الوقت. وأضاف يقول: «لم تكن هناك علاقة واضحة بين قوات الأمن والمواطنين. كان هناك فراغ كبير. وهذا الوضع يسّر الأمور كثيراً على تنظيم داعش في بدايته».
ومع بقاء ذلك الإرث العقيم في مخيلة الناس، أردف حازم خليل يقول: «كنت كثيراً ما أخشى التحرير».
وفي العام الذي أعقب التحرير من «داعش»، حل تفاؤل شديد الحذر محل مخاوفه وقلقه. ومن واقع خبرته، كانت قوات الأمن تتعامل مع الناس بصورة جيدة. وتم تفكيك الميليشيات المحلية المخيفة. ورفض جيرانه توجيه اللوم إلى حازم خليل مقابل خطايا شقيقه. ولأي سبب من الأسباب، كان المكان الذي يعيش فيه من القرية لا ينقطع عنه التيار الكهربائي. ولقد احتفظ بوظيفته في أحد مصانع الإسمنت القريبة. ولقد قرر خليل ترميم وتجديد منزله. وكان قد تلقى رسائل تهديد بشأن شقيقه، ولكنها توقفت منذ نحو 6 أشهر. وعقد خليل العزم على البقاء في قرية المنيرة، معتمداً على إعانات صغيرة. وأردف يقول: «لم يسألني أحد بشأن أي شيء، ولم يتعرض منزلي للحرق».
وتنتشر القرى العربية السُّنية على طول نهر دجلة. حالة السخط والاستياء انتشرت عبر قرية المنيرة وغيرها من المناطق السُّنية الأخرى في الفترة التي سبقت سيطرة المتطرفين على المنطقة عام 2014، وهو الاستياء الذي يلقي السكان المحليون باللوم فيه على السياسات الطائفية للحكومة المركزية آنذاك. ولقد أسفرت هزيمة متطرفي «داعش» اليوم عن عراق منقسم على نفسه ولكن مع مزيد من الآمال بلحظة منشودة من الوحدة.
خدمة {واشنطن بوست}
خاص بـ {الشرق الأوسط}



الحكومة اليمنية تراهن على المعالجات المالية والخدمية

أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراهن على المعالجات المالية والخدمية

أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)
أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

أكّدت الحكومة اليمنية مضيها في تنفيذ حزمة من الإجراءات الاقتصادية والخدمية لمعالجة التحديات المعيشية وتحسين أداء المؤسسات العامة، في وقت أقرت فيه زيادة رواتب موظفي القطاع المدني بنسبة 20 في المائة، وأشادت بالدعم السعودي المتواصل لقطاع الكهرباء، بالتوازي مع خطوات لتعزيز كفاءة تمويل الواردات وتطوير آليات الرقابة والحوكمة الاقتصادية.

وخلال اجتماعه في العاصمة المؤقتة عدن، برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شائع الزنداني، استعرض مجلس الوزراء التطورات السياسية والاقتصادية والخدمية، إلى جانب المستجدات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأوضاع اليمنية.

ووضع رئيس الحكومة أعضاء المجلس أمام صورة شاملة للتحديات الراهنة، خصوصاً في الجوانب الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى الجهود المبذولة لمعالجة الاختلالات المتراكمة في قطاع الكهرباء، والعمل على تنفيذ حلول استراتيجية ومستدامة تضمن استقرار الخدمة وتحسين كفاءتها، بالتوازي مع الإجراءات العاجلة الرامية إلى تأمين احتياجات محطات التوليد.

وأكد مجلس الوزراء اليمني أن أزمة الكهرباء الحالية تمثل تراكمات ممتدة لعقود من الاعتماد على الحلول المؤقتة وغياب المعالجات الاستراتيجية، مشدداً على أن الحكومة تتحمل مسؤوليتها الوطنية في البحث عن حلول جذرية ومستدامة، رغم أنها ليست مسؤولة عن نشوء تلك الاختلالات.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (إعلام حكومي)

وأعرب المجلس عن تفهمه لمعاناة المواطنين جراء الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، مؤكداً أن مختلف الجهات الحكومية تعمل على اتخاذ التدابير اللازمة لاستقرار الخدمة والحدّ من تأثيراتها على الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، ثمّن المجلس الدعم السعودي المقدم لليمن، مشيداً بمنحة المشتقات النفطية الجديدة المخصصة لتشغيل محطات الكهرباء بقيمة 150 مليون دولار، معتبراً أن هذه المنحة ستسهم في تعزيز استقرار الخدمة الكهربائية وتخفيف معاناة السكان، فضلاً عن دعم جهود الإصلاح الاقتصادي وتمكين الدولة من الوفاء بالتزاماتها الأساسية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

زيادة الرواتب

أقرّ مجلس الوزراء اليمني القواعد التنفيذية الخاصة بقرار زيادة مرتبات موظفي القطاع المدني بنسبة 20 في المائة، استناداً إلى المقترح المقدم من وزارة الخدمة المدنية والتأمينات.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الزيادة ستشمل موظفي الجهاز الإداري للدولة، وفق القيم المحددة لكل درجة وظيفية، كما ستطبق على المتعاقدين الذين تُصرف مستحقاتهم من البند المخصص للتعاقدات في الموازنة العامة.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مساعي الحكومة للتخفيف من الضغوط المعيشية الناجمة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع القوة الشرائية للموظفين، في ظل استمرار التحديات المالية التي تواجهها الدولة.

حزم من الأوراق النقدية اليمنية (إعلام محلي)

وفي إطار توجهات الحكومة اليمنية لدعم القطاعات الإنتاجية، وافق مجلس الوزراء على إنشاء محطة للبحوث الزراعية في محافظة أرخبيل سقطرى، بهدف تعزيز الدراسات والأبحاث التطبيقية في المجالات الزراعية المختلفة وتطوير الإنتاج النباتي والحيواني.

ومن المنتظر أن تسهم المحطة الجديدة في دعم برامج الإرشاد الزراعي وتوفير قاعدة علمية تساعد على رفع الإنتاجية وتحسين استغلال الموارد الزراعية في الأرخبيل.

كما وافق المجلس على مقترح رفع موارد صندوق تشجيع الإنتاج الزراعي والسمكي، مع الأخذ بالملاحظات المقدمة من الجهات المختصة والتنسيق مع وزارة المالية لضمان التنفيذ وفق الأطر القانونية والمالية المعتمدة.

الأوضاع الأمنية والخدمية

توقف الاجتماع الحكومي أمام الأوضاع الخدمية والأمنية في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً تفهم الحكومة للمطالب الشعبية المرتبطة بتحسين الخدمات الأساسية، والتزامها بمضاعفة الجهود لمعالجة أوجه القصور القائمة.

وأشاد مجلس الوزراء اليمني بدور الأجهزة الأمنية والعسكرية والسلطات المحلية في الحفاظ على الأمن والاستقرار والتعامل مع المستجدات الميدانية، وإفشال أي محاولات لاستغلال الاحتجاجات السلمية للإضرار بالممتلكات العامة والخاصة أو الإخلال بالأمن.

كما شدد على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف المؤسسات المختصة، بما يضمن حماية المواطنين والحفاظ على السكينة العامة، ويساعد في تهيئة بيئة مستقرة لتنفيذ الإصلاحات الحكومية.

واطلع الوزراء على تقريرين مقدمين من وزارتي الدفاع والداخلية بشأن الأوضاع العسكرية والأمنية، وما تحقق من خطوات لتعزيز الجاهزية القتالية ورفع مستوى التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية في مواجهة التحديات المختلفة.

وجدّد مجلس الوزراء التأكيد على موقف الجمهورية اليمنية الداعي إلى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي واحترام قواعد القانون الدولي وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

وأكد أن تحقيق السلام المستدام يتطلب احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، وإنهاء دعم الجماعات المسلحة وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، بما يضمن احتكار الدولة لقرار السلم والحرب.

تمويل الواردات

في اجتماع آخر، ناقشت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، برئاسة محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، سبل تطوير آليات العمل ورفع كفاءة إنجاز المعاملات وتبسيط الإجراءات المتعلقة بتمويل التجارة الخارجية.

واستعرضت اللجنة تقريراً أظهر أن حجم تمويل الواردات تجاوز 3 مليارات دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، مع استحواذ السلع الأساسية والمواد الغذائية على الحصة الكبرى من إجمالي التمويلات المنفذة.

واطلعت اللجنة على سير العمل في المنصة الإلكترونية الجديدة الخاصة باستقبال ومعالجة طلبات التمويل، التي دخلت مرحلة التشغيل الفعلي، وتستقبل حالياً جميع الطلبات ضمن الفترة التجريبية.

اجتماع في عدن للجنة تنظيم وتمويل الواردات (إعلام حكومي)

وأكّدت اللجنة أن التوسع في الأتمتة واستخدام المنصة الإلكترونية يمثل خطوة مهمة لتعزيز الشفافية والرقابة وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين، إضافة إلى تسريع الإجراءات وتقليل المعوقات الإدارية.

كما استمعت إلى تقرير من رئيس مصلحة الجمارك حول سير العمل في المنافذ البرية والبحرية ومستوى الالتزام بالتعليمات والقرارات المنظمة لعملية الاستيراد، والتحديات التي تواجه النشاط الجمركي.

وكلّفت اللجنة محافظ البنك المركزي بمخاطبة الجهات المعنية بشأن عدد من التجاوزات والممارسات في بعض المنافذ، معتبرة أن تلك الاختلالات تؤثر على عمل اللجنة، وتؤدي إلى هدر موارد الدولة والإضرار بالأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

واختتمت اللجنة أعمالها بالدعوة إلى تعزيز التعاون بين مختلف الجهات المركزية والمحلية لتنفيذ القرارات والتعليمات الصادرة عنها، بما يسهم في حماية الإيرادات العامة ومكافحة التهريب وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يفرضون تقويماً مدرسياً يربك التعليم ويضاعف الأعباء

طفل يدرس في مدرسة تدعمها اليونيسف في صنعاء الخاضعة للحوثيين (الأمم المتحدة)
طفل يدرس في مدرسة تدعمها اليونيسف في صنعاء الخاضعة للحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

الحوثيون يفرضون تقويماً مدرسياً يربك التعليم ويضاعف الأعباء

طفل يدرس في مدرسة تدعمها اليونيسف في صنعاء الخاضعة للحوثيين (الأمم المتحدة)
طفل يدرس في مدرسة تدعمها اليونيسف في صنعاء الخاضعة للحوثيين (الأمم المتحدة)

أثار إعلان السلطات التعليمية الخاضعة لسيطرة الحوثيين بدء العام الدراسي الجديد في 20 يونيو (حزيران) الحالي وفق التقويم الهجري، موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط التربوية اليمنية، وسط اتهامات للجماعة بمواصلة فرض سياسات تعليمية مثيرة للجدل تُفاقم معاناة الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين، وتزيد من حالة الارتباك التي يعيشها القطاع التعليمي في مناطق سيطرتها.

ويأتي الجدل الجديد في وقت يواجه فيه التعليم في اليمن تحديات متراكمة تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب عشرات الآلاف من المعلمين منذ سنوات، وتراجع معدلات الالتحاق بالتعليم، إلى جانب ارتفاع نسب التسرب المدرسي نتيجة الظروف الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

ويؤكد تربويون وناشطون في صنعاء أن اعتماد التقويم الهجري في تنظيم العملية التعليمية يؤدي إلى تقديم مواعيد الدراسة والاختبارات والإجازات عاماً بعد آخر، بحكم قصر السنة الهجرية مقارنة بالسنة الميلادية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على استقرار الخطط التعليمية وقدرة الأسر على الاستعداد للمواسم الدراسية.

طفل يمني يحمل سلاحاً خلال تجمع للحوثيين في صنعاء (غيتي)

ويشير هؤلاء إلى أن استمرار العمل بهذا النظام يخلق حالة من عدم اليقين لدى أولياء الأمور والمعلمين، حيث تتغير مواعيد الدراسة بشكل متواصل، ما يصعّب التخطيط المسبق للأنشطة التعليمية والمعيشية، ويزيد من الأعباء المالية والتنظيمية على الأسر التي تعاني أصلاً من أوضاع اقتصادية متردية.

ويتهم تربويون وزارة التعليم التابعة للحوثيين بتجاهل الآثار السلبية لهذه السياسة، والتركيز على فرض التقويم الهجري في مختلف الأنشطة الإدارية والتعليمية، رغم المطالبات المتكررة بإعادة النظر في هذه الآلية واعتماد نظام أكثر استقراراً يتماشى مع المتطلبات التعليمية الحديثة.

أعباء مناخية ومعيشية

من بين أبرز الانتقادات الموجهة لهذا التوجه، ارتباط التقويم الهجري بتقديم العام الدراسي تدريجياً نحو فصلي الصيف والخريف، وهما موسمان يشهدان درجات حرارة مرتفعة وأمطاراً غزيرة في أجزاء واسعة من اليمن، بما يرافق ذلك من مخاطر السيول وصعوبة التنقل، خصوصاً في المناطق الريفية والجبلية.

ويرى منتقدون أن هذه الظروف المناخية تجعل من حضور الطلاب إلى المدارس أكثر صعوبة، وتضاعف التحديات التي تواجهها الأسر الفقيرة في تأمين احتياجات أبنائها التعليمية، في وقت تتراجع فيه الخدمات الأساسية وتزداد الضغوط الاقتصادية على المواطنين.

طفل جندته الجماعة الحوثية يحرس حشداً في صنعاء دعا إليه زعيمها (غيتي)

كما يشير تربويون إلى أن فصل الشتاء يعد أكثر ملاءمة للنشاط الدراسي من حيث الظروف المناخية وانخفاض التكاليف المرتبطة بالتنقل والاحتياجات اليومية، مقارنة بفترات الصيف الحارة التي تتطلب نفقات إضافية على الأسر والطلاب.

ودعا عدد من العاملين في القطاع التربوي السلطات التعليمية في صنعاء إلى التركيز على معالجة المشكلات الأساسية التي تواجه التعليم، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتوفير الكتب المدرسية، وتحسين البيئة التعليمية، بدلاً من الانشغال بإجراءات يرون أنها تزيد من تعقيد المشهد التربوي.

ويحذر تربويون من أن استمرار تغيير مواعيد الدراسة بصورة متكررة قد ينعكس سلباً على جودة التعليم وعلى انتظام العملية التربوية، خصوصاً في ظل وجود آلاف المعلمين المتطوعين الذين يعملون منذ سنوات دون تثبيت وظيفي أو ضمانات مهنية.

شكاوى أولياء الأمور

يعبّر كثير من أولياء الأمور عن استيائهم من استمرار اعتماد التقويم الهجري، مؤكدين أن تقديم موعد الدراسة عاماً بعد آخر يربك ترتيباتهم المالية والتعليمية، ويقلص فترة الإجازة الصيفية التي يحتاج إليها الطلاب للراحة والاستعداد للعام الجديد.

ويقول «جميل»، وهو اسم مستعار لمعلم في إحدى المدارس الحكومية بصنعاء، إن هذا النظام يؤدي إلى بدء الدراسة في توقيت أبكر من المعتاد دون منح الأسر أو المدارس فرصة كافية للاستعداد، الأمر الذي ينعكس على سير العملية التعليمية منذ أيامها الأولى.

أما عبد الله السقاف، وهو ولي أمر طالب في ريف صنعاء، فيرى أن تقليص الإجازة الصيفية المستمر أصبح من أبرز نتائج اعتماد التقويم الهجري، مشيراً إلى أن الأسر تجد نفسها كل عام أمام التزامات دراسية مبكرة تتزامن مع أوضاع معيشية شديدة الصعوبة.

وتؤكد أمل الهمداني، وهي معلمة في إحدى المدارس الأهلية، أن التغيّر المستمر في مواعيد الدراسة والاختبارات يخلق تحديات كبيرة أمام إعداد الخطط الدراسية والبرامج التعليمية، ويؤثر على قدرة المؤسسات التعليمية على تنفيذ برامجها بصورة مستقرة ومنظمة.

وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات، تواصل السلطات التعليمية التابعة للحوثيين اعتماد التقويم الهجري في قراراتها وأنشطتها المختلفة، ضمن سياسة أوسع تطبقها الجماعة في المؤسسات الواقعة تحت سيطرتها، تشمل الجوانب الإدارية والتعليمية والرسمية.


مصادر: «الحرس الثوري» الإيراني شكّل خلايا سرية بالعراق لمهاجمة دول خليجية

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غرب مدينة تكريت بالعراق (رويترز)
صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غرب مدينة تكريت بالعراق (رويترز)
TT

مصادر: «الحرس الثوري» الإيراني شكّل خلايا سرية بالعراق لمهاجمة دول خليجية

صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غرب مدينة تكريت بالعراق (رويترز)
صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غرب مدينة تكريت بالعراق (رويترز)

ذكرت ثمانية مصادر عراقية لوكالة «رويترز» للأنباء، أن «الحرس الثوري» الإيراني شكل خلايا سرية جديدة في العراق لتنفيذ هجمات على دول خليجية تستضيف قوات أميركية، متجاوزاً شبكات الجماعات المسلحة القائمة لتجنب كشفها.

وقالت ثلاثة من المصادر إن ثلاث أو أربع خلايا، تتألف كل منها من نحو 10 مقاتلين شيعة عراقيين من النخبة، شنت ما لا يقل عن سبع هجمات بطائرات مسيّرة من مواقع صحراوية بالقرب من مدينتي البصرة والسماوة الجنوبيتين على مواقع في الكويت والسعودية والإمارات في الفترة بين 20 أبريل (نيسان) و17 مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وينتمي عدد من عناصر الخلايا إلى ما يُسمى «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهي تحالف يتألف من فصائل شيعية متشددة تضم آلاف المقاتلين. لكن هذه الجماعات الجديدة تعمل خارج هيكل قيادتها وترفع تقاريرها مباشرة إلى «الحرس الثوري» الإيراني، وفقاً للمصادر التي تشمل مسؤولين عسكريين عراقيين اثنين ومسؤولاً أمنياً وخمساً من قيادات الجماعات المسلحة المحلية.

وقالت القيادات الخمس من الجماعات المسلحة، إن تشكيل الخلايا الجديدة بالعراق، وهو أمر لم يُكشف عنه إعلامياً من قبل، يعكس تحوّلاً في أساليب «الحرس الثوري» بهدف الحفاظ على قدرة إيران على بسط النفوذ في المنطقة في وقت تضعف فيه الجماعات المسلحة الموالية لها بشكل كبير وتشهد مواردها العسكرية والاقتصادية استنزافاً.

وفي العراق عدد كبير من الفصائل المسلحة، كثير منها تربطه علاقات وثيقة مع طهران. وتشكل هذه الفصائل ركيزة أساسية ضمن «محور المقاومة» الإقليمي المتحالف مع إيران والذي يمتد من غزة ولبنان إلى اليمن والعراق.

وأعلنت جماعات تعمل تحت راية «المقاومة الإسلامية في العراق» مسؤوليتها عن عشرات الهجمات بالمسيّرات والصواريخ التي استهدفت مصالح أميركية في البلاد؛ ما أدى إلى الرد بضربات جوية قاتلة منذ بدء الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم على إيران في 28 فبراير (شباط). لكن لم تحدث أي تعبئة جماعية واسعة للجماعات المتحالفة مع إيران داخل حدود العراق.

وتشير فصائل شيعية نافذة عدة هناك منذ العام الماضي إلى استعدادها للتخلي عن سلاحها والتركيز على السياسة الداخلية لتجنب تصعيد الصراع مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويعتقد جاسم البهادلي، اللواء المتقاعد في الجيش العراقي، ونائبان من التحالف الشيعي الحاكم، أن هذا التطور ربما دفع «الحرس الثوري» الإيراني إلى إنشاء جماعات تخضع لسيطرته المباشرة.

وأعلن فصيلان من تلك الجماعات، هما «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، هذا الشهر أنهما سيشرعان في تسليم أسلحتهما إلى سلطات الدولة بعد تحذيرات أميركية متكررة للحكومة العراقية من أجل حل الجماعات المسلحة الناشطة على أراضيها.

وقال البهادلي، وهو خبير في الجماعات المسلحة الشيعية، إن الجماعات الحديثة التي أسسها «الحرس الثوري» تبدو أصغر حجماً وأقوى تشدداً من الناحية الآيديولوجية وأكثر خضوعاً للسيطرة، بما يعكس حاجة إيران إلى الحفاظ على الموارد وسط الضغوط الاقتصادية.

اتفاق أميركا وإيران لا يتناول دعم طهران للجماعات

وقَّع الرئيسان الأميركي والإيراني، الأربعاء، اتفاقاً مؤقتاً لإنهاء الحرب، على أن تجرى مفاوضات لاحقة بشأن القضايا الشائكة مثل مستقبل البرنامج النووي الإيراني. إلا أن مسؤولين إيرانيين قالوا إن دعم طهران «لجماعات المقاومة» ليس مطروحاً للنقاش، وإن الاتفاق لا يتناول هذه المسألة.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية ولا بعثتاها لدى الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف بعد على استفسارات متعلقة بهذا التقرير.

وأكدت وزارة الخارجية الأميركية مراراً على «توقعاتها بأن تتخذ الحكومة العراقية إجراءات فورية لتفكيك جميع أدوات أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في العراق، بما في ذلك (الحرس الثوري) الإيراني والجماعات المسلحة الإرهابية الموالية لإيران في العراق».

وخلال اجتماع عُقد الاثنين، ناقش رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي والمبعوث الأميركي توم برّاك خطط العراق لضمان «النزع الكامل للسلاح وتفكيك الجماعات المسلحة» التي تعمل خارج سلطة الدولة العراقية وضمان «عدم استخدام الأراضي العراقية من قِبل أي طرف لتهديد السلم الإقليمي»، وفقاً لبيان مشترك.

وألحقت حرب إيران أضراراً بالغة بأهم منطقة منتجة للطاقة في العالم، وأدت إلى اضطراب الإمدادات وارتفاع التضخم بشكل حاد. وردت طهران على الغارات الجوية الأميركية - الإسرائيلية بإغلاق مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره ما يقرب من خُمس الشحنات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، كما شنت حملة واسعة النطاق من الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على دول الخليج المجاورة.

اختبار لرئيس الوزراء الجديد

قال المسؤولون العراقيون إن «الحرس الثوري» الإيراني لجأ إلى الخلايا الجديدة حتى تكون لديه قدرة منطقية على الإنكار وإبعاد المسؤولية عن الجماعات الرئيسية المدعومة من إيران في البلاد وتقليل الضغط الأميركي على بغداد لنزع سلاحها. وأفاد المسؤولون بأن قوات الأمن العراقية لديها معلومات محدودة عن هذه الجماعات، لكنها تعمل على كشف تسلسل قيادتها للمساعدة في منع وقوع هجمات في المستقبل. وأضافوا أن هذه الجماعات تضم مقاتلين من النخبة يتمتعون بخبرة في عمليات الطائرات المسيّرة والاتصالات.

وأمضت طهران عقوداً وأنفقت مليارات الدولارات لبناء شبكتها من التحالفات الإقليمية، والتي ضعفت بشدة منذ أن شنت حركة «حماس» المدعومة من إيران هجوماً على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وشنت إسرائيل ضربات موجعة لحركة «حماس» في غزة و«حزب الله» في لبنان، في حين استهدفت غارات جوية أميركية وبريطانية جماعة الحوثيين في اليمن. وأطيح الرئيس السوري بشار الأسد من السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2024 لينقطع خط إمداد مهم للجماعات المسلحة العراقية وتزيد عزلة طهران.

ويرى جاسم البهادلي، اللواء المتقاعد في الجيش العراقي، أنه بدلاً من الإبقاء على شبكة واسعة من الجماعات التي تتلقى تمويلاً كبيرا في العراق، يبدو أن إيران تعتمد الآن على عدد محدود من الكوادر الأكثر تشدداً المستعدة للعمل بدعم مالي أقل، مع إعطاء الأولوية للولاء والقدرة على الإنكار والتأثير العملياتي أكثر منها لتجنيد أعداد كبيرة، على حد قوله.

وتشكّل الجماعات الجديدة اختباراً مبكراً للزيدي، الذي تولى منصبه الشهر الماضي بعد ضغوط أميركية على التحالف السياسي الشيعي المهيمن لمنع عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي تربطه علاقات وثيقة بإيران.

وتسير بغداد بحذر شديد على حبل مشدود بين أقرب حليفين لها، واشنطن وطهران، وهو توازن ازداد صعوبة خلال الحرب. وتهدد الهجمات المنطلقة من العراق أيضاً بتقويض جهود بغداد المضنية لإعادة بناء العلاقات مع جيرانها في الخليج، والتي توترت منذ غزو صدام حسين للكويت عام 1990، لكنها بدأت في التحسن في السنوات القليلة الماضية. واستدعت الكويت والسعودية والإمارات مبعوثي العراق في أبريل للاحتجاج على الضربات. وقال المسؤولون الأمنيون إن السلطات العراقية تحقق فيما إذا كانت هذه الضربات تشمل هجوماً بمسيّرة وقع في 17 مايو، وتسبب في اندلاع حريق خارج محطة براكة للطاقة النووية بالإمارات. وأعلنت السعودية أنها اعترضت ثلاث طائرات مسيّرة دخلت مجالها الجوي قادمة من العراق في اليوم نفسه، وهو هجوم قال المسؤولون العراقيون إن جماعة جديدة هي من نفّذته. وندد الزيدي بالهجومين ووصفهما بأنهما عملان إجراميان، وتعهد بإجراء تحقيق مشترك مع الدولتين الخليجيتين للتحقق مما إذا كانت الأراضي العراقية قد استُخدمت لاستهدافهما. ولم يجب النعمان، المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، على أسئلة حول سير التحقيقات.