قرية المنيرة السُّنية العراقية وقصة التحرير والانتقام

بعد عام على طرد «داعش»... الحكومة المركزية أمام تحدي كسب ثقة السكان المحليين

يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
TT

قرية المنيرة السُّنية العراقية وقصة التحرير والانتقام

يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة
يعبرون مع خرافهم نهر دجلة شمال قرية المنيرة

أتى التحرير ببعض الإغاثة والراحة إلى إحدى القرى العربية السُّنية في العراق، لكن سرعان ما تبعهما الفقر، والإهانة، والانتقام.
نزل جنود إلى جمع من القرويين أمام كشك على جانب الطريق في قرية المنيرة العراقية، وسرعان ما سحبوا بنادقهم. أدى ذلك إلى لغط، وأدى اللغط إلى شجار تطور إلى إهانات. اقتاد الجنود شابين من أهل القرية في كل صلف وغطرسة إلى سيارتهم وكانوا يصفعونهما أمام أهلهما الذين شاهدوا ما يحصل في صمت عاجز.
يقول خالد صالح، عامل الإغاثة الإنسانية الذي كان يقف وسط الحشد يشاهد الجنود قبل بضعة أسابيع: «إنهم يمثّلون الحكومة المركزية. ولكن المشكلة أنهم يعتبروننا جميعاً موالين لتنظيم داعش الإرهابي».
والمشهد من قرية المنيرة التابعة لناحية حمام العليل جنوب الموصل على ضفاف نهر دجلة بشمال العراق. وهو يعكس لمحة من نضال إحدى القرى العربية السُّنية خلال العام التالي على طرد القوات الحكومية للمتطرفين وقواتهم بعيداً. المكان تحاصره الاتهامات المرسلة والشكوك المبهمة، واضطرابات العنف الشديد في أثناء محاولات إعادة التكيّف مع الأوضاع الجديدة من الموت والدمار والخسائر، كما هو الحال في أغلب أنحاء البلاد.
ويكمن الاختبار الحاسم للحكومة العراقية التي تقودها الطائفة الشيعية فيما إذا كانت تستطيع كسب ثقة الأقلية السُّنية في البلاد في مختلف القرى مثل هذه القرية، والتي تستقر بحالة شديدة الاضطراب على خطوط الصدع السياسية والاجتماعية في العراق. والأمة العراقية، بدورها، ظلت تستجدي الإجابات من قرية المنيرة الموصلية، ولماذا قدّم أبناؤها وشبابها الدعم والتأييد للتنظيم الإرهابي المسلح الذي كرّس جهوده لخدمة الإطاحة الدموية العنيفة بحكومة البلاد.
لقد مر 11 شهراً كاملة منذ تحرير قرية المنيرة، غير أن القرية لا تزال في انتظار عودتها مجدداً إلى أحضان الأمة العراقية.
بزغت بارقة الأمل المنشود ولحظات الوحدة التي طال انتظارها إثر هزيمة التنظيم الإرهابي وفرار مقاتليه من معاقلهم العراقية، لا سيما في مدينة الموصل القريبة. وعلى أدنى تقدير ممكن، كان هناك حس بالتضحية المشتركة إثر سقوط الآلاف من قوات الجيش والشرطة خلال هجوم القوات الحكومية الذي أسفر عن تحرير ملايين المواطنين العراقيين، بصرف النظر تماماً عن عرقهم أو طائفتهم، ممن كانوا محاصرين ومعذبين تحت نير الحكم الأصولي المتطرف للتنظيم الإرهابي.
في أبريل (نيسان) الماضي، خلص استطلاع للرأي أجرته «المجموعة المستقلة للأبحاث» إلى أن الآمال كانت قوية بين جموع السواد الأعظم من السُّنة في العراق بشأن توجهات البلاد لما بعد حرب التحرير، وكانت النتيجة مثيرة للدهشة بالنظر إلى كمّ الشكاوى من التهميش الكبير من جانب الحكومة المركزية تجاههم. ولكن عبر العديد من الزيارات المتكررة على مدى العام الماضي إلى قرية المنيرة، التي تضم نحو 440 عائلة سُنية منتشرة على سلسلة من التلال الصحراوية الباهتة، كانت العبارات العاكسة للتفاؤل إما باهتة وإما عابرة، ويبدو أن الأمل قد تبخر أو في طريقه للتلاشي بمرور الأيام.
كان إرث الصراع الطويل والقديم محفوراً على تضاريس القرية الصغيرة. لقد انهارت المنازل على أيدي قوات «داعش» الهاربة أو القوات الحكومية المرسلة للقضاء عليها والتخلص منها. وما تبقى منها كان مصيره النهب والحرق على أيدي الغوغاء والدهماء الذين تحركهم مشاعر الانتقام.
لا تزال جثث القتلى تطفو على ضفاف النهر الكبير، ولا تزال عمليات الكر والفر مستمرة تعكس إمارات الحرب الخفية والقذرة ما بين القوات الحكومية وأعدائها من فلول «داعش» في مختلف أحياء الموصل والمناطق المحيطة بها. ولا يمر يوم على الرعاة إلا ويعثرون فيه على جثث مزقها الرصاص في حقولهم ومراعيهم.
وبعد انتهاء أعمال القتال في القرية، تذكر سعدي خلف –وهو يشاهد الجنود يبتعدون بابنه نمير البالغ من العمر 21 عاماً– إحساساً قديماً وباهتاً بالأمل والإمكانية، قبل وصول المتطرفين إلى قريته. حيث كان الرجال يجدون الوظائف كضباط أو جنود في الشرطة، أو في غير ذلك من المناصب الحكومية المأمولة. ويقول: «كان الشباب يتمكنون من الزواج، وشراء السيارات، ويبنون المنازل»، مشيراً بيديه إلى سمات الإنجازات التي كانت مشهودة في هذه البقاع.
كافحت القوات الحكومية العراقية كثيراً لاستعادة السيطرة على الموصل، ثانية كبرى المدن العراقية، منذ شهور. والآن، غاب الوجود الحكومي تماماً إلا من بعض الضباط والجنود الذين يتخذون مواقعهم للحراسة والتفتيش على مشارف القرية الصغيرة. ويقول سكان في القرية إن حفنة قليلة من ضباط الشرطة قد عادوا إلى مواقعهم هناك. وامتهن الرجال العاطلون تهريب السجائر أو إرسال أطفالهم لبيع زجاجات المياه الباردة لسائقي الشاحنات والحافلات التي تمر في القرية. وكانت الشاحنات تمر عبر القرية من خلال إحدى الطرق الترابية الصغيرة التي تحوّلت على أيدي الجيش مؤخراً إلى طريق مرور رئيسية في المنطقة، ما يعد طفرة صغيرة ولكنها مؤثرة في هذه القرية التي تعيش تحت سحابة من السخام والغبار والأتربة.
وقال سعدي خلف، الذي أطلق الجيش سراح ولده بعد ساعات قليلة من الاحتجاز، والغضب يملأ صدره: «إننا لا نرى مستقبلاً مشرقاً في العراق».
وفور اجتياح المتطرفين المسلحين قرية المنيرة الصغيرة في خريف العام الماضي، اهتزت الأجواء بعمليات الانتقام والانتقام المضاد. فلقد تعرضت 5 منازل تعود لأفراد عائلة واحدة وكبيرة من العائلات المتهمة بتوفير الدعم والتأييد لتنظيم داعش الإرهابي، للنهب والحرق. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، مرت مجموعة من أفراد تلك العائلة بين غرف أحد هذه المنازل التابعة لهم، والتي أفرغت تماماً من كل محتوياتها باستثناء دراجة طفل صغير، وغسالة ملابس محترقة، وحامل خشبي للمعاطف. وقال أصحاب المنزل إن الاتهامات على غير حق أو أساس، وألقوا باللوم في احتراق المنزل على ميليشيا عشائرية سُنيّة كانت مكلفة في ذلك الوقت بتأمين القرية.
ومع تلاوة سكان القرية قصصهم مع نهاية العام الماضي، كان هناك ثلاثة أفراد من الميليشيا يراقبون الطريق. وبدلاً من نفي مسؤولية حريق المنازل عن أنفسهم، أصروا على أن حرق المنازل لم يكن عقاباً كافياً بالنسبة لهم.
يقول شاكر عطا الله هلال، وهو ضابط شرطة متقاعد ومن رجال الميليشيات السُّنية، ويرتدي نظارة داكنة اللون تخفي ندبة خشنة تميّز وجهه: «إنهم لا يزالون يتنفسون الهواء!». وكانت جريمتهم أنهم شاركوا في الاحتجاجات العامة ضد انتهاكات الحكومة المركزية قبل ثلاث سنوات والتي كانت تُقام في المناطق ذات الأغلبية السُّنية في مختلف أرجاء العراق. وتسللت عناصر تنظيم داعش الإرهابي إلى تلك المظاهرات، واستغلت مشاعر السخط والغضب العارمة آنذاك، وبدءوا في مسيرتهم الدموية في جميع أنحاء البلاد.
وقد تعاطف كثيرون من سكان قرية المنيرة مع دعوات وأهداف الاحتجاجات، حتى وإن لم يشاركوا فيها بأنفسهم. بيد أن هذا الفارق الدقيق كان مصيره التلاشي التام في خضم مناخ الانتقام المريع الذي أعقب هزيمة قوات «داعش» في العراق. وقال الضابط هلال: «كانوا هم من جلبوا (داعش) إلى بلادنا»، مستخدما المختصر العربي لمسمى التنظيم الإرهابي.
وتنتشر في المناطق المحيطة بمدينة الموصل القصص المشابهة من حرق المنازل والانتقام الشديد خلال الأيام الأولى من هجوم القوات الحكومية العراقية. ولم يكن مصدر الغضب الشديد خافياً على أحد. فلقد كان الريف العراقي تتناثر به المقابر الجماعية لضباط وجنود الشرطة وغيرهم من أفراد الأمن الذين لقوا حتفهم على أيدي المتطرفين من عناصر «داعش»، وكانت أيديهم موثقة بالحبال خلف ظهورهم في أغلب الأحيان.
وأرخت تلك المقابر على ربوع المنطقة بظلال بؤس لا تمحوه الأيام، كما أضرمت في الصدور نيران غل عميق وانتقام لا ينام.
يقول الضابط هلال، الذي ينتمي إلى إحدى الميليشيات المحلية الجامحة والعنيدة والتي كانت مكلفة بمسؤولية تأمين المناطق المحررة حديثاً من قبضة مسلحي «داعش» المتطرفين: «لن نسمح لهم بالنسيان أبداً». وتحمل هذه الميليشيات مسمى «فرسان جبور» نسبة لإحدى كبرى العشائر السُّنية في المنطقة.
وفي غضون شهور، اختفى الرجال المتهمون بالمشاركة في الاحتجاجات تماماً من قرية المنيرة. وقال ياسر إبراهيم، مدير إحدى المدارس هناك، من على باب منزله في القرية قبل بضعة أسابيع، إنه لا يعرف أحد أيَّ شيء عنهم إطلاقاً. وأضاف أن عائلات أولئك الرجال ظلوا في أماكنهم وراء القرية. وكذلك رجال الميليشيات الذين نهبوا وأحرقوا منازلهم.
وتتركز الأحاديث المتعلقة بالعراق في هذه الأيام حول أن السكان العرب السُّنة الساخطين قد يندفعون يوماً، من واقع الإحباط واليأس الشديد، إلى معاودة الترحيب مرة أخرى بالمتطرفين. غير أن هذه المخاوف لا تشكل خطراً من الأخطار في قرية المنيرة، إذ يتحدث سكانها عن عهد تنظيم داعش بمزيد من الرعب والندم.
وكان بعضهم من ضباط الشرطة في مدينة الموصل قبل الاجتياح، وكانوا يتخذون مواقعهم هناك في ذلك الصباح المشؤوم من يونيو (حزيران) عام 2014. عندما استولى «داعش» بكل سهولة على المدينة، بعدما انسحب الرجال المكلفون بالدفاع عنها وحمايتها فرادى وجماعات. وقال إبراهيم جاسم محمد، وهو من ضباط الشرطة السابقين: «لقد فررنا جميعاً، واضطررت إلى الهروب بالسباحة عبر النهر، لقد كان من أحلك أيام حياتنا جميعاً».
واختطف المتطرفون المسلحون ما لا يقل عن 24 رجلاً من قرية المنيرة، بما في ذلك والد إبراهيم، مدير المدرسة، والذي لم يسمع أحد أي شيء عنه منذ ثلاث سنوات كاملة. وبدلاً من المحافظة على الوجود المستمر هناك، كان عناصر «داعش» يتوجهون إلى قرية المنيرة مرات عدة في الأسبوع. وقال إبراهيم إن الآباء كانوا يمنعون أولادهم من حضور الدروس الدينية للتنظيم لحمايتهم من اعتناق تعاليم المتطرفين وأفكارهم. وكان يجلس في مبنى المدرسة في كل يوم ينتظر وصول المتطرفين المسلحين، ثم يكذب عليهم بشأن عدم وجود طلاب في المدرسة. غير أن جهود سكان القرية الصغيرة في مقاومة المتطرفين لم تلقَ استحساناً من أحد على الإطلاق.
وكانت القرية محظوظة إن وصلها التيار الكهربائي لسويعات عدة في كل يوم، ولم يكن المسؤولون يوزعون قسائم المواد الغذائية على سكان القرية، وكانت إمدادات المياه شحيحة للغاية كذلك، وكانت الشاحنات التي تمر على طول الطريق الترابي الضيق تظهر في أسفلها أنابيب المياه الممزقة بوضوح.
وعلى نحو معاكس، اعتقد القرويون من سكان المنيرة أن الفساد الحكومي المتوطن في العراق حال دون رصف الطريق الرئيسي في القرية. والآن لا يعرف أحد على من تقع مسؤولية إصلاح ما فسد من الأمور.
ومن دون أي شيء يفعلونه، يمكن العثور على أغلب رجال القرية بالقرب من أحد الأكشاك على طول الطريق المزدحم يشاهدون حركة مرور الحافلات والشاحنات، والأطفال الحفاة يبيعون الوجبات الخفيفة وزجاجات المياه لسائقي الشاحنات لكسب قوت أسرهم بدلاً من آبائهم العاطلين عن أي عمل.
يقول عمار محمد، وهو جندي سابق يعمل الآن على كسب رزقه من تهريب السجائر إلى المناطق الكردية في الشمال: «إننا نأمل في الحصول على أشياء جيدة من الحكومة. وليس لدينا سوى الصبر والانتظار».
ولا يزال مصير قرية المنيرة معلقاً بين السماء والأرض، بطريقة ما، على مقدرة حازم خليل، وهو من قدامى سكان القرية، على الاستمرار والبقاء.
وكان شقيق حازم الأكبر من كبار قادة تنظيم داعش الإرهابي، وهو مفقود منذ فترة طويلة ويعتقد أنه فارق الحياة. وكان شقيقان آخران، متهمان بالانضمام إلى التنظيم المتطرف، يقبعان في السجن. ولقد فر والدا حازم المسنان من القرية بعد احتراق منزلهما تماماً سداداً لآثام وأخطاء أبنائهما الثلاثة.
يقول حازم خليل وهو يجلس في منزله مع أطفاله: «أقسم بالله أنه لم يتبق غيري هنا»، مما يعكس حجم الكارثة الهائلة التي حلت به وبأسرته وبقريته.
وفي خضم ذلك نجد شقيقه الأكبر شاكر، الذي درس الأدب الفرنسي وعمل مديراً للمدرسة المحلية وإماماً للمسجد هناك. ولقد تم تجنيده من جانب المتطرفين وفق ما اعتبروه سبباً ذهبياً من وجهة نظرهم؛ فلقد كان سجيناً لمدة عامين ونصف العام تعرض خلالها للتعذيب الشديد، كما قال شقيقه. وعندما استولى «داعش» على الموصل، خدم بينهم في منصب وزير الإسكان والعقارات.
وفي قرية المنيرة، تندر الناس في أسى أن المتطرفين لم يدمروا أي منزل من المنازل من دون موافقة شاكر شخصياً. غير أن السجن لم يكن السبب الرئيسي في تطرفه، كما يقول خليل. فقد كان من الصحيح أيضاً أن حالة السخط والاستياء انتشرت عبر قرية المنيرة وغيرها من المناطق السُّنية الأخرى في الفترة التي سبقت سيطرة المتطرفين على المنطقة، إذ يقول حازم خليل عن ذلك: «تسببت الأجندات السياسية المتضاربة في اندلاع التوترات الطائفية»، مشيراً إلى سياسات الحكومة المركزية في ذلك الوقت. وأضاف يقول: «لم تكن هناك علاقة واضحة بين قوات الأمن والمواطنين. كان هناك فراغ كبير. وهذا الوضع يسّر الأمور كثيراً على تنظيم داعش في بدايته».
ومع بقاء ذلك الإرث العقيم في مخيلة الناس، أردف حازم خليل يقول: «كنت كثيراً ما أخشى التحرير».
وفي العام الذي أعقب التحرير من «داعش»، حل تفاؤل شديد الحذر محل مخاوفه وقلقه. ومن واقع خبرته، كانت قوات الأمن تتعامل مع الناس بصورة جيدة. وتم تفكيك الميليشيات المحلية المخيفة. ورفض جيرانه توجيه اللوم إلى حازم خليل مقابل خطايا شقيقه. ولأي سبب من الأسباب، كان المكان الذي يعيش فيه من القرية لا ينقطع عنه التيار الكهربائي. ولقد احتفظ بوظيفته في أحد مصانع الإسمنت القريبة. ولقد قرر خليل ترميم وتجديد منزله. وكان قد تلقى رسائل تهديد بشأن شقيقه، ولكنها توقفت منذ نحو 6 أشهر. وعقد خليل العزم على البقاء في قرية المنيرة، معتمداً على إعانات صغيرة. وأردف يقول: «لم يسألني أحد بشأن أي شيء، ولم يتعرض منزلي للحرق».
وتنتشر القرى العربية السُّنية على طول نهر دجلة. حالة السخط والاستياء انتشرت عبر قرية المنيرة وغيرها من المناطق السُّنية الأخرى في الفترة التي سبقت سيطرة المتطرفين على المنطقة عام 2014، وهو الاستياء الذي يلقي السكان المحليون باللوم فيه على السياسات الطائفية للحكومة المركزية آنذاك. ولقد أسفرت هزيمة متطرفي «داعش» اليوم عن عراق منقسم على نفسه ولكن مع مزيد من الآمال بلحظة منشودة من الوحدة.
خدمة {واشنطن بوست}
خاص بـ {الشرق الأوسط}



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.