الديمقراطية واحترام القانون على المحك في استفتاء كاتالونيا

أكبر أزمة تواجهها إسبانيا منذ نهاية حكم فرانكو عام 1975

الديمقراطية واحترام القانون على المحك في استفتاء كاتالونيا
TT

الديمقراطية واحترام القانون على المحك في استفتاء كاتالونيا

الديمقراطية واحترام القانون على المحك في استفتاء كاتالونيا

يثير استفتاء اليوم (الأحد) على استقلال كاتالونيا خلافات في الإقليم الغني الواقع في شمال شرقي إسبانيا، إذ يضع المسؤولين الكاتالونيين في مواجهة الحكومة المركزية، في واحدة من أكبر الأزمات التي تشهدها إسبانيا منذ تفعيل الديمقراطية، بعد وفاة الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو في 1975. كما يثير الانقسامات بين الكاتالونيين أنفسهم، وإن كانت غالبية كبيرة منهم ترغب في تسوية المسألة في تصويت قانوني.
وتشهد إسبانيا منذ بداية سبتمبر (أيلول) 2017 أسوأ أزمة سياسية منذ نحو 40 عاماً، بحسب مسؤوليها كافة. ففي السادس من سبتمبر، تبنى برلمان كاتالونيا قانوناً لتنظيم الاستفتاء، رغم حظره من المحكمة الدستورية. ومضت حكومة كاتالونيا في الأمر، ودعت لتنظيم الاستفتاء، رغم كثير من التحذيرات من السلطات المركزية في مدريد، التي هددت بالعقوبات ضد مؤسسات رسمية وأشخاص. ونشرت مدريد آلاف العناصر الإضافية من الشرطة من قوات أخرى في كاتالونيا التي تسهم في خمس الاقتصاد الإسباني، لمنع الاستفتاء.
أعلن ممثل الحكومة الإسبانية في كاتالونيا إنريك ميو السبت، أن الشرطة ختمت بالشمع الأحمر أكثر من نصف مراكز الاقتراع البالغ عددها 2300 في كاتالونيا. وقال ميو للصحافة الأجنبية في مقر الشرطة: «من أصل 2315 مركز تصويت (...) ختم 1300 بالشمع الأحمر». وأضاف أن 163 من هذه المراكز يحتلها ناشطون يحق لهم مغادرتها لكن لا أحد يستطيع دخولها.
أكد رئيس إقليم كاتالونيا كارلس بيغديمونت لوكالة الصحافة الفرنسية أنه وأنصاره لن يتنازلوا عن حقهم في تقرير مصيرهم، وأنهم سيشاركون الأحد في الاستفتاء على استقلال المنطقة رغم رفض الحكومة الإسبانية. وقال بيغديمونت قبل أقل من 24 ساعة من الاستفتاء الذي حظرته مدريد: «أن نعود إلى منازلنا ونتنازل عن حقوقنا هو أمر لن يحصل (....) لقد اتخذت الحكومة (الكاتالونية) كل التدابير ليتم كل شيء في شكل طبيعي»، داعياً الكاتالونيين إلى تجنب أي أعمال عنف. ودعا بيغديمونت إلى وساطة في الأزمة مع مدريد. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: يجب أن نعبر عن رغبة واضحة في حصول وساطة مهما كان السيناريو، سواء فازت الـ«نعم» أو الـ«لا» في الاستفتاء.
وطلب منظمو التصويت من الناخبين الوصول لمراكز الاقتراع الساعة الخامسة صباحا، والانتظار في صفوف لحين فتح المدارس أبوابها، وحثوهم على إظهار مقاومة سلمية لأي إجراء من الشرطة. وقال المصدر الحكومي إن أي متطوع يزود مركز اقتراع بما يتطلبه إجراء الاستفتاء سيتحمل مسؤولية قانونية عقوبتها غرامة تصل إلى 300 ألف يورو.
من حي إلى حي، تتجمع مجموعات من الأشخاص لتشكيل «لجان لحماية الاستفتاء»، باستخدام تطبيق تلغرام، لتنظيم الجهود ومطالبة الجميع بالحفاظ على الأجواء السلمية، بحسب مراسل الصحافة الفرنسية الذي اطلع على بعض هذه الرسائل. ويبدو أن التحرك تم تنسيقه جزئياً على منصة «مدارس مفتوحة للاستفتاء».
وفي التجمع المعارض للاستقلال، قالت دولوريس موليرو، سكرتيرة (53 عاماً) من تاراغونا (جنوب)، لـ«رويترز»، إن الوضع «في طريق مسدود». وقالت بعد التجمع الذي رفع فيه المشاركون أعلاماً إسبانية وأعلام الاتحاد الأوروبي، وكذلك العلم الرسمي لكاتالونيا: «يريدون تدمير الدولة، إسبانيا وكاتالونيا».
وفي مدريد، رفع المتظاهرون المعارضون للانفصال علم إسبانيا وهم يرددون: «كاتالونيا جزء من إسبانيا»، وشعارات يستخدمونها عادة لتشجيع فرق كرة القدم، بينها «أنا إسباني إسباني إسباني». كما هتفوا «بويجديمونت إلى السجن».
وأمرت محكمة، الأربعاء، الشرطة بمنع استخدام الأبنية أو الأماكن العامة «من أجل التحضير وتنظيم الاستفتاء». وأصدرت وزارة التربية الإسبانية بياناً، حملت فيه مديري المدارس في كاتالونيا المسؤولية، إذا ساعدوا في إجراء استفتاء الأحد، الذي تعتبره مدريد غير شرعي. والجمعة، قال وزير التعليم الإسباني، في بيان، إن مديري المدارس في كاتالونيا «ليسوا معفيين من المسؤولية»، إذا تعاونوا.
وقال جوردي سانشيز، رئيس «الجمعية الوطنية الكاتالونية»، وهي إحدى أبرز الحركات الاستقلالية المنبثقة من المجتمع المدني، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن قرار المحكمة «يقول ببساطة إن هذه الأماكن لا يمكن استخدامها الأحد في الاستفتاء»، وتابع: «نعتقد أنه من الجيد أن تبقى هذه الأماكن مفتوحة، وألا تقفل»، مضيفاً: «إنها مساهمة من أجل أن يكون الأحد يوماً طبيعياً قدر الإمكان، من يريدون التصويت... من المفيد أن يصلوا إلى مركز اقتراع أبوابه مفتوحة».
وقالت الشرطة إنها فتحت تحقيقاً في حادثة إطلاق أعيرة من بندقية، مساء الجمعة، على مجموعة من الأشخاص الذي كانوا يقفون أمام مدرسة ثانوية احتلها الناشطون في بلدة مانلو الكاتالونية، مما أدى إلى إصابة 3 أشخاص بجروح طفيفة.
وقال عمر سانشيز (طالب مسرح، 29 عاماً) وهو يقف خلف سياج مدرسة كولاسو اي غيل، في برشلونة، التي احتلها مع آخرين: «لا شيء يبرر انتهاك حق أساسي كحق التصويت هذا».
وتعهد مؤيدو الاستقلال، الذين احتلوا كثيراً من مراكز الاقتراع، بمواصلة المقاومة السلمية، بالتخييم في المدارس، مما يفتح الباب لمواجهة محتملة مع الشرطة التي تلقت أوامر بطردهم بحلول يوم الأحد، لضمان عدم إجراء الاستفتاء.
وكررت مدريد تحذيراتها لمن يساعد في تنظيم الاستفتاء بأنهم سيواجهون عواقب.
وأكدت الحكومة المركزية، الجمعة، أن التصويت غير قانوني، ولن يتم. وقد أرسلت آلافا من رجال الشرطة لتعزيز قواتها في المنطقة لمنع الناس من التصويت. وقال زعيم إقليم كاتالونيا كارلس بودجمون، لـ«رويترز»، في مقابلة يوم الجمعة: «كل شيء جاهز في كل مراكز الاقتراع التي يزيد عددها على ألفين. وهناك صناديق الاقتراع، وبطاقات التصويت، وفيها كل ما يحتاجه الناس للتعبير عن رأيهم».
وتصر مدريد على معارضة التصويت، وتقول إن الدستور ينص على أن البلاد غير قابلة للتقسيم، لكنها عبرت أيضاً عن أملها في أن يمر يوم الأحد بسلام.
واحتلت المراكز في وسط عاصمة الإقليم برشلونة، بحسب مراسلين أجانب، في حين نشرت «منصة المدارس المفتوحة من أجل الاستفتاء» صوراً على «تويتر» لعدد من مراكز الاقتراع التي تم احتلالها من قبل مؤيدين للانفصال. واختير عدد من المدارس مراكز اقتراع في الاستفتاء المثير للجدل، في محاولة لضمان إجراء التصويت، بحسب ما أفاد به مراسلو الصحافة الفرنسية.
ومع انتهاء الحصص الدراسية، الجمعة، قررت مجموعات صغيرة من النشطاء، وبينهم أهالي مع أبنائهم، أن يحتلوا سلمياً عدة مدارس في برشلونة تم اختيارها كمراكز اقتراع.
وقالت جيزيلا لوزا، وهي أم لثلاثة تلاميذ في مدرسة ريانا فيونانت الابتدائية، في حي غارسيا الراقي في برشلونة، حيث التأييد كبير للاستقلال: «سأنام هنا بجانب ابني الأكبر الذي هو تلميذ هنا». وأضافت لوزا للصحافة الفرنسية: «هناك على الأقل 4 أو 5 عائلات سيأتون مع أولادهم، وحتماً سيكون هناك المزيد، بالتأكيد غداً سيكون عددنا أكبر».
ومنذ أيام، تقوم الشرطة بمصادرة مواد خاصة بالاستفتاء، مثل صناديق أوراق الاقتراع، فيما أمر المدعون بإغلاق مواقع إنترنت مرتبطة بالاستفتاء، واعتقال أعضاء رئيسيين من الفريق المنظم للعملية. فقد صادر الحرس المدني الخميس 2.5 مليون بطاقة تصويت، و4 ملايين مغلف، في مستودع في إيغالادا بالقرب من برشلونة. كما عثر على نحو مائة صندوق اقتراع، لكن لم يعرف ما إذا كانت كلها مرتبطة بالاستفتاء. الحكومة الإسبانية، برئاسة المحافظ ماريانو راخوي، والقضاء قررا حظر الاستفتاء، حتى لو استدعى الأمر منع الوصول إلى مكاتب التصويت من قبل قوات الأمن المنتشرة بكثافة في كاتالونيا، التي قدر عددها بأكثر من 10 آلاف شرطي وحرس مدني.
وجالت جرافات في شوارع برشلونة، وبعضها رفع راية «استيلادا»، علم الانفصاليين المقلم بالأحمر والأصفر مع نجمة بيضاء على مثلث أزرق. وقد تعهد سائقو الجرافات والإطفائيون بحماية مراكز الاقتراع.

فكرة استقلال كاتالونيا... متى بدأت وكيف ستنتهي؟
- 2012
11 سبتمبر (أيلول): أول مظاهرة رئيسية لدعم الاستقلال في كاتالونيا، حيث خرج أكثر من مليون شخص إلى شوارع برشلونة. ويتم تنظيم مسيرات واسعة من أجل الاستقلال سنوياً بمناسبة هذا التاريخ منذ ذلك الحين.
20 سبتمبر: رفض رئيس وزراء إسبانيا، ماريانو راخوي، طلب زعيم إقليم كاتالونيا، أرتور ماس، لمزيد من الاستقلال المالي.
> 2014:
9 نوفمبر (تشرين الثاني): نظم إقليم كاتالونيا تصويتاً غير رسمي وغير ملزم للانفصال، بعد أن رفضت المحكمة الدستورية الإسبانية اقتراحاً سابقاً للاستفتاء. وتوجه أكثر من مليوني ناخب للإدلاء بأصواتهم، وجاءت نتيجة التصويت بموافقة 80 في المائة على الاستقلال عن إسبانيا.
> 2015
27 سبتمبر: فازت أحزاب موالية للاستقلال في الانتخابات الإقليمية، الأمر الذي اعتبر مراقبون أنه يمثل استفتاء بشكل فعال بشأن استقلال إقليم كاتالونيا.
> 2016
9 يناير (كانون الثاني): اختير كارلس بويجديمونت رئيساً جديداً لإقليم كاتالونيا.
29 سبتمبر: بويجديمونت ينجو من اقتراع بسحب الثقة في البرلمان، وتمت إعادة محاولة أخرى لإجراء استفتاء حول السيادة في عام 2017.
> 2017
13 مارس (آذار): منعت محكمة إسبانية زعيم إقليم كاتالونيا السابق، أرتور ماس، من تولي المنصب العام لمدة عامين بسبب دوره في تنظيم استفتاء عام 2014.
9 يونيو (حزيران) : أعلن بويجديمونت عن تنظيم استفتاء جديد حول الاستقلال في الأول من أكتوبر (تشرين الأول).
8 سبتمبر: علقت المحكمة الدستورية الإسبانية الدعوة لإجراء استفتاء حول استقلال كاتالونيا، بعد أن وافقت على نظر استئناف من قبل حكومة راخوي.
11 سبتمبر: شهدت برشلونة نزول أعداد كبيرة إلى الشوارع دعماً للاستقلال.
12 سبتمبر: المدعي العام في إسبانيا يأمر الشرطة بمنع المنظمين من الاستفتاء، الذين تم تحذيرهم بإمكانية مواجهتهم للاعتقال.
13 سبتمبر: استدعي المدعي العام في إسبانيا 700 من رؤساء بلديات كاتالونيا أمام المحكمة لسؤالهم عن الاستفتاء المحظور بشأن الاستقلال.
15 سبتمبر: اتخذت حكومة إسبانيا إجراءات للسيطرة على الموارد المالية لكاتالونيا، ومنعت استخدام الأموال العامة في الاستفتاء، وأوقفت إسبانيا عمل حكومة كاتالونيا (من الناحية الواقعية)، وبدأ الحرس المدني الإسباني بالسيطرة على مواد التصويت.
20 سبتمبر: تولي الحرس المدني الإسباني عملية رئيسية في مختلف مباني وزارة حكومة كاتالونيا، وسيطر على المواد المتعلقة بتنظيم الاستفتاء، وقامت قوة أمنية باعتقال 12 شخصاً، من بينهم وزير الدولة للاقتصاد، وخرج متظاهرون إلى الشوارع رداً على ذلك.
23 سبتمبر: أعلنت حكومة إسبانيا السيطرة على قوة شرطة «موسوس ديسكوادرا» في كاتالونيا.



«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في «البنتاغون».

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك، فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة بعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم «البنتاغون» كينغسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.

وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن تعليق عضوية دولة في الحلف: «معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي لا تنص على أي بند بشأن تعليق العضوية في الحلف».

«تقليل الشعور بالاستحقاق»

وقالت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى إن الانضمام إلى الحصار البحري ​الأميركي سيعني دخولها في الحرب، لكنها ستكون على استعداد للمساعدة في إبقاء المضيق ‌مفتوحاً بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو انتهاء الحرب.

لكن مسؤولي إدارة ترمب شدَّدوا على أن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً من ‌اتجاه واحد. وعبَّروا عن خيبة الأمل من إسبانيا، التي قالت حكومتها التي يقودها حزب العمال الاشتراكي إنها لن تسمح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ولدى الولايات المتحدة قاعدتان عسكريتان مهمتان في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية.

قال المسؤول، مٌلخصاً محتوى رسالة البريد الإلكتروني، إن الخيارات السياسية الموضحة في الرسالة تهدف إلى إرسال إشارة قوية إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي بهدف «تقليل الشعور بالاستحقاق لدى الأوروبيين».

وأوضح أن الرسالة تشير إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف سيكون له تأثير محدود على العمليات العسكرية الأميركية، لكنه سيكون له تأثير رمزي كبير.

ولم يكشف المسؤول ‌عن السبل التي ربما تتبعها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رداً على سؤال حول التقرير قبيل اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص لمناقشة قضايا، من بينها بند المساعدة المتبادلة في حلف شمال الأطلسي: «لا نتحرك بناءً على رسائل إلكترونية. نحن نتحرك بناءً على وثائق رسمية ومواقف حكومية، وفي هذه الحالة عن مواقف الولايات المتحدة».

جزر فوكلاند

تتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وتحمس ميلي لهذه الاحتمالات. وقال في مقابلة مع محطة إذاعية نشرها على حسابه على «إكس»، الجمعة: «نفعل كل ما في مقدور البشر لنستعيد كل جزر مالفيناس الأرجنتينية، الجزر، لأيدي الأرجنتين... نحرز تقدماً كما لم يحدث من قبل» وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر فوكلاند.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير».

وأساء ترمب مراراً إلى ستارمر، ووصفه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بما في ذلك المواطنون البريطانيون، ​وسط الرد الإيراني.

وفي تعليقات للصحافيين في «البنتاغون» في وقت سابق من ​هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران بعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا.

وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».