جيل تائه في بلاد «الإنستغرام»

نرجسيّة يائسة وإحساس بالنقصان وبحث عن خلاص مزعوم

جيل تائه في بلاد «الإنستغرام»
TT

جيل تائه في بلاد «الإنستغرام»

جيل تائه في بلاد «الإنستغرام»

ليست الرأسماليّة المتأخرة أمراً يتعلق بسيطرة الرأسمال الخاص على الحياة الاقتصاديّة فحسب، بل هي إطار كلّي ينظّم شروط حياة بشر المجتمعات المعاصرة في جوانبها كافة، وهي منذ استقرت كشكل مهيمن لإدارة عمليّة الإنتاج الاقتصادي، أفرزت ثقافة وعززت اجتماعاً وبنت مؤسسات سياسيّة وطرائق تفكير تعكس بشكل سافر أو متضمن هيكليّة تقاسم الوجود بين مالكين ومستخدمين، وفرضت على مشاعر البشر وإحساسهم بالحياة وبالذات أنماطاً تكرّس هيكلة التقاسم، بشكل أو بآخر.
هذا التقاسم الأفقي فرض على الأفراد الذين ينتمون بحكم واقعهم الاقتصادي إلى طبقة المستخدمين - مهما بلغ ثراؤهم - أن يلعبوا أدواراً متزامنة بما يخدم الهيكليّة القائمة: موظفين مطيعين لما يتطلبه منهم النظام، ومستهلكين دائمين في بحث مستمر لإرضاء حاجات حقيقيّة وموهومة. وقد تسبب ذلك، فيما يرى تريستام آدامز، في أن تحولت المجتمعات الرأسماليّة المعاصرة إلى مصنع هائل للمرضى النفسيين (السيكوباثيين). فلكي يكسب الأفراد عيشهم اليومي من خلال الاستخدام لدى طبقة المالكين، فهم مضطرون لتمثيل أدوار غالباً ما تكون متعارضة مع شخصياتهم الحقيقيّة وطبائعهم الموروثة. فالكاتب الصحافي مثلاً يمكن أن يضطر للكتابة ضد قناعاته الذاتيّة، والوجوه التلفزيونيّة ترزح تحت ضغوط شديدة تتحكم بشكلها وطريقة لبسها وأدائها، بل وقد تجبرها بطريقة أو أخرى على مقاومة تقدم العمر من خلال عمليات التجميل الدورية حتى يكادوا يفقدون صور وجوهم التي ولدوا بها، كما المهن المرتبطة بخدمات العملاء التي تتطلب من شاغليها أن يكونوا قادرين على إظهار التعاطف، والتعامل الإيجابي مع «الزبائن». وبالطبع، فإن عدم الالتزام بما تتطلبه الوظيفة من أداء على مستوى المشاعر، قد ينتهي بالفرد إما إلى بالبطالة أو فقدان فرص التقدم الوظيفي على أحسن الأحوال. هذه السيطرة على مشاعر الفرد في مجتمع العمل المعاصر، يقول آدامز، تتسبب في إنتاج مجاميع هائلة من السيكوباثيين المرضى الذين يصبحون عرضة للاكتئاب والتوتر اليومي، ومن ثم الوقوع في براثن مضادات الاكتئاب، التي هي بدورها - وبمحض الصدفة - أحد أهم مصادر الرّبح للرأسمال في الاقتصادات الغربيّة.
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، فإن متطلبات استمراريّة الاستهلاك، والخضوع للمنظومة السائدة، تفرض على الأفراد المشوهين نفسياً أصلاً بحكم موقعهم في علاقات الإنتاج أن يندرجوا في قناعات آيديولوجيّة تجعلهم يبحثون عن خلاص موهوم، من خلال عبادة الذات، وسعي فردي محض للوصول إلى حياة فضلى يرسمها النموذج الرأسمالي على نحو مثالي مفلتر يشعرهم بنقص دائم واحتياجات متلاحقة، يمكن نظرياً تحقيقها فقط من خلال مزيد من الاستهلاك. وهكذا، تكتمل الدائرة المرعبة، حيث إن هذا الأخير يتطلب حتماً دخلاً أفضل، وبالتالي خضوعاً أعمق لتكيفات المشاعر التي تستدعيها الرأسماليّة، ومزيداً من التشوه النفسي الذي يسهل إخضاع ذات الفرد إلى دائرة الاستهلاك العقيمة، فلا يخرج منها إلا بالموت المحتم.
عبادة الذات هذه أصبحت على يد الرأسماليّة بمثابة فعل إيمان غيبي أشبه بالأفيون الذي وصفه ماركس في مقولته الشهيرة عن أفيون الشعوب. لم يكن الأفيون حينها مخدراً يتسبب بالإدمان كما نعرفه اليوم، بل كان لمعاصريه كما عقار يخفف الألم، ويجعل من تجربة الوجود شيئاً يمكن احتماله. ولعل تجربة البشرية في العقد الأخير من خلال مواقع التواصل الاجتماعي - وبالذات من خلال ثقافة الصور الذاتيّة (سواء سيلفي أو فيديوهات) - تكشف وعلى نحو موثق الآن، لم يكن متاحاً أيام فرويد ويونغ أو حتى لاكان، عن مدى تفشي ظواهر التشوه النفسي هذه التي تسببت فيها الرأسمالية، لتتحول إلى وباء شامل يفتك بمعظم البشرية دون رحمة.
يقدر مراقبون أن موقع «إنستغرام» يستقبل كل دقيقة ما يزيد على 100 ألف صورة سيلفي، وضعفها على موقع «فيسبوك». ويقول الخبراء إن جزءاً أقل من هذه الصور يخدم أغراضاً إيجابية على نحو «شكراً يا أمي على هذه الهدية اللطيفة» و«ماما، نحن بخير ونقضي أوقاتاً جميلة هنا»، بينما أغلبها صور مفلترة لاستعراض نرجسي بائس، على درجات متنوعة وفق مقاييس المرض النفسي المعروف، يتضمن رسائل ذات مضمون جنسي عميق ينتمي إلى مشاعر الثدييات البدائية، كما طواويس تستعرض ريشها للإغواء، أو كواسر تتقاتل لجذب انتباه الإناث. التحاق الفرد في منافسة السيلفيات هذه لا تؤدي به إلى اكتساب الثقة بالذات، أو تحسين شعوره بقيمته الذاتية، بقدر ما يدفع به إلى بذل جهود استهلاكية متعاظمة، لضمان استمرارية السردية التي وضع نفسه - أو نفسها – بها، حتى إن دفعتهم للاستدانة أو التظاهر الكاذب، لا سيما أن المنافسة لا ترحم، سواء من الأقران والقرينات، أو حتى من النماذج «الكارديشيانية» التي يرّوج لها على نطاق واسع. فالنتيجة أن الفرد دائماً ينتهي إلى الاعتقاد أن المجتمع ناجح ومكتمل ومفتوح للصعود، بينما أن التقصير دائما منك - أيها الفرد - لأنك لا تبذل الجهد اللازم لتكون مؤهلاً لمجاراة الناجحين. الخطر من ذلك كله هو أن هذه الممارسة النرجسية قابلة للتصاعد إلى درجات أعلى من المرض مع تكرارها، ولأنها تؤثر غالباً سلباً على المحيط الاجتماعي. فلا شك أن مراهقة غرة ستظن أن سر نجاح تلك الممثلة أو هذا الوجه الإعلامي إنما هو نموذج هويتها المثالية المزعومة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما على تطبيق «الإنستغرام»، وهي مثالية دائماً، فمن منا يجرأ على تعميم صورة سيئة له؟ فتتقمصها دون أن تدري، وتنتهي بها إلى تشوه نفسي أكبر، وضحيّة جاهزة لأن تفتك بها وتُخضعها المنظومة الرأسمالية. كما أن سلاسل السلفيات لا شكّ تضع ضغوطاً لا مبرر لها على الأفراد المشغولين بكسب العيش على أدنى مربوط الطبقة المسحوقة، وأولئك الذين لا يحسنون التعامل مع وسائل التكنولوجيا الحديثة، أو حتى الأغلبيّة الكبرى من البشر الذين لا يتمتعون بحسن الطلة، ولا يمتلكون مداخيل كافية لاستثمارها عند دجالي جراحة التجميل.
إن آيديولوجية الخلاص الفردي من خلال عبادة الذات ونوادي التكاذب المتصاعد - كما هي في عالم «الإنستغرام» والعوالم الأخرى الموازية - إنما تقرّ في أذهان الأكثريّة وهم إمكانيّة التغيير لوجود أفضل عبر الاستهلاك والخضوع، دون أي حراك جماعي أو تضامن طبقي يسمح بمواجهة حقيقية مع أسباب انعدام العدالة الاجتماعية في مجتمعاتنا المعاصرة.
ليس «الإنستغرام»، أو أي من مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، شيطانيّة بالمطلق، فإمكانياتها الإيجابيّة النظريّة هائلة، سواء في التواصل الإنساني أو اكتساب المعارف أو التنشئة الاجتماعيّة، لكن توظيفها من قبل القوى الرأسماليّة كما هي الآن يحولها إلى مصائد لاقتناص الأرواح الهائمة الباحثة عن معنى تجربة الوجود - التي لأجل أن تكون ثريّة للقلة ينبغي أن تكون بائسة للأكثريّة - فيقعون في هاوية لا نهائيّة تتلاعب بهم، بين نرجسيّة بائسة أو إحساس مقيم بالنقصان.
البؤس يجب ألا يكون قدر البشر. نعم، هناك عالم حقيقي أفضل ممكن خارج بلاد «الإنستغرام» في كوكب السيكوباث. لكنّ هذا العالم الممكن ربما لن يتحقق أبداً، ما دامت الرأسماليّة هي من يحدد شروط الحياة، وطرائق كسب العيش، وأساليب التعاطي مع أدوات التكنولوجيا الحديثة وفضائها الافتراضي المهول.
وبينما كنت تقرأ هذا المقال، هناك الآن ربما مليون صورة إضافية أخرى حملت على «الإنستغرام»، لكن العالم ما زال بائساً كما كان دائماً، بل ازداد قتامة، في حين تتكرس سلطة المهيمنين، ويزدحم الفضاء الافتراضي بمزيد من النرجسيّة والتيه.


مقالات ذات صلة

«سناب» تطلق اشتراكات صناع المحتوى لتعزيز الدخل المباشر

تكنولوجيا «سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة لتمكين دخل مباشر للمبدعين (رويترز)

«سناب» تطلق اشتراكات صناع المحتوى لتعزيز الدخل المباشر

«سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة للمبدعين لتنويع الإيرادات، وتقليل الاعتماد على الإعلانات، وتعزيز الدخل المتكرر واستقلالية صناع المحتوى.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» تستثمر 3 مليارات دولار في «إكس إيه آي» قبيل استحواذ «سبيس إكس» عليها

أعلنت شركة «هيوماين» السعودية عن استثمار استراتيجي بقيمة 3 مليارات دولار في شركة «إكس إيه آي» ضمن جولة تمويلية من الفئة «إي».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كندا تبحث في الرياض تعزيز الشراكات الرقمية مع السعودية

أعلن وزير الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي في كندا، إيفان سولومون، أنه التقى عدداً من الوزراء وقادة الأعمال في العاصمة السعودية، الرياض، بهدف تعميق الشراكات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد زوار لجناح شركة «رسن» في أحد المعارض المقامة بالسعودية (الشركة)

تضاعف أرباح «رسن» السعودية لتقنية المعلومات 160 % في 2025

تضاعف صافي ربح شركة «رسن» لتقنية المعلومات السعودية خلال عام 2025 بنسبة 160.6 في المائة ليصل إلى 247 مليون ريال (65.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تطبيق "مسلم برو" المتكامل بمزاياه العديدة

تطبيقات رمضانية للشهر الفضيل

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتحول الجوال الذكي من مجرد أداة للتواصل إلى رفيق ومنظم ذكي يعين المسلم على استثمار أوقات الشهر الفضيل.

خلدون غسان سعيد (جدة)

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.


«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
TT

«بانش» والدمية... قصة قرد يتيم أسرت قلوب الملايين

«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)
«بانش» من حديقة حيوان في اليابان إلى نجمٍ عالمي (رويترز)

كيف لقردٍ صغير في حديقة حيوانات في اليابان أن يأسر كل تلك القلوب حول العالم؟ كيف استطاع «بانش (Punch)» أن يسرق الأضواء والأرقام من نجوم المسلسلات وأخبار الحروب 5 أيامٍ على التوالي، في ظاهرةٍ احتلّت منصات التواصل الاجتماعي من دون سابق تخطيطٍ ولا حملة إعلامية منظّمة؟

إنها ببساطة المشاعر الإنسانية المشتاقة ربما للحظاتٍ من الصدق والنقاء، والتي استطاع «القرد بانش» أن يصنعها من دون تمثيلٍ ولا ادّعاء.

تحوّل القرد «بانش» إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي (أ.ف.ب)

«بانش» حبيب الملايين

بقصته المؤثّرة والزاخرة بالتفاصيل الحزينة، حرّك بانش تعاطف الملايين؛ فقردُ المكاك الياباني تخلّت عنه أمه عندما وُلد في 26 يوليو (تموز) الماضي، ثمّ نبذه رفاقه القِرَدة في حديقة إيشيكاوا ودفعوه أرضاً كلما حاول التقرّب منهم.

لم يبقَ له سنَدٌ في هذه الدنيا سوى دمية محشوّة على شكل قرد، يمسك بيدِها ويجرّها خلفه أينما ذهب. تلك الدمية التي أعطاه إياها عمّال الحديقة، هي أكبر منه حجماً وأثقل وزناً لكنه حريص على ألّا تفارقه لحظة. يساعدها في تسلّق الصخر معه، يحتضنها ويلعب معها، وإن غلبَه النعاس يغفو على صدرها.

لا يخطو «بانش» خطوة من دون أن يجرّ الدمية خلفه (رويترز)

بعد ساعات قليلة على نشر عمّال الحديقة مجموعة من الفيديوهات القصيرة التي توثّق يوميات بانش مع دميته الحبيبة، حتى انتشرت الحكاية وصارت حديث الملايين، ودفعت بالبعض إلى إنشاء حسابات لدعم بانش أو تبنّيه. كما ارتفعت أعداد زوّار حديقة إيشيكاوا الآتين للتعرّف عن قرب إلى القرد الصغير.

البطريق «غريب»

ليس بانش الحيوان الوحيد الذي ذاع صيتُه وتحوّل من مجرّد حيوانٍ في حديقة إلى حكاية يتناقلها البشر، وترويها الكتُب والأفلام.

تكثر القصص المؤثّرة والمُلهمة الآتية من خلف قضبان حدائق الحيوان. لعلّ البطريق «غريب كون (Grape-Kun)» هو الأشهر على الإطلاق من بين أبناء فصيلته. ولغريب حكاية حزينة كذلك، إذ هجرته شريكته بعد أن أنجبت فرخهما الأول الذي فصلته الحديقة عنهما. بعد خسارته ابنه وشريكته، رفضته البطاريق الأخرى فبات يقضي معظم وقته معزولاً ووحيداً.

إلى أن جاء ذلك اليوم من عام 2017 فوضعت حديقة حيوان «توبو» اليابانية حيث مقر إقامة غريب، 60 مجسّماً دعائياً لشخصيات من سلسلة رسوم متحركة يابانية شهيرة. وكان المجسّم الموضوع على صخرة عالية في قفص غريب عبارة عن بطريق من فصيلته. صار البطريق المنعزل يحدّق يومياً بجاره الجديد لساعات محاولاً الوصول إليه، وعندما انتهت الحملة الدعائية أُزيلت المجسّمات من الأقفاص كافة باستثناء «هولولو» صديق غريب. هذا الولع بالمجسّم أكسب البطريق شهرةً عالميةً وقاعدةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت، لكنه توفّي في السنة ذاتها، أي 2017.

كان البطريق «غريب كون» يمضي ساعات في تأمّل المجسّم (إكس)

الدب «كنوت»... من اليُتم إلى الهوَس

مثل القرد بانش، كان الدب القطبي «كنوت (Knut)» يتيماً بعد أن رفضته أمه عند ولادته. تولّى حرّاس حديقة الحيوان في برلين تربيته وذاع صيتُه؛ بسبب تلك القصة المؤثّرة. إلا أنّ شهرته الفعليّة نالها بفعلِ حملةٍ عالمية معترضة على إبقائه في الأَسر. وقد تحوّل كنوت عام 2007 إلى ظاهرة إعلامية جماهيريّة أقرب إلى الهوَس الجماعي، ألهمَت ألعاباً إلكترونية وبرامج تلفزيونية وكُتُباً كلها من بطولة الدب القطبي الصغير. كما كان له الفضل في زيادة إيرادات حديقة برلين بنحو 5 ملايين يورو. إلا أنّ الحكاية انتهت بشكل دراماتيكي، إذ نفق كنوت بشكل مفاجئ عن عمر 4 سنوات بعد سقوطه في حوض السباحة داخل قفصه.

الدب القطبي «كنوت» الذي حظي بمتابعة الملايين حول العالم (رويترز)

الباندا «هوا هوا»... شكل غير مألوف وشخصية أليفة

إنها الباندا التي اضطرّت محميّة «تشنغدو» في الصين إلى تقييد دخول الزوّار، بسبب تدفّقهم لزيارتها. ليس اسمُ «هوا هوا (Hua Hua)» فقط العلامة الفارقة فيها، فكل ما في الباندا الصغيرة فريد؛ من عينَيها الشبيهتَين بشكل دمعة، إلى إلى أرجلها القصيرة للغاية، وجسمها الممتلئ الصغير، وفرائها الأبيض الكثيف. يكتمل المشهد بشخصيتها اللطيفة رغم قَدَمها الخلفيّة المقوّسة التي تعيق سرعتها وقدرتها على تسلّق الأشجار.

«هوا هوا» هي أشهر باندا في الصين على الإطلاق؛ بسبب مظهرها الفريد وشخصيتها الأليفة. كما أنّها تمتلك قوةً خارقةً وهي فهمُها اللهجة العامية في محافظة سيشوان الصينية. وما يميّز «هوا هوا» تعاملُها مع رفاقها بمحبة، إلى درجة أنها تسمح لباندا أخرى في المحمية بسرقة طعامها. أكسبَتها تلك الصفات مجتمعةً جماهيريةً واسعةً على الإنترنت ومنصات التواصل. على سبيل المثال لا الحصر، حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بها على «تيك توك» 2.6 مليون مشاهدة.

الدلفين المُلهمة

لـ«وينتر (Winter)» قصة مؤثّرة، فالدلفين الأنثى كانت في شهرها الثاني عندما علقت في مصيدة داخل المياه الساحلية لفلوريدا عام 2005. رغم جهود الإنقاذ كانت إصاباتها بالغة، ما أدّى إلى بتر جزء من ذيلها وتشويه زعانفها.

منذ ذلك الحين صارت تسبح بطريقة غير طبيعية، لكن بمساعدة فريق العناية وشركة متخصصة في الأطراف الصناعية، مُنحت «وينتر» ذيلاً صناعياً، وهو كان الأول الذي يجري تركيبه لدلفين، ما سمح لها بالسباحة بمرونة وسرعة دلفين ذي ذيل طبيعي.

تابع كثيرون حكاية وينتر التي صارَ يُنظَر إليها بوصفها مصدر إلهام لذوي الاحتياجات الخاصة، كما نُشرت كتب وصُمّمت ألعاب فيديو عنها. وفي 2011، صدر فيلم «حكاية دلفين» حيث جسّدت وينتر شخصيتها، معيدةً تمثيل عملية الإنقاذ، وأثبتت ريادتها في استخدام ذيلها الاصطناعي.

«فيونا» فرس النهر

وُلدت «فيونا (Fiona)»، وهى أنثى فرس النهر في حديقة حيوان سينسيناتي الأميركية عام 2017، وذلك قبل موعد ولادتها بـ6 أسابيع. كان وزنها 13 كيلوغراماً فقط، وهو أقل بكثير من المعدل الطبيعي لأفراس النهر. ولأنها لم تكن قادرةً على الوقوف ولا الرضاعة بمفردها، اضطر القائمون على رعاية الحيوانات إلى التدخل وتقديم رعاية مكثفة لها، شملت إطعامها وتدفئتها على مدار الساعة.

«فيونا» فرس النهر وهي تلعب مع أمها في حديقة حيوان سينسيناتي (أ.ب)

وثّقت حديقة الحيوان الأشهر الأولى من حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت تحديثات يومية حصدت ملايين المشاهدات، وأصبحت قصتها رمزاً للصمود والأمل. كما غطّت وسائل إعلام مهمة من بينها صحيفة «نيويورك تايمز» ومنصّة «ناشيونال جيوغرافيك»، رحلة فيونا، وسرعان ما أصبحت من أشهر حيوانات حدائق الحيوان على الإنترنت.

نمَت «فيونا» لتصبح أنثى فرس نهر بالغة، وهي لا تزال تُبهج مُحبيها بشخصيتها المرحة، وبتفاعلها مع الزوار.