مرثية مايكل هاج لمدينة كفافيس وفورستر وداريل

ترجمة عربية لكتاب «الإسكندرية... مدينة الذكرى»

من معالم الإسكندرية
من معالم الإسكندرية
TT

مرثية مايكل هاج لمدينة كفافيس وفورستر وداريل

من معالم الإسكندرية
من معالم الإسكندرية

هل ثمة قواسم مشتركة بين حياة كفافيس وفورستر وداريل؟ وكيف شكلت الإسكندرية محوراً لإبداعهم؟ وهل هم من خلدوا الإسكندرية أم أن الإسكندرية هي التي فعلت ذلك؟ هذه التساؤلات وغيرها، يجيب عنها المؤرخ البريطاني مايكل هاج في كتابه الشيق «الإسكندرية... مدينة الذكرى»، الذي صدرت ترجمته العربية أخيراً عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، وقامت بنقله للعربية فضيلة محجوب، وراجعه طاهر البربري.
يقع الكتاب في 600 صفحة، وهو ليس من كتب التاريخ، وإنما هو يروي التاريخ متضافراً مع سيرة أهم المبدعين الذين عاشوا في الإسكندرية، سارداً المناخ الأدبي والاجتماعي والسياسي والثقافي لهذه المدينة خلال النصف الأول من القرن العشرين، استناداً إلى اليوميات والرسائل والبرقيات ومقابلات مع أجيال من الجاليات الأجنبية التي عاشت في تلك الحقبة الذهبية، محاولاً الإجابة عن سؤال طرحة لورانس داريل في «رباعية الإسكندرية» قبل 60 عاماً: ماذا في مدينتنا هذه بالأساس؟ ماذا نستعيد عندما ننطق كلمة الإسكندرية؟
ويروي هاج عبر سيرة حياة داريل وفورستر وكفافيس، وعلاقاتهم بالمجتمع السكندري، والشخصيات التي أثرت في حيواتهم، التاريخ الخفي للإسكندرية أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، مسلطاً الضوء على الجاليات الأجنبية، كاليونانيين والإيطاليين وغيرهم ممن شاركوا في صنع «تلك الإسكندرية» التي باتت تاريخاً وماضياً يتم محو ما بقي منه كل يوم.
ويستهل الكتاب برحلة عودة لورانس داريل إلى الإسكندرية عام 1977، ومنها يروي بداية وصوله للإسكندرية في ربيع عام 1941، ثم ينقلنا عبر شوارع الإسكندرية إلى لقاء كفافيس وفورستر، وكيف كان ذلك اللقاء الذي دفع فورستر لجمع كل قصائد كفافيس التي صنعت مجد الإسكندرية الأدبي. ويشير فيه إلى ولع داريل بكفافيس، خصوصاً قصيدة «المدينة» التي ترجمها ووضعها في ختام روايته «جوستين»، ثم يشير إلى كتابه داريل للطبعة الأولى من كتاب فورستر «الإسكندرية... تاريخ ودليل».
ويتعمق هاج كاشفاً حياة داريل بكل تفاصليها، ومما يذكره المؤلف أن زواج الروائي والشاعر البريطاني «لورانس داريل» شهد حالة من التوتر الشديد، إذ تم إجلاء زوجته نانسي وابنتها إلى فلسطين في يوليو (تموز) 1942، بعد قيام روميل بتهديد مصر وتوقفه عند منطقة العلمين، ولم تعد نانسي في العام التالي، فالتقى «داريل» بـ«إيف كوهين» في الإسكندرية، وأصبحت زوجته الثانية التي وصفها بقوله: «امرأة غريبة وفاتنة، بعينين سوداوين، صائبة في كل استجابتها»، وقد أهداها الجزء الذي عنونه بـ«جوستين»، ضمن الأجزاء الأربعة في عمله الشهير «رباعية الإسكندرية».
ويضيف المؤلف أن «داريل» كتب إلى صديقه هنري ميللر عن هذا العمل الأدبي، قائلاً: «إنه قصيدة نثر من نوع ما، إلى واحدة من أحب عواصم القلب، عاصمة الذكريات، ويحمل صوراً لاذعة لنساء الإسكندرية، هن بالتأكيد أحب الناس إلى نفسي، وأكثرهن كرباً وحزناً في العالم».
جمع مايكل هاج ببراعة ودقة الباحث الدءوب كل ما ذكره شعراء ورحالة يونانيون ومستشرقون ومؤرخون ورحالة ومعاصرون عن المدينة بأجوائها الكوزموبوليتانية. ويشير هاج إلى أن الإسكندرية كانت لما يقرب من ألف عام، بعد أن أسسها الإسكندر الأكبر سنة 331 ق.م.، أحد أهم المراكز الثقافية والحضارية في العالم «مدينة عالمية وكوزموبوليتانية»، وظل «موسيون» الإسكندرية، ومكتبتها الشهيرة التي كانت جزءاً منه، وفنارها، رموزاً للتنوير حتى يومنا هذا، ويسرد الكتاب حكاية تأسيس الإسكندرية، حينما راودت الإسكندر المقدوني رؤية عن جزيرة تدعى «فاروس»، لها ميناء عظيم في مصر.
ويستعيد وصف المؤرخ والجغرافي اليوناني «سترابو» للإسكندرية في القرن الأول للميلاد، إذ يقدم وصفاً دقيقاً للحي الملكي و«الموسيون»، والميناء الشرقي العتيق، وغيرها من المعالم التاريخية للعالم القديم.
ويتحدث «هاج» عن انبهاره بالمدينة وقصورها وتخطيطها، حيث تحوي 4 آلاف قصر، و4 آلاف طريق، و400 مسرح، و1200 محل للخضار، كما أن أعمدتها الضخمة لا مثيل لها في أي مكان آخر.
ويلفت النظر إلى أن الرحّالة الإنجليزي «ريتشارد بوكوك»، الذي زار الإسكندرية عام 1737م، تحدث عن الأسوار الشاهقة للمدينة ونخيلها السامق، وعن الحي الملكي وصهاريجها التي تختفي تحت كل شبر في أرجائها، وقبر الإسكندر الذهبي الذي لم يُعثر عليه إلى الآن، كما يتحدث عن الإسكندرية الكوزموبوليتانية، حيث شوارعها العتيقة يوم كانت لغات العالم تُسمع في المقاهي والشوارع وبين الباعة الجائلين، مورداً ما كتبه المؤرخ الإيطالي «بريتشا» في وصف المدينة عام 1922، بأنها مدينة التسامح والمحبة، حيث اشتهرت بتنوع الأعراق والجنسيات والأديان واللغات. ولـ«هاج» كتاب يضم كل ما كتب عن الإسكندرية بعنوان «أنطولوجيا الإسكندرية»، عن دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة، كنا قد عرضنا مراجعة له في ملحق «فضاءات».
ويأتي الفصل الأول بعنوان «ترام»، ليخصصه مؤلف الكتاب عن فورستر الذي جاء لمصر بعد الهند، وكانت له عدة تجارب روائية، ونظراً لحالة الحرب التي كانت تعيشها بريطانيا وأوروبا عام 1914، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، قرر أن يتطوع في الصليب الأحمر بالإسكندرية كباحث عن المفقودين، ثم استقر في المدينة لمدة 3 سنوات. ويتتبع هاج مسارات فورستر والأمكنة التي زارها وأقام فيها، وخطاباته إلى والدته وأصدقائه، ويطلعنا على جوانب لم نعرفها عن فورستر الذي كتب أروع وأهم دليل يؤرخ لمدينة الإسكندرية حتى الآن.
في الفصل الثاني «الإسكندرية من الداخل»، يطلعنا على سمات وجوانب شخصية شاعر الإسكندرية كفافيس، والشخصيات التي التقاها، والأمكنة التي شهدت على ولعه بالمدينة. ومنهم الأديب زنانيري، الذي التقى كفافيس عام 1926. ويروي زنانيري، الذي غادر الإسكندرية بعد ذلك إلى باريس، أن كفافيس كان يعشق وقت بزوغ الفجر، الذي كان يستقبل فيه زائريه، وأنه كان يفضل دوماً الجلوس في الجانب المظلم من الحجرة. ويقول زنانيزي: «كان الشعر هو الشيء الوحيد الذي كنا نتبادل فيه الحديث مع كفافيس! كانت علاقتي بكفافيس تنحصر في الشعر والروح البيزنطية، ولم يجل بخاطري قط أن أرى كفافيس أي شيء آخر سوى شاعر».
«آه لو أن الحب أبدي» هو عنوان الفصل الثالث الذي يسرد قصص الحب التي ارتبطت بالمدينة، سواء بين أنطونيو وكليوباترا، أو بين فورستر وصديقه المثلي محمد العدل، مستعرضاً الخطابات التي كتبها فورستر له، وكيف تداخلت الحياة السياسية المصرية وثورة سعد زغلول ضد الاحتلال الإنجليزي مع حياة فورستر. وفي الفصل الرابع «مجتمع الرفاهية: تاريخ ودليل»، يكشف المؤلف تفاصيل مثيرة عن حياة الأميركي جاسبر برينتون، الذي ترأس جمعية آثار الإسكندرية، وعلاقته بفورستر، وولعهما بقصة قبر الإسكندر الأكبر الذي رجح فورستر أنه يقبع أسفل مسجد النبي دانيال بالإسكندرية. وتستمر الإثارة والتشويق في الفصل الخامس «ثنائيات مختلطة كالعادة»، والفصل السادس «صورة شخصية» الذي يحفل بقصص عائلات سكندرية كبرى يهودية ويونانية أثرت في الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، وفي الفصلين السابع والثامن، يعود هاج لمزيد من التفاصيل عن حياة داريل وزوجاته وخروجه من الإسكندرية إلى قبرص، وعودته إليها في سبعينات القرن الماضي. ويحفل الفصلان بصور نادرة لداريل وزوجاته وابنته، وفي الفصل التاسع «مدينة لا تتلاشى»، بعض الوثائق والخطابات التي كتبها داريل أثناء حياته بالإسكندرية ترثي ما بقي منها آنذاك، وتروي بدقة أوضاعها أثناء الحرب العالمية الثانية.
فصول الكتاب مفعمة بروح المدينة الكوزموبوليتانية التي تستدعي «نوستالجيا» من نوع خاص لمدينة كان يطلق عليها «مدينة العالم»، بكل ما كان فيها من متناقضات وجنسيات تزيد على 50 جنسية تتعايش معاً، وحضارات متنوعة، ذلك الخليط الذي صنع حالة إبداعية لا تزال بقاياها حاضرة في أجيال من المبدعين المصريين يعيشون على أطلال ذكرياتها.


مقالات ذات صلة

مصر تنتهي من تجميع وترميم رأس تمثال لرمسيس الثاني بسوهاج

يوميات الشرق رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)

مصر تنتهي من تجميع وترميم رأس تمثال لرمسيس الثاني بسوهاج

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن الانتهاء من ترميم رأس تمثال من الجرانيت للملك رمسيس الثاني داخل معبده بمدينة أبيدوس بمحافظة سوهاج (جنوب مصر).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
يوميات الشرق قلعة صلاح الدين تضم كثيراً من الآثار(وزارة السياحة والآثار)

مصر لترميم مسجد محمد علي بالقلعة ومقبرته وقصر الجوهرة

تتواصل أعمال الترميم في قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة التاريخية وتابع الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي أعمال الترميم

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الجاري الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من المعرض (المتحف المصري)

«المتحف المصري» يحتفي بكنوز الأجداد في معرض «ترميم البردي»

استضاف «المتحف المصري» معرضاً فوتوغرافياً حول معمل ترميم البردي بالمتحف، مبرزاً العديد من الجهود التي بُذلت والتي قدمها متخصصون في الترميم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.