إيران لا تقترب من الحدود مع إسرائيل و«حزب الله» و{حماس} يغيران تكتيكيهما

تل أبيب زعمت أن وضعها الاستراتيجي والعسكري أفضل من أي وقت مضى

التقييمات الرسمية داخل الجيش الإسرائيلي تشير إلى أن وضع إسرائيل العسكري اليوم أفضل من أي وقت مضى (أ.ف.ب)
التقييمات الرسمية داخل الجيش الإسرائيلي تشير إلى أن وضع إسرائيل العسكري اليوم أفضل من أي وقت مضى (أ.ف.ب)
TT

إيران لا تقترب من الحدود مع إسرائيل و«حزب الله» و{حماس} يغيران تكتيكيهما

التقييمات الرسمية داخل الجيش الإسرائيلي تشير إلى أن وضع إسرائيل العسكري اليوم أفضل من أي وقت مضى (أ.ف.ب)
التقييمات الرسمية داخل الجيش الإسرائيلي تشير إلى أن وضع إسرائيل العسكري اليوم أفضل من أي وقت مضى (أ.ف.ب)

أشارت التقييمات الرسمية داخل الجيش الإسرائيلي والمخابرات، إلى أن «وضع إسرائيل العسكري والاستراتيجي اليوم أفضل من أي وقت في التاريخ»، وأن هذا الوضع جعل ألد أعداء إسرائيل يغيرون في تكتيكاتهم.
وجاء في هذا التقييم، الذي جرى إطلاع المراسلين العسكريين عليه، أن «حالة إسرائيل الأمنية، مع بداية السنة العبرية الجديدة، تشير إلى أن وضع الدولة الاستراتيجي يتحسن على مدار السنوات، والهدوء يسود الحدود، رغم بعض الخروقات الفردية. وإلى جانب ذلك، يتضح أن عامل الردع يجني ثماره جيدا على جميع الساحات، بل إنه يلزم اثنين من ألد أعداء إسرائيل على تغيير نظرياتهما العسكرية، فقد جرى تشخيص تطورين مهمين في هذا السياق، خلال العام الماضي، لدى (حزب الله) وحركة حماس».
وعلى العكس من التقارير الإعلامية والحكومية الإسرائيلية التي تثير الرعب، فإن «الإيرانيين لا يقتربون من الحدود الإسرائيلية في هضبة الجولان. وفي منطقة المثلث الحدودي بين إسرائيل والأردن وسوريا، هناك قوات منتشرة على مسافة تبلغ نحو 10 كيلومترات، قوامها يقارب 300 من مقاتلي (حزب الله)، ممن يشاركون في الحرب إلى جانب الجيش السوري ضد المتمردين. وبخلاف ما ينشر، فإن إيران لا تزال بعيدة عن هدفها في إنشاء مطار وميناء عسكريين في سوريا. صحيح أنها تسعى لتحقيق الأمر، لكنها لا تزال بعيدة حقاً عن تطبيق رؤيتها على أرض الواقع».
وتقول التقديرات الإسرائيلية: «يفترض تنظيم (حزب الله) اللبناني أن تفوقه النسبي ومصلحته العسكرية كامنان في إطالة أمد المعركة المقبلة إلى الحد الأقصى. لقد ارتكزت هذه النظرية على الافتراض القائل بأن مخزون الصواريخ الهائل لدى الحزب، سيتسبب في خسائر موجعة في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وسيؤدي إلى تحطيم معنويات المجتمع الإسرائيلي. وإلى جانب ذلك، فإن الخبرة العسكرية الكبيرة التي حازها التنظيم أثناء مشاركته في الحرب الدائرة في سوريا، ستتيح له تركيع الجيش الإسرائيلي، والتسبب في ضحايا كثيرين في صفوفه على أرض لبنان. لقد بنيت هذه الرؤية العسكرية، بالاستناد إلى تجربة حرب لبنان الثانية التي استمرت 33 يوما. بالإمكان أيضا أن نقدّر أن مصممي النظرية العسكرية في (حزب الله)، قد توصلوا، منذ ذلك الحين، إلى استنتاج مفاده أنه من المفضل، بالنسبة لهم، أن يسعوا إلى حرب خاطفة. إنهم يفهمون ويدركون أن القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، مدموجة مع القوة النارية الهائلة التي تملكها إسرائيل، ستتسبب للبنان، بشكل عام، وللتنظيم الشيعي، على وجه الخصوص (وإسرائيل تنظر إليهما معا على أنهما جهة واحدة)، بأضرار وخسائر غير مسبوقة. بناء عليه، فإن هذا التنظيم يفضل الآن خوض حرب قصيرة، فيها (أبواب خروج) تتيح لهم استعراض إنجازات عسكرية (على غرار احتلال بلدة في الجليل أو إطلاق آلاف الصواريخ والمقذوفات)، إلى جانب الإنجازات المعنوية».
وبحسب التقديرات الإسرائيلية، فلا مصلحة لـ«حزب الله» في نشوب حرب. وإلى جانب ذلك، فإن جيش إسرائيل هو الآخر، يسعى إلى معركة قصيرة. من هذه الناحية، هناك التقاء أو اقتراب من التقاء المصالح المشتركة بين الطرفين. بحسب التقديرات، يمتلك التنظيم الشيعي في لبنان، عشرات آلاف الصواريخ، تبلغ آمادها حتى 40 كيلومترا، كما أنه يملك عشرات الصواريخ التي تبلغ آمادها حتى 500 كيلومتر. خلال السنوات الماضية، قام «حزب الله»، بمساعدة إيرانية، باستثمار جهود كبيرة من أجل تحسين دقة إصابة صواريخه. ويبدو أن غالبية الهجمات التي تنسب إلى سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا ولبنان، خلال الأعوام الماضية، استهدفت المس بعمليات نقل الصواريخ الدقيقة، من ذوات منظومات التوجيه المرتبطة بمنظومات الـGPS. وتشير التقديرات إلى أن - وبخلاف التقارير التي تأتي أحيانا بمبادرة من المستويين السياسي والعسكري - «حزب الله» لا يملك بعد صناعات حربية مستقلة لإنتاج الصواريخ. ويحاول الإيرانيون إقامة صناعة كهذه في سوريا ولبنان، لكنهم لم ينجحوا حتى اللحظة. ومع ذلك، يدرك الجيش الإسرائيلي أنه في حال اندلاع حرب مع «حزب الله» فلن تكون سهلة. فهذا التنظيم يمتلك جيشا نظاميا يبلغ قوامه نحو 20 ألف مقاتل، وإلى جانبهم نحو 20 ألف جندي احتياط؛ وامتلك خبرة عسكرية كبيرة في سوريا، وتشمل برامجه الحربية محاولة اختراق الحدود واحتلال بلدات في الجليل. وبناء عليه، فإن الجيش الإسرائيلي يستعد لإخلاء بلدات. ومن الواضح له أن الجبهة الداخلية ستتعرض لضربات موجعة لم تتعرض لمثلها من قبل. ومع ذلك، فإن التقديرات تشير إلى أن الطرفين لا يملكان مصلحة ولا اهتماما بحرب جديدة، وهما معنيان بالحفاظ على الهدوء.
ويتطرق التقييم إلى مدى آخر يحصل في قطاع غزة، فيقول: «لقد قامت حماس بتقليص عملية تحويل الأموال من ميزانيتها العامة باتجاه ذراعها العسكرية، وقد انخفضت الأموال المحولة للذراع العسكرية من 200 مليون دولار في عام 2014 إلى 50 مليون دولار في عام 2017. ومع ذلك، فإن الذراع العسكرية تواصل الحصول على مساعدات إيرانية تبلغ قيمتها نحو 70 مليون دولار في العام الواحد. وتشير التقديرات إلى أن حماس تقوم، هي الأخرى، بتغيير نظريتها العسكرية. فهي تقوم ببناء تحصينات تحت أرضية بشكل أكبر، إلى جانب الأنفاق داخل غزة، لأهداف دفاعية، كما أن الحركة وذراعها العسكرية، تستعدان لاحتمالات اجتياح جيش الدفاع للقطاع، وذلك بهدف تكبيد الجيش خسائر أليمة. وبالتماثل مع هذا التوجه، فإن التنظيم يستثمر مالا وجهدا أقل في حفر أنفاق نحو الأرض الإسرائيلية. هذا تطور مهم ونابع من عوامل عدة، من ضمنها إدراك حماس أن العائق تحت الأرضي العميق الذي تقوم إسرائيل بإنشائه على امتداد الحدود سيحيّد الميزة التي افترض مقاتلو حماس أنهم يمتلكونها عبر الكنز المتمثل في الأنفاق الهجومية. التقديرات التي تسود الأوساط الأمنية الإسرائيلية، تشير هنا أيضا، إلى أن حماس غير معنية الآن بجولة جديدة من القتال. إن متابعة تصرفات قيادة التنظيم، تشير إلى أن وزن حماس في غزة وتأثيرها، يفوقان وزن رجالات حماس القاطنين في الخارج وتأثيرهم، من أمثال خالد مشعل. كما أن مكانة من قضوا عقوبات بالسجن داخل إسرائيل تتعزز داخل قيادة غزة. خلال العام الماضي، قام يحيى السنوار بترسيخ مكانته وإبداء مظهر من مظاهر البراغماتية، على العكس من التقديرات السابقة التي سادت إسرائيل، والتي تستند إلى ماضيه وإلى الأعوام التي قضاها في السجن الإسرائيلي، والتي أشارت إلى أنه سيكون أكثر سعيا للاشتباك. مع ذلك، تخشى إسرائيل، ومع اقتراب الحرب الأهلية في سوريا من نهايتها، أن يحاول المئات من مقاتلي (داعش)، الموجودين في سوريا في إطار ما يطلق عليه اسم (سياحة الإرهاب)، الوصول إلى سيناء، والانضمام إلى فرع تنظيم داعش في شبه الجزيرة، وتوجيه فوهات بنادقهم ليس ضد الجيش المصري فحسب، بل وضد إسرائيل أيضا».
ويختتم: «حاليا أدخل جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، وجهاز الموساد، تحسينات على قدراتهما في الحصول على معلومات، أتاحت إحباط عشرات الهجمات الإرهابية الموجهة نحو أهداف يهودية خارج البلاد. وفي غالبية الحالات، جرى نقل المعلومات إلى الجهات الاستخباراتية المحلية. وهكذا، وبنظرة شاملة، بالإمكان التلخيص والقول إن الوضع الاستراتيجي الإسرائيلي يتحسن مع مرور الوقت. يسود الهدوء جميع الجبهات، وهناك عدد قليل من الخروقات. لقد استمر الهدوء على الجبهة السورية مدة 43 عاما، وتمكن من الصمود على مدار 6 أعوام ونصف العام من الحرب الأهلية. أما في لبنان، فالهدوء يستمر منذ 134 شهرا، وغزة يسودها الهدوء منذ 38 شهرا. إنها فترة الهدوء الأطول منذ حرب الأيام الستة في عام 1967. وهذه هي حال حدود السلام التي تفصل بيننا وبين مصر والأردن».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».