محمود جبريل: الأطراف المتصارعة في ليبيا وصلت مرحلة الإنهاك

رئيس الوزراء السابق دعا في حوار مع «الشرق الأوسط» إلى عدم تهميش حملة السلاح... وطالب بـ«حكومة مصغرة» تحضّر للانتخابات

محمود جبريل
محمود جبريل
TT

محمود جبريل: الأطراف المتصارعة في ليبيا وصلت مرحلة الإنهاك

محمود جبريل
محمود جبريل

تتجه الأنظار هذه الأيام إلى ليبيا، حيث تعززت الآمال بإحياء محادثات السلام، بعدما تبنّت الأمم المتحدة خطة تسوية شاملة يؤمل منها أن تضع حلا لمشكلات هذا البلد العربي الغارق في الفوضى.
الخطة التي بدأت المفاوضات حولها في تونس برعاية المبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة، يعقد عليها كثيرون آمالا كبيرة بالنجاح. ومن بين هؤلاء رئيس الوزراء السابق محمود جبريل الذي رأى في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن فرصة الحل الحالية أفضل من أي وقت مضى.
يرفض جبريل المقولة بأنه لولا المجتمع الدولي لما نجحت الانتفاضة الليبية في فبراير (شباط) عام 2011، مشددا على أن «إرادة الشعوب هي المنتصرة دائماً». كانت انطلاقة انتفاضة «17 فبراير» هي المرحلة الأولى من الثورة ضد نظام العقيد معمر القذافي واستمرت حتى 19 مارس (آذار) حتى دخلت طورها الثاني الذي استمر حتى 20 أغسطس (آب) 2011، وهي المرحلة التي بدأت بتدخل المجتمع الدولي بحملة عسكرية بناء على قرارات الأمم المتحدة. يقول جبريل عن هذه المرحلة، إن «النظام نجح إعلاميا خلالها في تسويق أن التدخل العسكري هو تدخل فقط من حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)، علما بأن دول الناتو هي 28 دولة فقط، بينما الدول التي شاركت في الحملة 47 دولة»، مضيفاً: «كانت مواجهة بين النظام والليبيين الذين ساعدهم المجتمع الدولي، علما بأن الأخير لم يتدخل في الأزمة من أجل سواد عيون الشعب بل لمصالح تلك الدول (المشاركة في الحملة) ومآربها الخاصة».
أما المحطة الثالثة من الانتفاضة التي استمرت من 20 أغسطس (آب) إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول) فتمثلت في مرحلة سقوط النظام ودخول الثوار طرابلس واعتقال القذافي وقتله. ويعتبر محمود جبريل أن «الانتفاضة انتهت عند هذا الحد»، وما تلا ذلك اليوم كان «مرحلة صراع على الموارد بين أطراف عدة مدعومة من أطراف دولية تحت ذرائع مختلفة، سياسية ودينية وقبلية وجهوية». ويشدد على «أن الصراع كان على الموارد بسبب انتفاء وجود الدولة، لأن سقوط النظام في ليبيا مثّل سقوطا للدولة بأكملها»، وأدى ذلك «مع انتشار السلاح والتركيبة القبلية، إلى خلق وصفة جاهزة لحرب أهلية أساسها السيطرة على الموارد، غذّتها أطراف خارجية». وهذا كله، في رأيه، أدى في الوقت ذاته إلى خلق «مناخ خصب لانتشار الإرهاب والتطرف، لتصبح ليبيا حاضنة لقوى التطرف، بسبب امتداد حدودها وغياب سلطة الدولة فيها وانتشار السلاح ووفرة المال». وفيما يأتي نص المقابلة مع جبريل:
- إلى أين تتجه الأمور في ليبيا الآن؟
- نحن أمام خريطة طريق جديدة. أعتقد أن فرصة الحل من خلالها أكبر من أي وقت مضى. وللأسباب التالية:
أولاً: الأطراف المتصارعة المختلفة وصلت إلى مرحلة من الإنهاك وكلها تبحث عن مخرج، ومن الممكن أن نصل إلى ما يمكن تسميته «سلام المنهكين».
ثانياً: حملة السلاح، وربما للمرة الأولى، يبحثون عن مخرج. ولكن من منظور «لا ضرر ولا ضرار»، أي ألا يتم تعريضهم للعقاب مع المحافظة على مكاسبهم الاقتصادية، وكذلك عدم استبعادهم من المشهد.
ثالثاً: هناك دعم قوي من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وأيضا من المجتمع الدولي للخريطة الجديدة.
رابعاً وأخيراً: الخريطة تحاول أن تعكس توازن القوى على الأرض، وتنتهج مبدأ الشمول وليس الإقصاء، كما حدث في السابق.
لكن الخريطة ستلقى مقاومة من المستفيدين المسيطرين على المشهد الحالي من خلال احتكارهم سلطة اتخاذ القرار. وأعتقد أنه ستكون هناك معارضة من قبل هذه الأطراف لفكرة المؤتمر الوطني الشامل الذي تنادي به خريطة الطريق والذي له صلاحية تسمية رئيس الحكومة والمناصب الأخرى. كانت تسمية من يتولى المناصب تتم تحديدا من خلال صفقات جهوية وقبلية ومحاصصة. وبالتالي فإن تمسّك المبعوث الأممي الجديد بالخريطة التي أقرتها الأمم المتحدة ولاقت ترحيبا داخل الأوساط الليبية، يُعتبر أمرا مهما للغاية.
- وما رؤيتكم أنتم للحل في ليبيا؟
- الحل يكمن في توافق وطني حول مشروع وطني، لا يُقصي أحداً، وليس حول أشخاص، وأن يمثّل المتحاورون حول المشروع القوى الفاعلة على الأرض. وأن يتم الحوار بين الليبيين أنفسهم، تحت إدارة مشتركة للحوار مُشكّلة من مجلس الدولة ومجلس النواب تحت مظلة الأمم المتحدة، الممثلة بمبعوثها الخاص، غسان سلامة. وهذا الحوار ليس بين مجلس النواب ومجلس الدولة. وظيفتهما تنحصر فقط في الإشراف على الحوار بين القوى المشاركة في المؤتمر الوطني.
بالإضافة إلى أن يكون المكوّن الاقتصادي حاضرا بقوة في مشروع التوافق، وهذا يعني النص صراحة على حصص وحقوق ملكية اقتصادية من عائدات النفط بنسب مختلفة للمناطق الليبية وللحكومة المركزية وللأفراد وللعائلات، على أن يتحوّل ذلك فيما بعد إلى نص دستوري. فالصراع الحقيقي هو صراع على الموارد.
ويجب على الأطراف الدولية أن تلعب دور المراقب والضامن لهذا الحوار الليبي، ولكن دون التدخل في مضمونه ومساره.
وأن يتم فصل الحكومة عن المجلس الرئاسي، وأن يكون للحكومة برنامج إنقاذ وطني، ويمكن أن تتم تسميتها «حكومة أزمة» أو «حكومة وحدة وطنية» بصلاحيات كاملة، وأن يُنأى بها عن المحاصصة والمساومات القبلية والجهوية. وأن تكون حكومة مصغرة، على أن تنقل مسؤولية تقديم الخدمات إلى البلديات في نظام حوكمة لا مركزي، وبالتالي يمكن القول إن بناء الدولة يتم من الأطراف وليس من المركز.
- وما مهمات هذه الحكومة المصغرة؟
- تكون أهداف الحكومة المصغرة محصورة بثلاثة أهداف هي:
أولا وضع خطة عاجلة لتقديم خدمات السيولة النقدية والكهرباء والأمن والتعليم والصحة كملفات عاجلة.
ثانيا البدء في إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية وتفعيل القضاء.
وثالثا التحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية خلال مدة لا تتجاوز 18 شهراً.
- وما الفرق في هذه الحالة بين الحكومة ومجلس الرئاسة؟
- ستكون مهمة الحكومة المصغرة الخروج من النفق. وتكون مهمة مجلس الرئاسة رمزية فقط ومحصورة في التصديق على الاتفاقات والمعاهدات، وتمثيل الدولة في المؤتمرات الخارجية وقرارات السلم والحرب. ويمكن أن تتم المحاصصة في تسمية أعضاء مجلس الرئاسة، لترمز إلى وحدة التراب الليبي، بينما رئاسة الحكومة ومناصبها لا تخضع إلا لمعيار الكفاءة والأهلية.
- هناك محادثات ليبية في تونس حاليا تهدف إلى تعديل الاتفاق السياسي الليبي (اتفاق الصخيرات). في أي اتجاه يمكن أن يكون التعديل وما جدواه وما ملاحظاتكم حول الخطة الأممية، المسماة خطة غسان سلامة؟
- التعديل على اتفاق الصخيرات يجب أن يهدف إلى معالجة الاختلالات التالية:
1 - إدماج القوى الفاعلة في الحوار التي كانت غائبة في اتفاق الصخيرات.
2 - فصل السلطة التنفيذية عن المجلس الرئاسي ذي الرؤوس المتعددة، ويجب إعطاء السلطة التنفيذية صلاحيات إدارة الأزمة من خلال برنامج عمل تتوافق عليه الأطراف المشاركة في المؤتمر الوطني المقترح وقبيل تسمية رئيس الحكومة.
3 - مراعاة الأهمية القصوى للتوافق على حقوق الملكية الاقتصادية في مشروع التوافق أو التعديل.
وفي حال، لا قدّر الله، فشلت لجنة الصياغة المشتركة في الوصول إلى تعديلات في الصيغة المقترحة يُلجأ إما إلى العودة إلى لجنة الحوار القديمة وإما إلى تشكيل لجنة فنية متخصصة من الخبراء لصياغة التعديلات.
- ما جدوى التعديل؟
- تكمن أهمية التعديل في التعامل مع جوانب القصور في اتفاق الصخيرات والتي أدت إلى رفض كثيرين من الليبيين لهذا الاتفاق ومخرجاته.
- تم اقتراح اسم سيف الإسلام القذافي للمشاركة في مستقبل البلاد، ما رأيكم بمثل هذا الطرح المثير للجدل؟
- لا أفضّل الحديث عن أشخاص، وإنما عن مشروع وطني يشمل الجميع. وأعتقد أن أي ليبي أو مواطن يقبل بالدولة المدنية الديمقراطية التي تساوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات ويقبل التداول السلمي للسلطة ولا يلجأ إلى العنف لتحقيق أهداف سياسية، يجب أن يكون جزءا من المشهد السياسي الذي نسعى جميعا إلى تشكيله.
- هل تعدد المبادرات الخاصة بليبيا يعكس تنافسا على المكاسب والمصالح أم ماذا؟
- بالنسبة للمبادرات فيجب أن تكون داعمة لمسار الأمم المتحدة ولا تعكس تضارب المصلحة. أما عن التدخل الدولي فلم يكن يوما من أجل سواد عيون الشعب الليبي، وإنما لمصالح ومآرب دولية. تنافس المصالح لا يصب في المصلحة الليبية أبداً، وقد أدى ذلك إلى تأخير الوصول إلى حل للأزمة. ليبيا بلد واسع المساحة وقليل السكان وكثير الثروات، وهي مطمع لكثيرين. وفي غياب توحد كلمة الليبيين، تزداد الأطماع وتزداد محاولات التدخل ضراوة وشراسة، ولكن كما يقول المثل: «لا أحد يستطيع أن يمتطي ظهرك إلا إذا انحنيت». وأقصد بذلك أننا نحن الليبيين سمحنا وسهلنا لهذه الأطراف الدولية أن تتدخل.
- هل تعتقد أن ليبيا تواجه خطر التقسيم؟
- تقسيم ليبيا يمكن أن يكون من صالح أطراف دولية كثيرة، بل إن هناك بعضا من تلك الأطراف سعت منذ الأيام الأولى للانتفاضة إلى الدعوة إلى تقسيم ليبيا. أما إمكانية حدوث التقسيم فلا أعتقد أنه مهما وصلت الخلافات والاختلافات بين الليبيين فلن تصل بهم إلى حد تقسيم الوطن الواحد.
- هل هناك أي خطوات يمكن اتخاذها للحد من مثل هذا الخطر؟
- هناك أمران سيحولان دون حدوثه (التقسيم): الأول: إقرار حقوق الملكية الاقتصادية لليبيين. والثانيإقرار حكم لا مركزي بصلاحيات واسعة.
- ما الدور الذي يمكن أن تقوم به الأمم المتحدة بشأن الجماعات المسلحة في ليبيا بما في ذلك إمكان جمع السلاح؟
- إشراك الجماعات المسلحة في الحوار كما تنص عليه خريطة الطريق الجديدة هو تطور إيجابي للغاية، والتحاور مع الجماعات المسلحة يجب أن يراعي مخاوفهم من العقاب أو تسليمهم إلى دولة أخرى أو محكمة دولية خارجية. وكذلك مخاوفهم من أن تُضار مراكزهم المالية والاقتصادية. وهم (أي الجماعات المسلحة) لا يريدون أن يكونوا «نسياً منسياً»، فهم يمثّلون السلطة الحالية على الأرض. فلا بد لأي حوار معهم أن يقدم البديل الذي يعالج هذه المخاوف، ويحافظ على المصالح و«ماء الوجه»، وأن يتم التعامل معهم كمساهمين في بناء الدولة بدل معرقلي بنائها.
- كيف يمكن دمج المشير خليفة حفتر في عمل الحكومة الجديدة وكيف يمكن إقناع خصومه في غرب ليبيا بما في ذلك مصراتة بالتعامل معه؟
- المخاوف والشكوك وانعدام الثقة بين الليبيين يمكن التغلّب عليها من خلال مشروع وطني جامع لا يُضار فيه أحد ولا يُقصى منه أحد. فالكل شريك في عملية الوصول إلى توافق بما يحقق السلام.
- هل يمكن للبرلمان أن ينعقد مجدداً في طرابلس؟
- بحسب مقترح مسودة الدستور التي قدمت إلى مجلس النواب، ولم يتم الاستفتاء عليها، فإن مكان المجلس هو بنغازي وليس طرابلس. ولكن، من حق المجلس، حسب الإعلان الدستوري، أن يعقد جلساته في أي مدينة ليبية ما دامت توفر عامل الأمن. وبالتالي، إذا توفر الأمن في طرابلس فلا يوجد ما يمنع من انعقاده بها.
- هل لديكم علاقات كتحالف وطني مع تيارات سياسية أو بعض الميليشيات. وما مدى تأثيركم عليها للقبول بالحل؟
- التيارات السياسية المختلفة في ليبيا وصلت إلى قناعة أنه لا بد من البحث عن المشترك والعمل من خلاله بدل توسيع دائرة المختلف عليه. وبالتالي، أكرر أن فكرة المشروع الوطني الجامع يمكن أن تحقق هذا المشترك، إلى أن يصدر الدستور ليكون هو الإطار المرجعي للحراك السياسي.
- الجماعات المتطرفة تتحرك بحرية في مناطق ليبية كثيرة، كيف يمكن مواجهة خطرها وما دور المجتمع الدولي في هذا الأمر؟
- إن ظهور «داعش» في أماكن مثل صبراتة وسبها والكفرة وغيرها يمكن مواجهته من خلال الليبيين أنفسهم كما دللت على ذلك بنغازي وسرت. الخلل الأكبر يكمن في تشرذم الليبيين وانقساماتهم، ما مكّن الأطراف الخارجية والقوى المتطرفة من التغلغل في ربوع الوطن. ويمكن للمجتمع الدولي المساعدة في مكافحة الإرهاب من خلال الرصد الدقيق وإيقاف تدفق المتطرفين إلى ليبيا، من العراق وسوريا وبعض الدول الأفريقية، ودعم القوات المسلحة الليبية استخباراتيا ولوجستيا وعسكريا في مواجهة الإرهاب.



الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في محافظة ريف صنعاء، لإجبارهم على تقديم تبرعات نقدية وعينية ومحاصيل زراعية لصالح مقاتليها في الجبهات، في ظل أوضاع إنسانية قاسية يكابدها السكان، وفق ما أفادت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وتؤكد هذه التطورات اتساع نطاق الممارسات التي تُصنَّف ضمن أدوات «اقتصاد الحرب»؛ إذ تعتمد الجماعة الانقلابية في اليمن على تعبئة الموارد المحلية لتعويض تراجع مصادر التمويل التقليدية، ما يفاقم الأعباء على السكان في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية حادة.

ووفق المصادر، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة من النزول الميداني لمشرفيها إلى قرى وعزل في 12 مديرية بمحافظة ريف صنعاء، من بينها همدان، وسنحان، وأرحب، والحصن، وحجانة، وبني حشيش، والحيمتين، وبني مطر، ومناخة، وصعفان، وخولان، لفرض ما تسميه «التبرعات الطوعية» تحت لافتة تسيير «قوافل عيدية» للجبهات.

الجماعة الحوثية أرغمت مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

ويقول سكان إن هذه التبرعات تُفرض فعلياً بالقوة، ودون مراعاة للظروف المعيشية المتدهورة؛ إذ يُطلب من الأهالي تقديم مساهمات نقدية وعينية بشكل متكرر، بالتزامن مع حملات مشابهة في الأحياء والمؤسسات الخاضعة للجماعة في العاصمة المختطفة.

وتشمل هذه الحملات إلزام السكان بالمشاركة في تجهيز قوافل غذائية، إلى جانب جمع تبرعات مالية تحت أسماء متعددة، مثل «المجهود الحربي» و«إسناد المقاتلين»، فضلاً عن رسوم إضافية تُفرض لتغطية تكاليف النقل والتجهيز.

استنزاف مصادر الدخل

في موازاة ذلك، طالت الجبايات القطاع الزراعي؛ إذ أُجبر عشرات المزارعين في مناطق «طوق صنعاء» على تقديم جزء من محاصيلهم، بما في ذلك الفواكه والخضراوات، وأحياناً المواشي، ضمن القوافل التي تُرسل إلى الجبهات.

ويحذر مزارعون من أن هذه الإجراءات تُلحق أضراراً مباشرة بإنتاجهم؛ إذ تؤدي إلى تقليص العائدات وتُضعف قدرتهم على تغطية تكاليف الزراعة، ما يهدد استمرارية نشاطهم في المدى المتوسط.

ويقول أحد المزارعين في مديرية بني حشيش: «أجبرونا هذا الموسم على تسليم جزء كبير من محصول الزبيب بحجة دعم الجبهات، ولم نحصل على أي مقابل. خسرنا جهد موسم كامل، ولم يتبقَّ ما نعيل به أسرنا».

أهالي الحيمة في ريف صنعاء الغربي أُجبروا على تقديم التبرعات النقدية (إكس)

كما يوضح أحد السكان من مديرية همدان، يُشار إليه باسم «مصلح»، أن مشرفين حوثيين فرضوا على الأسر مبالغ مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف ريال يمني (الدولار بنحو 530 ريالاً يمنياً) تحت أسماء مختلفة. ويضيف: «في حال عدم الدفع، نتعرض للمضايقات أو الاستدعاء، ما يجعل الأمر مرهقاً للغاية».

وفي مديرية بني مطر، يشير مزارعون إلى أن الإتاوات شملت أيضاً محاصيل أساسية مثل البطاطس والخضراوات، إضافة إلى فرض المساهمة في تكاليف نقلها، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع العائدات.

أعباء متفاقمة

تعكس هذه الشهادات حجم الضغوط التي يواجهها السكان في محافظة صنعاء، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الممارسات المفروضة، لتشكّل عبئاً متزايداً على الحياة اليومية لمختلف الفئات.

ولا تقتصر تداعيات هذه الجبايات على المزارعين؛ إذ تمتد إلى الموظفين الذين يعانون من انقطاع الرواتب، والتجار الذين يواجهون ركوداً في الأسواق، فضلاً عن الأسر التي تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

وتأتي هذه الضغوط الحوثية في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من موجات تضخم حادة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئاً يصعب تحمّله.

جانب من «قافلة عيدية» للمقاتلين قدمها القطاع الصحي الخاضع للحوثيين (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الممارسات يعكس اعتماد الجماعة الحوثية المتزايد على «اقتصاد الحرب»، الذي يقوم على تعبئة الموارد المحلية لتمويل العمليات العسكرية، بالتوازي مع تراجع الإيرادات الأخرى.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويقوّض فرص التعافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خصوصاً في الأرياف التي تعاني أساساً من ضعف البنية الاقتصادية نتيجة سنوات الصراع.


مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
TT

مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)

كثَّفت الفرق الفنية التابعة للسلطة المحلية في مدينة عدن، حيث العاصمة المؤقتة لليمن، جهودها لمواجهة آثار الأمطار الغزيرة التي هطلت على المدينة. وبنما تمَّ فتح عدد من الشوارع، تعمل هذه الفرق على مدار الساعة لاستكمال المهمة، وسط تحذيرات من استمرار الحالة المطرية الناتجة عن منخفض جوي.

ومع ساعات الصباح الأولى، أفاق سكان المدينة الساحلية، التي لا تشهد الأمطار إلا نادراً، على كميات غزيرة من الأمطار غمرت الشوارع الرئيسية، بينما أشرفت السلطة المحلية، على سير أعمال فتح الطرق ومنافذ تصريف المياه، حيث تولَّت الآليات شفط وتصريف مياه الأمطار في عدد من المديريات، في إطار الجهود المستمرة للتعامل مع تداعيات الحالة الجوية وتحسين مستوى الخدمات المُقدَّمة للسكان.

ونشرت السلطة فرق مؤسسة المياه وصندوق النظافة في عدد من المواقع المتضررة، حيث تولَّت عملية شفط مياه الأمطار المتراكمة في الشارع الرئيسي بمديرية المعلا، والطريق الرابط بينها وبين مديرية خور مكسر، والتي شهدت تدفقاً كبيراً للمياه؛ نتيجة هطول الأمطار.

كما انتشرت فرق ميدانية أخرى في مديرية المنصورة، وعملت على فتح انسدادات مناهل الصرف الصحي في مديرية الشيخ عثمان، ضمن خطة طوارئ تهدف إلى الحد من تجمعات المياه وإعادة فتح الطرق أمام حركة السير.

الفرق الميدانية أعادت فتح عدد من شوارع عدن (إعلام محلي)

وعلى الرغم من كميات الأمطار الكبيرة التي هطلت على المدينة، والتحذيرات من استمرارها، فإن فرق العمل واصلت مهامها حتى ساعات المساء. واطلع مسؤولو السلطة المحلية على طبيعة الأعمال المُنفَّذة والتحديات التي تواجه الفرق، وفي مُقدِّمتها كثافة المياه وتراكم المخلفات في قنوات التصريف، والتي تعيق سرعة الإنجاز.

وشدَّد المسؤولون على ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية والاستجابة السريعة لمواجهة أي طارئ، والتنسيق المستمر مع الجهات ذات العلاقة لضمان تصريف المياه بشكل آمن والحفاظ على سلامة السكان وممتلكاتهم.

إجراءات احترازية

أكدت السلطة المحلية في عدن، أنها سخّرت إمكاناتها الفنية والبشرية كافة، بما في ذلك مضخات الشفط وآليات النقل إلى جانب الكوادر الميدانية، للعمل على مدار الساعة في مختلف المديريات المتأثرة، داعية السكان إلى التعاون مع هذه الفرق وعدم رمي المخلفات في قنوات تصريف المياه لما لذلك من آثار سلبية على كفاءة الشبكة.

وكان وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد وجه الجهات المختصة برفع مستوى الجاهزية والاستعداد، واتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة، بالتزامن مع بدء هطول الأمطار على عدد من مديريات المدينة، في ضوء التحذيرات الصادرة عن مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر بشأن استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي لأيام عدة، والتي قد يصاحبها تدفق للسيول ونشاط للرياح.

الفرق الفنية تواصل شفط المياه وسط تحذيرات باستمرار الحالة المطرية (إعلام محلي)

وطالب محافظ عدن صندوق النظافة والتحسين، ومكتب الأشغال العامة والطرق، والدفاع المدني، ومؤسستَي المياه والكهرباء، وشرطة السير، بالعمل على الحد من المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات، وتكثيف أعمال فتح وصيانة قنوات تصريف مياه الأمطار، ورفع المخلفات من مجاري السيول، ومراجعة البنية التحتية لشبكات الكهرباء والمياه، وتنظيم الحركة المرورية في الشوارع التي تشهد تجمعات للمياه.

وأكد المحافظ اليمني أن السلطة المحلية تتابع تطورات الحالة الجوية أولاً بأول، وتعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لضمان سرعة الاستجابة والتعامل مع أي طارئ، والتخفيف من آثار الحالة الجوية على العاصمة عدن.

كما دعا السكان إلى الالتزام بالإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، وتجنب الوجود في مجاري السيول، والحذر في أثناء السير في الطرق الزلقة، والابتعاد عن أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية والأشجار خلال فترات هطول الأمطار والرياح المصاحبة.

فصل الكهرباء

ضمن الأعمال الاحترازية، أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة، فصل التيار الكهربائي عن المناطق والمحطات التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة عدن؛ تجنباً لوقوع حالات تماس كهربائي أو كوارث تهدِّد حياة السكان.

وشدَّدت على ضرورة التنسيق مع فرق الصرف الصحي لسحب المياه المتراكمة من الأحياء المتضررة قبل إعادة الخدمة. ودعت السكان إلى أخذ الحيطة والحذر والابتعاد عن الأعمدة والأسلاك والمحولات الكهربائية المبتلة، مع التحذير من استمرار هطول الأمطار.

وكان «مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر»، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، قد حذَّر من أمطار رعدية غزيرة في عدد من المحافظات؛ نتيجة تأثر البلاد بأخدود منخفض جوي.

بسبب ضعف البنية التحتية تتعرض عدن موسمياً لمخاطر السيول (إكس)

وتوقَّع هطول أمطار رعدية متفرقة قد تكون غزيرةً على محافظة عدن، مع امتداد تأثير الحالة ليشمل أجزاء من الصحاري والمرتفعات والهضاب، إضافة إلى المناطق الساحلية في محافظات أبين وشبوة وحضرموت والمهرة.

ونبه المركز إلى استمرار الحالة المطرية مع ازدياد شدتها واتساع نطاقها لتشمل المرتفعات والمنحدرات الغربية، من محافظة صعدة شمالاً حتى الضالع وتعز ولحج جنوباً، مع امتدادها شرقاً إلى مأرب والجوف، وغرباً إلى السواحل المطلة على البحر الأحمر.

وطلب من السكان عدم الوجود في بطون الأودية ومجاري السيول، وتجنب السير في الطرق الطينية الزلقة، والحذر من الانهيارات الصخرية، والابتعاد عن أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية والأشجار.


عُمان تعمل على ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز

وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
TT

عُمان تعمل على ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز

وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)

كشفت سلطنة عُمان، اليوم الاثنين، بأنها تعمل على وضع ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز، غداة تهديد طهران بإغلاق المضيق بالكامل في حال استهدف الرئيس الأميركي دونالد ترمب منشآت الطاقة في إيران.

وكتب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في منشور على منصة «إكس»: «بغض النظر عن رأيك في إيران، فإن هذه الحرب ليست من صنعها. وهي تُسبب بالفعل مشاكل اقتصادية واسعة النطاق، وأخشى أن تتفاقم إذا استمرت الحرب. وتعمل عُمان جاهدة على وضع ترتيبات للمرور الآمن في مضيق هرمز».

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت سابق اليوم، أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات وصفها بأنها «جيدة ومثمرة» بشأن التوصل إلى تسوية شاملة للتوترات في الشرق الأوسط.

وقال ترمب، في بيان، إن هذه المناقشات «المعمَّقة والبنّاءة» ستستمر طوال الأسبوع، مشيراً إلى أنه، وبناءً على «طبيعة وأجواء» هذه المحادثات، أصدر توجيهات بتأجيل أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية لمدة خمسة أيام.

وأوضح أن هذا التأجيل يبقى «رهناً بنجاح الاجتماعات والمشاورات الجارية».

ومنح ترمب، أول من أمس، إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية مهدداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال 48 ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها!».

وبعد دقائق من تهديد ترمب، أعلن الجيش الإيراني أنه سيستهدف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.