ترقب قلق في كاتالونيا قبيل الاستفتاء

تشكيل لجان شعبية للدفاع عن تنظيمه... ودعوات للتظاهر في كل أنحاء الإقليم

ترقب قلق في كاتالونيا قبيل الاستفتاء
TT

ترقب قلق في كاتالونيا قبيل الاستفتاء

ترقب قلق في كاتالونيا قبيل الاستفتاء

ساعات وتبدأ عملية الاستفتاء على انفصال إقليم كاتالونيا، في شمال إسبانيا، إلا أن حالة من التوتر بدأت تسود المشهد، وتزيد من حالة احتقان في الشارع الإسباني، إثر التراشق الكلامي والإعلامي بين الحكومة المركزية في مدريد الرافضة لإجراء الاستفتاء من جانب، والحكومة الكاتالونية المنادية بالانفصال عن إسبانيا من جانب آخر.
وتصر القيادات الانفصالية في إقليم كاتالونيا على المضي في قرار عقد الاستفتاء لتقرير مصير الإقليم، وذلك رغم قرار قضائي من المحكمة العليا الإسبانية أقر صراحة بعدم شرعية عقد الاستفتاء، كما بدأت الحكومة المركزية الإسبانية في مدريد بشن حملة إعلامية شرسة في الجرائد ووسائل الإعلام المحلية والدولية، منادية بعدم شرعية ما يحدث، وأرسلت بعدد من رسائل التهديد والوعيد لكل من ينظم الاستفتاء، أو حتى يساعد في إجرائه، وهو ما دفع إلى حالة من العناد في صفوف الانفصاليين الكاتالونيين.
ولم تقتصر حكومة مدريد على التهديد والوعيد، بل قامت باعتقال عدد كبير من قيادات الانفصال في إقليم كاتالونيا، عبر مداهمات أمنية، إضافة إلى مصادرة صناديق الاقتراع، وعدد من المنشورات، في سابقة هي الأولى من نوعها، لم يعهد عليها الإسبان منذ قيام الديمقراطية في المملكة الإسبانية، خصوصاً بعد انتهاء حكم الجنرال فرانكو، مما أثار الجدل حول التعامل الأمني ضد الانفصاليين.
كذلك قامت مدريد بإرسال سفن ضخمة محملة بعناصر من الأمن التابع لمدريد، وتحديداً «الأمن الوطني»، وذلك للوجود في الإقليم تمهيداً لأي أعمال عنف قد تحدث، وهو ما يثير دلالات حول عدم الثقة المتبادلة بين جهاز الأمن المركزي التابع لمدريد وجهاز الأمن التابع لإقليم كاتالونيا، المسمى «موسوس دي اسكوادرا»، وهو ما يظهر حالة التوتر القائمة في مدريد تخوفاً مما قد يفرزه استفتاء الأول من أكتوبر (تشرين الأول).
ويرى عدد من المحللين أن هناك احتمالات بعدم استجابة عدد من أفراد الأمن التابعين لإقليم كاتالونيا والانصياع لقرارات مدريد، وهو ما دفع إلى الزج بعناصر «الحرس الوطني»، الجهاز الذي بدأ بالفعل العمل على الأرض، وصادر أخيراً عدداً كبيراً من المنشورات في الإقليم، لمنع الاستفتاء.
وفي هذه الأثناء، بدأ عدد كبير من سكان إقليم كاتالونيا، من تشكيل ما يسمى «لجان الدفاع عن الاستفتاء»، وهي لجان من المتطوعين ستقوم بالنوم داخل المدارس أو مراكز الاقتراع عشية بدء عملية الاستفتاء، وذلك لمنع الأمن الإسباني من غلق مراكز الاقتراع، التي أكدت الحكومة المركزية أنها ستقوم بغلقها، بل قامت مدريد بإرسال موظفين من وزارة العمل ووزارة التعليم لتسلم مفاتيح المدارس، للتأكد من غلقها يوم الأحد.كما بدء عدد كبير من سكان الإقليم بالتواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم لجان الدفاع عن الاستفتاء، عبر تنظيم فعاليات رياضية وثقافية، لضمان فتح مراكز الاقتراع، والمبيت داخلها، والتظاهر حولها، لمنع اقتراب جهاز الأمن الإسباني منها.
من جهة أخرى، دعت السلطات الألمانية مواطنيها في كاتالونيا إلى توخي الحذر، خشية حدوث «تصعيد». وقبل يومين من موعد الاستفتاء، عدلت الخارجية الألمانية على موقعها على الإنترنت التوصيات للمسافرين، ونصحت الألمان الموجودين في كاتالونيا بـ«متابعة وسائل الإعلام المحلية، وتفادي التجمعات الكبرى، والتقيد حرفياً بتوصيات قوات الأمن».
وشددت الوزارة على أن «الشرطة والقضاء الإسبانيين سيسعيان إلى منع الاقتراع. ويمكن أن تنظم تظاهرات كرد فعل، خصوصاً في برشلونة»، عاصمة إقليم كاتالونيا. ومن غير المستبعد حدوث تصعيد. وتشمل سيناريوهات التصعيد المواجهات بين عناصر الأمن والمواطنين، إضافة إلى حملات اعتقال غير مسبوقة، كما أن هناك احتمالات بإجراء الاستفتاء وإعلان نتيجة الانفصال، مما سيدفع إلى مواجهات ضخمة بين الأمن والمتظاهرين. وتشهد إسبانيا منذ بداية سبتمبر (أيلول) 2017 أسوأ أزمة سياسية منذ نحو 40 عاماً، بحسب مسؤوليها كافة.
في الوقت ذاته، أعلن قادة الإقليم أنهم ينوون توفير 2300 مكتب تصويت يوم غد (الأحد)، لتمكين الكاتالونيين من المشاركة في الاستفتاء حول تقرير المصير. وقال المتحدث باسم حكومة كاتالونيا، جوردي تورول، في مؤتمر صحافي في برشلونة عاصمة الإقليم، إن المكاتب جاهزة، وهناك أكثر من 5 ملايين منتخب على أهبة الاستعداد للتصويت.
وأوضح تورول أن مدينة برشلونة وحدها تحتوي على 1.6 مليون منتخب، وسيفتح فيها أكثر من مائتي مكتب تصويت.
وعرض المتحدث، خلال المؤتمر، صندوق تصويت أبيض اللون شبه شفاف، ممهوراً بشعار حكومة كاتالونيا. وهي صفقة من الصناديق اشترتها حكومة الإقليم من شركة صينية من موقع «علي بابا» الشهير، وذلك لإتمام عملية التصويت. وأشارت صحيفة «البايس» الإسبانية إلى أن هناك صفقة لصناديق اقتراع قد بيعت من جهة في فرنسا، وهناك شكوك من انتقالها من فرنسا المجاورة للإقليم إلى كاتالونيا.
ودعا نائب رئيس كاتالونيا، أوريول جونكيراس، من جهته المواطنين في الإقليم إلى التصويت والالتزام بالمظهر الحضاري.
ومنذ أسابيع، تسعى سلطات كاتالونيا إلى إخفاء صناديق الاقتراع وبطاقات التصويت، خوفاً من مصادرتها من قبل السلطات المركزية. كما تعمل على فتح مواقع إلكترونية لتمكين الناخبين من معرفة أمكنة مراكز الاقتراع للاستفتاء.
وكانت رئيسة بلدية برشلونة آدا كولاو قد دعت الاتحاد الأوروبي للقيام بوساطة في الأزمة بين مدريد وحكومة إقليم كاتالونيا، وذلك في مقالة نشرتها صحيفة «غارديان» البريطانية، الخميس الماضي.
وكتبت أن من واجبها كرئيسة بلدية البحث عن وساطات لحل تفاوضي ديمقراطي، وأضافت أن برشلونة لا تريد تصادماً له عواقب غير متوقعة، وأنها على قناعة بأن الأوروبيين يريدون الشراكة.
وعلى الرغم من معارضة رئيسة البلدية كولاو فكرة الاستقلال، فإنها نددت بتصرفات «الحكومة المتصلبة»، برئاسة رئيس الوزراء ماريانو راخوي، متهمة إياها بأنها فاقمت الأزمة مع حكومة إقليم كاتالونيا، وهو ما دفع سكان الإقليم كافة، من الموافقين والرافضين للاستفتاء، إلى احترام الديمقراطية، والوقوف في وجه حكومة مدريد التي وصفت بتعاملها غير الحكيم، إثر حملة من الاعتقالات والمداهمات. واعتبرت أن التحرك القضائي ضد مسؤولين كاتالونيين لن يساعد إلا في زيادة التوترات الاجتماعية، ومنع أي إمكانية في إيجاد حل للنزاع.
وتعد هذه الأزمة من أكبر الأزمات السياسية في إسبانيا، ويثير الاستفتاء انقسامات كبيرة في إقليم كاتالونيا، البالغ عدد سكانه نحو 7.5 مليون نسمة، ويمثل نحو خمس اقتصاد إسبانيا.
وصادر الحرس الوطني التابع لمدريد نحو 2.5 مليون بطاقة تصويت، و4 ملايين مغلف في مستودع في إيغالادا، بالقرب من برشلونة. كما عثر على نحو مائة صندوق اقتراع، لكن لم يعرف ما إذا كانت كلها مرتبطة بالاستفتاء.
وعلى الرغم من الانقسام بين الكاتالونيين بشأن الاستقلال عن إسبانيا، ترغب أغلبية السكان في تنظيم اقتراع قانوني، لكن الحكومة الإسبانية، برئاسة ماريانو راخوي، والقضاء قررا حظر الاستفتاء.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended