«الصفقة المدمرة»... هذا هو الوصف الذي أطلق على صفقة انتقال نجم كرة القدم البرازيلي نيمار من نادي برشلونة الإسباني إلى نادي باريس سان جيرمان الفرنسي مقابل 222 مليون يورو، على اعتبار أن المهاجم البرازيلي هو من سيقود الفريق الفرنسي لتدمير منافسيه، إلا أن تداعيات الصفقة جعلت خبراء وسياسيين ونقادا يطرحون سؤالا... هل هي لتدمير المنافسين أم لتدمير نظام سوق انتقالات اللاعبين واللعبة؟!
لا جدال في أن النجم البرازيلي، البالغ من العمر 25 سنة، هو أحد أفضل 3 لاعبين في العالم مع الأرجنتيني ليونيل ميسي، والبرتغالي كريستيانو رونالدو، لكن المبلغ المنتقل به إلى باريس سان جيرمان، وما تبعه من زلزال في أسعار اللاعبين بسوق الانتقالات، تخطى كل حدود المعقول في عالم كرة القدم، وجعل الساسة قبل الرياضيين يطالبون بالتدخل لإصلاح الخلل قبل انفجار الأمور.
لقد كان تأثير صفقة نجم كرة القدم البرازيلي نيمار على سوق الانتقالات مدمرا بالفعل، إذ حوّل لاعبين مصنفين بالفئة الثانية (أسعارهم لا تزيد على بضعة ملايين) مثل الشاب الفرنسي عثمان ديمبيلي إلى مصاف النجوم السوبر بمئات الملايين. ديمبيلي الذي كان انضم قبل سنوات قليلة إلى نادي بوروسيا دورتموند الألماني مقابل 6 ملايين يورو انتقل مؤخرا إلى برشلونة الإسباني مقابل 105 ملايين يورو مع 40 مليون يورو إضافية مكافآت. كذلك هناك اللاعب الصاعد كيليان مبابي (19 سنة) الذي لم يكمل موسما واحدا مع كبار نادي موناكو الفرنسي، انتقل بدوره على سبيل الإعارة لباريس سان جيرمان مع خيار شرائه في نهاية الموسم مقابل 180 مليون يورو.
الاجتماع المشترك الذي عقد مؤخرا بين السلوفيني ألكسندر سيفرين رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، والسويسري جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي للعبة (الفيفا)، كان هدفه الأول مناقشة تداعيات سوق الانتقالات الصيفية الأخيرة التي صرفت خلالها الأندية نحو 93.3 مليار يورو، وهو ما يفوق إجمالي ما أنفق طوال عام 2016، وانعكاساتها السلبية على اللعبة. وفي هذا السياق حذر فانسان شوديل، الخبير في اقتصادات الرياضة بشركة «وايفستون»، من أن انفجار الأسعار قد يجعل سوق الانتقالات حكرا على 10 أندية أوروبية فقط هي القادرة على ضم اللاعبين الماهرين. وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أول مَن تصدّر المشهد من الساسة بدعوتها قبل أيام للمسؤولين عن كرة القدم إلى التحرّك من أجل فرض مزيد من الضوابط في سوق الانتقالات، والحد من الإنفاق الخيالي على اللاعبين. إذ قالت ميركل: «أنا أرى التطورات المالية الحرجة في كرة القدم الاحترافية كما يراها كثيرون. لا أحد يفهم هذه المبالغ. على المسؤولين تعديل القواعد الخاصة بانتقالات اللاعبين لضمان توازن أكبر... وإلا فستكون هناك تهديدات بأن ترتفع قيمة صفقات الانتقال أكثر من ذلك».
وحقاً، ما حدث في سوق الانتقالات الأخيرة ينذر بأن حلقة الصراع القادم ستكون بين الأندية التاريخية صاحبة الشعبية مثل ريال مدريد وبرشلونة ومانشستر يونايتد وبايرن ميونيخ، وكذلك «الأغنياء الجدد» في كرة القدم العالمية مثل باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي الإنجليزي.
وراهنا تجد الأندية التي توصف بأنها «تاريخية»، نفسها مرغمة على الانخراط في هذا التنافس حتى لو تذمر البعض، على غرار رئيس نادي بايرن ميونيخ بطل ألمانيا أولي هونيس، الذي ندد بما اعتبره «جنوناً» في صفقة انتقال نيمار. أما الخبير في التسويق والمسؤول في الاتحاد الفرنسي للصناعات الرياضات والترفيهية فيرجيل كاييه، فنقل عنه مؤخرا قوله «باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي زعزعا النظام القائم... لقد تقاسمت أندية عدة في السنوات الماضية أفضل اللاعبين دون توجيه انتقاد للنظام السائد، ووجدت نفسها الآن في مواجهة منافسين جدد وفي مزاد لم تكن مستعدة له مسبقاً». وضرب المثل بنادي برشلونة الذي أصابه الدوار بفقدان نيمار وردة فعله السريع وغير المدروس بشراء ديمبيلي بمبلغ خيالي وصل إلى 147 مليون يورو.
من هو نيمار؟
نيمار دا سيلفا سانتوس جونيور، ولد في موجي داس كروزيز بولاية ساو باولو، ومثله مثل معظم لعبي الكرة البرازيليين خطا خطواته الأولى مع الرياضة في دوريات الشوارع إلى أن رصدته عيون الكشافين.
في إحدى ليالي شهر يوليو (تموز) من عام 2011، كانت أنظار كرة القدم العالمية تتجه صوب ملعب فيلا بيلميرو بمدينة سانتوس (ميناء مدينة ساو باولو، كبرى مدن البرازيل)، الذي يبدو أنه لم يتغير كثيرا منذ أن كان أسطورة كرة القدم البرازيلية بيليه يصول ويجول هناك، ليمتع عشاق الساحرة المستديرة في العالم بمهاراته الفذة. وكان الطاقم الفني لـ«منتخب السامبا» البرازيلي يتابع تلك المباراة من أجل لاعب في التاسعة عشرة من عمره يُسمى نيمار، يتمتع بمهارات رائعة تذكّر الجميع بتلك التي كان يقدمها النجم رونالدينيو الفائز بجائزة أفضل لاعب في العالم مرتين، والمعروف بمراوغاته الفريدة وابتسامته المميزة، والذي كان قد عاد للعب في البرازيل بعد مشوار ناجح في عدد من الأندية الأوروبية.
كان نيمار مميزا بتصفيفة شعره الصفراء التي كان يقلدها جميع المراهقين في البرازيل، وكان في أوج نشاطه وتألقه. وفي تلك المباراة نجح في مراوغة ستة لاعبين قبل أن يودع الكرة في الشباك، كما قدم لمحات فنية لافتة، لدرجة أن إحدى تلك المراوغات كانت سريعة للغاية، بحيث تعذر على الجمهور ملاحظتها بسهولة إبان البث المباشر، وكان لا بد من رؤيتها مرة أخرى عبر الإعادة التلفزيونية البطيئة، كي يفهم كيف قام نيمار بتلك المراوغة المدهشة.
وبسرعة، أصبح نيمار محط أنظار أكبر أندية كرة القدم في العالم. وكان وكيل أعماله، فاغنر ريبيرو، قد نجح من قبل في إتمام صفقة انتقال نجم سانتوس السابق روبينيو إلى نادي ريال مدريد، وهو في الحادية والعشرين من عمره مقابل 30 مليون دولار. وفي العام التالي، أخذ ريبيرو نيمار وهو في الرابعة عشرة من عمره في جولة داخل ريال مدريد، النادي الأغنى في العالم.
وبطبيعة الحال، عندما علم نادي سانتوس بذلك، شعر بالقلق من احتمال انتقال نيمار إلى ريال مدريد مجانا، لأنه لا يرتبط بعقد احتراف رسمي مع النادي. وهكذا، اتصل المديرون التنفيذيون في سانتوس بمحام متخصّص في كرة القدم اسمه ماركوس موتا، وطلبوا منه أن يحذّر ريال مدريد من مغبة الإقدام على التعاقد مع نيمار، كما نبّهوا الجهات المسؤولة عن كرة القدم بذلك، ونجحوا في النهاية في تحصين نجمهم بعقد جديد.
المال يتكلم...
غير أن سانتوس ما كان قادرا بالطبع على منافسة الأندية الأوروبية الكبرى في مضمار رواتب اللاعبين. ولذا عندما جدّد نيمار عقده مع النادي بعد فترة قصيرة، نجح وكيل أعماله في إقناع سانتوس بمنح نيمار 40 في المائة من قيمة الصفقة مقدماً. وجعل سانتوس الصفقة أكثر إغراء عندما أخبر والد نيمار بأن هناك رجل أعمال يدعى ديلسر سوندا، يملك سلسلة محلات تجارية، سيدفع الـ40 في المائة من قيمة العقد مقدما لنيمار. وقدّر والد نيمار قيمة هذه النسبة بنحو 5 ملايين ريال برازيلي، أي ما يعادل 1.8 مليون يورو. والأكثر من ذلك أن سوندا دفع 500 ألف دولار إضافية إلى ريبيرو. وبذلك، صار نيمار «مليونيراً» قبل أن يكمل عامه الثامن عشر.
وواصل نيمار تألقه وأحرز 10 أهداف في أول موسم له مع سانتوس بالدوري البرازيلي و17 هدفا في الموسم الثاني، ليتبارى المستثمرون للحصول على حصة من صفقة انتقاله المستقبلية. وبالفعل تم بيع 5 في المائة مقابل 3.5 مليون ريال برازيلي، وهو ما كان يعني أن قيمة النجم البرازيلي تضاعفت أكثر من خمس مرات في غضون سنة.
في أغسطس (آب) 2010، لعب نيمار لأول مرة مع المنتخب البرازيلي الأول في مباراة ودية أمام الولايات المتحدة. وفي اليوم نفسه تقدم نادي تشيلسي الإنجليزي بعرض لضم اللاعب الذي كان مطلوبا أيضا في ريال مدريد الإسباني. ومع إدراك والد نيمار قيمة نجله في سوق الانتقالات فتح باب المضاربات للمزايدة بين الأندية على من سيدفع أعلى سعر.
تشيلسي عرض مبلغ 35 مليون يورو، كما عرض ريال مدريد تقريبا المبلغ نفسه، لكن نيمار الذي قاد سانتوس للحصول على أكبر بطولة في قارة أميركا الجنوبية وهي «كوبا ليبرتادوريس» للمرة الأولى منذ عام 1963 - عندما كان بيليه يلعب في الفريق - كان يأمل بضعفي هذا المبلغ. وفي أواخر عام 2011، رفض نادي سانتوس عرضا جديدا تقدم به ريال مدريد قيمته 45 مليون يورو، وأصر رئيس النادي لويس ألفارو على أن مهاجمه «ليس للبيع».
من ناحية لأخرى، كان والد نيمار يدرك أنه كلما اجتمع مع عدد أكبر من الأندية الأوروبية الكبرى ازداد سعر ابنه. وحقاً، فتح المزاد بإعلانه أن أي ناد يرغب في التعاقد مع نجله عليه أن يدفع 10 ملايين يورو مقدما، وأن يحصل نيمار على 30 مليون يورو إضافية عند التعاقد. وبموجب هذه الخطة، فإن أي طرف يخلّ بالاتفاق سيدفع شرطا جزائيا يصل إلى 40 مليون يورو.
قلبه مع برشلونة
في هذه الأثناء، وفقا للدائرة المقربة من اللاعب، كان قلب نيمار معلقا بناد واحد فقط وهو برشلونة الكتالوني الإسباني، الذي وافق على كل شروط اللاعب. وتم الاتفاق سرا بين الجانبين حتى دون علم نادي سانتوس نفسه بما حدث.
وبعد ثمانية أشهر، أخفى برشلونة تفاصيل التعاقد، مكتفيا بالقول بأنه دفع مقدّم تعاقد لصفقة مستقبلية من دون ذكر اسم اللاعب أو تفاصيل الصفقة. إلا أن والد نيمار واصل في هذه الأثناء الضغط على سانتوس، طالبا من النادي تقليص عقد نجله سنة لينتهي في 2013. وهكذا ظفر برشلونة بنيمار بعدما دفع لسانتوس 17 مليون يورو إضافية. ولكن تفاصيل الصفقة وبنودها السرية لم تدع رئيس برشلونة ساندرو روسيل يهنا بطعم الانتصار، إذ حوكم بتهم إهدار المال بعدما تبيّن أن قيمة الصفقة وصلت إلى أكثر من 100 مليون يورو وليس 57 مليونا، كما أعلن عند التعاقد مع نيمار. وفي النهاية، أجبر روسيل على الاستقالة ومغادرة برشلونة.
لكن نيمار لم يلتفت إلى التقاضي والمحاكمات، بل صنع مع برشلونة تاريخا حافلا من الإنجازات، حيث حصد لقب الدوري مرتين، كأس إسبانيا 3 مرات، وكأس «السوبر» مرتين، ودوري أبطال أوروبا وكأس العالم للأندية مرة واحدة. ومؤخرا، مع بداية أغسطس (آب) الماضي فجّر نيمار المفاجأة الأكبر بإعلان انتقاله إلى باريس سان جيرمان بأعلى صفقة في تاريخ التعاقدات بالعالم.

