هيمنة التطرف وإلغاء الآخر

هيمنة التطرف وإلغاء الآخر

المجتمعات الإسلامية يتربص بها خطر الأصولية مع استمرار استلهام الكراهية
الاثنين - 5 محرم 1439 هـ - 25 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14181]
أصوات «داعشية» ترفل في تطرفها من منطلق قائم على تضخيم التعصب والانتماء للهوية الدينية واعتبارها وحدها الصحيحة الناجية من النار («الشرق الأوسط})
الرياض: نداء أبو علي
«السؤال ليس هل سنصبح متطرفين أم لا... السؤال هو أي نوع من المتطرفين سوف نصبح. هل سنكون متطرفين من أجل الكراهية أم من أجل الحب؟»... مقولة مارتن لوثر كينج الشهيرة تعكس الهاوية التي يزداد العالم اقتراباً منها حين يتم ترجيح البعض ممن ينتمي إلى ثقافات مختلفة لتطرف الكراهية الذي تطرّق له كينج
مع تعالي حدة التطرف وإلغاء الآخر دينياً وإثنياً وثقافياً عوضاً عن ثقافة الحوار يبرز مؤيدون للتطرف، سواء من منطلق تضخيم الذات واستئثار هوية جماعة معينة على اعتبار أنها وحدها محور الكون، بيقين حتمي على مدى قدرتها وحدها على الارتقاء بالعالم إلى الأفضل، كما يحدث في حال التمايز العرقي، على اعتبار أن أي عرق آخر بمواصفات تختلف حسب أصوله العرقية وليس بناءً على قدراته الشخصية، كما حدث مع الهوس بالعرق الآري، أو في الآونة الأخيرة مع تصاعد اليمين المتطرف ومعاودة ظهور حراك القوميين البيض، ويتفاوت في حدّته حتى يصل إلى حد ارتكاب عمليات إرهابية باسم هذا الانتماء. ومن جهة أخرى، تظهر أصوات ترفل في تطرفها من منطلق آخر ديني، قائم على تضخيم التعصب والانتماء للهوية الدينية، واعتبارها وحدها الصحيحة الناجية من النار. ويتطور الأمر عند الجماعات والتنظيمات الإرهابية ليصل إلى حد العنف في السعي في إلغاء الآخر، واستلزام قتل الآخرين «كلّهم» ممن لا ينتمون إلى التنظيم كما حدث مع القاعدة و«داعش» فيما بعد؛ إذ قسّمت العالم إلى «داعش» وكل من لا ينتمي إليها ممن يستلزم إبادته. مثل هذا التعصب ليس بأمر جديد؛ إذ ظهرت الكثير من الأنظمة في السابق المبنية على التفرقة بين البشر، كنظام الأبارتيد العنصري في جنوب أفريقيا القائم على الفصل العنصري والحكم عبر الأقلية من ذوي البشرة البيضاء، ليمتد ذلك بدءاً بعام 1948 وحتى 1993، ويصل حد تقسيم الفئات حسب لون البشرة ما بين البيض والهنود والخلاسيين والسود، وبناءً على ذلك قسمت الأماكن والظروف الحياتية لكل فئة، مع وجود تصاريح خاصة للدخول إلى المناطق الأخرى. كإقامة حظر على ذوي البشرة السوداء من دخول مناطق ذوي البشرة البيضاء.
فيما ظهر النظام الطبقي الصارم في الهند والشديد التعقيد؛ إذ قسّم المجتمع إلى أربع فئات مع وجود طبقة المنبوذين يمنع لمسهم، وقد سعت حكومة الهند فيما بعد إلى نبذ العنصرية مع ظهور حركات إصلاحية مناوئة، أهمها ما تبناه المهاتما غاندي ونجم عنه سن ما ينبذ العنصرية الطبقية في دستور الهند. الآونة الأخير تشهد خفوت الأصوات المنادية بالسلام والداحضة لخطاب الكراهية كمارتن لوثر كينج والمهاتما غاندي. وظهور أصوات يمينية متطرفة تنافي التطور الطبيعي للسعي نحو مبادئ حقوق الإنسان الطبيعية ليس فقط في المجتمعات المحافظة المتمركزة على الذات، وإنما كذلك في المجتمعات المبنية على المساواة والمتضمنة لجماعات إثنية مختلفة تتلاحم سوية تحت مسمى وطن واحد كالولايات المتحدة أو اتحاد واحد كأوروبا.
فيما يتربص المجتمعات الإسلامية خطر الأصولية مع استمرار استلهام الكراهية. فعلى الرغم من أفول وهج تنظيم داعش، وخوض مرحلة جديدة إثر تكسير أجنحتها في الأراضي التي حاولت استلابها ووضع علمها عليها عنوة في كل من العراق وسوريا. فالمرحلة التي تتبع ذلك تحمل ملامح مطموسة ومستقبلاً محبطاً في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما مع استمرار انعدام الأمن ووجود دول هشة. فإن كان من الصعب التكهن باختفاء تنظيم داعش تماماً؛ إذ إن التنظيمات السابقة لم تندحر بشكل تام كتنظيم القاعدة وإنما خفت بريقها. في حين أن «داعش» يتسم بقدرته على التلون الاستراتيجي بتحويله غايته الأساسية له من إرساء دولة داعشية في مناطق محددة إلى نشر الرعب عبر عمليات إرهابية داعشية في أنحاء مختلفة من العالم بعد أن تمت شيطنته ككل. وجود بيئة خصبة لتقبل كراهية الآخر تفضي إلى الاعتقاد بأن احتمال أفول «داعش» في العراق وسوريا يخلق فراغاً قد تملؤه تنظيمات متطرفة أخرى تحمل ذات الآيديولوجية المتوحشة، تتزعم بأن غايتها الدفاع عن الدين، بغض النظر عن ماهية المذهب الذي ستحمله هذه الجماعات؛ إذ إن تأزم الطائفية في العراق، على سبيل المثال، نجم عنه وجود جماعات إرهابية سنية يتصدرها «داعش»، وأخرى شيعية مضادة، جميعها تهدف في إعمال العنف من أجل تحقيق أهدافها السياسية أو الدينية.
من جهة أخرى، تتجلى محاولة استمرار العراك الداعشي عبر تأجيج الأقليات، سواء عبر تحريضهم وحثهم على التمرد وإعمال العنف والتخريب لأسبابهم السياسية والدينية، كما ظهر في جنوب الفلبين في جزيرة مينداناو، حيث تزدهر أعمال تنظيم داعش، أو من خلال تحريض الأقليات المسلمة في أوروبا على سبيل المثال على القيام بعمليات إرهابية ضد الآخرين وتحويلهم إلى خلايا نائمة تتيقظ بغتة وتوغل في إثارة الرعب بعملية إرهابية مفاجئة. هذا التلاعب بالأقليات يظهر بصفة أخرى عبر استهدافهم في عمليات إرهابية، بغرض إثارة غضبهم وإشعال الفتنة الدينية أو الطائفية كما حدث مع الأقباط في مصر والشيعة في السعودية؛ إذ يظهر الاستهداف تحديداً في أماكن العبادة من كنائس ومساجد، وتجاوز ذلك حتى وصل إلى الحرمين المكي والنبوي، لأسباب رمزية، وللتمكن من استهداف عدد كبير وقت ذروة التجمعات.
في حين ينتظر العالم الآخر، حسب التقسيمات المتطرفة، كأوروبا وأميركا صداماً حضارياً ما بين الثقافات المختلفة، يزيد من إضرامه زيادة عدد المهاجرين وتغيير التقسيم الديموغرافي للدول الأمر الذي يؤجج رهاب الأعراق الأخرى وتصاعد الاعتراض على وجودها، بالأخص مع تزايد ما تتسبب به الجماعات الإرهابية من تهديدات أمنية عبر عمليات إرهابية عشوائية تسببت بتصور متضخم لمدى التهديد الوجودي الذي يتسبب فيه الآخر هناك.
فالهجمات الإرهابية المكثفة في الآونة الأخيرة تسببت بتصاعد خطاب الكراهية وتكثيف للإسلاموفوبيا في ربط ما بين المسلمين والعمليات الإرهابية. كما حدث في لندن في 20 يونيو (حزيران) من هذا العام، حين دهست شاحنة مصلين أثناء خروجهم من المسجد؛ مما تسبب بمقتل شخص وإصابة آخرين. يقابله من جهة أخرى عمليات إرهابية متتابعة كما حدث مؤخرا في 15 سبتمبر (أيلول) من انفجار حاوية في مترو أنفاق لندن. الأمر الذي يعكس عشوائية وضعف العمليات الإرهابية مع افتقار وجود معاقل للتدريب كما كان يحدث في سوريا والعراق.
كما يعكس ذلك تصاعد تحركات الذئاب المنفردة أو الأشخاص والجماعات المتفرقة الذين قد ينتمون إلى التنظيم اسمياً أو نتيجة تأثرهم بآيديولوجيته. هذا الاستهداف وإن كان ضعيفاً إلا أنه لا يزال يشكل خطورة؛ كونه بات مكثفاً ومباغتاً دون أهداف واضحة. الأمر الذي نجم عنه تصاعد وتيرة ظهور جماعات متطرفة تحمل خصائص فاشية متطرفة كحركة النازيين الجدد والقوميين البيض، وإن قابلتها بنمط أكثر خفوتاً أصوات مناوئة للعنصرية. يتلخص ما يجمع ما بين هؤلاء وما بين الداعشيين، بغض النظر عن اختلاف ثقافاتها والفئة التي تصب عليها جام غضبها فتستهدفها في عملياتها المتطرفة، إلا أنها تجتمع كلها في توانيها في رفض الآخر واستغلال العنف المتمثل في إرهاب وقتل الآخر من أجل تحقيق غاياتها. الأمر الذي حتم تحذير خبراء أمميون من تنامي العنصرية في الولايات المتحدة، وقد سلط الضوء عليها في أعقاب أحداث مدينة شارلوتسفيل في ولاية فرجينيا في 11 و12 من شهر أغسطس (آب) من هذا العام، حين تصاعدت احتجاجات يمينية متطرفة لقوميين بيض وتضمنت كذلك جماعة الكوكلوكس كلان، التي تعد من أقدم جماعات الكراهية؛ إذ بزغت في أعقاب الحرب الأهلية الأميركية لتحمل مبادئ مبنية على تفوق العرق الأبيض. وقابلت هذه الاحتجاجات اليمينية في شارلوتسفيل مظاهرات مناوئة لهم؛ مما تسبب في حالة عنف ودهس سيارة للمتظاهرين وأسفرت عن مقتل امرأة وإصابة آخرين. تنامي التمييز العنصري وكراهية الأجانب أدى إلى مطالبة رئيس حزب العمال البريطاني جيرمي كوربن للرئيس الأميركي بأن يدين بشكل حازم مرتكبي المظاهرات ممن وصفهم بسعيهم هدم إنجازات حركة الحقوق المدنية و«إعادتنا إلى أيام جيم كرو».
إذ إن قوانين جيم كرو التي طبقت في الفترة ما بين 1876 و1965، شرعت بالفصل الاجتماعي العرقي في المرافق العامة في الكثير من الولايات الجنوبية الكونفدرالية السابقة في الولايات المتحدة، حتى تم إلغاؤها بناءً على قانون الحقوق المدنية في عام 1964 وسنّ قانون حق التصويت في عام 1965.
تجمع ما بين جميع هذه الجماعات المتطرفة العنصرية المبنية على دحض الآخر بناءً على اختلافه العرقي أو الديني، وقد بدأت مؤخراً في التنامي في جميع المجتمعات، سواء كان ذلك رد فعل أو تعصباً محضاً يصبح الاختلاف فيه مؤذياً يهدد وجود الآخر؛ حد الرغبة في القضاء عليه عبر عمليات إرهابية ترفل بالعنف والتخويف والقتل.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة