الشيخ عبد الله آل ثاني استنهض تاريخاً ناصعاً لقطر

سيرة وطن من «قصر الريان» إلى «حضن طهران»

الشيخ عبد الله آل ثاني استنهض تاريخاً ناصعاً لقطر
TT

الشيخ عبد الله آل ثاني استنهض تاريخاً ناصعاً لقطر

الشيخ عبد الله آل ثاني استنهض تاريخاً ناصعاً لقطر

وضع الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني عبر بيانه الذي أعلنه يوم الأحد 17 سبتمبر (أيلول) الحالي، قيادة بلاده قطر أمام المحك، وجاءت لغة البيان خالية من الطرح العاطفي والابتزاز السياسي والانفعال. إذ حذر الشيخ عبد الله في البيان من المغامرات غير المحسوبة للقيادة القطرية، بل انطلق فيه من عاطفة وطنية صادقة وحسّ عروبي عالٍ. ومن ثم، دعا إلى اجتماع أخوي وعائلي ووطني للتباحث حول كل ما يتعلق بالأزمة الحالية وإعادة الأمور إلى نصابها، مبدياً تألّمه الكبير وهو يرى الوضع في بلاده قطر يمضي إلى الأسوأ بعدما بلغ حد التحريض المباشر على استقرار الخليج العربي والتدخل في شؤون الآخرين، ومؤكداً في البيان أنه وجد الأبواب مشروعة خلال لقائه مرتين بخادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، ووجد حرصه الشديد على سلامة قطر وأهلها، معتبراً في بيانه أنه لم يتجه إلى هذا الأمر ادعاء واستعراضاً.

جاء حرص الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني، على دعوة القطرين إلى اجتماع «لإعادة الأمور إلى نصابها» لخوفه من تورّط بلاده قطر وجرّها على أيدي قيادتها إلى وضع كارثي من خلال اللعب بالنار بأوراق لا تجيد طرحها على طاولة السياسة، وذلك وسط مواصلة هذه القيادة عنادها وعزفها على أوتار مهترئة، وتعمدها تجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة الحالية. إذ رغم يقين المراقبين التام بأن حل الأزمة بيد قادتها، فإن إصرار القيادة الحالية على موقفها أجبر الشيخ عبد الله على إصدار مثل هذا البيان.
الواقع، أن الشيخ عبد الله بن علي آل ثاني، ليس معارضاً قطرياً، بل هو رجل وطني يحب بلاده وشعبها، ويكنّ كل المحبة لجيرانه وأشقائه في دول مجلس التعاون الخليجي، قيادات وشعوباً، كما يتمتع بحس عروبي عالٍ... وهذه أمور لا تقبل المساومة، وبخاصة أن مطلق البيان سليل ملوك وحكام، أبرزهم والده علي بن عبد الله آل ثاني، الذي حكم قطر بين عام 1949 وحتى تنازله عام 1960.

الشيخ علي آل ثاني
في كتاب عن سيرة الشيخ علي بن عبد الله بن قاسم آل ثاني (والد الشيخ عبد الله، صاحب البيان الشهير الذي حرّك المياه الداخلية في قطر)، وقفات مهمة لحاكم نادر وفريد، يُعد من أولئك الرجال الذين تُقرأ سيرتهم، فتغرس في نفس قارئها أروع القصص والمواقف، وتستعيد مشهداً جميلاً قبل عقود عدة عن بلاده قطر وعلاقتها بجيرانها وحضورها الخليجي والعربي، في ظل ظروف الاستعمار والوصاية من قبل الأجنبي، وما بعدها. وكيف كانت قطر تنعم بالاستقرار والأمان وتغرّد منسجمة والسرب الذي كانت تطير معه برفقة جيرانها في فضاء خليجها وعروبتها، بخلاف المشهد المؤسف الذي نرى اليوم.
وللعلم، فإن الشيخ عبد الله بن علي بن عبد الله بن قاسم بن محمد آل ثاني، هو النجل الثاني عشر لوالده الشيخ علي الذي تولى الحكم عام 1949م خلفاً لوالده الشيخ عبد الله بن قاسم الذي تنازل عن الحكم بعدما تولاه لمدة 37 سنة هي أطول مدة حكمها حاكم من آل ثاني. ولقد ولد الشيخ عبد الله بن علي عام 1957م، ويعتبر المؤسس لاتحاد الفروسية في قطر، الذي ترأسه منذ بداية عهده عام 1979م حتى العام 1988م، وحقق في هذه الفترة الكثير من الإنجازات، وحصد الاتحاد ميداليات. أيضاً يعد من أبرز المهتمين والمحبين لرياضة الهجن، فضلاً عن أنه من الشخصيات اللامعة في الأعمال الحرة والعقارات، وله من الذرية أربعة من الأبناء، هم: علي ومحمد وسعود وحمد.
كان الشيخ علي قد أصبح ولياً للعهد عام 1948م، في أعقاب وفاة أخيه الشيخ حمد بن عبد الله آل ثاني، ولقد طلب الشيخ عبد الله بن قاسم يومذاك من السلطات البريطانية أن تعترف بولاية العهد لابنه الشيخ علي. وفي العام التالي، كما سبقت الإشارة، خلف الشيخ علي أباه في الحكم. وبناءً عليه، فإن الشيخ عبد الله بن علي بن عبد الله آل ثاني (صاحب البيان)، الذي ولد عام 1957م، ابن بيت مُعرق في السياسة، له أيادٍ بيضاء على قطر، في عهود والده الشيخ علي، وجدّه الشيخ عبد الله (الذي سُمي تيمناً به)، والشيخ قاسم بن محمد والد جده عبد الله، والشيخ محمد بن ثاني جد جده عبد الله.. كل هؤلاء كان لهم حضورهم المتميز في سجل الحكم على مدى عشرات العقود.
والجدير بالذكر، أن فترة الشيخ علي آل ثاني (المولود عام 1894م والمتوفى عام 1974) حكم قطر لمدة 12 سنة كانت كلها سنوات خير عليها، وحظي بحب الشعب القطري نظراً لعلاقته الوثيقة به وأمره بمجانية التعليم والصحة والكهرباء والماء. وفي رجعة تاريخية نشير إلى أنه في أعقاب معركة الشيخ قاسم بن ثاني - وهي المعركة الذي قادها الشيخ قاسم مع الأتراك بقيادة الوالي محمد حافظ باشا عام 1892م - انتهت فترة الاضطراب والحروب والغزوات في قطر، وحل محلها استقرار النظام إلى أن برزت الأزمة القطرية الحالية التي تفاقمت وباتت تنذر بما لا تحمد عقباه، بسبب عناد القيادة القطرية الحالية وإصرارها على المغامرة بمصالح قطر وشعبها، ناهيك من تهديد أمن جيرانها والدول العربية الأخرى. وهذا الوضع بالذات هو ما دفع الشيخ عبد الله إلى إصدار بيانه الشهير (الأحد 17 سبتمبر)، ومناشدة مواطنيه وأبناء الأسرة والأعيان، التواصل معه وتحديد مكان وزمان موعد الاجتماع لاحقاً. وهو بحدسه وبروح المسؤولية التي يتحلّى بها يحرص على ألا تنزلق بلاده إلى مصير دول دخلت إلى نفق المغامرة وانتهت إلى الفوضى والخراب والشتات وضياع المقدّرات.

روح البيان التاريخي
الشيخ عبد الله في بيانه التاريخي، كأنه يستحضر تاريخ بلاده جيداً ويعيد قراءة مشهد قطر في عقودها الماضية وواقعها الحالي. ويخرج عن الصمت حفاظاً على تحقيق الاستقرار والنظام الذي كان سمة الماضي القريب، وخصوصاً إبان عهد والده الشيخ علي. وهنا يمكن القول إن النجل عبد الله، أخذ الكثير من صفات والده الشيخ علي - رابع حكام قطر من آل ثاني - التي تميز واشتهر بها. ولقد لخّص محمد شريف الشيباني، أحد معاصري الشيخ علي، هذه الصفات بقوله «هو مجموعة من الفضائل والمواهب. رجولة يخالطها الورع والتقوى، وعصامية فطرية عالية، وشمائل غراء، وروح وثابة، تنشد الخير والإصلاح، والرخاء والازدهار، ونفس كبيرة تسعى إلى البر والإحسان، ضمن نطاق من الزهد ونكران الذات، ذلك هو سمو الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني».
من جانب آخر، عُرف عن الشيخ علي التدين والورع والكرم والجود، وكذلك الحرص على صلة القرابة والجيرة. وهو إضافة إلى تمتعه بالتواضع والحلم، كان صاحب هيبة ووقار، كما اشتهر بروح الفكاهة والملاطفة. وهنا قول الشيباني «أرى أن للفكاهة نسباً وألف سبب مع الأريحية. والرجال العظماء عندما يصنعون الفكاهة يتوخّون من ورائها إعطاء الفرصة الكافية لحضّار دواوينهم ومجالسهم لممارسة الحرية المعقولة في الكلام أخذاً ورداً. وبعبارة أخرى إن هيبة الحكم والسلطان تهيمن على الحضور، وتقطع الألسنة، فتأتي الفكاهة من الحاكم بمثابة الإذن في مبادلة الكلام، وبمثابة السماح لأخذ الحريات الخاصة. وسمو الحاكم يركن أحياناً لملاطفة حاشيته وقصّاده، ليشعرهم بأنه وإياهم سواسية أمام الله تعالى».
أيضاً عُرف عن الشيخ علي آل ثاني، تفقده أحوال مَن حوله وحرصه على مصلحة وطنه ومواطنيه، فكان شديد التتبع لأخبارهم والسؤال عن أحوالهم، كما اشتهر بذمه الغيبة والنميمة. ومن يعرف ابنه الشيخ عبد الله عن كثب يؤكد أن كل هذه الصفات ورثها الابن من الأب، فهو يتميز مثل أبيه بطيب الأخلاق والكرم، ومحبته لوطنه وشعبه وجيرانه، خصوصاً الجارة الكبرى المملكة العربية السعودية.
وما يستحق الذكر، أن خالد بن محمد بن غانم بن علي آل ثاني، أحد أحفاد الشيخ علي، أنجز كتاباً أسماه «الحلي الداني في سيرة الشيخ علي آل ثاني». وطاف بالقارئ، حيث طاف والد جده الشيخ علي - رحمه الله، فرصد حياته السياسية والاجتماعية، وكشف عن شمائله وأخلاقه، ومآثره وأسفاره، وعلاقته بمن حوله، وجهوده في نهضة بلاده، ووضعه لبناتها الأولى، وكيف استطاع أن يجمع بين العلم والحكم، دون إفراط وتفريط. وفي هذا الكتاب تذكير ضمني بالحكمة التي كان يتمتع بها حكام قطر الأوائل، ولا سيما، لجهة الحرص على مصلحة وطنهم ووحدته وعلاقتهم بالجيران وحل المشاكل بالتعقل والشفافية والوضوح، بعيداً عن المغامرات والانفعالات التي لا تورث سوى الضغائن والأحقاد.
ويقول المؤلف خالد بن محمد آل ثاني، في تناوله سيرة الشيخ على آل ثاني: «كان الشيخ علي، رحمه الله، حريصاً على الحرص على كل شبر وحق لبلاده وشعبه، ويسير في جميع هذه المواقف والحوادث بهدوء وإتقان، بعيداً عن العنف والانفعالات، مدركاً مصالح الإنجليز ومكائدهم، التي كان أبرز نتائجها مسائل الحدود العالقة بين البلاد العربية التي خضعت لاحتلالها أو لاتفاقيات الحماية». وأورد المؤلف في هذا السياق نماذج لذلك، منها: مسألة الحدود بين قطر والسعودية، التي ابتدأت المفاوضات بشأنها بشكل متقطع في جدة والرياض ولندن بين عامي 1934م و1938م، ثم توقفت طوال السنوات العشر بسبب الحرب العالمية الثانية، وعندما انتهت الحرب طرح الموضوع مرة أخرى، واتفق البريطانيون في عام 1951م مع الملك فيصل بن عبد العزيز (رحمه الله) – وزير خارجية السعودية آنذاك – على عقد مؤتمر طاولة مستديرة يحضره الأفرقاء المعنيون. ولقد افتتح مؤتمر المائدة المستديرة في الدمام على الساحل العربي السعودي للخليج في 28 يناير (كانون الثاني) 1952م، وكان الأمير (الملك) فيصل يرأس الوفد السعودي الذي ضم الشيخ يوسف ياسين نائب وزير الخارجية والأمير سعود بن جلوي أمير الأحساء، والشيخ حافظ وهبة سفير السعودية في لندن. وكان حاضراً المقيم البريطاني السير روبرت هاو، وفي صحبته الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، والشيخ شخبوط بن سلطان حاكم أبوظبي، ونوقش – في حينه – موضوع الحدود بين السعودية وبين كل من قطر وأبوظبي، من جانب رئيسي الوفدين وأعضائهما في سبع جلسات مهمة، كما ناقشها نائباهما في خمس جلسات غير رسمية. وتأخر المؤتمر إلى منتصف فبراير (شباط) دون الوصول إلى اتفاقية.
وتابع المؤلف في هذا الصدد «وحدّثني غير واحد أن الشيخ علياً - رحمه الله - عندما دارت هذه الجلسات رأى أن النقاش وطريقة إدارته لن توصل إلى نتيجة، بل ستورث الضغائن والأحقاد بين الأحبة ولن تحل المشكلة، وما هذه الدول إلا دولة واحدة وأمة واحدة، فقال: «ما أرى في هذه الاجتماعات فائدة، وأما بالنسبة لحدود السعودية فهي في قصري في الريان». فقال الملك فيصل «وكذا يقول والدي الملك عبد العزيز: إن حدود آل ثاني في قصر المربّع في الرياض». وصدق حدس الشيخ علي، حيث إن هذه النقاشات انتهت بلا أي نتيجة إلى أن تم لاحقاً الاتفاق ودياً بين قطر والسعودية على تعيين الحدود بينهما.

روابط محبة وإخاء
من ناحية ثانية، تكشف سيرتا آل سعود وآل ثاني منذ عهد مؤسسي الدولتين – السعودية وقطر - بأن ما بين البلدين وأسرتيهما الحاكمتين من روابط المحبة والإخاء ما يقصّر عنه الوصف. وتجسد ذلك في الكلمة السامية التي وجهها عام 1956 الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني - وكان حاكماً قطر يومذاك – إلى الشعب السعودي عبر الإذاعة السعودية بمناسبة مغادرته الرياض بعد انتهاء زيارته للسعودية في عهد الملك سعود بن عبد العزيز (رحمه الله) ثاني ملوك الدولة السعودية الحديثة. وأشاد الشيخ علي في كلمته بما بين البلدين وأسرتيهما الحاكمتين من روابط المحبة والإخاء. ونوّه بما شاهده في المملكة من مظاهر الرقي والإخاء، معتبراً أن «الروابط التي تربط أسرتينا لا تزداد مع مرور الأيام إلا قوة ومتانة»، علماً بأن راديو مكة أذاع في التاريخ نفسه كلمة ترحيبية بالشيخ علي، جاء فيها «لقد كان قدوم الشيخ علي إلى السعودية، التي وصلها من الدمام إلى الرياض في قطار ملكي خاص، يوماً مشهوداً احتفلت به الرياض، ورحّبت الأسرة السعودية، وشارك فيه الشعب من أعماق قلبه، وتجلت فيه عواطف الصداقة والود والإخاء. تلك العواطف التي تنبثق من قلوب اجتمعت على صعيد العروبة وائتلفت في ظل الإسلام، وآخى بينها ماض زاهر وحاضر لامع، بل إن الروابط لهي أوثق من كل ذلك، فإن بين أسرة آل ثاني وآل سعود روابط من الدم والقرابة ظلله تاريخ عريق وضّاء».
كذلك، يذكر أن حاكم قطر الشيخ علي بن ثاني كان دائماً الزيارة للسعودية، تربطه بملوكها وأمرائها وعلمائها أواصر النسب والدم والمحبة الصادقة المتينة، وكان عندهم وكانوا عنده محل كل احتفاء وتقدير وتبجيل، فكان لا يمر عام إلا وقد زار المملكة إما للحج والعمرة، أو الجلوس في الأحساء، حيث مزرعته التي كان يحب المقام فيها.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.