القوى الغربية تدعو إلى انتقال سياسي بلا عنف في ليبيا

مظاهرات في طرابلس دعما لحفتر

ليبيون يتظاهرون في شوارع طرابلس للمطالبة بالكرامة والأمن (أ.ف.ب)
ليبيون يتظاهرون في شوارع طرابلس للمطالبة بالكرامة والأمن (أ.ف.ب)
TT

القوى الغربية تدعو إلى انتقال سياسي بلا عنف في ليبيا

ليبيون يتظاهرون في شوارع طرابلس للمطالبة بالكرامة والأمن (أ.ف.ب)
ليبيون يتظاهرون في شوارع طرابلس للمطالبة بالكرامة والأمن (أ.ف.ب)

تظاهر أمس مئات آلاف الليبيين في عدة مدن خاصة العاصمة الليبية طرابلس ومدينة بنغازي (شرقا) تأييدا لعملية «الكرامة» العسكرية التي تشنها قوات تابعة للواء خليفة حفتر، القائد السابق للقوات البرية في الجيش الليبي، ضد الجماعات المسلحة المتطرفة، في مظاهرات سميت «جمعة الكرامة» ووصفها مراقبون محليون بأنها الأكبر والأضخم من نوعها منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.
وعبرت الولايات المتحدة ودول أوروبية عن القلق العميق تجاه العنف في ليبيا، وحذرت من أن البلاد تقف على «مفترق طرق» بين مواصلة الطريق نحو تحول سياسي أو السقوط في هوة الفوضى والانقسام والعنف والإرهاب.
وقالت هذه الدول في بيان مشترك أصدرته أمس: «يشعر الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة بقلق بالغ من أعمال العنف المستمرة وتدعو كل الأطراف إلى عدم استخدام القوة وتسوية الخلافات بالسبل السياسية». وعرض البيان أيضا دعم الغرب لعملية مصالحة شاملة بمساعدة الأمم المتحدة، لكنه حذر من أن «الانقسامات المستمرة بين الليبيين ستؤثر بشكل كبير على قدرة المجتمع الدولي على تقديم المساعدة». واتخذ الخارجية الروسي سيرغي لافروف نفس الموقف، حيث عد في كلمة ألقاها في مؤتمر موسكو الثالث للأمن الدولي، أن الوضع في ليبيا يثير قلقا متزايدا، حيث من الواضح أنه وصل إلى طريق مسدود.
وأضاف لافروف، بحسب ما نقلته وكالة أنباء موسكو الروسية، أن لا أحد من «أصدقاء ليبيا» يستطيع إخراج البلاد من هذه الأزمة وحده، محذرا من أن تفكك ليبيا بشكل نهائي سيؤدي إلى ظهور بؤرة جديدة للتوتر ومصدر دائم للمخاطر في منطقة الصحراء والساحل. وفي مواجهة هذه المخاطر، استعاد آلاف الليبيين ذاكرة المظاهرات الشعبية الضخمة واحتشدوا أمام ساحة فندق تيبستي وسط بنغازي عاصمة الثورة ومهد الانتفاضة الشعبية ضد نظام القذافي، كما تجمعت أعداد كبيرة في ميدان الشهداء بوسط العاصمة طرابلس رافعين شعارات التأييد لحفتر ومرددين الهتافات الموالية له وسط إجراءات أمنية مشددة فرضتها مديرية أمن طرابلس التي نشرت نحو 1800 رجل أمن بالزى الرسمي والمدني في طار خطة أمنية لتأمين المظاهرة.
وقال مشاركون في المظاهرة هاتفيا لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه المظاهرة موجهة بالأساس إلى المتطرفين في ليبيا ولدعم عملية الكرامة التي يقودها حفتر، ولفتوا إلى أن المتظاهرين الذين رفعوا أعلام الاستقلال وصور حفتر، قد رددوا أيضا هتافات مناوئة لمفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني ولجماعة الإخوان المسلمين.
واستقال السادات البدري، رئيس مجلس طرابلس المحلي والمحسوب على التيار الإسلامي قبل هذه المظاهرات، مشيرا إلى أن قرار نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) والقائد الأعلى للجيش الليبي باستدعاء الدروع لطرابلس لم يجر التنسيق فيه مع المجلس المحلي لمدينة طرابلس الكبرى ولم تجر مشاركة المجلس في اتخاذ هذا القرار.
وانتقد أداء حكومة الثني واتهمها بهدر أموال الليبيين، وعدم قدرتها على اعتقال من قام بإطلاق الصواريخ العشوائية على السكان في طرابلس رغم علمها بمن هدد بإطلاقها. ووصف ما تعرضت له مدينة طرابلس ليلة الثلاثاء الماضي من سقوط أكثر من أربعة صواريخ غراد على السكان بالعمل الإجرامي، مضيفا أن «هذا السلاح يستخدم في الحروب المفتوحة وعمليات المسح أمام الجنود ويعد بكل المقاييس الدولية جريمة ضد الإنسانية».
وأعلن المجلس العسكري الأعلى للجيش الوطني بقيادة حفتر في بيان تلاه محمد حجازي، الناطق الرسمي باسمه، أن عملية الكرامة هي لكل الليبيين بهدف القضاء على الإرهاب والعصابات الخارجة عن القانون. وقال البيان الذي يعد الثالث من نوعه منذ بدء العملية الأسبوع الماضي: «نتمنى أن نرى ليبيا في مصاف الدول المتقدمة، لا نريد الحديث عن الماضي ولا عمن سبقونا، دعونا نتكلم عن المستقبل وما نطمح إليه جميعا».
وأضاف: «إن جيشكم هب لتقديم نفسه فداء لكم وتلبية لندائكم، لا مكان بيننا للإرهاب باسم الدين ولا لمن يكفرنا، بل نسعى لدولة مدنية ديمقراطية».
من جهته، كشف وزير العدل الليبي، صلاح الميرغني، عن إقرار الحكومة الانتقالية لمشروع قانون لمكافحة الإرهاب في ليبيا وتقديمه إلى المؤتمر الوطني للموافقة على إصداره أو مجلس النواب القادم.
وقال الميرغني في مؤتمر صحافي عقده أول من أمس، إن مجلس الوزراء أقر المشروع وأرسله إلى المؤتمر الوطني، ولعل مجلس النواب القادم ينظر فيه كأول أعماله لأهمية هذا الأمر، ولتسهيل التعامل مع هذه الظاهرة السلبية التي تؤرق مضاجع الليبيين، وتؤدي إلى قتلهم، مشيرا إلى أن نص القانون سينشر لاحقا على الموقع الإلكتروني لوزارة العدل. وقال بيان منفصل لحكومة الثني، إن مدير مكتب الجامعة العربية ورؤساء البعثات الدبلوماسية العربية المعتمدين بليبيا، الذين التقوا الثني أول من أمس، أعربوا عن تأييدهم للمبادرة التي اقترحتها حكومته على البرلمان الليبي واستعداد بلدانهم للمساهمة في إنجاحها بما يوفر الأمن والاستقرار والتقدم للشعب الليبي.
في المقابل، أعلن صالح المخزوم، النائب الثاني لرئيس المؤتمر الوطني، أن المؤتمر تسلم عددا من المبادرات المتعلقة بالوضع الراهن الذي تمر به ليبيا، سواء من الحكومة الحالية أو منظمات المجتمع المدني أو من النخب السياسية، مشيرا إلى أن انتخاب مجلس النواب الذي سيتسلم السلطة من المؤتمر سيجري في الخامس والعشرين من شهر يونيو (حزيران) المقبل.
وأعرب عن استغرابه لاتهامات الحبيب الأمين، وزير الثقافة، للبرلمان بتعطيل عمل الحكومة، وانحيازه إلى كتائب معينة، موضحا أن المؤتمر شدد في قرارات متعلقة بإخراج كل الكتائب المسلحة من المدن وضمها تحت رئاسة الأركان قبل نهاية العام الماضي، على استخدام القوة في مواجهة الكتائب غير الشرعية، إلا أن الحكومة أخفقت في تنفيذ هذه القرارات. كما انتقد عجز الحكومة عن تقديم تقارير وتحقيقات وأسماء من يقوم بالاغتيالات والإرهاب والاعتقال في ليبيا.
من جهة أخرى، استقال نوري بالروين، رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، من منصبه وعين مكانه أحد أعضاء مجلس الإدارة، في حين نفى الناطق باسم المؤسسة أي علاقة لهذا القرار بالأزمة السياسية الحالية في البلاد.
إلى ذلك، طمأن مصرف ليبيا المركزي، لمواطنين، بتوفر السيولة المالية بكافة فروع المصارف التجارية في ليبيا، وقال في بيان له أمس، إنه على استعداد لسد الاحتياجات المستقبلية للمصارف التجارية بمختلف أنحاء ليبيا عبر فروع المصرف المركزي. وأضاف المصرف، أنه مؤسسة مالية سيادية تؤدي عملها بمهنية كاملة وفق القوانين السائدة ويحظى باحترام المؤسسات الدولية، وينأى بنفسه عن أي تجاذبات سياسية، وأنه سيستمر في القيام بدوره لتأسيس دولة القانون ومواصلة مساعيه في مكافحة الفساد.
وفي مدينة بنغازي بشرق ليبيا، قصف مجهولون أمس معسكر القوات الخاصة في المدينة بثلاثة صواريخ غراد، لكنها سقطت في ساحة المعسكر ولم تسفر عن سقوط ضحايا، وفقا لما نقلته وكالة أنباء التضامن الليبية عن مصدر عسكري.
وأصيب 20 مدنيا بجروح عندما سقطت قذيفة على أحد المنازل في بنغازي، حيث قال الناطق باسم مستشفى الهواري في بنغازي، إن «20 شخصا من أسرة واحدة أصيبوا بجروح مختلفة الخطورة إثر سقوط قذيفة على منزلهم»، موضحا أنهم أصيبوا بشظايا.
ووقع الانفجار في حي أبو هديمة وسط بنغازي على بعد بضعة كيلومترات من المقر العام لوحدة من نخبة الجيش النظامي الليبي التي أصيب أيضا بقذيفة لم تخلف ضحايا وفق مصر أمني.
وأعلنت هذه الوحدة هذا الأسبوع انضمامها إلى اللواء خليفة حفتر، في حين تشهد مدينة بنغازي توترا أمنيا منذ يوم الجمعة الماضي عندما أطلق «الجيش الوطني الليبي» بقيادة حفتر عملية «كرامة ليبيا» ضد ما يصفهم بالمتطرفين.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.