انتخابات الرئاسة المصرية تتأهب لصناديق الاقتراع مع انتهاء الحملات الدعائية

بعثة الاتحاد الأوروبي: لن نتدخل في العملية الانتخابية وملتزمون بالحيادية

مراقبو بعثة الاتحاد الأوروبي بعد وصولهم إلى مقر تجمعهم في العاصمة المصرية استعدادا للانتخابات الرئاسية (إ.ب.أ)
مراقبو بعثة الاتحاد الأوروبي بعد وصولهم إلى مقر تجمعهم في العاصمة المصرية استعدادا للانتخابات الرئاسية (إ.ب.أ)
TT

انتخابات الرئاسة المصرية تتأهب لصناديق الاقتراع مع انتهاء الحملات الدعائية

مراقبو بعثة الاتحاد الأوروبي بعد وصولهم إلى مقر تجمعهم في العاصمة المصرية استعدادا للانتخابات الرئاسية (إ.ب.أ)
مراقبو بعثة الاتحاد الأوروبي بعد وصولهم إلى مقر تجمعهم في العاصمة المصرية استعدادا للانتخابات الرئاسية (إ.ب.أ)

اختتم مرشحا الرئاسة في مصر المشير عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي، حملاتهما الدعائية، أمس، التزاما بفترة الصمت الانتخابي، التي بدأت صباح اليوم (السبت)، وتستمر إلى غد (الأحد)، تمهيدا لنزول المصريين للاقتراع يومي 26 و27 مايو (أيار) الحالي.
وناشد السيسي المصريين، أمس، النزول للتصويت بكثافة لاختيار مرشحهم، كما دعاهم للعمل والكفاح من أجل النهوض بالبلاد، في حين أقام صباحي مؤتمرا جماهيريا بميدان عابدين بالقاهرة أمام القصر الجمهوري.
وبموجب فترة الصمت الانتخابي، التي أقرتها اللجنة العليا للانتخابات، تحظر جميع أشكال الدعاية الانتخابية من جانب المرشحين، حيث يمتنع عليهم عقد أي مؤتمرات أو المشاركة في تجمعات أو مسيرات تدعو أو تحث الناخبين على انتخابهم، أو إجراء أي لقاءات دعائية أو إعلامية.
ويبلغ عدد الناخبين في مصر 53 مليونا و309 آلاف ناخب، لهم حق التصويت.
وحصل السيسي على 313 ألفا و835 من أصوات المصريين في الخارج بنسبة 94.52 في المائة في التصويت الذي انتهى يوم الاثنين الماضي، مقابل 17 ألفا و207 أصوات لصباحي بنسبة 5.48 في المائة.
وبدأ توافد بعثات المتابعة من كثير من المنظمات الإقليمية والدولية المختلفة، التي ستتولى متابعة الانتخابات، وأبرزها ممثلو الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وتجمع «الكوميسا» ومنظمة «الفرنكفونية» وتجمع دول الساحل والصحراء.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية السفير بدر عبد العاطي إن الوزارة تجري اتصالات تستهدف ترتيب لقاءات لرؤساء هذه البعثات، وعدد من المسؤولين المصريين، وممثلي المجتمع المدني، بما في ذلك وزارة الخارجية واللجنة العليا للانتخابات الرئاسية وكبار المسؤولين في الوزارات وأجهزة الدولة المعنية، بالإضافة إلى مسؤولين بالأزهر والكنيسة القبطية، استجابة للطلبات التي تقدمت بها هذه المنظمات، وفي ظل الحرص على التنسيق التام مع جميع هذه البعثات لتسهيل مهمتها في متابعة الانتخابات الرئاسية، مضيفا أن الوزارة تقوم أيضا بالعمل على تسهيل مهمة هذه البعثات بالتنسيق مع الجهات المصرية المعنية.
من جهته، أكد نيكولاي فولشانوف نائب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لمتابعة الانتخابات، إن هناك وفدا من البرلمان الأوروبي سينضم لمتابعي البعثة لمتابعة الانتخابات، بالإضافة إلى 51 متابعا من المعنيين محليا من سفارات الدول الأعضاء لدى الاتحاد الأوروبي في مصر، ليصل مجموع البعثة إلى نحو 150 متابعا من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وأوضح فولشانوف، في تصريحات له، أمس، على هامش توزيع متابعي البعثة قصيري المدى على محافظات الجمهورية تمهيدا لبدء عملهم خلال الأيام المقبلة، ونقلتها وكالة أنباء الشرق الأوسط، أن رئيس البعثة ماريو ديفيد، سيأتي مرة أخرى إلى مصر بعد انتهاء الانتخابات لتقديم تقرير إلى السلطات المصرية بنتائج عمل البعثة، على أن ينشر تقريرا شاملا بالتوصيات النهائية بعد الانتخابات بشهرين، وستقدم البعثة تقريرها المبدئي بعد يومين من انتهاء الانتخابات.
وأكد نائب رئيس البعثة، أن المتابعين لن يتدخلوا في العملية الانتخابية، بما في ذلك تقديم المشورة والمساعدة إلى المسؤولين عن الانتخابات وغيرهم من أصحاب المصلحة، موضحا أن هذه هي انتخابات الشعب المصري، وبعثة الاتحاد الأوروبي لن تضفي شرعية على العملية الانتخابية ولا نتائجها، مشيرا إلى أن متابعي الانتخابات في الاتحاد الأوروبي ملتزمون بمدونة لقواعد السلوك التي تضمن حياديتهم ونزاهتهم، وأن البعثة مستقلة عن الجميع سواء الحكومة المصرية أو حتى الاتحاد الأوروبي.
وطالب فولشانوف المتابعين بالحياد وعدم التدخل بأي شكل من الأشكال في العملية الانتخابية، وعدم تقديم النصح أو التعليمات لأي من الناخبين، متمنيا لهم التوفيق والسلامة، وقال: «سنتابع كل مظاهر الانتخابات»، مشيرا إلى أنهم تلقوا إفادة مفصلة حول عملية الاقتراع والبيئة الانتخابية والسياسية وحقوق الإنسان ووسائل الإعلام والمسائل التشغيلية.
وعن عمله أثناء يومي الانتخابات، قال فولشانوف إنه سيتابع عمل البعثة في الأماكن المختلفة في الجمهورية من مكان إقامته، وسيكون على اتصال معهم على مدار الساعة من خلال شبكة اتصالات تابعة للبعثة، مشيرا إلى أن المتابعين سيعودون إلى القاهرة لتقديم نتائجهم في المقر الرئيس بمجرد انتهاء الانتخابات، كما سيقوم جميع المتابعين بمتابعة إجراءات التصويت والفرز، وجدولة النتائج في المناطق الحضرية والريفية.
وأشار فولشانوف إلى أن بعض المتابعين الذين سيجري نشرهم في محافظات بعيدة سافروا بالطائرة، وأن المتابعين بدأوا في ارتداء ملابس زرقاء عليها شعار بعثة الاتحاد الأوروبي، وأنهم متحمسون للقيام بعملهم، لأن هذه المرة الأولى التي يتابعون الانتخابات في مصر، وأن السيارات التي وضع عليها ملصق البعثة التابعة للاتحاد الأوروبي اتجهت إلى المحافظات المختلفة، نافيا أنهم يخشون من وقوع مكروه لهم، نظرا لما تمر به مصر.
وفي إطار آخر أيام الدعاية الانتخابية، وجه المشير السيسي، أمس، خطابا للشعب المصري عبر شاشات الفضائيات، ناشد فيه الشعب المصري المشاركة في التصويت في الانتخابات الرئاسية، والنزول بكثافة إلى صناديق الاقتراع، والتصويت للمرشح الذي يختارونه، ليؤكدوا للعالم أجمع عراقة التجربة الديمقراطية لدى المصريين، الذين يسطرون صفحات جديدة في تاريخهم الحضاري الأصيل.
ونشرت الصفحة الرسمية لحملة السيسي، فيديو بصوت المشير على موقع التواصل الاجتماعي «إنستغرام» بعنوان «مصر لازم تعيش»، حث فيه المصريين على العمل والكفاح من أجل النهوض بالبلاد.
كما نظمت حملة السيسي عدة فعاليات في القاهرة والمحافظات حتى الـ12 من مساء أمس (الجمعة)، في مناطق وسط البلد ومدينة نصر ومصر الجديدة والدقي والزمالك والمهندسين وعدد من الميادين الرئيسة في القاهرة والمحافظات، بالإضافة إلى توزيع مطبوعات تحمل صور المشير.
في المقابل، عقد صباحي مساء أمس مؤتمرا جماهيريا بميدان عابدين بالقاهرة، أمام القصر الجمهوري، في ختام دعايته الانتخابية، بمشاركة أعضاء حملته من جميع المحافظات، وعدد واسع من القيادات الوطنية والسياسية والشابة، وأحزاب الدستور والكرامة والعدل والتحالف الشعبي الاشتراكي.
ودعا صباحي المواطنين إلى عدم مقاطعة الانتخابات، وأن يعبروا عن إرادتهم واختيارهم بشكل حر، مشددا على أن الوطن يحتاج من الجميع الاصطفاف والتوحد تحت رايته. ودافع صباحي عن برنامجه الانتخابي، مؤكد أنه يحقق مطالب الثورة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وأكد صباحي أن التيار الإسلامي لن يتعرض للإقصاء، إلا أن ذلك التيار تعرض لانتكاسة نتيجة مواقف جماعة الإخوان الذين فشلوا في الحكم وأخطأوا في المعارضة، واستكبروا على إرادة الشعب، واتجهوا لطريق العنف والإرهاب، وشدد صباحي على ضرورة التفريق في المرحلة المقبلة ما بين الإرهاب وأعمال العنف والأفكار التي تدعو إليه، واحترام حرية التعبير السلمي عن الرأي، مهما كان اتجاهه.
وأكد صباحي أن مصر تحتاج إلى رئيس لكل المصريين، وليس رئيسا لحزب أو جماعة، وهو من أهم الدروس المستفادة من حكم محمد مرسي لمصر، الذي كان رئيسا لجماعته، وليس لكل المصريين.
وقال إنه لن تحدث فوضى في مصر إلا إذا استمرت السياسات القديمة التي ثار عليها الشعب مرتين، وفي هذه الحالة لن تحدث فوضى وإنما ستحدث موجة ثورية جديدة، ربما ستكون أعنف.
وتابع صباحي أن أي نظام يستطيع تحقيق أهداف الثورة أو حتى المضي في تحقيق تلك الأهداف سيكون الشعب المصري معه، فالشعب المصري ضد الفوضى، وفي الوقت نفسه ضد الاستمرار في الفساد. وأكد صباحي أنه سيحارب الإرهاب بخطاب ديني جديد من الأزهر والكنيسة.
وحول دور مصر في المنطقة والعالم في حال فوزه بالانتخابات، قال صباحي إن مصر مهيأة، لأن تكون لاعبا مهما، وله دور فعال خلال الفترة المقبلة، سواء في المنطقة العربية أو في العالم، واستعادة دورها الإقليمي، مشددا على أن لها موقعا متميزا إذا أحسن استخدامه، يمكن أن يقدم خدمات لكل العالم.
وأكد صباحي أن هناك خططا مدروسة لزيادة مساحة العمران في مصر، وإقامة مشروعات ضخمة ستساعد على هذا التوسيع، منها إقامة مشاريع صناعية وزراعية وسياحية، وشدد صباحي على أن مشروعات الطاقة الشمسية يمكنها أن تعطي لمصر ما أعطاه النفط لدول الخليج.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.