صربيا تجني «منافع» من دون قيود

بعد زيارة الرئيس الصيني لسراييفو

نقل بعض مواد الصلب في أحد موانئ صربيا (نيويورك تايمز)
نقل بعض مواد الصلب في أحد موانئ صربيا (نيويورك تايمز)
TT

صربيا تجني «منافع» من دون قيود

نقل بعض مواد الصلب في أحد موانئ صربيا (نيويورك تايمز)
نقل بعض مواد الصلب في أحد موانئ صربيا (نيويورك تايمز)

حين اختار الرئيس الصيني، شي جين بينغ، مدينة صناعية على نهر الدانوب للإعلان عن وضع صربيا في قلب مبادرة البنية التحتية «حزام واحد، طريق واحد»، التي تبلغ قيمتها 900 مليار دولار، كان ذلك بمثابة تصريح جريء بأن بلاده قد أنشأت لها متجرا في جنوب شرقي أوروبا.
ووعد شي جين بينغ خلال العام الماضي وهو يقف على أرض منشأة لصناعة الصلب تعود إلى الحقبة الشيوعية في مدينة سميديريفو، التي تقع على بعد نحو 28 ميلا من العاصمة بلغراد، بضخّ الأموال في مشروعات إنشاء طرق وخطوط سكك حديد لإتاحة نقل البضائع الصينية إلى الأسواق الأوروبية. ويمر هذا الطريق، الذي يطلق عليه «طريق الحرير الجديد» ويمتد من الصين إلى ألمانيا، عبر ميناء بيرايوس في اليونان والبلقان.
وكان قرار الرئيس الصيني بوضع بصمته السياسية على صربيا، التي تعد واحدة من أكثر الدول فقراً في أوروبا، بمثابة حركة ماكرة لوضع المبادرة في صدام مع مشروعات الاتحاد الأوروبي في المنطقة. وقد اعتمد في استراتيجيته على استغلال اضطراب العلاقات الاتحاد الأوروبي مع دول غرب البلقان، التي تسعى للانضمام إلى الاتحاد. وأشار إلى أن الصين تستهدف مدّ نفوذها إلى قلب أوروبا في وقت تنسحب فيه الولايات المتحدة الأميركية من الساحة العالمية.

ما الذي سيتم منحه لصربيا؟
قال شي جين بينغ خلال زيارته للبلاد: إن الصين سوف توفر المزيد من فرص العمل، وتحسن مستوى المعيشة، وتساهم في زيادة النمو الاقتصادي. الأهم من ذلك هو حصول صربيا، بانفتاحها اقتصاديا على الصين، على دعم بكين في مواجهة ضغط الاتحاد الأوروبي عليها للاعتراف باستقلال كوسوفو. وصرحت زورانا ميهايلوفيتش، وزيرة البناء والنقل والبنية التحتية الصربية بشأن مبادرة شي جين: «سيكون من المناسب القول إن صربيا هي شريك الصين الرئيسي في أوروبا».
وتساءل البعض في الصين عن مدى الجدوى الاقتصادية لحمى استثمارات بكين، في حين يخشى البعض خارج الصين من أن تساعد طموحات الصين في بقاء الحكام المستبدين لدول مثل صربيا في سدة الحكم، وتؤدي إلى عدم تحرر تلك الدول من ربقة الديون، واستمرار مشروعات لها أضرار على البيئة. مع ذلك أنقذت كلمات شي جين 5.200 وظيفة في سميديريفو، المدينة التي يقيم بها مائة ألف نسمة، وتعتمد على صناعة الصلب منذ عقود. وقد اشترت مجموعة «إتش بي آي إس»، المملوكة للحكومة الصينية، مصنع صلب، وهو الوحيد الموجود في صربيا، مقابل 46 مليون يورو، أو ما يعادل نحو 55 مليون دولار أميركي. وقد باع المالك السابق المصنع إلى حكومة صربيا عام 2012 بمبلغ رمزي هو واحد دولار. وقال شي بعد شراء المصنع: «نريد أن نصل إلى وضع مفيد لكافة الأطراف».
وقد مثلت طموحات الصين في منطقة البلقان صداماً مع خطط الاتحاد الأوروبي مع وجود دول مثل صربيا عقبة في وسط الطريق.

وعود لم يتم الوفاء بها
ميليتا غوجيانيتشي، عامل صلب ورئيس اتحاد العمال، واحد من الذين كانوا يأملون أن تحقق الصين رؤيتها الخاصة بمصنع سميديريفو. ويعمل ميليتا في المصنع منذ أربعين عاماً، ويقول إنه قد اعتاد على طريقة الأميركيين الذي يقول عنهم إنهم «أرستقراطيو العالم الصناعي».
وأوضح غوجيانيتشي البالغ من العمر 63 عام قائلا: «يقال لي طوال حياتي إن الرأسمالية وبخاصة النسخة الأميركية منها سيئة، لكنه لم يتم تقديرنا واحترامنا ومنحنا أجرا مناسبا نحن العمال إلا حين تولى الأميركيون إدارة هذا المكان».
وأشار إلى أن النهج الصيني في إدارة المصنع مختلف تماماً، فحتى هذه اللحظة يعدنا أصحاب المصنع الجدد بالاحتفاظ بكل العمال، لكن لم يتم الوفاء أو الالتزام بأي من الوعود التي قطعها الرئيس الصيني أثناء زيارته.
وأضاف، أن السرية تحيط بعقود العمال، ومستوى إجراءات السلامة قد تراجع، وأن أعمال الصيانة تتم في أضيق الحدود، وأنه لا يوجد أي تواصل بين أصحاب المصنع والعمال. وأضاف، أن تراجع حقوق العمال، واستهتار أصحاب العمل بالقوانين أمر يثير القلق والاضطراب.
وتبنى ألكسندر فوشي، رئيس صربيا الطموح، آراء ورؤى الرئيس الصيني، رغم أنه قد تم انتخابه في مايو (أيار) على أساس تعهده بتقريب الدولة السلافية ذات السبعة مليون نسمة نحو الغرب. وقد تعهد أيضاً بتحويل البلاد من دولة كانت ذات يوم جزءا من يوغسلافيا ذات النظام الشيوعي إلى وجهة جاذبة للاستثمار الأجنبي بعد سنوات من العقوبات الدولية بسبب مشاركة صربيا في حروب البلقان خلال التسعينات.

مسارات القوة
ورغم تركيز الصين على المنطقة، لا يزال الاتحاد الأوروبي هو القوة الأكبر هناك، حيث تشهد مشروعات الاتحاد تقدماً. هناك اختلاف كبير وواضح بين أسلوب عمل كل من القوتين. على سبيل المثال، للحيلولة دون تجدد الصراع في منطقة البلقان، وضع الأوروبيون خطة عام 2014 من أجل الربط بين الأعداء القدامى مثل صربيا وألبانيا من خلال إنشاء طرق سريعة، وخطوط سكك حديد جديدة لتسهيل الانتقال، والسفر، ونقل السلع.
وتعد المبادرة، التي تعرف باسم «عملية برلين» تحت قيادة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، جزءا من خطة أوروبية متكاملة خاصة بدول البلقان. وتستهدف تلك الخطة التوفيق بين قوانين تلك الدول وبين قوانين الاتحاد الأوروبي، وتعزيز التعاون عبر حدود البلقان.
خلال آخر اجتماع قمة إقليمي في يوليو (تموز) الماضي في مدينة تريستي في إيطاليا اتفقت الدول المشاركة، وهي ألبانيا، والبوسنة، والهرسك، وكوسوفو، ومقدونيا، ومونتينيغرو (الجبل الأسود)، وصربيا، التي تسعى جميعاً إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، على إقامة منطقة اقتصادية إقليمية في إطار محاولات إنشاء سوق تضم 20 مليون نسمة. مع ذلك، يشكو مسؤولون في منطقة البلقان منذ فترة طويلة من طول مدة العملية البيروقراطية التي استغرقت عام للحصول على تمويل من بروكسل من أجل بدء العمل.
وفي الوقت الذي تبنى فيه الرئيس صربي المبادرة، كان لدى ألبانيا وكوسوفو تحفظات سياسية أساسها الخوف من أن يصبح مشروع البنية التحتية، والسوق الإقليمية المشتركة، بديلا للحصول على عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي.
في حالة صربيا، طلبت الدول التقليدية الراعية لها الأكثر كرماً، وهما روسيا، وأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا، من بلغراد تغيير طريقة إدارتها للأمور مقابل الحصول على الأموال. كذلك، اشترطت بروكسل مجموعة من التغيرات القضائية والسياسية والاقتصادية لتنضم صربيا إلى الاتحاد الأوروبي المكون من 28 دولة. على الجانب الآخر، وعدت روسيا، التي تسعى لإبعاد صربيا قدر الإمكان عن الغرب، بتقديم أسلحة وطاقة بأسعار مخفضة كرادع يمنع نشر قوات حلف شمال الأطلسي في كوسوفو ومونتينيغرو، اللتين انضمتا إلى الحلف في مايو.
جدير بالذكر، أن روسيا تتحكم في جزء كبير من قطاع الطاقة في صربيا، ولها تأثير كبير على حكام البلاد المتعاقبين في بلغراد منذ سقوط الرجل القوي سلوبودان ميلوسيفيتش عام 2000.

طرف جديد في البلقان
والآن تظهر الصين لتكون طرفا حديثا نسبياً في منطقة البلقان المضطربة، وتحمل معها نقودا إلى جانب بعض القيود البسيطة والمهمة في الوقت ذاته. يتجلى انجذاب الصين إلى صربيا في المساعدات التي تقدمها الدولة، والتنازل عن بعض المعايير المتعلقة بالبيئة، وعدم الحرص على الشفافية في صفقات العمل. مع ذلك على صربيا أن تتبنى نموذج بكين للتطوير الذي يتم بقيادة الدولة.
من المرجح أن تقيد الديون الضخمة صربيا؛ فأكثر الاستثمارات تأتي على شكل قروض من مصارف صينية، مدتها تراوح بين 20 و30 عاما، بسعر فائدة يتراوح بين 2 و2.5 في المائة. حتى هذه اللحظة أقرضت الصين صربيا 5.5 مليار يورو من أجل إنشاء كباري، وطرق سريعة، وخطوط سكك حديد. كذلك تمنح الصين أموالا إلى دول جوار صربيا؛ مما يثير مخاوف من أن تكون عطايا بكين الكريمة في منطقة البلقان لا تتعلق بالعمل، بل بالسياسة والجغرافيا. وقد تحدثت وزيرة البنية التحتية الصربية بوضوح عن الأمر حين قالت: إن هذا مؤشر يوضح للمسؤولين في بروكسل أن ألم الرأس الذي تسببه منطقة البلقان قد أضحى الآن صداعاً نصفياً. وأضافت، أن بكين تدافع عن مصالح صربيا في العالم، وأثنت على الصين لعدم الاعتراف بما أسمته «استقلال كوسوفو المعلن بشكل غير قانوني». ويعد الاعتراف بسيادة الإقليم ذي الأغلبية الألبانية، الذي كان تابعاً لصربيا، من الشروط الأساسية للموافقة على انضمام بلغراد إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي منطقة أخرى في شبه جزيرة البلقان، أقرضت الصين مونتينيغرو مئات الملايين من الدولارات، وآلاف العمال من أجل بناء طريق سريع استراتيجي لكن مكلف يربط بين بلغراد وميناء مونتينيغرو على البحر الأدرياتيكي. وقد اختبرت الصين في البداية نموذج البناء الخاص بها في صربيا عام 2010 حين جلبت مئات العمال من شركة الطرق والكباري الصينية المملوكة للدولة لبناء كوبري طوله ميل أعلى نهر الدانوب. وفي عام 2014 افتتح رئيس الوزراء الصيني، لي كيكيانغ، كوبري تكلفته 170 مليون يورو تم بناؤه بقرض من مصرف الاستيراد والتصدير الصيني، ويحمل اسم العالم الصربي ميهاجلو بوبين.
هناك اتفاق آخر خاص بالبنية التحتية، وهو إنشاء خط سكة حديد فائق السرعة يربط بلغراد ببودابست. سوف يشمل هذا الخط، الذي يبلغ طوله 217 ميلا، خطا لشحن البضائع، إلى جانب خط قديم للركاب كانت تتحرك عليه في الماضي قطارات خلدتها رواية «جريمة قتل على خطوط أورينت إسكبريس» لأغاثا كريستي. مع ذلك تنظر بعض الدول الأوروبية بريبة إلى دور الصين القيادي في الاندماج الاقتصادي في باحتهم الخلفية، ويخشون أن تكون القواعد الجديدة لمبادرة «حزام واحد، طريق واحد»، إلى جانب القيم القديمة الحاكمة لمنطقة البلقان، في مواجهة قيم الاتحاد الأوروبي بحسب مايكل ماكوكي، الخبير في العلاقات الأوروبية - الصينية. وكتب ماكوكي في ورقة سياسية للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: «توضح الممرات الاقتصادية الصينية، ومشروعات البنية التحتية تفضيل الصين لقرارات توجهها الدولة لا السوق من خلال فرض الطابع السياسي على الاستثمارات، والدعم، والقرارات الخاصة بالتعاقدات؛ وترفض نموذج إجراءات العطاءات الشفافة المنفتحة الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي».
على الجانب الآخر، يقول غوجيانيتشي، رئيس اتحاد العمال، إن القيادة الصربية قد ضربت بقوانين العمل عرض الحائط مقابل الحصول على التمويل الأجنبي. وأضاف قائلا: «لا يمكنني القول إني أفهم الشيوعية الصينية، لكن ما يقومون به هنا هو تدميرنا». كذلك، قال مشيراً إلى قادة صربيا: «إنهم يجمعون النقاط للانتخابات القادمة باستخدام أموال آخرين. كل ما يهتمون به هو البقاء في السلطة على حساب عملنا الجاد الدؤوب».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الهند والبرازيل توقّعان اتفاق تعاون في المعادن النادرة

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الهند والبرازيل توقّعان اتفاق تعاون في المعادن النادرة

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قبل اجتماع بقصر حيدر آباد في نيودلهي يوم 21 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وقَّعت الهند والبرازيل، السبت، اتفاقاً يهدف إلى تعزيز تعاونهما في مجال المعادن النادرة، وذلك إثر اجتماع في نيودلهي بين رئيس الوزراء ناريندرا مودي، والرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

وقال مودي إن هذا الاتفاق «خطوة رئيسية نحو بناء سلاسل إمداد تتصف بالمرونة».

وأكد لولا، الذي وصل إلى نيودلهي الأربعاء يرافقه 12 وزيراً ووفد كبير يضم رؤساء مجالس إدارات أكبر الشركات البرازيلية، أن «زيادة الاستثمارات، والتعاون حول الطاقات المُتجدِّدة والمعادن النادرة في صلب الاتفاق الرائد الذي وقعناه اليوم». لكن لم تُعلن تفاصيل الاتفاق.

وتملك البرازيل ثاني أكبر احتياطي عالمي لهذه المعادن الضرورية لمنتجات عدة، مثل السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، والهواتف الذكية، إضافة إلى محركات الطائرات والصواريخ الموجهة.

وتسعى الهند إلى تقليص اعتمادها على الصين، وقد طوَّرت إنتاجها الوطني وأنشطتها على صعيد إعادة التدوير، في موازاة بحثها عن موردين جدد للمعادن النادرة.

شريك تجاري رئيسي

شدَّد مودي على أن «البرازيل هي الشريك التجاري الرئيسي للهند في أميركا الجنوبية»، مضيفاً: «نحن ملتزمون بزيادة حجم تجارتنا الثنائية إلى ما يفوق 20 مليار دولار خلال الأعوام الـ5 المقبلة».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية إنه تم السبت أيضاً إنجاز 9 اتفاقات وبروتوكولات تعاون، تشمل التعاون الرقمي والصحة وريادة الأعمال وميادين أخرى.

وأوضح ريشاب جاين الخبير في «مجلس الطاقة والبيئة والمياه» ومقره نيودلهي أن التعاون المتنامي بين الهند والبرازيل في مجال المعادن النادرة يكمّل الالتزامات الأخيرة على صعيد سلاسل الإمداد مع الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي.

وإذا كانت هذه الشراكات تتيح للهند الوصول إلى تقنيات متقدمة وعمليات تمويل، وتزودها بقدرات على المعالجة المتطورة، فإن «هذه التحالفات مع دول الجنوب تظلّ ركيزةً أساسيةً لضمان تنوّع مصادر الموارد على الأرض، والمساهمة في صياغة القواعد الجديدة للتجارة العالمية»، وفقاً لما قاله جاين لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُشكِّل الهند التي تضم أكبر عدد من السكان في العالم، السوق العاشرة للصادرات البرازيلية، مع تجارة ثنائية تجاوزت قيمتها 15 مليار دولار عام 2025.

وتشمل الصادرات البرازيلية الرئيسية إلى الهند: السكّر، والنفط الخام، والزيوت النباتية، والقطن، وخام الحديد. وازداد الطلب عليها في ضوء التوسُّع السريع للبنى التحتية والنمو الصناعي في الهند التي تطمح إلى أن تكون رابع اقتصاد في العالم.

وأبدى وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جيشانكار، ثقته بأن المحادثات بين لولا ومودي «ستمنح علاقاتنا دفعاً جديداً».

ولاحظ مودي أن «تعاوننا في مجال الدفاع يتطوِّر باستمرار»، مشيداً بشراكة تُحقِّق مكاسب للبلدين على السواء.

بدورها، تُعزِّز الشركات البرازيلية حضورها في الهند. ووقَّعت مجموعة «أداني وإمبراير» في يناير (كانون الثاني) الماضي اتفاقاً لتصنيع مروحيات.

وتحدَّث لولا، الخميس، خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي، داعياً إلى وضع إطار متعدد الطرف للحوكمة العالمية يشمل الذكاء الاصطناعي. ويتوجَّه الرئيس البرازيلي بعدها إلى كوريا الجنوبية حيث يلتقي رئيسها لي جاي ميونغ، ويشارك في منتدى اقتصادي.


نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
TT

نداء عالمي لذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي»

خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)
خلال توقيع إعلان باكس سيليكا بين الولايات المتحدة والهند (إ.ب.أ)

في ختام استثنائي حبس أنفاس الأوساط التقنية والسياسية العالمية، أسدل الستار على «قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعي» بصدور وثيقة تاريخية حظيت بدعم 86 دولة ومنظمتين دوليتين، أطلقت من خلالها دعوة عالمية لبناء ذكاء اصطناعي «آمن وموثوق وقوي» بوصفه ركيزة أساسية لمستقبل البشرية. ورغم أن القمة نجحت في حشد تعهدات استثمارية بلغت 270 مليار دولار، فإن كواليسها شهدت صراعاً مريراً حول «هوية المستقبل»؛ حيث اصطدمت طموحات الأمم المتحدة في الحوكمة المركزية بجدار «التحرر التقني» الذي شيدته واشنطن، في مواجهة أعادت رسم خريطة النفوذ الرقمي بين القوى العظمى.

كواليس المخاض العسير

لم يكن تأخير إعلان البيان الختامي لعدة ساعات مجرد عطل بروتوكولي، بل كان انعكاساً لمخاض عسير وتباين حاد في الرؤى بين واشنطن وبكين من جهة، وبين التوجهات الأممية والقطاع الخاص من جهة أخرى.

وكشفت مصادر من داخل الغرف المغلقة عن أن مسودة البيان تعرضت لتعديلات جوهرية في اللحظات الأخيرة، بعد أن اصطدمت مطالب الأمم المتحدة بفرض «رقابة مركزية» بـ«فيتو» أميركي صارم قاده مايكل كراتسيوس.

وبينما كانت المنظمة الدولية، بقيادة أنطونيو غوتيريش، تسعى لتأسيس هيئة رقابية عالمية للذكاء الاصطناعي تحاكي نموذج «لجنة المناخ»، فجر كراتسيوس، مستشار التكنولوجيا في البيت الأبيض، مفاجأة سياسية كبرى بإعلانه الصريح: «نحن نرفض تماماً الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي».

كلمات كراتسيوس لم تكن موقفاً عابراً، بل كانت إعلاناً عن سقوط «الوفاق الرقمي» التقليدي لصالح «سيادة الابتكار».

«عقيدة كراتسيوس»

برز مايكل كراتسيوس خلال القمة بوصفه أحد أبرز المخططين الاستراتيجيين في إدارة ترمب، متجاوزاً دور رئيس الوفد ليكون «رأس الحربة» في صياغة عقيدة تقنية أميركية جديدة. يرى كراتسيوس أن إخضاع الذكاء الاصطناعي لبيروقراطية دولية هو «وصفة لقتل الإبداع»، وتحويل التكنولوجيا إلى أدوات لـ«السيطرة الطاغية» بيد مؤسسات مركزية غير منتخبة.

مستشار التكنولوجيا في البيت الأبيض يتحدث في قمة نيودلهي (إ.ب.أ)

وفي هجوم لاذع، انتقد كراتسيوس المنتديات الدولية التي تبالغ في التركيز على «المخاطر الوجودية» والمخاوف المناخية، واصفاً إياها بـ«الأعذار الآيديولوجية» التي تهدف لفرض وصاية تعيق تقدم الدول النامية وتثبت نفوذ الهياكل البيروقراطية القائمة. بالنسبة لكراتسيوس، المعركة هي صراع على «التحرر التقني»، حيث يجب أن تظل التكنولوجيا وسيلة لتحقيق الرخاء لا قيداً تُكبّل به الاقتصادات الناشئة.

رؤية مودي «الإنسانية»

وسط هذا الاستقطاب الحاد، نجحت الدبلوماسية الهندية في طرح مخرج توافقي أرضى كل الأطراف. وأعلن وزير تكنولوجيا المعلومات الهندي، أشويني فايشناو، أن الإعلان الختامي حاز على موافقة 86 دولة ومنظمتين دوليتين هما الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، واستند إلى رؤية رئيس الوزراء ناريندرا مودي للذكاء الاصطناعي «المتمحور حول الإنسان».

وقد اعتمد الإعلان مبادئ «الرفاه للجميع» و«السعادة للجميع»، مع التركيز على «ديمقراطية الموارد» لضمان وصول التكنولوجيا إلى كل فئات المجتمع. وبناءً على هذا الحل، وافقت دول متنافسة مثل (الولايات المتحدة، الصين، المملكة المتحدة، كندا، ألمانيا، إندونيسيا) على إطار يوازن بين النمو الاقتصادي والانسجام الاجتماعي، دون الحاجة إلى هيئة رقابة مركزية خانقة.

يصطف الزوار في طابور أمام كشك «أوبن إيه آي» للحصول على صورة مطبوعة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي خلال قمة نيودلهي (رويترز)

الأرقام التي هزت نيودلهي

بعيداً عن السياسة، تحولت القمة إلى منصة لأضخم الالتزامات المالية في تاريخ التكنولوجيا الحديثة، حيث كشف فايشناو عن أرقام تعكس الثقة العالمية في «المحرك الهندي»:

- 250 مليار دولار: تعهدات موجهة حصراً للبنية التحتية، تشمل بناء مراكز بيانات فائقة القدرة وشبكات حوسبة سحابية عملاقة.

- 20 مليار دولار: ضخ مباشر في رأس المال الجريء والتقنيات العميقة لدعم الشركات الناشئة المتخصصة في الخوارزميات المتقدمة.

- السيادة المحلية: أعلنت مجموعات وطنية مثل «ريلاينس» و«أداني» عن مشاريع ذاتية تجاوزت قيمتها 200 مليار دولار، مما يؤكد رغبة الهند في امتلاك «السيادة التقنية» الكاملة على بياناتها.

محور واشنطن-نيودلهي الجديد

لم يخلُ المشهد من إعادة ترتيب أوراق القوى الكبرى؛ حيث شهدت القمة حضور «جبابرة التقنية» مثل سوندار بيتشاي (غوغل)، وسام ألتمان (أوبن إيه آي)، وبراد سميث (مايكروسوفت). وتوج هذا الحضور بتوقيع اتفاقية «باكس سيليكا» (Pax Silica) بين واشنطن ونيودلهي.

هذه الاتفاقية تهدف لتأمين سلاسل إمداد تكنولوجيا السيليكون، وهو ما يمثل رداً استراتيجياً مباشراً لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد. ورغم أن بكين وقعت على البيان العام للقمة، فإن «باكس سيليكا» خلقت محوراً تقنياً مغلقاً يضمن تدفق الرقائق والخبرات الأميركية نحو الهند، مما يجعل نيودلهي الحصن الرقمي الأول في آسيا.


واشنطن تستنهض إرث كينيدي لمحاصرة التمدد الرقمي الصيني

شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
TT

واشنطن تستنهض إرث كينيدي لمحاصرة التمدد الرقمي الصيني

شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)
شعارا «ديب سيك» و«علي بابا» (رويترز)

في خطوة تعيد إحياء أدوات الدبلوماسية الأميركية الكلاسيكية بروح العصر الرقمي، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطلاق مبادرة «فيلق التكنولوجيا» (Tech Corps)، وهي نسخة مطورة من «فيلق السلام» (Peace Corps) التاريخي.

تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى إرسال آلاف المتطوعين من خريجي العلوم والرياضيات إلى الدول النامية، لا لتعليم الزراعة ولا الإسعافات الأولية هذه المرة؛ بل لترسيخ السيادة الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي، وصد الزحف الصيني المتصاعد في دول «الجنوب العالمي».

«فيلق السلام» برداء تقني

المبادرة التي كشف عنها مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، خلال «قمة تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، تسعى لاستقطاب نحو 5 آلاف متطوع ومستشار أميركي خلال السنوات الخمس المقبلة. وسيعمل هؤلاء المتطوعون في الدول الشريكة لفيلق السلام لمساعدة المستشفيات والمزارع والمدارس على دمج نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية في بنيتها التحتية.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمنح «فيلق السلام» الذي تأسس في عهد كنيدي عام 1961: «هدفاً وجودياً جديداً» يتناسب مع عصر السيادة التقنية؛ حيث تتحول الدبلوماسية من مجرد المساعدات الإنسانية إلى «تصدير التكنولوجيا والقيم الرقمية».

المواجهة مع «طريق الحرير الرقمي»

تأتي هذه التحركات الأميركية رداً مباشراً على الشعبية الجارفة التي بدأت تحققها النماذج الصينية المفتوحة مثل «Qwen3» من شركة «علي بابا» و«كيمي» و«ديب سيك». ففي الوقت الذي تقود فيه الولايات المتحدة البحوث المتقدمة بنماذج مغلقة ومكلفة مثل «تشات جي بي تي– 5»، تكتسح الصين أسواق الدول النامية بنماذج تمتاز بـ«كفاءة التكلفة» والقدرة على التشغيل المحلي دون الحاجة لبنية سحابية باهظة.

وتشير التقارير إلى أن النماذج الصينية باتت الأكثر تحميلاً على منصات المطورين مثل (Hugging Face)، نظراً لسهولة تخصيصها وتشغيلها بتكاليف حوسبة منخفضة، وهو ما تراه واشنطن تهديداً لهيمنتها التقنية طويلة الأمد.

هل تغلب «الدبلوماسية» لغة الأرقام؟

رغم الطموح الأميركي، يشكك خبراء في قدرة «فيلق التكنولوجيا» على مواجهة الإغراءات الاقتصادية الصينية. ويرى كايل تشان، الزميل في معهد بروكينغز، أن «الإقناع الودي» من قبل المتطوعين قد لا يصمد أمام الفجوة الكبيرة في التكاليف؛ فالمؤسسات في الدول النامية تبحث عن الحلول الأرخص والأكثر مرونة، وهو ما توفره بكين حالياً، وفق «بلومبرغ».

ولمعالجة هذه الفجوة، أعلنت واشنطن أن المبادرة لن تكتفي بالبشر؛ بل ستدعمها حزم تمويلية من وزارة الخارجية وبنك التصدير والاستيراد (إكزيم)، لتقديم «باقات متكاملة» تشمل الرقائق، والخوادم، والخدمات السحابية الأميركية بأسعار تنافسية تحت مظلة «برنامج صادرات الذكاء الاصطناعي الأميركي».

«صُنع في أميركا»

لا تقتصر أهداف «فيلق التكنولوجيا» على بيع البرمجيات؛ بل تمتد لفرض معايير تقنية عالمية تتماشى مع المصالح الأميركية. ويشمل ذلك مبادرة لوضع معايير «وكلاء الذكاء الاصطناعي» لضمان أن تكون الأنظمة العالمية متوافقة مع التكنولوجيا الأميركية.

وتحت شعار «تقنية أميركية... خير عالمي»، سيعمل المتطوعون لمدة تتراوح بين 12 و27 شهراً على الأرض، ليكونوا بمثابة «سفراء تقنيين» يبنون القدرات المحلية، ويخصصون الأنظمة الأميركية لتناسب اللغات والاحتياجات المحلية، في محاولة لقطع الطريق على «طريق الحرير الرقمي» الصيني الذي بنى شبكات الاتصالات في أفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا.

تمثل مبادرة «فيلق التكنولوجيا» تحولاً جذرياً في كيفية استخدام واشنطن قوتها الناعمة. فبينما يتم تفكيك بعض برامج المساعدات التقليدية، يتم ضخ الموارد في «جيش تقني» يسعى لضمان ألا يخرج العالم النامي عن فلك التكنولوجيا الأميركية. المعركة الآن ليست على الأرض فقط؛ بل على «النماذج» و«الأكواد» التي ستدير مستشفيات ومدارس وجيوش المستقبل.