الأزمة الكورية و«هستيريا» الاستفزازات المتبادلة

العالم يحذر واشنطن من تداعيات الخيار العسكري... ويدرس خوض «مفاوضات نووية» جديدة

الأزمة الكورية و«هستيريا» الاستفزازات المتبادلة
TT

الأزمة الكورية و«هستيريا» الاستفزازات المتبادلة

الأزمة الكورية و«هستيريا» الاستفزازات المتبادلة

40 دقيقة و30 ثانية، هي كل المدة التي سيستغرقها وصول صاروخ باليستي عابر للقارات من كوريا الشمالية إلى نيويورك، كبرى مدن الولايات المتحدة. وهي كذلك المدة التي قد تتسبب في تغيير النظام العالمي كما نعرفه.
اليوم تزعم كوريا الشمالية أنها طوّرت صواريخ باليستية متوسطة المدى وطويلة المدى قادرة على استهداف الأراضي الأميركية، في حين يشكك الخبراء في نجاحها في تصغير رأس نووي بحجم يتيح لها تركيبه على صاروخ عابر للقارات. ولكن، في كلتا الحالتين، بلغت الاستفزازات التي تمارسها القيادة في العاصمة الكورية الشمالية بيونغ يانغ والردود الأميركية حدة غير مسبوقة. وبين تجربة قنبلة هيدروجينية تفوق قوتها القنبلة النووية التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة هيروشيما اليابانية بنهاية الحرب العالمية الثانية، وتوعُّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظام بيونغ يانغ بـ«الغضب والنار»، يتخوف مراقبون من أن تؤدي المبالغات في التصريحات المتبادلة إلى خطوة عسكرية تودي بحياة مئات الآلاف. والسؤال المطروح هنا: ماذا يريد كيم جونغ أون من استفزازاته المتكررة؟ وهل التصعيد العسكري خيار وارد؟ وما الخطوط الحمراء للسياسة الأميركية تجاه الأزمة؟

ماذا يريد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون؟
إنه السؤال الذي يفرض نفسه وسط أجواء التوتر والتصعيد غير المسبوقة، آسيويّاً وعالمياً.
وهو منذ وصول كيم جونغ أون إلى السلطة في عام 2011، خلفاً لأبيه كيم جونغ إيل، حدّد هدفين أساسيين لسياسته الداخلية والخارجية، هما تطوير برنامج بلاده الصاروخي، وتحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية لشعبه.
في الحقيقة، تعود الطموحات النووية للنظام الكوري الشمالي إلى ستينات القرن الماضي، وهي تتماشى مع مساعي بيونغ يانغ للحصول على الاستقلالية السياسية والعسكرية أمام أعداء كوريا الشمالية الشيوعية التقليديين، مثل الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان، وكذلك التخلص من «وصاية» الحليفين الروسي والصيني.
جون نيلسون - رايت، الزميل في معهد «شاتهام هاوس» بالعاصمة البريطانية لندن، يرى أن تمسك نظام كيم جونغ أون بالبرنامج الصاروخي «مبني على تقييم منطقي لمصالح كوريا الشمالية الاستراتيجية، فهو يرى في حرب العراق مثالاً على أن تطوير آلة عسكرية ونووية قوية السبيل الوحيدة لحماية بلاده في إطار العزلة الدولية التي يعيشها».
وبينما لم تطلق واشنطن، قبل التجربة النووية الأخيرة، أي تهديدات عسكرية مباشرة لكوريا الشمالية، فإن لديها 28 ألف جندي أميركي على الأقل في أرض «جارتها» اللدود كوريا الجنوبية، كما أنها أتاحت بيع أسلحة متطورة لكل من اليابان وكوريا الجنوبية، فضلاً عن تنظيمها مناورات سنوية مشتركة مع كل منهما. ولذا، ترى سلطات كوريا الشمالية في ذلك استفزازاً بالغاً وتهديداً لأمنها الوطني.

ذاكرة الحرب الكورية
وهنا يوضح نيلسون - رايت أن «النظام الكوري الشمالي يستخدم الحرب الكورية التي اندلعت في عام 1950، واستمرت ثلاث سنوات ذريعةً داخليةً لأنشطته العسكرية، ويعيد التذكير عبر آلته الإعلامية بمشاهد الدمار وأعداد الضحايا التي سقطت في القصف الأميركي لترسيخ طموحات واشنطن (الاستعمارية) في ذهن شعبه». وكانت الحرب قد اندلعت بين الكوريتين بعدما اندفع نحو 75 ألفاً من جنود جيش الشعب الكوري الشمالي عبر خط الحدود مع كوريا الجنوبية (وهو المرتسَم عند خط العرض 38). تلك الحدود كانت تفصل شطري شبه الجزيرة الكورية، وهما الشطر الشمالي الشيوعي المدعوم من الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية، والشطر الجنوبي الموالي للغرب والمدعوم من واشنطن.
الأميركيون تدخلوا في تلك الحرب بعد شهر من اندلاعها إلى جانب كوريا الجنوبية. وبعد شهور من القتال، ودخول الحرب مرحلة جمود، سعى مسؤولون أميركيون إلى التوصل لهدنة مع الكوريين الشماليين، إذ كانوا يخشون أن البديل سيكون حرباً تشمل الاتحاد السوفياتي والصين. وفعلاً، انتهت الحرب في عام 1953، ولكن بعدما أودت بأرواح نحو 5 ملايين شخص بين مدنيين وعسكريين.

تصريحات ترمب
عدد من المراقبين يرون أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترمب تشكل هدية لتطرف كيم جونغ أون، بحيث إنها تخدم «البروباغندا» الإعلامية للزعيم الكوري الشمالي وتعزز صورته قائدَ القوات المسلحة وحامياً لبلاده من الأطماع الخارجية. وتقول جيني تاون، مديرة تحرير موقع «38 نورث» الأميركي المتخصص في معهد الدراسات الدولية التابع لجامعة جونز هوبكنز بواشنطن، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «كيم جونغ أون ليس مجنوناً، فهو يقوم بخطوات مدروسة ومحسوبة، ويبحث عن خدمة مصالحه الوطنية وعن اعتراف دولي. إلا أن ذلك لا يعني أن تحركات الطرفين محسوبة، وقد تكون لخطوة خاطئة تداعيات مأساوية».
واعتبرت تاون في مكالمة هاتفية أن كيم جونغ أون لا يبحث عن اعتراف دولي بقدرات بلاده العسكرية فحسب، بل يهدف كذلك إلى تعزيز مكانته داخل بلاده وتعزيز نفوذه ومصداقيته كقائد لإحدى آخر الدولة التي تصف نفسها بـ«الشيوعية».

الخيار العسكري مستبعد
موقع «38 نورث» يفيد بأن تجربة القنبلة الهيدروجينية التي أجرتها كوريا الشمالية مطلع هذا الشهر ولدت طاقة قدرها 250 كيلوطناً، أي أقوى بـ16 مرة من قوة القنبلة الذرية التي دمرت هيروشيما عام 1945. كذلك أعلن رئيس القيادة الاستراتيجية للجيش الأميركي أن القنبلة التي فجرتها كوريا الشمالية يوم 3 سبتمبر (أيلول) الحالي خلال تجربتها النووية السادسة كانت على الأرجح قنبلة هيدروجينية، وفق ما نقل عنه موقع «ديفينس نيوز» المتخصص. وكان الكثير من الخبراء أفادوا بعد التجربة بأن القنبلة لديها كل أوصاف القنبلة الهيدروجينية، وهو ما أعلنته بيونغ يانغ نفسها، لكن أياً من الدول الغربية لم يؤكد ذلك.
وقال الجنرال جون هايتن: «رأيت الحدث، رأيت المؤشرات التي تأتَّت عنه، رأيت حجمه ورأيت التقارير... وبناء على ذلك، أفترض من جانبي أنها كانت قنبلة هيدروجينية ذات حجم يسمح بتثبيتها على رأس صاروخ».
في هذه الأثناء، لم يستبعد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس ولا «سيد» البيت الأبيض الخيار العسكري بعد تجربة القنبلة الهيدروجينية مطلع هذا الشهر، لكنهما شددا على أنه ليس خيارهما الأول. وبينما يبدو المجتمع الدولي متفقاً على أن الحوار يبقى الخيار المفضل، أو الوحيد بالنسبة لكل من موسكو وبكين، انتقد الرئيس ترمب مواصلة محاولات الحوار مع كوريا الشمالية معتبراً أن الإدارات الأميركية السابقة اعتمدت هذا النهج لكنها فشلت في ثني النظام عن مواصلة تطوير برنامجه الصاروخي الباليستي، قال ترمب معلقاً على التجربة النووية السادسة التي قامت بها كوريا الشمالية «لا تزال كلماتهم وأفعالهم معادية وخطيرة جداً تجاه الولايات المتحدة». وتابع في تغريدة عبر حسابه في «تويتر»، مضيفاً: «كوريا الشمالية دولة مارقة، وأصبحت تشكل تهديداً عظيماً وحرجاً كبيراً للصين التي تحاول المساعدة، ولكن دون نجاح يُذكَر». وفي تغريدة ثالثة، قال ترمب إن «كوريا الجنوبية تجد، كما قلت لهم، أن الحديث عن استرضاء كوريا الشمالية لن يفيد، فهُمْ يفهمون فقط شيئاً واحداً!».
في أي حال، أكد الوزير ماتيس آنذاك أن «أي تهديد يطال الولايات المتحدة أو أياً من أراضيها، بما في ذلك جزيرة غوام (جنوب أرخبيل اليابان)، أو أياً من حلفائها، سيلقى رداً عسكرياً شاملاً»، دون أن يستبعد احتمال استخدام إمكانات واشنطن النووية. وجاء ذلك بعدما شارك ماتيس في اجتماع للأمن القومي لإحاطة الرئيس ترمب بجميع الخيارات المتاحة للتحرك ضد كوريا الشمالية. وتعقيباً على هذه التصريحات، أجمع المجتمع الدولي، بما يشمل حلفاء كوريا الشمالية وروسيا والصين، على أن خيار التدخل العسكري غير وارد، وأن السبل الدبلوماسية لم تستنفد بعد.
وينضم خبراء نوويون ومتابعون لسياسات كيم جونغ أون لهذا الطرح، ويحذّرون من سقوط واشنطن في فخ كوريا الشمالي الاستفزازي وتوجيه ضربة عسكرية «جراحية» تستهدف موقعاً معيناً أو مقر إقامة كيم جونغ أون. وبهذا الصدد تقول جيني تاون إن «الحوار يبقى السبيل الوحيدة لتخفيض الأزمة الكورية»، معتبرة أن نتيجة حلقة التصريحات العدائية المتبادلة غير واضحة، وقد تؤدي إلى تجاوز من أحد الطرفين. كذلك يخشى المراقبون أن يصل النزاع إلى «نقطة لا عودة»، أي اللجوء إلى الخيار العسكري وتعريض حياة مواطني الجنوب والكوريين الشماليين إلى الخطر.

«اللاءات الأربع»
أكثر من هذا، سارعت كل من بكين وموسكو لرفض التلميح الأميركي بتدخل عسكري لحل الأزمة الكورية، واعتبرتا أن ذلك سيؤدي إلى نتائج كارثية؛ إذ قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل أسابيع إن المبالغة في «الهستيريا العسكرية» قد يؤدي إلى كارثة عالمية، مشددا على أن الدبلوماسية هي الحل الوحيد. ومن ثم، كرر مندوباً البلدين في الأمم المتحدة أخيراً موقف بلادهما المعروف بـ«اللاءات الأربع» لحل الأزمة الكورية، وهي «لا لتغيير النظام، ولا لانهيار النظام ولا لعملية توحيد متسرّعة للكوريتين، وأخيراً لا لانتشار عسكري في المنطقة الحدودية بين الجارتين الجنوبية والشمالية». وطرحت «كفيلتا بيونغ يانغ الاقتصاديتان» (أي بكين وموسكو) خطة «الوقف مقابل الوقف» التي تقوم على وقف الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مناوراتها العسكرية الكبيرة، مقابل وقف كوريا الشمالية برامجها الباليستية.
وفي حين لا تدعم روسيا فرض عقوبات شديدة على كوريا الشمالية، فإنها مع ذلك صوتت لصالح مشروع القرار الأميركي الأخير بعدما ضغطت على واشنطن لتخفيف بنوده. وللعلم، لطالما كرّر بوتين أن بيونغ يانغ لن ترضخ للعقوبات الدولية بل ستعزز تطوير برامجها النووية والصاروخية، لأنها تعتبرها الوسيلة الوحيدة للدفاع عن النفس. وأضاف الرئيس الروسي في كلمة ألقاها في مؤتمر اقتصادي بمدينة فلاديفوستوك بشرق سيبيريا أنه «من المستحيل إخافة الكوريين الشماليين».

حزمة عقوبات جديدة
من جهة أخرى، يعاد طرح النقاش حول الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مع كل تجربة صاروخية أو نووية جديدة، ولم يشكل إطلاق صاروخ باليستي متوسط المدى من بيونغ يانغ فوق اليابان مساء أول من أمس استثناءً. ولقد عقد مجلس الأمن في الأمم المتحدة اجتماعاً طارئاً آخر أمس، هو الأخير في سلسلة اجتماعات أدت إلى تشديد العقوبات الاقتصادية والسياسية على كوريا الشمالية خلال الأشهر الماضية. ومن المعلوم أن سلطات بيونغ يانغ تعتبر هذه العقوبات المشددة استفزازا يدعو إلى رد يعكس حجم قوتها. وكان الصاروخ الأخير قد أُطلق من موقع قريب من العاصمة الشمالية بعد أقل من أسبوع على إقرار مجلس الأمن الدولي مجموعة ثامنة من العقوبات على نظامها الانعزالي، سعياً لحمله على التخلي عن برامجه العسكرية المحظورة. وجرت عملية الإطلاق الجديدة بعد أيام على سادس تجربة نووية أجرتها كوريا الشمالية وكانت الأقوى حتى الآن، وأعلنت يومها أنها فجرت خلالها قنبلة هيدروجينية بحجم يسمح بتثبيتها على رأس صاروخ.
ومن ردات الفعل، أصدر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بياناً أدان فيه التجربة الأخيرة وحث الصين وروسيا على الموافقة على فرض أقصى العقوبات على نظام كيم جون أون. وقال تيلرسون في بيانه إن «الإطلاق الاستفزازي للصواريخ من كوريا الشمالية يشكل المرة الثانية التي يتعرض فيها شعب اليابان للتهديد المباشر في الأسابيع الأخيرة». وتابع أن حزمة العقوبات الأخيرة التي اتخذتها الأمم المتحدة هي الحد الأدنى من الإجراءات، داعياً الصين وروسيا إلى دعم تدابير جديدة ضد نظام بيونغ يانغ. ولفت تيلرسون إلى أن الصين تزود كوريا الشمالية بكميات كبيرة من النفط، بينما تعد روسيا «أكبر رب عمل للعمال القسريين القادمين من كوريا الشمالية»، على حد قوله.
من جانب آخر، يؤمن قادة الاتحاد الأوروبي كذلك بفاعلية العقوبات الاقتصادية، التي شددت الخميس عبر تبني إجراءات أعلنتها الأمم المتحدة بداية أغسطس (آب) المنصرم ردا على إطلاق صاروخ باليستي. وقال مجلس الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل الدول الأعضاء الـ28، في بيان إن العقوبات «تستهدف أبرز صادرات كوريا الشمالية ما دامت تفرض حظراً تامّاً على أي تصدير للفحم والحديد ومشتقات الحديد والمنتجات البحرية والرصاص ومشتقات الرصاص».
وتستهدف العقوبات أيضاً «تجارة الأسلحة في كوريا الشمالية والتعاون بين شركات (كورية شمالية) ومؤسسات أجنبية والمصارف (الكورية الشمالية) وقدرتها على تأمين عائدات والمشاركة في النظام المالي الدولي».
إلى ذلك، باشر الاتحاد بحث احتمالات مختلفة تتراوح بين إدراج كبار القادة الكوريين الشماليين (بمن فيهم الرئيس كيم جونغ أون) على اللائحة السوداء... وطرد مئات من الكوريين الشماليين العاملين في أوروبا، بحسب ما أفادت مصادر دبلوماسية لوكالة الصحافة الفرنسية. وقد يعمد الأوروبيون كذلك إلى الحد من بيع المنتجات الأوروبية الفاخرة في كوريا الشمالية أو فرض حظر تام على الصادرات النفطية إلى هذا البلد، وفق المصادر نفسها.
من جهته، دعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ إلى «رد عالمي» وكتب على «تويتر» أن «إطلاق كوريا الشمالية الصاروخ هو انتهاك جديد متهور لقرارات الأمم المتحدة (ويشكل) تهديداً كبيراً للسلم والأمن الدوليين يستوجب رداً عالمياً». وبينما رأت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أن الصاروخ عبر على الأرجح مسافة 3700 كيلومتر على ارتفاع أقصاه 770 كيلومتراً، قبل أن يسقط في المحيط الهادي، قال وزير الدفاع الياباني إيتسونوري أونوديرا إن «غوام كانت في بال» بيونغ يانغ، أمس (الجمعة)، وأشار إلى أن مدى الصاروخ كان كافياً ليبلغ هذه الجزيرة الواقعة على مسافة نحو 3400 كلم من كوريا الشمالية.
وبحسب طوكيو، فإن الصاروخ حلّق فوق جزيرة هوكايدو في شمال اليابان قبل أن يسقط على مسافة نحو ألفي كلم إلى الشرق، ولا تفيد أي مؤشرات في الوقت الحاضر بسقوط شظايا على الأراضي اليابانية. وعلى الأثر، أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أن بلاده «لن تقبل أبداً بأعمال كوريا الشمالية الاستفزازية التي تهدد السلام في العالم»، محذراً بأنه «إذا استمرَّت كوريا الشمالية بالسير في هذا الطريق فإن مستقبلها لن يكون مشرقاً».
أما السلطات الكورية الجنوبية في سيول، فردّت بتمرين على إطلاق صاروخ «هيونمو» في البحر الشرقي، بحسب التسمية الكورية لبحر اليابان، وفق ما أعلنت وزارة الدفاع. وعبر الصاروخ مسافة 250 كلم، أي ما يكفي نظريّاً لبلوغ موقع سونان لإطلاق الصواريخ في كوريا الشمالية، قرب مطار بيونغ يانغ.
هذا، وقرأ خبراء التجربة الكورية الأخيرة على أنها رسالة موجهة للعالم، بأن العقوبات الأخيرة «لا تخيفنا». وقال يانغ مو جين، من جامعة الدراسات الكورية الشمالية في سيول، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «الشمال يبعث الرسالة التالية: لسنا خائفين من أي عقوبات وتهديداتنا ليست فارغة».

اتفاق نووي ثانٍ؟
وسط هذه التطورات، عرضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أخيراً الوساطة في الأزمة الكورية، وطرحت إمكانية دخول القوى الغربية في حوار مباشر مع كوريا الشمالية يفضي إلى اتفاق نووي شبيه بالذي أبرمته القوى العظمى مع إيران في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما.
وذلك عندما أعلنت المستشارة الألمانية في مقابلة مع صحيفة «فرانكفورتر ألغيماينه تسايتونغ» الأسبوع الماضي أن بلادها مستعدة لممارسة ضغوط دبلوماسية لإنهاء برنامج تطوير الأسلحة النووية والصاروخية لكوريا الشمالية، على غرار الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع إيران.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات بين إيران والدول الست الكبرى كانت قد أسفرت عن اتفاق عام 2015 تتخلى طهران بموجبه عن برنامجها النووي، وتسمح بعمليات تفتيش مقابل رفع بعض العقوبات. وترى ميركل أن تلك المفاوضات كانت «طويلة الأمد، لكنها شكلت حقبة دبلوماسية مهمة».
وأضافت موضحةً موقف حكومتها «يمكنني تصور صيغة مشابهة من أجل تسوية النزاع مع كوريا الشمالية. على أوروبا، خصوصاً ألمانيا أن تكون مستعدة للمشاركة بشكل فاعل».
ووفق المعطيات الحالية، بدا الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي إيمانويل ماكرون موافقين على هذا الاقتراح الألماني، أمس، وذلك بعدما وجهاً دعوة إلى عقد «مفاوضات مباشرة» مع كوريا الشمالية لخفض التوتر.
وأعلن الكرملين في بيان أن الرئيسين أكدا خلال اتصال هاتفي بينهما «وحدة الموقف إزاء الطابع غير المقبول للتصعيد» في شبه الجزيرة الكورية. وأضاف أنهما اتفقا على «ضرورة حل هذا الوضع البالغ التعقيد حصريّاً بالوسائل السياسية والدبلوماسية، من خلال استئناف المفاوضات المباشرة». ونددا «بشدة بالأعمال الاستفزازية لكوريا الشمالية التي تنتهك بشكل خطير قرارات مجلس الأمن الدولي».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.