المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

مع تفاقم محنتهم العرقية ـ الدينية في ميانمار

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث
TT

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

أثارت صور أعمال العنف المرتكبة بحق أقلية المسلمين الروهينغا في ميانمار – بورما سابقاً – على أيدي متعصبين من الغالبية البوذية، قلق العالم المتحضر خلال الأيام الماضية، ولا سيما صور مئات من المسلمين جرت تصفيتهم بوحشية. وكانت الجولة الأحدث من العنف المندلع خلال الأيام الفائتة قد تسببت في تهجير عشرات الألوف وتشريدهم، وإجبارهم على البحث عن ملاذات آمنة في المناطق الحدودية الغربية لميانمار مع بنغلاديش.
ولقد بيّنت صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية حللتها منظمة «هيومن رايتس واتش» المهتمة بمسائل حقوق الإنسان، آلاف الأبنية المدمرة إبان موجة العنف والقصف. وتجدر الإشارة إلى تبادل تهم بين قوات الأمن الميانمارية من جهة والمسلحين من أقلية الروهينغا المسلمين من جهة أخرى، بإحراق القرى وارتكاب مجازر بحق المدنيين.

«في هذه اللحظة تشتعل الحرائق في القرى، ويتعرض الناس للقتل، فيفرون للنجاة بأرواحهم. ما يهمني قوله: إنني مصدوم، وحتى بعض الناجين منهارون نفسياً بعد تجاربهم ومشاهداتهم المريرة».
هذا ما قاله ماثيو سميث، أحدد مؤسسي منظمة «فورتيفاي رايتس» المهتمة بحقوق الإنسان، أمام وسائل، خلال رصده أعمال العنف والقتل.
ولكن في حين تدّعي السلطات الحكومية الميانمارية أن قواتها الأمنية إنما تتعامل مع «إرهابيين» يشنّون اعتداءات مسلحة في إقليم راخين (أراكان)، وتزعم التقارير الصادرة عنها أن نحو 450 شخصاً قتلوا منذ يوم 25 أغسطس (آب) الفائت، فإن ناشطي حقوق الإنسان في أوساط الروهينغا يؤكدون أن ما لا يقل عن 1000 قتيل، جلهم من المدنيين العزّل، سقطوا برصاص القوات الحكومية.
السلطات الحكومية، من جانبها، تحمّل تنظيم «جيش إنقاذ الروهينغا في أراكان»، وهو جماعة مسلمة ثائرة على النظام الحاكم في يانغون (عاصمة ميانمار)، المسؤولية في شنّ هجمات منظمة ضد نقاط تفتيش عسكرية، وحرق منازل وقتل مواطنين من غير المسلمين في إقليم راخين (الاسم الرسمي لأراكان). ومن ثم تبرّر حملتها بأن الجيش «ردّ بتنفيذ عمليات تطهير» زاعمة أن أكثر الضحايا من العسكريين. أما الثوار المسلمون فيدافعون عن أنفسهم بالقول إنهم هاجموا نقاط تفتيش شبه عسكرية في ميانمار فقط بهدف حماية المدنيين من الأقلية المسلمة من الاضطهاد.

اللاجئون وقصصهم المُروعة
في أي حال، أدى تجدّد أعمال العنف إلى نزوح أعداد ضخمة من الروهينغا المسلمين من ميانمار التي يهيمن عليها ويشكل غالبيتها البوذيون. وتسببت أعمال العنف المتجددة خلال أسبوعين فقط في مغادرة نحو 125 ألفا من أبناء الأقلية الروهينغية المسلمة أرضهم، وذلك بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة يوم 5 سبتمبر (أيلول). ووفق التقارير عبر الروهينغا الحدود من ميانمار إلى بنغلاديش وهم لا يحملون معهم سوى القليل من الملابس على ظهورهم، وفي جعبتهم بعض القصص عن حالات اغتصاب وقتل ونهب ممنهجة تعرضوا لها.
تقرير إعلامي نشر في «بنغلاديش ستار» نقل عن محمد حسين، الذي يقع منزله في الجهة المقابلة لقناة تومبرو، التي تفصل بنغلاديش عن ميانمار، والتي أقام الروهينغا ملاجئ مؤقتة لهم على ضفافها، قوله إن اللاجئين الروهينغا عبروا القناة بعدما طلب حرس الحدود البنغلاديشيون منهم العبور، والحصول على بعض مياه الشرب والطعام والدواء ثم العودة. غير أن وصول هؤلاء إلى الحدود أثار مخاوف من حدوث كارثة إنسانية جديدة. إذ ينام كثيرون منهم في العراء، وهم في أمسّ الحاجة إلى الطعام والماء بعد السير لأيام من أجل الوصول إلى بر الأمان.
وحسب كلام فيفيان تان، المتحدثة باسم وكالة الأمم المتحدة للاجئين: «نحن نرى كثرة من النسوة والأطفال، ومنهم أطفال حديثو الولادة، تعرضوا إلى كل ما حدث لأيام طويلة، فأصيبوا بضعف شديد، وباتوا بحاجة إلى رعاية طبية. إن الأعداد مفزعة حقاً... وهي في ازدياد».
وفي المقابل، اتخذت سلطات بنغلاديش موقفاً حازماً تجاه اللاجئين من الروهينغا، في محاولة للحد من دخولهم إلى البلاد، نظراً لاكتظاظ مخيمات اللاجئين بالفعل. فلقد وصل عدد اللاجئين من الروهينغا قبل الأزمة الأخيرة إلى 400 ألف. وباشرت بنغلاديش فعلاً في منع اللاجئين من عبور الحدود من خلال زيادة عدد دوريات الحدود، ثم إعادة بعض الذين حاولوا العبور إلى ميانمار. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بنغلاديش ظلّت لأكثر من 30 سنة وجهة مئات الآلاف من الروهينغا من طالبي اللجوء. وأخيراً عثر مسؤولون في بنغلاديش على جثث نحو 42 من الروهينغا، أكثرهم من النساء والأطفال غرقوا بسبب زيادة حمولة القوارب أثناء رحلة العبور، بحسب ما صرح أفروز الحق تتل، نائب قائد شرطة مدينة كوكسز بازار.
وحسب رواية سيدة من الروهينغا اسمها ديلارا، تبلغ من العمر 20 سنة، لوكالة حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة التي أصدرت تقديرات لأعداد اللاجئين، قالت ديلارا: «قُتل زوجي رمياً بالرصاص في القرية، فاضطررت للهرب مع ابني وأشقاء زوجي». ونجحت ديلارا في الوصول إلى بنغلاديش مع ابنها الصغير بعد مسيرة طويلة استغرقت ثلاثة أيام، وكانت تختبئ بين الحين والآخر للإفلات من قوات الأمن الميانمارية، موضحة عن رحلتها: «لم أكن أعرف أين أنا؛ فكل ما كنت أعرفه أن عليّ الركض لإنقاذ حياتي».

من هم الروهينغا؟
يقدّر عدد الروهينغا بنحو 1.1 مليون نسمة. وهؤلاء أقلية عرقية تعيش في ميانمار - التي كانت تعرف في الماضي باسم بورما - منذ قرون، وتحديداً في ولاية راخين (أراكان) الواقعة في غرب البلاد، وتعد من أفقر الولايات التي تتكون منها. ومن جهة أخرى، كانت ولاية راخين يوماً ما منطقة خاضعة للاحتلال البريطاني من 1842 حتى 1948؛ إلا أنها صارت فيما بعد «ساحة معارك» خلال الحرب العالمية الثانية.
ولقد خاض الحركيون البوذيون والمسلمون صراعاً داخلياً مسلحاً في راخين، بسبب ولاء الحركيين البوذيين لليابانيين، والحركيين المسلمين للبريطانيين. وبدا هذا الانقسام واضحاً وجلياً بعد حقبة الاستعمار في البلاد، التي جرى تغيير اسمها عام 1989 من بورما إلى ميانمار.
هذا، وسعت القوى المحلية، التي كثيراً ما يطلق عليها اسم «المجاهدون»، إلى ضمّ ولاية راخين إلى ما كان في يوم من الأيام – بعد 1947 – إقليم باكستان الشرقية (من دولة باكستان)، وأصبحت الآن بنغلاديش. غير أن محمد علي جنّه (جناح)، الزعيم التاريخي المؤسس لباكستان، رفض فكرة الضم. وأدى ذلك في نهاية الأمر إلى تحوّل المنطقة إلى «ولاية إسلامية» تتمتع بحكم شبه ذاتي فيما يسمى حالياً ميانمار. لكن هذه الخطوة لم تنجح في تحقيق الأمن، بل لم يجرِ الاعتراف رسمياً بالأقلية الروهينغية من بين 135 أقلية عرقية معترف بها في ميانمار. ومن ثم، اعتبرت هذه الأقلية العرقية المفتقرة إلى وطن قومي، مجموعة من «المهاجرين غير الشرعيين»، ولم تلبث أن منعتهم الدولة من الحصول على الجنسية طبقاً لقانون الجنسية الجديد، الذي وضعه الديكتاتور السابق ني وين عام 1982.

التضامن مع الروهينغا
كردّ فعل تجاه ذلك الوضع، شكّلت مجموعة ثائرة أخرى تحت اسم «منظمة التضامن مع الروهينغا» عام 1982. وأسّست بعد ذلك بأربع سنوات «الجبهة الإسلامية للروهينغا في أراكان (راخين)». طالبت هذه «الجبهة» الأمم المتحدة بمنح الروهينغا الجنسية، وحقوق المواطنة الكاملة، وضمان حصولهم على كل الخدمات. غير أن حكومة ميانمار ظلت تعتبر الروهينغا مهاجرين غير شرعيين أتوا من بنغلاديش. وراهناً تعترض سلطات ميانمار على استخدام مصطلح «الروهينغا» في أي قرار صادر عن الأمم المتحدة، خوفاً من الاعتراف السياسي بهم، وتزعم أن هذا «يعقّد معالجة الحكومة» للقضية. كذلك، تدّعي هذه السلطات أنها مستعدة لمنح الجنسية وحقوق المواطنة إلى المسلمين الروهينغا، ولكن بشرط أن يعترفوا بأنهم بنغاليون، وهو مصطلح تعترض عليه أقلية الروهينغا تماماً.
والواقع أن الغالبية البوذية في ميانمار متهمة منذ فترة غير قصيرة بممارسة التمييز والعنف ضد أقلية الروهينغا. ولقد أشعل التوتر الطويل الأمد بين الروهينغا والبوذيين في غرب البلاد أعمال شغب دموية عام 2012، أسفرت عن مقتل كثيرين، وأجبرت عشرات الآلاف من الروهينغا على الفرار واللجوء إلى كل من بنغلاديش وماليزيا وتايلاند والهند وإندونيسيا.
والواضح أن المكوّنات العرقية الأساسية في ميانمار – وجلها يدين بالبوذية – تعتقد أن الروهينغا المسلمين يمثلون خطراً ديموغرافياً وثقافياً على هوية البلاد، أي، بعبارة أخرى، تشعر الأكثرية بتهديد الأقلية لها.

المنظمات الدولية متهمة
ما يستحق الإشارة أن مكتب الرئيسة (المستشارة) أونغ سان سو تشي، اتهم خلال الأسبوع الماضي العاملين الدوليين في مجال المساعدات بدعم «الإرهابيين». وكان معظم هؤلاء العاملين قد غادروا راخين بعد صدور تصريح للحكومة ادعت فيه أنها «عثرت على موارد من منظمات إغاثة دولية، من بينها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، خلال مداهمات لمواقع لمقاتلين من الروهينغا». ومن جهته، وصف سكوت مارسييل، السفير الأميركي لدى ميانمار، المزاعم بأن المنظمات المساعدة تدعم الروهينغا بالـ«سخيفة». في حين دافع الجيش الميانماري عما فرضه من قيود على المساعدات الدولية، بحجة أن الموارد قد وصلت إلى مواقع المسلحين، ما يشير إلى تقديم الدعم لهم، وهي مزاعم نفتها منظمة العفو الدولية بشكل صريح. ومن ناحية ثانية، قالت تيرانا حسن، مديرة الاستجابة للأزمة في المنظمة: «اتهام المؤسسات الإنسانية الدولية بدعم الأطراف المسلحة في راخين تصرّف غير مسؤول ويتسم بالتهور. يجب أن تتوقف سلطات ميانمار عن الترويج لتلك المعلومات المغلوطة، ونشر اتهامات لا أساس لها من الصحة». أما أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، فعلّق عن الوضع قائلا: «إننا نواجه خطر التطهير الفئوي، وآمل ألا نصل إلى هذه النقطة».

دور لكوفي أنان
على صعيد آخر، من اللافت أن كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وصل إلى ميانمار لتمثيل تقرير يتضمن توصيات اللجنة الاستشارية بشأن ولاية راخين، من أجل التوصل إلى سلام ومصالحة في تلك الولاية، مع أن سلسلة من الهجمات المميتة كانت قد ألقت بظلالها على وصوله. أنان يترأس اللجنة، التي تتكون من تسعة أعضاء تم تعيينهم من جانب المستشارة الميانمارية أونغ سان سو تشي قبل سنة، من أجل التوصل إلى حل للصراع الديني الذي يدمّر الولاية منذ سنوات كثيرة. وقدمت اللجنة توصيات في تقرير يقع في 63 صفحة بعنوان «نحو مستقبل يعمّه السلام والرخاء من أجل شعب راخين».
وذكر تقرير أنان أن رفع القيود في راخين ومنح المسلمين الروهينغا المواطنة، يمكن أن يساعد في تفادي التطرف وإحلال السلام في المنطقة. وأثنت بعض المؤسسات الحقوقية على التقرير باعتباره مهماً بالنسبة إلى الروهينغا المضطهدين؛ خاصة في ضوء تعهد حكومة ميانمار في السابق بالالتزام بنتائج اللجنة.
ومن جانب آخر، أشار التقرير إلى أن على الحكومة الحفاظ على علاقات ثنائية قوية مع بنغلاديش، من أجل مواجهة التحديات في راخين. وحذّرت اللجنة من احتمال أن يؤدي الإحجام عن تنفيذ التوصيات إلى مزيد من التطرف وأعمال العنف. كذلك دعت لجنة راخين إلى «تحقيق مستقل غير متحيّز» في الحقائق الموجودة على الأرض، من أجل ضمان مساءلة مرتكبي تلك الانتهاكات.
مع ذلك، اعترض البوذيون الراخينيون على أن تضم اللجنة كلاً من كوفي أنان، والدكتور غسان سلامة الوزير اللبناني السابق (والوسيط الحالي في ليبيا)، وليتيشيا فان دن أسوم المستشارة الخاصة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إذ اتهموهم بأنهم يدعمون المسلمين.

صمت أونغ سان سو تشي
تفاقم أزمة الروهينغا التي عرقلت فعلياً عملية تحوّل ميانمار إلى نظام ديمقراطي، عرّضت ميانمار لانتقادات حادة لاذعة على المستوى العالمي، كما شوّهت هالة أونغ سان سو تشي، الزعيمة الأسطورة الحائزة على جائزة نوبل، والتي تعد الزعيمة المدنية الفعلية للبلاد.
سو تشي، التي خاضت صراعاً شجاعاً امتد لعقود من أجل إرساء الديمقراطية في ميانمار، أخذ عليها كثيرون على امتداد العالم لزومها الصمت رغم أنهار الدماء التي تراق. ومما يسجله عليها المنتقدون تقاعسها في الدفاع عن الروهينغا، في حين يدافع عنها مؤيدوها بالقول إنها مكبلة الأيدي لكون الجيش الذي لا يزال في موضع القوة هو الحاكم الفعلي للبلاد منذ نحو نصف قرن.
منظمات حقوق الإنسان، بالذات، ومن بينها «هيومن رايتس ووتش»، ترى في سياق انتقادها أن صمت سو تشي تجاه قضية الروهينغا غير مبرّر؛ بل هو خاطئ تماماً. وهو الأمر الذي يرد عليه مناصروها بالزعم أنها «مكبّلة سياسياً»، وأنه نظراً لأن شؤون الولاية (راخين) تحتاج إلى موافقة من الجيش فهي لا تستطيع أن تحرك ساكناً. وفي هذا الإطار أوضح تريديفيش سينغ مايني، الخبير الهندي في العلاقات مع ميانمار، أن المستشارة الميانمارية «تواجه معضلة، فهي معروفة على المستوى الدولي كمناضلة في مجال حقوق الإنسان؛ لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تخسر دعم الأكثرية البوذية بإعلانها دعمها للروهينغا». وأضاف: «... سيكون الوضع معقداً للغاية».
وكأن كل هذا لا يكفي، وفي خضم كل ما يحدث، زار ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي (وهو هندوسي قومي محافظ ومتشدّد)، ميانمار بعد حضوره قمة مجموعة «البريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) في الصين، وأدلى بدلوه في المسألة التي توتر الأوضاع في ميانمار وحدودها الغربية. وبعدما كانت الهند قد أعربت أخيراً عن رغبتها في ترحيل 40 ألفاً من اللاجئين الروهينغا الذين فروا إليها من ميانمار خلال السنوات الماضية، قال مودي - المعروف بسلبيته الشعبوية الشديدة من المسلمين -: «أعتقد أن الوقت قد حان للخروج (خروج الهند) من هذا الموضع».
ومعروف أنه انتشرت المشاعر التضامنية مع الروهينغا في كثير من المناطق ذات الغالبيات المسلمة على امتداد العالم الذين تشغلهم الأمور التي تحدث في ميانمار. ووفق وسائل الإعلام العالمية، نظمت مظاهرات في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، احتجاجاً على ما يتعرّض له الروهينغا من قهر.

- محطات في تاريخهم
> القرن الثامن: عاش الروهينغا، الذين تعود أصولهم إلى جنوب آسيا، في مملكة مستقلة بمنطقة أراكان التي تعرف حالياً باسم ولاية راخين في ميانمار.
> من القرن التاسع إلى الرابع عشر: اتصل الروهينغا بتجار عرب واعتنق كثيرون منهم الإسلام. وبعدها ازدهرت العلاقات الاقتصادية والثقافية بين منطقتي أراكان والبنغال.
> 1784: غزا بوداوابايا، ملك بورما، منطقة أراكان، ففر مئات الآلاف من سكانها لاجئين إلى البنغال.
> 1790: أرسلت السلطات البريطانية الدبلوماسي هايرام كوكس لمساعدة اللاجئين، وأسس مدينة تحمل اليوم اسمه هي كوكسز بازار (في شرق بنغلاديش).
> بين 1824 حتى 1942: استولت بريطانيا على بورما، وجعلت الإقليم تابعاً لها. وجُلب العمال إلى بورما من مناطق أخرى من الهند البريطانية، من أجل تنفيذ مشروعات بنية تحتية.
> 1942: غزت اليابان بورما وطردت البريطانيين منها. ومع انسحاب البريطانيين هاجم سكان بورما البوذيون المسلمين بعدما اتهموهم بالانتفاع من الاستعمار البريطاني.
> 1945: حرّر البريطانيون بورما من الاحتلال الياباني بمساعدة وطنيين بورميين بوذيين، بقيادة أونغ سان وكذلك من المسلمين الروهينغا. ولكن لم يطل الوقت قبل أن يشعر الروهينغا بالغدر؛ لأن البريطانيين لم يفوا بوعدهم لهم بمنح أراكان الحكم الذاتي.
> 1948: تصاعد التوتر بين سلطات بورما المستقلة الجديدة والروهينغا، الذين أراد أكثرهم ضمّ أراكان إلى باكستان (تحديداً باكستان الشرقية، التي هي اليوم بنغلاديش) ذات الغالبية المسلمة. وردّت الحكومة بنبذ الروهينغا وفصل مَن يعملون منهم في الجهاز الحكومي الإداري.
> 1977: بدأ الحكم العسكري في تنفيذ «عملية ناغامين» - أو «الملك التنين» -، التي يقال إنها استهدفت تفتيش السكان بحثاً عن أجانب. ومن ثم، هرب أكثر من 200 ألف من الروهينغا إلى بنغلاديش وسط اتهامات بارتكاب الجيش البورمي انتهاكات ضدهم، علماً بأن الجيش البورمي دأب على نفي هذه التهم، كحاله اليوم.
> 1978: أبرمت بنغلاديش اتفاقاً مع بورما بوساطة الأمم المتحدة من أجل إعادة اللاجئين، وعاد بالفعل أكثر الروهينغا إلى البلاد.
> 1982: وضعت السلطات البورمية قانوناً جديداً للهجرة، اعتبر بموجبه الأشخاص الذين هاجروا إلى البلاد إبّان الاستعمار البريطاني مهاجرين غير شرعيين. وطبّقت الحكومة هذا القانون على كل أفراد الروهينغا.
> 1989: غيّرت السلطات العسكرية الحاكمة في بورما اسم البلاد إلى ميانمار.
> 1991: فرّ أكثر من 25 ألف لاجئ من السخرة والاغتصاب والاضطهاد الديني على أيدي جيش ميانمار. وجاء في تبريرات الجيش أنه كان يحاول إرساء النظام في منطقة راخين.
> من 1992 حتى 1997: عاد نحو 230 ألفاً من الروهينغا إلى منطقة أراكان الحدودية، التي تسمى حالياً راخين، في إطار اتفاق عودة آخر.
> 2012: اندلعت أعمال شغب بين المسلمين الروهينغا والبوذيين، أسفرت عن مقتل كثيرين من أقلية الروهينغا؛ وهروب عشرات الآلاف إلى بنغلاديش، كما اضطر نحو 150 ألف مسلم إلى الإقامة في مخيمات داخل راخين.
> 2016: هاجمت الجماعة المسلحة «حركة اليقين» المسلمة مواقع لحرس الحدود وقتلت تسعة جنود. ورد الجيش على العملية بحملة عنيفة أدت إلى نزوح أكثر من 25 ألف مسلم إلى بنغلاديش، بعد عمليات قتل واغتصاب ونهب. ومع هذا واصلت السلطات التي تحتل فيها منصب المستشار زعيمة المعارضة السابقة أونغ سان سو تشي (ابنة رئيس الوزراء الأول والبطل القومي أونغ سان) نفي ارتكاب أي أعمال عنف.
> 2017: تجدّدت هجمات الجيش وقوات الأمن الميانمارية، ما أدى إلى حدوث موجة جديدة من نزوح الروهينغا إلى بنغلاديش.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.