حفتر يربك خصومه.. وتبادل الاتهامات بين حكومة الثني والبرلمان

دعوات إلى الكتائب المسلحة بمغادرة طرابلس

مهاجرون لدى وصولهم إلى ميناء أوغيستا شرق جزيرة صقلية الإيطالية أمس. وأنقذت البحرية الإيطالية 488 مهاجرا غير قانوني، بينهم أكثر من مائة قاصر، أول من أمس، مع تواصل تدفق المهاجرين جراء تردي الوضع الأمني في كل من سوريا وليبيا (رويترز)
مهاجرون لدى وصولهم إلى ميناء أوغيستا شرق جزيرة صقلية الإيطالية أمس. وأنقذت البحرية الإيطالية 488 مهاجرا غير قانوني، بينهم أكثر من مائة قاصر، أول من أمس، مع تواصل تدفق المهاجرين جراء تردي الوضع الأمني في كل من سوريا وليبيا (رويترز)
TT

حفتر يربك خصومه.. وتبادل الاتهامات بين حكومة الثني والبرلمان

مهاجرون لدى وصولهم إلى ميناء أوغيستا شرق جزيرة صقلية الإيطالية أمس. وأنقذت البحرية الإيطالية 488 مهاجرا غير قانوني، بينهم أكثر من مائة قاصر، أول من أمس، مع تواصل تدفق المهاجرين جراء تردي الوضع الأمني في كل من سوريا وليبيا (رويترز)
مهاجرون لدى وصولهم إلى ميناء أوغيستا شرق جزيرة صقلية الإيطالية أمس. وأنقذت البحرية الإيطالية 488 مهاجرا غير قانوني، بينهم أكثر من مائة قاصر، أول من أمس، مع تواصل تدفق المهاجرين جراء تردي الوضع الأمني في كل من سوريا وليبيا (رويترز)

التزم المجلس الأعلى للقضاء والسلطات التشريعية والتنفيذية في ليبيا، أمس، الصمت حيال دعوة اللواء خليفة حفتر، القائد العام السابق للقوات البرية في الجيش الليبي، في تصعيد جديد للأزمة السياسية، إلى تسليم السلطة، وتكليف المجلس الأعلى للقضاء بإدارة شؤون البلاد في المرحلة الحالية رغبة منه في استمرار الحياة السياسية والمدنية.
ولم يصدر عن المستشار علي مولود حفيظة، رئيس المجلس الليبي الأعلى للقضاء، أي تصريحات رسمية تفيد بقبوله أو رفضه الخطة التي طرحها حفتر. ومن جانبها، حاولت «الشرق الأوسط» الاتصال برئيس المجلس الليبي الأعلى للقضاء؛ إلا أن هاتفه الجوال كان مغلقا.
ومن المتوقع أن ينظم أنصار حفتر عدة مظاهرات داعمة له في مختلف المدن الليبية، فيما قالت مصادر أمنية في العاصمة الليبية طرابلس، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «لا تتوقع اندلاع أعمال عنف خلال هذه المظاهرات.. وإنها قد تمر بسلام».
وجددت الحكومة الانتقالية التي يترأسها عبد الله الثني، في بيان أصدرته أمس، مطالبتها لكل قيادات الكتائب المسلحة في نطاق العاصمة طرابلس بالخروج منها والابتعاد عن المشهد السياسي لحماية المدينة وسكانها. وانتقدت الحكومة الأوامر التي أصدرها نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، بتحريك درع الوسطى مع وجود قوى أخرى في طرابلس تنضوي تحت كتائب القعقاع والصواعق، معتبرة أن وجود هذه القوات مع وجود مجموعات مسلحة أخرى في نطاق طرابلس الكبرى بات يهدد المدينة وسلامة سكانها.
وأعربت الحكومة عن خشيتها من فرض قرار سياسي في أجواء قعقعة السلاح، بما يهدد البنيان السياسي للبلاد، وحملت رئاسة المؤتمر وأعضاءه كل المسؤولية البرلمانية والوطنية عما ينجم من تداعيات ومخاطر تهدد سلامة البلاد وأمن مواطنيها وضياع هيبتها وضرب مؤسساتها. وبعدما شددت على أنها لن تتوانى في اتخاذ كل ما يمكن من إجراءات لدعم الأمن في المدن الليبية من خلال أجهزتها النظامية والغرفة الأمنية في بنغازي وطرابلس، قالت إن «الحدث السياسي المرتقب في طرابلس ووجود قوى متعددة وغير متجانسة على الأرض يهدد المدنيين ومؤسسات الدولة». ورأت أن تجاهل المؤتمر للمبادرة التي طرحتها لحل الأزمة السياسية قبل يومين، قد أشعر الكثيرين بالإحباط، مشيرة إلى أن المؤتمر تجاهل أيضا الرد على ما أبدته المفوضية العامة للانتخابات عن استعدادها لإجراء الانتخابات، بحسب ما صدر عنها.
وقبل ساعات من هذا البيان، أعلن الحبيب الأمين، وزير الثقافة الليبي، تأييده لحفتر ليصبح أول وزير ينضم إلى جانبه، حيث اتهم البرلمان بالفشل في مكافحة «الإرهابيين»، مرددا تعبيرات حفتر. وقال الأمين، وهو المتحدث غير الرسمي باسم الحكومة لوكالة «رويترز»: «لا أعترف بعد الآن بالمؤتمر الوطني»، مشيرا إلى أن بعض النواب طلبوا من الحكومة تسليح جماعة أنصار الشريعة الإسلامية المتشددة للتصدي لحفتر. وتابع أن الحكومة رفضت هذا الطلب واتهم النواب بالتسبب في الفوضى بالموافقة على تمويل الميليشيا في الماضي، مما يظهر التوتر بين الحكومة والبرلمان، موضحا أن معظم الدعم للميليشيات جاء من البرلمان.
وكان اللواء حفتر قد أعلن في بيان متلفز قرأه باسم المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة الليبية مساء أول من أمس، وهو يرتدي الملابس العسكرية محاطا بكبار قياداته العسكرية، أنه يطالب مجلس القضاء بتكليف مجلس أعلى لرئاسة الدولة مدنيا، وتكليف حكومة طوارئ، والاتفاق على مرحلة الانتخابات المقبلة، وتسليم السلطة للبرلمان المنتخب. ولفت حفتر، الذي كان يتحدث من مدينة الأبيار (شرق ليبيا)، إلى أن المجلس العسكري سيستمر في حماية هذه الفترة الانتقالية حماية لليبيا وشعبها وحفاظا على مقدرتها. وشن حفتر هجوما لاذعا على أعضاء المؤتمر الوطني، وقال إن غالبيتهم خانوا الأمانة التي عهد بها إليهم الشعب، مشيرا إلى أن الشعب الليبي وبعدما قام بدعم من قواته المسلحة بثورة على نظام العقيد الراحل معمر القذافي، لأول مرة في تاريخ الشعب، مارس حقه في اختيار من يمثلونه في المؤتمر الوطني. لكن للأسف خان أغلب الممثلين للشعب الأمانة التي انتخبوا من أهلها وهي حماية الوطن والمواطن وبناء ليبيا دولة مدنية مؤسساتية.
واعتبر أن «هذا كان له انعكاس سلبي على مجريات الحياة.. فأصبحت ليبيا بموجب ذلك دولة راعية للإرهاب حسب تقارير المنظمات الدولية، وأصبحت وجها للمتطرفين الذين يتحكمون في مفاصل الدولة». وأعلن أنه تم اتخاذ هذه الخطوة تلبية لمطالب الشعب الليبي وتصحيحا للثورة ودعما لحرب الجيش للقضاء على الإرهاب والجماعات الإرهابية المتطرفة ولاستعادة الأمن والأمان، وبعد إصرار المؤتمر المنتهي الصلاحية على عدم تلبية مطالب الشعبي وإخفاق المحكمة الدستورية العليا في ذلك. وأضاف «اتخذنا هذا القرار بما أن بيان الجيش في فبراير (شباط) الماضي، تضمن تجميد عمل المؤتمر لحين إجراء الانتخابات المقبلة، وطلب نقل السلطة إلى لجنة الستين باعتبارها المنتخبة من الشعب، إلا أنها لم تلب هذا الطلب على الرغم من الأحداث الجارية». ومضى إلى القول «وبهذا يكون الجيش الوطني قد سلم إليكم مقاليد الحكم لتسيير البلاد في هذه الفترة الحرجة، ومنعا لأي تدخل أجنبي يمس بالسيادة الليبية خاصة أن ليبيا محكومة بقرار من مجلس الأمن الدولي».
وأوضح حفتر أن المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة الليبية مكون من كل القيادات العسكرية، مضيفا «القذافي مع الأسف دمر القوات المسلحة تدميرا حقيقيا، والليبيون دفعوا ثمنا باهظا لإسقاط تلك الديكتاتورية؛ لكن للأسف لم يعيشوا في أمن أو ديمقراطية أو سلام كما كانوا يأملون». وتجاهل حفتر توضيح موقعه داخل المجلس الأعلى العسكري الجديد في ليبيا؛ لكن مصادر مقربة منه قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رئيسه ويتولى كل الصلاحيات العسكرية باتفاق مختلف أعضاء المجلس».
في المقابل، أعلن المؤتمر الوطني رفضه الضمني لعملية لكرامة التي تشنها قوات تابعة لحفتر ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة، فيما أكد عمر معيتيق، رئيس الوزراء الجديد، أنه لا يعتزم الانسحاب من المشهد السياسي المرتبك في بلاده، معتبرا أن حكومته ليست معنية بالمبادرة التي طرحتها حكومة سلفه الثني، منتقدا إعلان بعثة الأم المتحدة ترحيبها بها.
وقال البرلمان الليبي في بيان أصدره مساء أول من أمس، إنه يدعم كل المبادرات المحلية والدولية لمكافحة الإرهاب واجتثاثه من ربوع من وطننا، شرط أن يكون تطبيق هذه المبادرات تحت إشراف مؤسسات الدولة الرسمية وسيادتها. وأعلن أنه وضع على جدول أولويات الحكومة القادمة الملف الأمني، وهو مستعد لتوفير كل الإمكانيات والدعم اللازم، ملقيا باللوم على الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله الثني لأنها فشلت حتى في إجراء تحقيقات تكشف عن الجناة والمتورطين في عمليات الاغتيال التي شهدتها بعض المدن، مما اضطره إلى إقالتها وتكليف حكومة جديدة.
كما انتقد المؤتمر ما وصفه بـ«الهجمة الإعلامية التحريضية الشرسة» التي تقودها قنوات فضائية ضد شرعية المؤتمر ومؤسسات الدولة والتحريض على الفوضى والخروج عن النظام العام والقانون، مجددا تمسكه بالمسار الديمقراطي السلمي كأهم هدف من أهداف ثورة 17 من فبراير. وأعلن دعمه للمفوضية العليا للانتخابات، متعهدا بتقديم كل الإمكانيات والتسهيلات لها لإتمام عملها في أسرع وقت ممكن وتسليم السلطة لمجلس النواب القادم في يونيو (حزيران) المقبل.
من جهته، قال عمر معيتيق، رئيس الحكومة الجديدة، في مؤتمر صحافي عقده في العاصمة الليبية طرابلس، إن مبادرة الثني تخص المؤتمر الوطني، وهو الطرف الوحيد الذي يفترض أن يعلن موقفه منها، مشيرا إلى أنه طلب مهلة لمدة أربعة أيام من البرلمان لإجراء اتصالات مع كل الأطراف لحل الأزمة السياسية الراهنة في البلاد. وقال إنه ليس باحثا عن السلطة، مشيرا إلى أنه هو من طلب من البرلمان تأجيل منحه الثقة لإجراء مزيد من المشاورات مع الكتل والأحزاب السياسية داخل المؤتمر وخارجه.
وفي ما بدا أنه بمثابة رفض لعملية الكرامة التي يقودها حفتر، قال معيتيق إن «الليبيين يرفضون وجود عسكري على رأس السلطة، وإن الليبيين جربوا الأجسام العسكرية ولم تنجح على مدى السنوات الـ42 الماضية». وتلقت حكومة معيتيق ضربة معنوية بعدما أعلن منصور عمر الكيخيا، الذي تمت تسميته لتولي منصب وزير الخارجية، انسحابه من الحكومة واعتذاره عن عدم قبول المنصب. وقال الكيخيا في رسالة وجهها لمعيتيق حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها «يؤسفني أن أتقدم إليكم بسحب اسمي من قائمة الوزراء المرشحين»، مرجعا ذلك إلى ما وصفه بـ«الوضع السياسي الراهن في البلاد وضيق الوقت المتاح لإجراء تغييرات جدية ومؤثرة في السلك الدبلوماسي».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.