الأوروبيون يدعمون واشنطن في الأزمة الكورية... ويرفضون الحلول العسكرية

يسعون لدور فعال... و«تعطيل كامل» لبرنامج بيونغ يانغ النووي

جندي كوري شمالي على ضفة نهر يالو على الحدود الصينية (رويترز)
جندي كوري شمالي على ضفة نهر يالو على الحدود الصينية (رويترز)
TT

الأوروبيون يدعمون واشنطن في الأزمة الكورية... ويرفضون الحلول العسكرية

جندي كوري شمالي على ضفة نهر يالو على الحدود الصينية (رويترز)
جندي كوري شمالي على ضفة نهر يالو على الحدود الصينية (رويترز)

لدى كل مناسبة، يؤكد وزير خارجية فرنسا أن البرنامج النووي والباليستي لكوريا الشمالية يمثل «تهديداً للأمن في العالم أجمع» وأن بيونغ يانغ «ستتوافر لها القدرة على الوصول بصواريخها وبسلاحها النووي إلى أميركا وأوروبا»... ولذلك، فإن باريس تريد، وفق بيان صادر عن رئاسة الجمهورية «تعطيلاً كاملاً للبرنامج النووي الكوري الشمالي» بشكل «نهائي» ويمكن «التأكد منه». أما الطريق إلى ذلك فإنها تمر، وفق المسؤولين الفرنسيين، عبر فرض عقوبات مشددة على قادة بيونغ يانغ بشكل يدفعهم إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
وتدفع باريس باتجاه موقف أوروبي موحد ومتشدد سيظهر بلا شك غداً بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل. وإزاء أزمة تهدد الأمن العالمي، تريد البلدان الأوروبية الـ28 أن يكون لها «دور» يكون من جهة داعماً للموقف الأميركي، ولكن في الوقت عينه رافضاً الحلول العسكرية، ودافعاً باتجاه الحوار والتفاوض مجدداً مع بيونغ يانغ. وتقول مصادر دبلوماسية أوروبية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن الأوروبيين يحلمون باستنساخ الاستراتيجية التي اتبعت مع إيران لدفعها لتجميد برنامجها النووي، والتي زاوجت بين تشديد العقوبات من جهة وبين الدعوة إلى الحوار من جهة ثانية، الأمر الذي أفضى عقب عشرات الجولات المتنقلة من المحادثات بين مجموعة الست (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا) وطهران إلى توقيع الاتفاق النووي في فيينا يوم 14 يوليو (تموز) عام 2015.
وأول من أمس، اتصل الرئيس الصيني شي جينبينغ بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون. ونقل التلفزيون الصيني أن بكين تأمل أن «تلعب فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن، دوراً بناء لتهدئة الوضع وإعادة إطلاق الحوار». ونقلت أوساط الإليزيه عن الرئيس الفرنسي قوله إنه والرئيس الصيني «أعادا التأكيد على إدانة الأسرة الدولية للاستفزازات الكورية» التي تستدعي برأيهما، «ضغوطاً إضافية» من أجل «إعادة بيونغ يانغ إلى طاولة الحوار وتلافي تصعيد خطير».
ويستبعد الأوروبيون بشكل قاطع «الحل العسكري» وسيعمد وزراؤهم إلى إعادة التأكيد على ذلك بمناسبة اجتماعهم غداً وأيضاً بمناسبة اجتماع مجلس الأمن الدولي، حيث سيطرح للتصويت مشروع قرار أميركي يحظى بدعم أوروبي، لفرض سلة عقوبات جديدة على كوريا الشمالية.
بيد أن النتيجة ليست محسومة سلفاً. فإذا كانت بكين التي يراد منها أن تلعب دوراً أكثر دينامية في إيجاد حلول سلمية لهذه الأزمة الخطيرة، فإنها في الوقت عينه، تريد مناقشة طبيعة العقوبات الجديدة. يضاف إلى ذلك أن روسيا، بلسان رئيسها فلاديمير بوتين، اعتبرت قبل 3 أيام أن العقوبات الجيدة ستكون «غير مفيدة وغير فعالة». وذهب الرئيس الروسي إلى القول إن الكوريين الشماليين «مستعدون لأكل العشب» من أجل المحافظة على برنامجهم النووي، مستعيداً بذلك عبارة شهيرة للزعيم الباكستاني ذو الفقار علي بوتو الذي قال يوماً إن الباكستانيين «سيأكلون العشب من أجل الحصول على القنبلة النووية». وفي المؤتمر الصحافي المشترك مع الوزير جان إيف لو دريان في موسكو يوم الجمعة الماضي، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إنه «من المبكر معرفة شكل العقوبات» التي سيفرضها مجلس الأمن، ما يعني ضمناً أن موسكو لن تقبل مغمضة العينين مشروع القرار الأميركي - الأوروبي الذي ينص على حرمان كوريا الشمالية من النفط ومشتقاته ومنع مواطنيها من العمل في الخارج وفرض قيود على تنقل قادتها وتجميد ممتلكاتهم خارج البلاد.
المرجح أن تعود موسكو ومعها بكين إلى إعادة طرح مشروعهما القديم الجديد لتنفيس الأزمة، والقائم على تجميد التجارب النووية والباليستية لكوريا الشمالية من جهة مقابل وقف التمارين العسكرية الأميركية - الكورية الجنوبية المشتركة التي ترى فيها بيونغ يانغ تهديداً أو على الأقل استفزازاً لها. وفي أي حال، فإن الصين التي تستوعب 93 في المائة من صادرات بيونغ يانغ تعتبر أن العقوبات ليست سوى «نصف الطريق» للتهدئة فيما النصف الثاني يتمثل في استعادة الحوار. وأكد لافروف أن «لا بديل عن المسار السياسي» لإيجاد مخارج من الأزمة النووية، فيما لا تستبعد واشنطن «الخيار العسكري» الأمر الذي يخيف أكثرية بلدان العالم. ويجدر التذكير بعبارة بوتين الداعية إلى تلافي «كارثة نووية عالمية» قد تفضي إليها المواجهة بين واشنطن وبيونغ يانغ. وأول من يرفض المواجهة العسكرية هما كوريا الجنوبية واليابان. فالعاصمة سيول بملايينها العشرة تقع على بعد 55 كلم من الحدود المشتركة، وبالتالي فإنها تقع في مرمى آلاف قطع المدفعية الكورية الشمالية المنصوبة على الحدود، ناهيك بأن صواريخ بيونغ يانغ ورؤوسها النووية تطال كل أراضيها، كما تطال كل التراب الوطني الياباني.
بالنظر لهذا الوضع المعقد، ولقطع الطريق على الخيار العسكري، فإن الأوروبيين الذين يتخوفون من قرارات الرئيس دونالد ترمب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، يسعون إلى الذهاب أبعد مما تذهب إليه العقوبات المتضمنة في مشروع القرار الذي سيصوت عليه غداً في مجلس الأمن. وقالت مفوضة الشؤون الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني الجمعة إن الأوروبيين يعملون من جانبهم على فرض عقوبات «مكملة» لتلك التي يمكن أن يفرضها مجلس الأمن. ومن جانبه، أكد وزير خارجية بلجيكا ديديه ريندرز أن الأوروبيين «مستعدون للذهاب أبعد مما قد يذهب إليه مجلس الأمن الدولي» في موضوع العقوبات. لكن الواقع أن أوراق الضغط الأوروبية على بيونغ يانغ بلاغية أكثر مما هي حقيقية، إذ إن المبادلات بين الطرفين لا تصل إلى 30 مليون يورو في العام. وحلم الأوروبيين أن يلعبوا الدور الذي لعبوه في الملف النووي الإيراني، حيث رأست موغيريني (وقبلها كاترين آشتون) مجموعة الست التي تفاوضت مع الجانب الإيراني.
في أي حال، فإن الرأي السائد في العواصم الأوروبية لا يدفع إلى التفاؤل إذا كان الغرض من المفاوضات هو دفع كوريا الشمالية إلى التخلي عن برنامجها النووي. وفي هذا السياق، فإن الباحث الاستراتيجي برونو تيرتريه أكد لصحيفة «لو موند» في عددها أمس أن «لا عودة عن البرنامج النووي» لكوريا الشمالية، لأنه «ضمانة بقاء النظام والمظلة التي تحميه وتضمن له تعبئة الداخل بوجه التهديدات الخارجية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...