الحكومة التونسية العاشرة منذ إطاحة بن علي

«وزارة حرب» أم «فرصة أخيرة»؟

الحكومة التونسية العاشرة منذ إطاحة بن علي
TT

الحكومة التونسية العاشرة منذ إطاحة بن علي

الحكومة التونسية العاشرة منذ إطاحة بن علي

نجح رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد في تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة تضم ممثلين عن 7 أحزاب ونقابات، فأجهض مخططات الأطراف التي عملت على إسقاطه وإيقاف مسار «الوحدة الوطنية»، وخيار التوافق بين غالبية الأحزاب الممثلة في البرلمان. إلا أن ردود الفعل على تشكيلة هذه الحكومة، وهي العاشرة منذ إسقاط حكم زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011، تراوحت بين الترحيب والانتقادات اللاذعة. وفي الأثناء تعاقبت تحركات بعض الأطراف لمنع تزكية الحكومة كلياً أو جزئياً، أو إسقاط بعض عناصرها خلال الجلسة العامة الاستثنائية التي ستعقد الاثنين بناءً على دعوة رسمية وجهها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.
ومن جانب ثانٍ، بينما رحبت قيادات النقابات وغالبية الأحزاب البرلمانية، بما فيها راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، بهذه الحكومة واعتبرتها انتصارا جديدا لدعاة التوافق الوطني بين العلمانيين والإسلاميين من جهة وبين النقابات والسلطة من جهة ثانية، صعّدت أطراف يسارية معارضة لهجتها ضدها بشكل غير مسبوق وفتحت النار وبخاصة ضد وزيري الداخلية والدفاع، وضد الوزراء الذين تحملوا مسؤوليات سياسية وحزبية أو حكومية قبل «ثورة يناير» 2011.
فإلي أين ستسير تونس؟ وهل ستحقق التشكيلة الحكومية الجديدة الشعارات الطموح التي رفعها رئيسها؟

استبق الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عملية الكشف عن أسماء التشكيلة الجديدة لحكومة «الوحدة الوطنية» بحوار في صحيفة رسمية، وصف فيه هذه التشكيلة بأنها ستكون بمثابة «الفرصة الأخيرة» لتكريس التوافق الوطني. وقدم قائد السبسي في ذلك الحوار انتقادات غير مسبوقة لخيار الشراكة في الحكم مع حزب النهضة الإسلامي، صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان. غير أنه برّر هذا الخيار باحترام قانون اللعبة الديمقراطية ونتائج الانتخابات التي أوصلته وحزبه «نداء تونس» للحكم بنهاية 2014، لكنها أعطت أيضاً المرشحين الإسلاميين نحو ثلث الأصوات والمقاعد.
لدى الكشف عن قائمة الوزراء الجدد، وصف رئيس الحكومة يوسف الشاهد بعد لقائه رئيس الجمهورية، في قرطاج: «حكومة الوحدة الوطنية» الثانية التي كلف بتشكيلها بأنها ستكون «حكومة حرب». وأوضح أنه سيخوض مع فريقه الجديد 3 حروب: على الإرهاب، وعلى الفساد، وعلى الفقر... من أجل التنمية ضد البطالة والتفاوت الجهوي. ولقد رحبت قيادات أبرز الأحزاب التونسية بهذه التشكيلة، بما فيها أحزاب اليسار المعتدل، مثل ياسين إبراهيم زعيم حزب آفاق وعصام الشابي زعيم الحزب الجمهوري وسمير الطيب زعيم حزب المسار الشيوعي. وجاء الدعم الأكبر لحكومة يوسف الشاهد الجديدة، وهي الثانية خلال سنة، من قبل زعيمي الحزبين القادرين على منح الثقة في البرلمان وحدهما... أي الغنوشي زعيم حزب النهضة وحافظ قائد السبسي، نجل رئيس الدولة وزعيم حزب «نداء تونس» والتيار الدستوري الموالي للزعيم الأسبق الراحل الحبيب بورقيبة.
وبلغة الأرقام، ستحصل هذه التشكيلة الحكومية الجديدة بلا عناء على 109 أصوات من بين نواب البرلمان الـ217، لكن ماذا عن الاعتراضات السياسية والحملة الإعلامية المبكرة التي توشك أن تربكها قبل مباشرتها مهامها وخوضها «حروبها» على الفساد والفقر والإرهاب؟

وزيرا الدفاع والداخلية
تكشف التصريحات الأولوية الصادرة عن الموالين للرئيس السابق للدولة الدكتور محمد المنصف المرزوقي، وعن زعامات اليسار الراديكالي بقيادة حمة الهمامي، اعتراضات قوية في بعض الأوساط على اسمي وزيري الدفاع والداخلية في الفريق الحكومي الجديد: عبد الكريم الزبيدي ولطفي ابراهم. وكان الزبيدي تولّى حقيبة الدفاع في عهد المرزوقي واستقال منها بعد الهجوم على السفارة الأميركية بتونس في سبتمبر (أيلول) 2012. وسبق لوزير الداخلية الجديد أن شغل رئاسة مؤسسة الحرس الوطني قبل أن يدخل في خلافات مع فريق الرئيس السابق وبعض المسؤولين الحكوميين الموالين للائتلاف الحاكم وقتها. ويتزعم حملة المعارضين لشخصي وزيري الداخلية والدفاع الجديدين البرلماني عماد الدايمي، الوزير مدير الديوان الرئاسي في عهد الرئيس المنصف المرزوقي والأمين العام لحزب الحراك حالياً. وجاء في سلسلة تصريحات وتدوينات أدلى بها الدايمي أنه وحزبه يعترضان على تعيين جنرال وزيراً، فضلاً عن قدومه من مؤسسة الحرس الوطني، كما توقع أن تعترض غالبية قيادات الشرطة على تعيين وزير من سلك منافس لهم داخل المؤسسة الأمنية المركزية.

ملف الهجوم على السفارة الأميركية
من ناحية ثانية، لئن اعترض أنصار اليسار الراديكالي بزعامة حمة الهمامي والرئيس السابق المنصف المرزوقي على نحو 7 أسماء سبق أن تحملت مسؤوليات عليا في الدولة والحزب الحاكم قبل «ثورة 2011» - بينها وزراء المالية والتربية والنقل والدفاع ووكلاء وزراء في الخارجية والشؤون الاقتصادية - فإن الأخطر هو إعادة فتح ملف الهجوم على السفارة الأميركية بتونس وحرقها من قبل متظاهرين متشددين في سبتمبر 2012، وذلك بعد يومين فقط من اغتيال السفير الأميركي في ليبيا داخل مقر قنصلية الولايات المتحدة في مدينة بنغازي. وحقاً، أعاد الدايمي وأنصاره في حزبي الحراك والمؤتمر إلى السطح انتقادات وجهها الرئيس السابق المرزوقي في حوار تلفزيوني إلى وزير الدفاع وقتها، عبد الكريم الزبيدي، ورئيس أركان الجيش التونسي في عهده رشيد عمار، بسبب خلافات في تحديد مسؤولية الجهة التي كانت وراء فشل إيقاف المتظاهرين قبل اقتحامهم للسفارة الأميركية ثم قبل حرق أغلب عماراتها ومؤسساتها.
وكان المرزوقي ووزيره للديوان الرئاسي الدايمي قد تبادلا الاتهامات في وسائل الإعلام مع وزير الدفاع العائد الزبيدي ورئيس الأركان السابق عمار حول ملابسات تلك الأحداث، وحول قرار اتخذته واشنطن بعدها بإنزال قوات تابعة لمشاة البحرية «المارينز» في تونس تحت عنوان حماية السفارة الأميركية وموظفيها. وكشف الوزير الأسبق أن الجنرال عمار رفض عند اتصال المرزوقي به القبول بإتمام عملية الإنزال العسكري، وأنه ذكر للمرزوقي أن وزير الدفاع رفض تماما هذا الطلب.
ولقد كشفت الاتهامات المتبادلة أن قوات من «المارينز» وصلت فعلا إلى تونس في حدود الساعة 2 فجرا من اليوم الموالي لحرق السفارة. وقد تتسبب إعادة فتح الملف في البرلمان بمناسبة عرض قائمة التشكيل الحكومي على المناقشة في إحراجات سياسية وشعبية بالجملة لكل الأطراف السياسية المشاركة في الحكم وفي المعارضة.

ترحيب بـ«رجال الدولة»
في المقابل، نوّه عدد كبير من السياسيين والخبراء المستقلين، مثل الجامعي عبد اللطيف الحناشي والإعلامي هشام الحاجي والبرلماني ماهر مذيوب، بكفاءة غالبية الوزراء وكتاب الدولة الذين عينوا في التشكيلة الجديدة، وبينهم من كانت لهم خبرة في تسيير شؤون الدولة مثل وزير المالية رضا شلغوم، ووزير التربية حاتم بن سالم، اللذين كانا شغلا كلتا الحقيبتين في آخر عهد بن علي، ثم عينهما الرئيس قائد السبسي مستشارين في ديوان رئاسة الجمهورية. لكن الترحيب بالاعتماد مجدداً على رجال دولة سبق أن لعبوا أدواراً بارزة قبل «ثورة 2011» تزامن مع حملة إعلامية عنيفة تشنها ضدهم بعض الأوساط المعارضة، وبخاصة في «الجبهة الشعبية» التي تضم 15 حزباً قومياً عربياً ويسارياً ويتزعمها الأمين العام لحزب العمال الشيوعي حمة الهمامي. وراهناً ينتمي 15 نائبا في البرلمان لهذا التكتل السياسي اليساري، وهؤلاء أعلنوا أنهم سيصوّتون ضد التشكيلة الحكومية لأسباب كثيرة، من بينها مشاركة رموز من نظام بن علي فيها، بجانب تكريسها التحالف السياسي بين الإسلاميين والدستوريين الموالين لنظامي بورقيبة وبن علي.
وتجدر الإشارة، أن الهمامي وبعض رفاقه في الجبهة الشعبية اليسارية التقوا مع الموالين للرئيس السابق المرزوقي في اتهام بعض الوزراء المقترحين بالفساد الإداري والمالي، واعتبروا أن بعض التسميات تتناقض مع «الحرب على الفساد» التي أعلنها رئيس الحكومة يوسف الشاهد قبل 3 أشهر فعزّزت شعبيته ومنحته ثقة تيار واسع من المعارضين والنقابيين.

مخاطر الانفجار الاجتماعي
بعيداً عن ترحيب الزعامات السياسية والنقابية أو اعتراضاتها على التشكيلة الحكومة العاشرة منذ الثورة، يحذّر بعض الخبراء والمراقبين من مخاطر انفجار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مرحلة توحي فيها كل المؤشرات المالية بأن عام 2018 سيكون صعباً؛ وهو ما يستوجب مزيدا من السياسات اللاشعبية والقرارات المؤلمة بالنسبة للطبقتين الفقيرة والمتوسطة. وفي هذا السياق، حذّر أعضاء المجلس المركزي في التجمع اليساري المعارض في اجتمع طارئ في بيان يحمل توقيع الهمامي من علاقة التعديل الجديد في تشكيلة الحكومة، وما أسموه الشروط و«الإجراءات المؤلمة» المفروضة على تونس من قبل صندوق النقد الدولي، ومَن وصفوها بـ«الدوائر المالية والاستعمارية»، التي اتهموها بالعمل على تقويض ما بقي من القطاع العمومي وتصفية المكاسب الاجتماعية للتونسيات والتونسيين وسدّ أبواب الرزق أمامهم، وإثقال كاهلهم بالضرائب والأداءات، والرفع في الأسعار وهتك سيادة وطنهم.
وحذّر الوزير السابق وزعيم «التيار الديمقراطي» محمد عبو «من سيناريو الانفجار الاجتماعي والسياسي والأمني» بعد هذا التعديل الحكومي، الذي اعتبر أنه «كرّس انتصار الجناح المناصر للفساد والليبرالية المتوحشة على جناح الإصلاح ومكافحة الفساد الذي يتزعمه رئيس الحكومة يوسف الشاهد منذ أشهر».
من جهة أخرى، حذّر البرلماني اليساري منجي الرحوي من الاضطرابات الاجتماعية والشبابية والنقابية بسبب ما وصفه بـ«السياسات الفاشلة المتراكمة منذ عقود، ومنها الشروط التي تريد مؤسسات مالية أوروبية ودولية، التي من بينها صندوق النقد الدولي، أن تعقد بموجبها اتفاقات جديدة تهدد قطاعات الفلاحة والخدمات والطبقات الشعبية، و«ترهن الأجيال القادمة لدى تلك الدوائر المالية والاستعمارية التي لا تُراعَي سوى المصالح المباشرة للحكومات القائمة والأقلّيات النهّابة التي تدعمها، وهو ما ستعكسه ميزانية 2018 التي بدأت ملامحها الخطيرة تظهر من الآن»، على حد تعبيره.

الانتخابات وتعديل الدستور
على صعيد آخر، فإن المسكوت عنه وراء هذا التعديل الحكومي الجديد الذي دعم رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحلفاءه الرئيسيين في الحزبين الكبيرين، «النداء» و«النهضة»، هو التأثير في التحضيرات للانتخابات البلدية والجهوية العامة المقررة بنهاية العام الحالي، ثم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة لعام 2019، ولقد طالبت بعض الأطراف اليسارية بتنظيمها العام المقبل وبأن يسبقها تعديل للدستور.
وفعلاً، ثار الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية التونسية منذ أشهر حول نجاعة التعديل الحكومي، وما إذا كان من الأفضل تقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة وتأجيل الانتخابات البلدية والجهوية، التي يخشى العلمانيون واليساريون أن تسفر عن فوز ساحق لأنصار «النهضة»، وبخاصة بعد كشف هذا الحزب الإسلامي عن أن نصف مرشحيه سيكونون من المستقلين عنه حزبياً وتنظيمياً.
وإذا كانت نتيجة التعديل الحكومي ترفيع نسبة الوزراء وكتاب الدولة في حزب قائد السبسي فيه إلى 17، مقابل 7 فقط لـ«النهضة»، ذات الكتلة الأكبر في البرلمان، فإن خصوم الحزبين الكبيرين - مثل الوزيرين السابقين رضا بالحاج ومحسن مرزوق ورئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة - يخشون من توظيف تفوق هذين الحزبين في الحكومة والبرلمان من أجل التأثير في نتائج الانتخابات البلدية وفي توجهات البلاد قبل انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية. ولذا؛ دعا أنصار 7 أحزاب صغيرة في مؤتمر صحافي لتأجيل موعد الانتخابات البلدية إلى العام المقبل. كذلك، دعا حزب المؤتمر، المقرّب من الرئيس السابق المرزوقي، في بيان صادر عنه جميع القوى الوطنية من منظمات وأحزاب وشخصيات وطنية إلى «ضرورة الاستنفار العاجل من أجل إنقاذ البلاد»، والتصدي لما قال عنه أنه «يمثل انقلاباً على دستور الجمهورية وارتدادا على استحقاقات الثورة». وأعلنت أطراف سياسية كثيرة تقودها شخصيات تريد الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، بينها رئيس الحكومة عام 2014 المهدي جمعة والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية الإعلامي محمد الهاشمي الحامدي، أنها ستطلق مبادرات إنقاذ في هذا الاتجاه.

تحضيرات على نار هادئة
في الأثناء، تتواصل في كواليس الحزبين الكبيرين التحركات تحضيرا على نار هادئة للمعارك السياسية والانتخابية المقبلة على جبهتين:
- الجبهة الأولى هي جبهة دعم حكومة الوحدة الوطنية بزعامة رئيسها يوسف الشاهد الذي رشحه كثيرون لرئاسة حزب قائد السبسي والترشح لانتخابات 2019، بينهما طالبه زعيما حزب النداء والنهضة حافظ قائد السبسي وراشد الغنوشي بـ«التفرغ للعمل الحكومي والابتعاد عن التجاذبات السياسية والانتخابية».
- الجبهة الثانية هي التحضير للانتخابات البلدية المقررة بنهاية العام الحالي، التي قد تفرز مشهداً سياسيا مغايرا لذلك الذي أفرزته انتخابات 2014.
ولا يستبعد قياديون من حزب حركة النهضة، مثل الوزير السابق لطفي زيتون: أن «تشجع نتائج تلك الانتخابات زعماء في حركة النهضة، بينهم رئيسها الغنوشي، على الترشح للرئاسة أو لعب دور وطني أكبر في مواقع عليا في الدولة».

أزمات داخلية
في المقابل، يوشك التعديل الحكومي الجديد أن يفجر مزيدا من الأزمات الداخلية صلب الأحزاب الكبيرة وبخاصة حزبا النداء والنهضة: الأول بسبب تمسك قيادته بخيار الشراكة في الحكم مع الإسلاميين احتراما لموازين القوى في البرلمان، والثاني بسبب قبوله بـ4 وزارات تقنية و3 كتّاب دولية رغم تفوقه عددياً في البرلمان مقارنة بحزب قائد السبسي الذي أنهكته الانشقاقات طوال العامين الماضيين.
هذا، وتعرّض رفيق عبد السلام، وزير الخارجية السابق والقيادي في «النهضة»، لانتقادات بسبب دعمه لحكومة الشاهد الجديدة. لكنه عقّب على منتقديه بالقول: «الحكم ليس غاية في ذاته، بل هو أداة لخدمة الناس والارتقاء بأوضاع البلد. ولذلك؛ يجب على السياسيين النزهاء أن يتعففوا عن إغراءات المناصب والتلهف على المواقع، وينظروا إلى الأولويات الوطنية ومصالح الشعب بشيء من التجرّد». وتعقيبا على منتقدي تنازلات راشد الغنوشي ورفاقه، من خلال موافقتهم على وزراء وكتاب دولة سبق أن تولوا مسؤوليات عليا في عهد الرئيس الأسبق بن علي، قال عبد السلام «السياسة ليست نزعة طهورية أو ترذيل للمواقع والمناصب... السياسة لا تخلو بطبعها من المنافسة والصراع على النفوذ والمصالح، ومن أراد أن يدير السياسة بالمنهج (الطهوري) فما عليه إلا أن يلزم بيته أو يلتحق بزاوية صوفية، مع احترامي لأهل التصوّف».
في المقابل، نوه قياديون من «نداء تونس» بالصبغة الاستراتيجية للشراكة والائتلاف في حكومة الوحدة الوطنية الجديدة، بمشاركة ممثلين عن 7 أحزاب ونقابات، واعتبروا أن «إكراهات الحكم وواقع موازين القوى في البلاد يفرضان ذلك» رغم اعتراضات بعض المنتسبين لتيار الزعيم الراحل بورقيبة، مثل المحامية عبير موسى، التي تعتبر أن الانفراج لن يتحقق في تونس إلا باستبعاد الإسلاميين نهائياً من الحكم وليس الاكتفاء بإضعافهم.

- حكومات ما بعد يناير 2011
تعاقبت على تونس منذ إسقاط الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011 ما لا يقل عن 10 حكومات، أجرى بعضها تعديلاً جزئياً على تشكيلته قبل التعديل الشامل، هي:
> حكومتا محمد الغنوشي، آخر رئيس حكومة في عهد بن علي، ولقد شكل حكومتين بعد الثورة برئاسته قبل أن يضطر بدوره إلى الاستقالة بعد أقل من شهرين من تسلم مقاليد الأمور في البلاد.
> حكومة الباجي قائد السبسي، التي تولت السلطة بين مطلع مارس (آذار) 2011 إلى مطلع يناير 2012، وكانت حكومة انتقالية أنجزت بصفة خاصة الانتخابات العامة التي نظمت في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011.
> حكومة حمادي الجبالي، التي حكمت من يناير 2012 إلى فبراير (شباط) 2013. وكان الجبالي أول قيادي إسلامي في تاريخ تونس يتولى رئاسة الحكومة بعد انتخابات عامة أفرزت فوز حزبه بالمرتبة الأولى، إلا أنه اضطر إلى الاستقالة بعد اغتيال المعارض اليساري شكري بالعيد، وتعاقب التحركات المعادية لحكومته واتهامها بتحمل مسؤولية سياسية عن الاغتيال.
> حكومة علي العريّض، التي حكمت من مارس 2013 إلى مطلع 2014، واضطر العريّض إلى التنحي عن الحكم مع كل الوزراء التابعين لحركة النهضة وشركائها في الائتلاف الحاكم بعد تحركات اجتماعية وسياسية اشتدت وتيرتها إثر اغتيال المعارض القومي اليساري محمد البراهمي، وسقوط حكم محمد مرسي في مصر، وانهيار الحكومة الموالية للإسلاميين في ليبيا.
> حكومة المهدي جمعة، وهو خبير اقتصادي مستقل تولى حقيبة الصناعة في حكومة علي العريّض. وتولت هذه الحكومة السلطة من مطلع 2014 حتى نهايته، وكانت من أولوياتها تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بنهاية 2014 التي أرجعت رموز النظام القديم إلى الحكم بعد أن أسسوا حزب «نداء تونس»، الذي كان مفتوحاً أمام كوادر حزب بن علي وبورقيبة مع الانفتاح على المستقلين والنقابيين واليساريين.
> حكومتا الحبيب الصيد، الأولى من يناير 2015 إلى نهاية العام نفسه، والثانية من يناير 2016 إلى أغسطس (آب) 2016. ولقد شُكلتا في عهد الرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي وحزبه بعد فوزهما في انتخابات 2014. لكن الانشقاقات داخل الحزب تسببت في إضعافهما وإسقاطهما في أغسطس 2016، وفي فتح حوار وطني في رئاسة الجمهورية أسفر عن توقيع غالبية الأحزاب والنقابات على «وثيقة حكومة الوحدة الوطنية»، وتشكيل حكومة يوسف الشاهد الأولى في سبتمبر 2016.
> حكومتا يوسف الشاهد، الأولى من سبتمبر 2016 إلى اليوم، والثانية تبدأ عملها يوم 11 سبتمبر الحالي إذا ضمنت تزكية البرلمان لها.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.