عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

مدير الأمن العام يحارب التنظيمات الإرهابية ويفاوضها

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها
TT

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

في غضون سنوات قليلة تلت تعيينه مديرا عاما للأمن العام اللبناني، استطاع اللواء عباس إبراهيم أن يكرّس نفسه راعيا أساسيا للوساطات الداخلية والخارجية الناجحة، خصوصا في الملف الأمني الذي يخوض الجهاز الذي يرأسه إبراهيم عبره حربا ضروسا ضد الجماعات الإرهابية، لكنه كان قادرا في الوقت نفسه على إقناعها بقبول الصفقات، مستغلاً كل الثغرات الممكنة في بنية هذه الجماعات، مستغلا أطماعها حينا ومخاوفها حينا آخر.

برز اسم اللواء عباس إبراهيم في صفقات التبادل الناجحة مع التنظيمات الإرهابية، حيث كان دوره «العمل على تحقيق أكبر المكاسب الممكنة، ودفع أقل الأثمان الممكنة»، وهي أثمان كانت تدفع غالبا من «جيوب» الآخرين، لا من الدولة اللبنانية، التي لم تفرج في صفقات التبادل التي شملت مواطنيها وأراضيها عن محكوم واحد، ولم تدفع فلسا واحدا. وللعلم، فإن علاقاته المميزة، بكل المتناقضين، جعلت منه محاورا مقبولا، ووسيطا مطلوبا في أكثر من ملف داخلي أو خارجي.
وفقا لمنصبه في الأمن العام، يعتبر إبراهيم «عين الدولة وأذنها، وهو مستشار رئيس الجمهورية في الملفات الأمنية»، المخوّل العمل على الكثير من الملفات الحساسة، سواء بتكليف رسمي، أو من ضمن طبيعة عمله الواسعة الاهتمامات». أما بحكم الواقع القائم، فهو يتولى دورا أساسيا في محاربة التنظيمات الإرهابية عبر جهاز الأمن العام الذي يعمل بفعالية لافتة، بالتعاون مع بقية الأجهزة الأمنية، كما يتولى عمليا الملف الفلسطيني والسوري في لبنان بحكم معرفته العميقة بالأول وارتباط عمله بالثاني، بالإضافة إلى الدور الإداري لمؤسسته التي تعتبر ناظم الوجود الأجنبي في لبنان على اختلاف وتنوع هذا الوجود من العمال إلى الفنانين والجاليات الأجنبية والتنظيمات الإرهابية.
يرى البعض أن اللواء إبراهيم استطاع أن ينفض عنه، منذ تعيينه في منصبه في يوليو (تموز) 2011 صبغة الانتماء السياسي فبقي موثوقا من الفريق الذي سمّاه – كما يسمي كل موظفي الفئات العليا من الطائفة الشيعية، أي «حركة أمل» و«حزب الله» – وتمكن في المقابل من إقناع خصومهما بدوره الوسطي – الوساطي، باقيا في مواقفه على حافة ثوابت الفريقين المتخاصمين في البلاد، تاركا لنفسه هامش الذهاب بعيدا في التكتيكات لخدمة دوره الأمني – السياسي.
مع هذا، نال إبراهيم حصته من الانتقادات من قِبل أنصار الطرفين، سواءً لدى قيامه بمهمة مكافحة الإرهاب وتواصله الوثيق مع النظام السوري و«حزب الله» من جهة، أو لجهة التصاقه بالمؤسسات الرسمية ومرافقته وزير الداخلية في زيارات ومؤتمرات.
وكعادته تعاطى إبراهيم مع الجانبين بتوازن لافت، فإشاداته المتكررة بدور «المقاومة» تكبح شهية أنصار «حزب الله» على انتقاده، والتزامه العمل المؤسساتي، وإشاداته برجال المؤسسات الأمنية يمنعان خصوم الحزب من الإغراق في النقد.
المقربون من إبراهيم يقرّون بصعوبة الدور الوسطي الذي يقوم به. ويقول رئيس تحرير مجلة «الأمن العام» العميد منير عقيقي، إن إبراهيم دعا أكثر من مرة «اللبنانيين للابتعاد عن الحرتقات السياسية والسجالات، وألا يتأثروا بها لأنها طبيعة نظامنا الديمقراطي، والأهم أن الثوابت التي يحكمها الدستور تبقى مؤمَّنة ولا يوجد أي طرف بلبنان رغم التناقضات والتعاطي الإعلامي المضاد، لكن كلهم يعملون تحت سقف الدستور والطائف والنظام. ولكن للأسف لبنان موجود بساحة تناقضات إقليمية، وهذه الساحة يتأثر فيها الجميع، لكنهم محكومون بالعودة إلى الثوابت الوطنية».
إداريا، عمل إبراهيم على تطوير المديرية العام للأمن العام. وهو يقول دائماً إن «السمكة تبدأ بالاهتراء من رأسها»، بمعنى أن كل مؤسسة أمنية أو خدماتية أو رسمية، عندما يكون فيها فساد واهتراء هو بسبب الرأس، فإذا افتقر الرأس للقدرات المطلوبة لإدارة المؤسسة ودرء الآفات المضرة عنها فهو يعني أنه ليس ناجحا والمؤسسة ستكون حتما فاشلة». والمؤسسات الرسمية بنظره «يجب أن تكون منتجة لأنه عندما تكون تقدم الخدمة فهذه الخدمة إنتاج بحد ذاته».
ويقول العميد عقيقي إن «إبراهيم عندما تسلّم قيادة الأمن العام كان أول ما وضعه لهذه المؤسسة خطة محددة البرامج والأهداف وتحت مسمى القانون والصلاحيات»، وتابع: «لهذا السبب؛ هناك ضرورة لوضع أهداف وخطط ما بين شيء اسمه أمن وشيء اسمه إدارة؛ لأنهما يدخلان في صلب المهمات. نحن كضابطة عدلية نقوم بملاحقة الجرائم والأجانب ومواكبتهم مثل كل الأمن العام بكل الدول، وهذا الشيء يتطلب إعادة وضع خطة تواكب كل ما هو محتمل أن يؤثر على الأمن في لبنان... لأن الإرهاب والجريمة المنظمة يقضان مضاجع الدولة ويؤثران على قطاعات السياحة والاقتصاد وصورة الدولة بالخارج، والتي يقوم فيها بالتنسيق مع الأجهزة الأخرى؛ لأن انعدام التنسيق خطأ، إن كان مع المؤسسة الأم «الجيش» أو قوى الأمن الداخلي أو أمن الدولة، وكل منهم حسب صلاحياته ومهماته الموضوعة بالقانون... وإذا تكاملت هذه الأمور كلها هنا تتشكل مظلة أمنية سليمة للدولة على كل الأراضي.

الأزمة السورية
من ناحية ثانية، لعب اللواء إبراهيم دوراً بارزاً في الوساطات مع انطلاق الأزمة السورية، ففي العام 2012 وقعت مجموعة لبنانية موالية للمعارضة السورية في كمين للقوات النظامية، وقتل معظم أفرادها. وبتكليف من السلطة السياسية تواصل إبراهيم مع النظام السوري واستردت هذه الجثث، وكذلك أعيد الأسير الذي وقع في قبضة النظام. أما الدور الأكبر، فكان مع خطف قافلة لشيعة لبنانيين كانوا في طريقهم من إيران إلى لبنان براً، وهنا استفاد إبراهيم من علاقته مع رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان من أجل العمل على إطلاق سراحهم في عملية تواصل فيها إبراهيم مع الأتراك والقطريين والنظام السوري.
ويقول عقيقي إن «من أسباب نجاح إبراهيم في تنفيذه الصفقات هذه هو أنه يعتبر أن المصداقية شيء مهم جدا بالحياة، والموقع الرسمي مهم أيضا، ومن ثم العلاقة الشخصية... وهذه عناصر تساعده عندما يدخل بملف مفاوضات أن ينطلق ويستمر به». ويكشف أنه «عندما وصلت الأمور لنهايتها لم يقبل إبراهيم أن يتسلّم المخطوفين اللبنانيين قبل حصوله على ضمانات سوريا بإطلاق معتقلين تطالب المعارضة بهم»، مشيرا إلى أن «المخطوفين وضعوا في عهدته، لكنه رفض تسلمهم قبل الحصول على الضمانة». وأكد عقيقي أن إبراهيم «لم يتنازل مرة عن المصلحة اللبنانية إن كان بجثامين تلكلخ وعودة مخطوفي أعزاز وراهبات سيدة معلولا الذين اختطفتهم جبهة النصرة واستطاع تأمين إطلاقهم»، والأمر نفسه في ملف العسكريين الذين اختطفتهم «النصرة»، ويشير إلى أن «الحنكة بالتفاوض والصبر ومعرفة كيف يفكر الطرف الآخر والثقة والمصداقية والعلاقات المباشرة أسست لنجاحه، والأكثر أهمية أن هذه ملفات نظيفة، أي أنك لا تفاوض على تجار مخدرات أو مجرمين».
أما عن عمليات التفاوض مع «الإرهابيين»، فيقول عقيقي «عبر وسطاء ولم يكن بالمباشر، ولا أعتقد أن المدير يمكن أن يقبل بتفاوض مباشر، بل كان هناك وسيط مكلف بنقل الشروط أو المطالب ويأخذ مطالبنا وشروطنا».

الطموح المستقبلي
وفي المقابل، ثمة من يقول: إن إبراهيم يرغب في العمل السياسي مستقبلاً، ولهذا يخطط في حركته الحالية من أجل طموحاته المستقبلية. ومن خلال حركته الوسطية، يبدو إبراهيم مرشحاً في هذه الحال للعب دور مشابه لدور رئيس مجلس النواب نبيه برّي، الذي يحتفظ بعلاقات مميزة مع الكثير من الأطراف أساسية، خلافا لـ«حزب لله» المحدود الحلفاء والكثير الخصوم داخلياً. ويجيب عقيقي ردا على هذه التساؤلات «نريد أن ننتظر 5 سنوات (نهاية خدمته الرسمية) لنرى. هو يقول: إنه يكون في المكان الذي يمكن أن يخدم به أكثرـ وهو الآن يعتبر أنه يخدم أكثر في موقعه هذا. ورغم التعب والجهد لصون الحالة الأمنية والسياسية يشعر بأنه ينتج ويقدم للبلد، وبعدها إذا كان له دور سياسي سيقوم به بالنهاية، وهو يلعب هذا الدور الآن دون أن يكون فيه».
من جهة أخرى، انسحب نهج «الوساطة» الذي اعتمده إبراهيم على الداخل اللبناني، حيث تحول في بعض الأحيان إلى وسيط بين أطراف السلطة يعمل على تقريب وجهات النظر وتقليص مساحة الخلاف والاختلاف، كما حين تدخل لتخفيف التوتر بين «التيار الوطني الحر» الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون، و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه برّي.
وهنا، يوضح عقيقي «هناك قضايا يعمل بها المدير العام ولا يضيء عليها الإعلام، منها قضايا سياسية ممكن أن يتدخل فيها لتحسين الواقع السياسي ومنع مشاكل سياسية من أن تحدث بالبلد. وهو يقوم بذلك من خلال التعاطي المباشر مع السلطات المعنية ويقرب وجهات النظر بملفات داخل السلطة بحد ذاتها أو بين السلطة السياسية والذين هم خارج السلطة من أحزاب وزعامات أو دول». ويضيف «عندما تحصل أزمة من الطبيعي الذي سيتكفل بها الذي لديه صلات تواصل. وخلال فترة وجود اللواء ومن خبرته في الماضي على مستوى مديرية المخابرات أو عندما كان مرافقا شخصي لرفيق الحريري، قدر أن ينسج علاقات مع أجهزة ورؤساء أجهزة وشخصيات بالخارج من خلال التعاطي الرسمي وزيارات هؤلاء إلى لبنان، ومن بينهم المعنيون بالملف الفلسطيني بلبنان... وهذا اكتمل مع مديرية المخابرات عندما كان فيها ثُم بعد أن أصبح بمديرية الأمن العام».

بطاقة شخصية
اللواء عباس إبراهيم من مواليد 2 مارس (آذار) 1959، وهو من بلدة كوثرية السيّاد في جنوب لبنان، كما أنه متأهل من السيدة غادة الزين ولهما ثلاثة أولاد هم محمد، علي، وبلال.
دخل إبراهيم المدرسة الحربية بعمر 19 سنة، وتخرّج بعد ثلاث سنوات برتبة ملازم – اختصاص مشاة في الأول من أغسطس (آب) (1982). وخضع بعدها لدورات تخصص عدة في التزلج، ثم دورة عمليات مجوقلة (للقوى المحمولة جواً) (1983) فدورة آمر سريّة (1987)، ثم دورة لغة إنجليزية (1988)، فدورة تدريبية متقدمة في اختصاص المشاة في الولايات المتحدة الأميركية (1989)، فدورة كومبيوتر في العام 1996 لمواكبة النهضة الإلكترونية. أما اختصاصاته الأمنية فبدأت في العام 1998 مع تلقيه دورة تدريبية أمنية متقدمة في المملكة المتحدة.
في العام 1987 تولى اللواء إبراهيم الأمن الشخصي لمبعوث الجامعة العربية إلى لبنان السيد الأخضر الإبراهيمي، ورافقه في جولاته الحوارية – الوساطية بين الأطراف اللبنانية، وشهد عن كثب مسعاه لحل الأزمة اللبنانية، الذي توّج في العام 1989 بـ«اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، ووضع أسس الجمهورية الثانية في لبنان.
بعدها تولى إبراهيم الأمن الشخصي للرئيس اللبناني المنتخب إلياس الهراوي، وبقي معه حتى العام 1992، حين انتقل لتولي مهمة الأمن الشخصي لرئيس الحكومة الجديد رفيق الحريري. ثم انتقل عام 1993 إلى العمل الأمني بتوليه قيادة القوة الضاربة في الجيش. ثم في العام 1994 لرئاسة قسم مكافحة الإرهاب والتجسس في فرع المكافحة – مديرية المخابرات ليصبح في العام 1998 رئيسا لفرع المكافحة في مديرية المخابرات.
شغل إبراهيم بين العامين 2005 و2008 منصب رئيس فرع مخابرات الجنوب، حيث كان على تماس مباشر مع وضع مخيم عين الحلوة الفلسطيني بكل تعقيداته وصعوباته. ويسجل له نجاحه في إدارة هذا الملف، حيث بات على معرفة بكل تفاصيله، كما أنه بنى علاقات مميزة مع القيادات الفلسطينية داخل المخيم، استثمرها آنذاك، وهو يستثمرها اليوم من منصبه الجديد من خلال المساعدة في ضبط علاقة المخيم بخارجه وتسليم بعض المطلوبين.
ويقول قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان اللواء صبحي أبو عرب لـ«الشرق الأوسط»، إن إبراهيم «كان المسؤول اللبناني الأول الذي دخل المخيمات، واجتمع مع كل الأطراف، من لجان شعبية وفصائل منظمة وقوى إسلامية، ويحسب له أنه كان أول المبادرين؛ حرصا على الأمن والاستقرار والحفاظ على أمن الجوار وعدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية». ويشير أبو عرب إلى أن الارتياح الفلسطيني الذي تركه التواصل معه: «كان ناتجا من قدرته التفاوضية والدبلوماسية»، لافتا إلى أن طريقة تعاطيه «لم تكن أمنية حصرا، بل ناتجة من انتهاجه مبدأ الهدوء والتواصل الدبلوماسي، فضلا عن ميزاته المتمثلة في القدرة على إقناع الطرف الآخر، وحنكته في التفاوض للوصول إلى التهدئة في عدة محطات».
أما ما تردد عن وساطة أخرى أجراها في الملف الفلسطيني، في محاولة مصالحة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع القيادي محمد دحلان، فهي تؤشر أيضاً إلى عمق اطلاعه واهتمامه بالملف الفلسطيني.
هذا، ويدرك اللواء إبراهيم أهمية ملف عين الحلوة بأبعاده الثلاثة، الأمنية والسياسية والاجتماعية؛ ولذا كان يتعامل معه بدقة لافتة، مشيرا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الوضع في المخيم سيكون موضع متابعة دقيقة وحثيثة لتنفيذ قرار السلطة السياسية. ويتابع: «نحن قادرون على ضرب أي تحرك يستهدف أمن لبنان واللبنانيين، ومن دون أي تردد، فالجيش اللبناني اثبت وعلى الدوام براعته ومهارته كجيش محترف، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الأجهزة الأمنية. الأمن والدم اللبنانيان لن يكونا نهبا لأحد، وأيا كان اسمه وموقعه».
وفي العام 2008، تولى اللواء إبراهيم، منصب نائب مدير المخابرات، وهو أعلى منصب يسند لشيعي في الاستخبارات اللبنانية، قبل أن ينتقل منه في العام 2011 إلى أعلى المناصب المنية للطائفة (منذ اتفاق الطائف) ليصبح المدير العام الجديد للأمن العام. ويقول تعميم صدر عن الأمن العام اللبناني بعد توليه منصبه بسنتين، إن إبراهيم أكد منذ وصوله إلى المديرية العامة للأمن العام أنه «على مسافة واحدة من الجميع، وعمم نهج خدمة المواطنين كافة والابتعاد عن التجاذبات والمهاترات والطائفية... فكان على علاقة جيدة مع كل المكونات السياسية اللبنانية ونقطة وسط للصالح العام فحاز ثقة الجميع وأسنِدت إليه أصعب الملفات وأكثرها تعقيداً».
يقول عارفون، إن إبراهيم شخص صبور، ولولا ذلك لما كان عالج الكثير من الأمور، وبخاصة تلك التي لها علاقة بالمفاوضات والمعالجات، وهو يرغب في التواصل المباشر؛ فإذا كان يريد شيئا من شخص ما يحاول أن يتواصل معه».

- تواريخ في مسار الأمن العام
بتاريخ 5-1-1921 صدر القرار رقم 1061، وبموجبه أنشئ الأمن العام وسمي آنذاك بالمكتب الأول.
> بتاريخ 19-2-1923 صدر القرار رقم 1768، وبموجبه أعيد تأليف البوليس في لبنان ومن ضمنه دائرة البوليس العدلي والأمن العام.
> بتاريخ 19-5-1928 صدر المرسوم رقم 3308، وبموجبه نظم عمل الأمن العام.
> بتاريخ 27-8-1945 صدر المرسوم رقم 3845، وبموجبه أُنشأت وزارة الداخلية مديرية للأمن العام، مركزها بيروت، ترتبط بوزير الداخلية ويرأسها مدير.
> بتاريخ 28-4-1950 صدر المرسوم رقم 1736، وبموجبه استحدثت مصلحة للأمن العام.
> بتاريخ 26-7-1951 صدر المرسوم رقم 5516، وبموجبه تم توسيع صلاحيات الأمن العام.
> بتاريخ 4-4-1953 و15-1-1955، صدر المرسومان الاشتراعيان رقم 61 و19، وبموجبهما أعيد تنظيم الأمن العام عبر إلغاء دوائر واستحداث دوائر أخرى.
> بتاريخ 12-6-1959 صدر المرسوم الاشتراعي رقم 139، الذي لا يزال ساري المفعول لغاية الآن، وبموجبه أصبح الأمن العام مديرية عامة ترتبط بوزير الداخلية مباشرة ويرأسها مدير عام.
> بتاريخ 16-12-1959 صدر المرسوم التنظيمي رقم 2873، وبموجبه أصبحت المديرية العامة للأمن العام تضم، إضافة إلى الإدارة المركزية، دوائر مناطقية وحدودية برية وبحرية.

- دور الأمن العام: المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
> تشكل جهاز الأمن العام في لبنان بداية ليكون جهازاً لصيقاً برئيس الجمهورية، وجرى عُرفاً شغله من قبل شخصيات مدنية وعسكرية مسيحية قريبة من رئيس الجمهورية. ولهذا؛ كان رئيس الجمهورية يسمي الشخص الذي يشغل هذا المنصب، لكن الأمور اختلفت بعد اتفاق الطائف، حيث أصبح الموقع من نصيب الشيعة.
يختلف دور الأمن العام اللبناني عن المتعارف عليه في الدول الأخرى، فهو بحسب القانون الصادر عام 1962 الذي نظم عمل هيكيلة الأمن العام يتعاطى بكل شيء اسمه إدارة لها علاقة بجوازات السفر والمستندات الرسمية الإقامات للأجانب، أو منح التأشيرات، إضافة إلى أمور كثيرة لها علاقة بالأمن الاجتماعي والاقتصادي.
ومهمّة الأمن العام محددة بموجب المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 139 الصادر في 12-06-1959 هي «جمع المعلومات لصالح الحكومة، وبنوع خاص المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويساهم الأمن العام في التحقيق العدلي ضمن حدود المخالفات المرتكبة ضد أمن الدولة الداخلي والخارجي، كما يساهم في مراقبة الحدود البرية والجوية والبحرية ومراقبة الأجانب على الأراضي اللبنانية، ويتولى إعطاء إجازات المرور».
إداريا، تم تطوير هيكلية الأمن العام، فازداد عدد المكاتب، الهيكلية تبدأ من المدير العام، المجلس القيادي بالأمن العام، ثم المكاتب والدوائر والمراكز والمراكز الحدودية إن كانت برية أو جوية أو بحرية.
ويقول رئيس تحرير مجلة «الأمن العام» العميد منير عقيقي «عدد الأمن العام كان نحو 4 آلاف، فأصبح أكثر من 7 آلاف، وما زلنا نعمل بخطة المواكبة بالتدريب. وكان لدينا نحو 30 مركزا بلبنان وأصبح لدينا نحو 50؛ لأنه في كل قضاء أنشأنا أكثر من مركز، أولاً لأن عدد الناس ازداد وعدد العمال والعاملات وبخاصة الأجنبيات بالخدمة المنزلية زاد كثيرا، وثانياً، لأن ملف النزوح السوري شكّل عبئا كبيرا، ولو لم يكن هناك خطة موضوعة لكان سبّب مشاكل كبيرة إن لم يكن لدينا قدرة استيعابة لتتلقى هذا الكم الهائل من المعاملات مثل الإقامات والمتابعة. وأسسنا مراكز خاصة لمعاملات السوريين بلبنان بسبب الأعداد الكبيرة، هي 4 مراكز، وهناك مراكز ضمن الدوائر وسوف يرتفع هذا العدد إلى 10 لمواجهة هذا الضغط.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

اقرأ أيضاً

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.