معركة دير الزور: «داعش» خسر الغطاء القبلي

معركة دير الزور: «داعش» خسر الغطاء القبلي

«براغماتية» العشائر دفعتها لحماية نفسها من المواجهة
السبت - 18 ذو الحجة 1438 هـ - 09 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14165]
بيروت: نذير رضا
تلتقي التقارير عن تبدد المئات من مقاتلي «داعش» في البادية السورية، إثر الحملات التي شنها النظام السوري بدعم من حلفائه وداعميه الروس والإيرانيين منذ مطلع العام الحالي ضده، على رؤية تفيد بأن بعض هؤلاء العناصر، هم مقاتلون عشائريون ومزارعون ورعاة اضطروا لمهادنة التنظيم المتطرف بعد سيطرته على المنطقة، كما فعلوا في وقت سابق مع النظام، أو مع فصائل المعارضة. فالمسلحون في هذه البقعة الجغرافية الواسعة من سوريا، يهادنون «السلطة» التي تبسط نفوذها على المنطقة، منعاً للاصطدام معها، وخوض معارك غير متكافئة، تنتهي مثلما انتهت إليه المواجهة بين عشيرة الشعيطات ومقاتلي «داعش»، إذ أسفرت عن مقتل نحو 800 شاب من العشيرة.
دير الزور، المحافظة الغنية بالنفط، التي تمثل السلة الغذائية الأهم لسوريا منذ السبعينات، تتمتع فيها العشائر بنفوذ واسع، وتسيطر على مفاصلها. ولا سبيل لأي طرف بالدخول إليها إلا بمهادنة العشائر له، سواءً عبر «تنظيم الخلاف» أو التوصل إلى اتفاقات. ومن غيره، سيُعامل الطرف المقبل إلى المنطقة على انه «محتل»، ما يشرّع قتاله.

يمثل المواطنون السوريون من ذوي الخلفية القبلية نسبة تزيد عن 30 في المائة من عدد السكان، وهؤلاء يعيشون في مناطق تزيد مساحتها عن 43 في المائة من مساحة سوريا البالغة 185.180 كيلومتراً مربعاً، إذا احتسبت فقط مساحة المحافظات ذات الغالبية العشائرية المطلقة وهي دير الزور والحسكة والرقة ودرعا.
أدرك النظام السوري، منذ السبعينات، أهمية دور العشائر التي يتركز ثقلها في شرق سوريا وشمالها. فسارع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى مهادنتها، بالنظر إلى أنها عشائر مقاتلة، وقادرة على حشد المؤيدين للنظام أو الانفكاك عنه بسبب التركيبة الاجتماعية لها. ومن ثم، عمل الأسد الأب على تقريب شيوخ العشائر منه، وأوصل بعضهم إلى الندوة البرلمانية في مجلس الشعب.
وراهناً، تحظى القبائل في مجلس الشعب بستة مقاعد محجوزة لممثلي قبائل معينة. وشهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة زيادة في عدد الممثلين المنتخبين عن أولئك الستة ليشمل ممثلين عن قبائل أخرى. ويشكل العرب غالبية سكان مدينة دير الزور مع وجود بسيط للأكراد والأرمن، والقسم الأكبر من العرب يتحدّرون من خلفيات عشائريّ، أبرزها البكّارة (البقّارة) والعكيدات (العقيدات). وتعتبر قبيلة العكيدات من أكبر القبائل، إذ يبلغ عدد أفرادها أكثر من مليوني نسمة ومنهم جماعات تعيش في محافظات حمص وحماه وحلب، لكن أكثرهم يعيش على ضفاف نهر الفرات في محافظة دير الزور. أما العشيرة التي تأتي بعدها فعشيرة البكّارة وشيخهم المعارض نواف راغب البشير، ويبلغ عدد أفراد هذه العشيرة نحو مليون نسمة ويتزعمهم حالياً الشيخ فواز البشير وتسكن العشيرة في محافظات الحسكة ودير الزور وحلب.

ابتعادها عن النظام
لكن هذه العشائر، لم تبقَ إلى جانب النظام السوري إثر اندلاع الاحتجاجات ضده في العام 2011. وفضلاً عن أن بعضها أيّد المعارضة، تحوّلت بعض معاقلها إلى أماكن آمنة لنشوء تنظيمات متطرفة مثل «جبهة النصرة» التي قضى «داعش» عام 2015 على نفوذها في دير الزور، كما كانت تمثل مركز انطلاق لتنظيم «داعش» بعدما تسرّب عناصر داعش من العراق، ليعلنوا عاصمتهم في مدينة الرقّة.
ولا يخفى على المراقبين الأجانب أن دير الزور (وهي كبرى مدن شرق سوريا) مدينة ذات غالبية سنّية، ولا أن عدداً من المناطق التي خسرها داعش يوم الثلاثاء الماضي ظلت موالية لنظام بشار الأسد طوال الحرب التي انطلقت منذ ست سنوات. إذ ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» يوم الخميس الماضي، أن قسماً كبيراً من السنّة في البلاد دعموا الثورة التي انخرطت فيها إلى حد كبير الغالبية السنّية، وليست محافظة دير الزور استثناءً من تلك القاعدة، إلا أنها تنقل عن مراقبين قولهم إن «نجاح» قوات النظام هناك «سيعزز أيضاً جهود حكومته المكثفة خلال الأشهر الأخيرة لتوظيف دعم القبائل والعشائر في المنطقة، ما يعزز بدوره محاولتها لاستعادة بقية المحافظة لاحقاً».

تهم احتضان المتشددين
وجّهت اتهامات للعشائر السورية في شرق البلاد منذ العام 2012، باحتضانها الجماعات المتشددة لأسباب يراها بعض أبناء تلك العشائر مختلفة، بينما يدّعي مَن انتفض على «داعش» من أبناء العشائر، إنه لقي تجاهلاً من قبل المعارضة السورية والمجتمع الدولي، وتُرك وحيداً ليقارع التنظيم المتطرف. ولعل القرب الجغرافي مع العراق، والانتماء إلى بيئة قبلية واحدة عزّزت الروابط العشائرية، كانا سببين أساسيين في وجود التنظيم في سوريا، وأيضاً في اندحاره أخيراً.
عبد الناصر العايد، الباحث السياسي السوري في ملف العشائر، قال لـ«الشرق الأوسط» إن البيئة القبلية في دير الزور «كان لها دور أساسي في ظهور الحركات الراديكالية المتشددة». وأردف أن تنظيم القاعدة دخل إلى سوريا عن طريق شبكة قبلية «عبر الشباب الذين ذهبوا إلى العراق للقتال ضد الغزو الأميركي بنزعة عربية قومية، وبعض المؤدلجين من أبناء العشائر»، مستطرداً «حين انهار حكم صدام حسين وبقيت التنظيمات المتشددة، تحول معظمهم نحو الفكر القاعدي، وهم أنفسهم أدخلوا (القاعدة) إلى سوريا».
وتشير تقارير إلى أن تنظيم «جبهة النصرة»، الذي يعتبر أول التنظيمات السورية المتشددة ظهوراً في سوريا، انطلق في بلدة الشحيل بمحافظة دير الزور، عبر مقاتلين عائدين من العراق. وكانت الشحيل التي تمثل ثقل «النصرة» في سوريا، آخر البلدات التي سيطر عليها «داعش» وطرد غريمته منها، في مطلع عام 2015.
أيضا، لعبت الروابط القبلية دوراً أساسياً في تجنيد المقاتلين لصالح التنظيمات المتشددة، هي «النصرة» يليها «داعش»، بحسب ما يشير العايد الذي تحدث عن «دور للشبكات التضامنية والاجتماعية في الانتساب لتلك الجماعات»، لافتاً إلى أن «داعش حاول التخلص من الصفة كي لا يواجه القبائل المنافسة، ورفض سمة التمركز ضمن القبيلة، لكنه اضطر في النهاية للعمل مع مشايخ من القبائل ويعترف بالقبلية قليلاً».
وكما سبقت الإشارة تعد قبيلتا العكيدات (العقيدات) والبكّارة (البقّارة)، أكبر القبائل في شرق سوريا، وتمتد عشائر الأولى وأفخاذها من دير الزور إلى مدينة القائم العراقية وقرى وبلدات غرب الفرات في العراق، بينما تمتد عشائر البكّارة وأفخاذها شمالاً إلى محيط الموصل، ولها وجود كبير في المدينة وقراها. ورغم ضعف الروابط الاجتماعية بين أفخاذ القبيلتين على الضفتين الحدوديتين إبّان حكم صدام حسين، بسبب الخلاف بين فرعي حزب البعث العراقي والسوري، تعرفت القبائل بعضها إلى بعض بعد الغزو الأميركي للعراق في 2003، ومتنت روابطها وعلاقاتها، وهو ما أسهم لاحقاً في انتقال سلس للمقاتلين المتشددين على ضفتي الحدود، وانتشار سلس لـ«داعش» في سوريا.

روابط عشائرية سهلت انتشار {الدواعش}
لقد حاول «داعش» استقطاب عشائر شرق سوريا ومحاولته تشكيل تحالفات على غرار ما فعله في الأنبار بالعراق. واستطاع بالفعل، استغلال التركيبة العشائرية في سوريا لمصلحته، واستفاد من الخلافات بين العشائر على النفط والنفوذ، ومن نهج بعض العشائر التي توالي الأقوى. ومن ثم، تمكن مستفيداً من انتصاراته في العراق بالتنسيق مع العشائر العراقية، من فرض سيطرته شبه المطلقة على محافظة دير الزور، لا سيما أن هناك تداخلاً بين العشائر في المحافظة وعشائر العراق.
سهولة انتشار «داعش» على الجانب السوري من الحدود، مرده إلى أن القبلي بالأساس، «براغماتي»، بحسب ما يقول العايد، وينسج عادةً تحالفات سياسية هدفها حمايته، لكن القول إن «داعش» انحسر بسبب تخلي الروابط القبلية عنه، تعوزه الدقة. فحسب العايد «عناصر (داعش) عقائديون، إذ جند التنظيم أبناء القبائل على أساس عقائدي وليس على أساس تحالف، ويعتبر أبناء العشائر رعايا وليس مبايعين»، لافتاً إلى أن انسحاب «داعش» واندحاره في الصحراء «يعود إلى أسباب عسكرية مرتبطة بإعادة التموضع في ظل عجزه عن مواجهة الطائرات».
العايد كان أشار في دراسة أعدها لصالح «مبادرة الإصلاح العربي» إلى أنه «يمكن وصف العلاقة اليوم بين القبائل والتنظيمات المتطرفة، خصوصاً (داعش)، بأنها «علاقة هيمنة من الثاني على الأول، تتضمن محاولة إلغاء الهوية العشائرية، مع المحافظة على إمكانية الاستفادة من شبكة العلاقات التي توفرها، ودون أن تتحول تلك الشبكة إلى قيد أو إطار تحتجز داخله». وحسب العايد من الملاحظ اليوم أن قبائل كثيرة وكبيرة نأت بنفسها عن الراديكاليين، بينما ارتبطت بهم قبائل أخرى بشدة، ولم تجد دعوتها سوى استجابات فردية ومحدودة خارج القبائل التي ينتمي إليها قادة عسكريون أو دينيون.
ومن اللافت أن العشائر الصغيرة المضطهدة في محيطها، هي الأكثر إقبالاً على الراديكاليين، كما أن الخلافات الكثيرة بين العشائر دفعت بعضها إلى حضن التنظيم للاستقواء به.
ويقدر نشطاء في المنطقة الشرقية أن حصة أبناء تلك المنطقة من الجسد العسكري لـ«داعش» تبلغ نحو 70 في المائة، لكن وفقاً لنشطاء ذاتهم فإن نسبة المتعاطين مع التنظيم من مجمل السكان لا تتجاوز الخمسة في المائة، جُلُّهم من المرتبطين نفعياً به، فهو يقدم رواتب وإعانات وفرص عمل في قطاع النفط، الذي يقدرون عدد الأسر المستفيدة من العمل به بنحو 30 ألف عائلة.

مصالح حكمت الارتباط
رغم ذلك، ثمة مصالح حكمت التحالف مع «داعش»، أو مقارعته. لا تخفي مصادر سورية في شرق البلاد أن الصراع الذي اندلع بين عشيرة الشعيطات، وهي فخذ من العكيدات، مع «داعش»، يعود إلى صراع على آبار النفط. فالتنظيم الذي بايعته العشيرة لمدة عشرين يوماً، رفضت التنازل له عن بئر نفطية ليستثمرها وأرسلت 23 شاباً منها إلى البئر، بادر «داعش» إلى قتلهم وتبدأ المعارك بينهما، بعدما رفع أبناء العشيرة شعار «من قدم لقتالنا في ديارنا أتى ليسرق خيراتنا».
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن «داعش» أعدم خلال أسبوعين أكثر من 700 سوري غالبيتهم العظمى من المدنيين، في بادية الشعيطات وفي بلدات غرانيج وأبو حمام والكشكية التي يقطنها مواطنون من أبناء الشعيطات. واعتبر التنظيم عشيرة الشعيطات «طائفة كفر يجب تكفيرها وقتالها قتال الكفار». وجرى إعدام المئات بعد أَسْرهم، وبعضهم لوحقوا وأعدموا داخل قرى وبلدات نزحوا إليها خارج بادية الشعيطات بريف دير الزور الشرقي.

النظام بعد دير الزور
حالياً يسارع نظام دمشق لفك الحصار عن مدينة دير الزور وإبعاد «داعش» عن المحافظة التي تحتوي على 40 في المائة من مخزون النفط السوري. ويفسَّر وجود النفط في المحافظة اتجاه النظام لاستعادة السيطرة عليها، في ظل سباق بينه وبين الميليشيات المدعومة أميركياً لبسط سيطرتها على المنطقة على حساب «داعش». ومع ان مدينة دير الزور كانت دائماً هدفاً لجيش النظام، فإنه لم يبدأ هجومه نحوها إلا بعد تحقيقه تقدماً على جبهات أخرى بدعم من الطيران الروسي، في حين تشهد مناطق عدة اتفاقات «خفض توتر» ووقف لإطلاق النار. ويوم الثلاثاء نجح جيش النظام في كسر حصار فرضه «داعش» بشكل محكم على مدينة دير الزور منذ مطلع العام 2015 تمهيدا لطرده من المدينة، في هزيمة جديدة تضاف إلى سجل الراديكاليين.
ويشكل تقدم الجيش نحو دير الزور وفق محللين هزيمة كبيرة ل«داعش» الذي مُني في الأشهر الأخيرة بسلسلة خسائر ميدانية في سوريا والعراق المجاور. إذ بدأ جيش النظام منذ أسابيع عدة عملية عسكرية واسعة باتجاه محافظة دير الزور، وتمكن - بدعم روسي مباشر - من دخولها من ثلاثة محاور رئيسية هي جنوب محافظة الرقة، والبادية جنوباً من محور مدينة السُّخنة في ريف محافظة حمص الشرقي، فضلا عن المنطقة الحدودية مع العراق من الجهة الجنوبية الغربية. ودخلت القوات المتقدمة من محور الرقة الثلاثاء الماضي، إلى قاعدة اللواء 137.
وتوجَد تلك المتقدمة من جبهة السخنة على بعد نحو 35 كيلومتراً من المطار العسكري بعدما اضطرت للتراجع الثلاثاء على وقع هجمات التنظيم، وفق «المرصد». ومن المتوقع أن يخوض جيش النظام مواجهات شرسة في الأيام المقبلة لطرد الجماعات التي تطوق المطار العسكري وعدداً من الأحياء المحاذية له. وبالتالي، من شأن سيطرة الجيش على كامل مدينة دير الزور حرمان التنظيم من أحد أبرز معاقله وهذا بعد خسارته أكثر من ستين في المائة من مساحة مدينة الرقة، معقله في سوريا، منذ يونيو (حزيران) الماضي على وقع تقدم ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (ذات الغالبية الكردية) بدعم أميركي.
وبعد هذا التقدم، فان السؤال الأكبر هنا هو أين ستتوجه قوات نظام الأسد الآن، وهل تخطط للضغط على بقية مدينة دير الزور أو أنها ستوجه انتباهها إلى الشرق والجنوب، نحو أجزاء أخرى من المحافظة التي تجهز الولايات المتحدة فيها مجموعة من القوات؟

أهمية دير الزور الاستراتيجية
محافظة دير الزور، التي تعتبر ثاني المحافظات السورية من حيث المساحة، تمثل نقطة اتصال بالغة الأهمية بين العراق والشمال السوري من جهة، وحمص والساحل السوري من جهة ثانية. ولقد تحولت دير الزور إلى ممر آمنٍ في حركة انتقال القوافل من حلب إلى بغداد عبر مسكنة والضفة اليمنى للفرات، من جهة وبين حلب - أورفة والموصل عبر منبج من جهة ثانية، ما أدى إلى انطلاق عملية استثمار تجار حلب للأرض في الجزء الأعلى من نهر البليخ في وادي الفرات.
ويشير تقرير (الفقر في سوريا 1996 - 2004) الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2005 إلى أن «المناطق الشمالية والشرقية (محافظات إدلب وحلب والرقة ودير الزور والحسكة) سواء كانت ريفية أو حضرية، شهدت أعلى معدلات الفقر سواء من حيث انتشاره أو من حيث شدته أو عمقه»، ويضيف: «باستخدام الخط الأدنى للفقر تصل معدلات الفقر إلى أعلى درجاتها في المناطق الريفية للشمال الشرقي (17.9 في المائة) تليها المناطق الحضرية في الشمال الشرقي (11.2 في المائة) حيث «تبلغ نسبة الفقراء 35.8 في المائة» و«يزداد الفقر المدقع في الإقليم الشمالي الشرقي أربع مرات عن الإقليم الساحلي».

اكتشاف النفط
ورغم هذه الوقائع، فإن اكتشاف النفط في دير الزور ضاعف أهمية المحافظة، وأسهم في تغيير أحوال سكانها ورفدهم بمصدر اقتصادي رديف للتجارة والزراعة. فلقد اكتشفت في ثمانينات القرن العشرين في المحافظة وعلى مقربة من المدينة، كميات ضخمة من النفط والغاز، وأكبر الحقول القريبة من دير الزور هو حقل التيم الذي يبعد عن مركزها نحو 6 كيلومترات. كذلك فقد اكتشف حقلي الطيانة والتنك على ضواحي المدينة عام 1989. وتستثمر في هذه الحقول، شركات وطنية ومشتركة وأجنبية، وتنتشر على مقربة من المدينة محطات تجميع وضخ النفط، واستخراج ومعالجة الغاز الطبيعي وضخه عبر شبكة الأنابيب، ولا تزال عمليات التنقيب تجري لاستكشاف آبار وحقول نفطية جديدة.
وشهدت محافظة دير الزور نمواً ملحوظاً في ثمانينات القرن الماضي بعد اكتشاف النفط ودخول كثير من شركات الأجنبية العاملة في مجال النفط، ما أدى إلى خلق فرص عمل جديدة لأبناء المدينة وزاد من حجم الأسواق ونشاطها. واليوم يعتمد اقتصاد مدينة دير الزور على النشاط الزراعي في أريافها، فتمتاز الأراضي الممتدة على ضفتي نهر الفرات بالخصوبة العالية ويعتبر كل من القمح والقطن المحصولين الأكثر إنتاجاً في المحافظة، كما يوجد في المدينة بعض الأنشطة الصناعية المتواضعة، التي تعتمد بشكل أساسي على القطاع العام وتتركز في معظمها على الصناعات الغذائية والتحويلية مثل شركة الفرات للغزل والشركة العامة للورق وشركة سكر دير الزور، وللعلم، كانت السلطات قد توجهت عام 2007 لتعزيز القطاع الصناعي في المدينة من خلال إنشاء المدينة الصناعية. وتعتبر المدينة مركزاً سياحياً لا سيّما مع انتشار المدن والمواقع الأثريّة في ريفها، غير أن ضعف الخدمات العامة ومناخها القاسي، خصوصاً في فصل الصيف، أثرت سلباً على تطور نشاطها السياحي.

تحوّلات وصراعات على دير الزور
بعد تحول حركة الاحتجاجات ضد النظام إلى انتفاضة مسلحة، سيطرت فصائل معارضة ومتشددة في عام 2012 على أجزاء واسعة من محافظة دير الزور وعاصمتها التي تحمل اسمها. ولكن مع تصاعد نفوذ تنظيم «داعش» وسيطرته على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، فإنه استولى أيضاً على المناطق التي كانت تحت سيطرة الفصائل في دير الزور. وأحكم إثر ذلك حصاره تدريجياً على قوات النظام وعشرات آلاف المدنيين من سكان المدينة والمطار العسكري المجاور.
وخلال السنوات الماضية، استهدفت الطائرات النظامية السورية والروسية كما مقاتلات التحالف الدولي بقيادة واشنطن مواقع «داعش» في المحافظة. وشهدت المدينة منذ إطباق التنظيم حصاره عليها، معارك مع القوات المحاصرة داخلها.
وفي مطلع العام الحالي ورغم القصف الجوي الروسي والسوري الكثيف، ضيق التنظيم المتطرف الخناق أكثر على المدينة، وفصل مناطق سيطرة النظام إلى جزءين، شمالي وآخر جنوبي يضم المطار العسكري. وتقتصر سيطرة الجيش النظامي حالياً على المطار العسكري في جنوب غرب المدينة وبعض الأحياء المحاذية له فضلاً عن أجزاء في شمال المدينة ومقر اللواء 137 عند أطرافها الغربية.
هذا وكان تعداد سكان مدينة الزور قبل اندلاع الحرب يقدر بنحو 300 ألف نسمة، فيما يعيش حاليا في الأحياء تحت سيطرة قوات النظام أكثر من 90 ألف مدني، وفق تقديرات للأمم المتحدة تعود لبداية العام الحالي. ويقدر المرصد السوري لحقوق الإنسان بدوره عدد المدنيين في أحياء النظام بـ150 ألف شخص مقابل عشرة آلاف شخص في الأحياء تحت سيطرة {داعش}. كما يقدر خبراء عدد قوات النظام في المدينة والمطار والقاعدة العسكريين بسبعة آلاف جندي.
وتسبب حصار «داعش» للمدينة في تفاقم معاناة السكان مع النقص في المواد الغذائية والخدمات الطبية. ولم يعد الوصول إلى مناطق سيطرة النظام متاحاً وبات الاعتماد بالدرجة الأولى على مساعدات غذائية تلقيها طائرات سورية وروسية. وبدأ «برنامج الأغذية العالمي» عام 2016 أيضاً إلقاء مساعدات إنسانية من الجو. ويعاني المدنيون المقيمون في الأحياء تحت سيطرة المتشددين، وفق ناشطين، أيضاً من شح المواد الغذائية وانقطاع خدمات المياه والكهرباء.
سوريا داعش الارهاب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة