علاقات اقتصادية متشابكة تصعّب مهمة ترمب لحصار كوريا الشمالية

لا يمكنه إيقاف التجارة معها... وكلمة السر في المصارف والشركات الحكومية الصينية

عاملة كورية شمالية في محطة وقود في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)
عاملة كورية شمالية في محطة وقود في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)
TT

علاقات اقتصادية متشابكة تصعّب مهمة ترمب لحصار كوريا الشمالية

عاملة كورية شمالية في محطة وقود في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)
عاملة كورية شمالية في محطة وقود في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

صرح الرئيس ترمب يوم الأحد الماضي بأن الولايات المتحدة تنظر في وقف العلاقات التجارية كافة مع الدول التي تمارس أعمالاً تجارية مع كوريا الشمالية، في خطوة يمكن أن تسفر عن كارثة اقتصادية لـ«الدولة المارقة».
إلا أن هناك مشكلة واحدة: أن ذلك قد يعني كارثة اقتصادية محققة للولايات المتحدة كذلك. فعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية والإدانة الدولية ضد كوريا الشمالية، فإنها لا تزال تقيم علاقات تجارية متواضعة مع مجموعة من حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك البرازيل وألمانيا والمكسيك.
بيد أن أكبر شركاء التجارة مع كوريا الشمالية حتى الآن هي الصين، والتي تمثل نحو أربعة أخماس التجارة التي تساعد البلاد في إمدادات الوقود واحتياجاتها من الغذاء والآلات. والصين هي أيضا أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، في العلاقة التي تقدر بنحو 650 مليار دولار من السلع والخدمات التي تغطي مجموعة واسعة من البنود، مثل قطع غيار السيارات وعصير التفاح وهاتف «آيفون» الجديد المنتظر هناك على نطاق واسع.
ويقول الخبراء، إن قطع كافة العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين لن يجدي نفعا لأحد. وتجسد تصريحات السيد ترمب القاسية نوعية الخيارات العسيرة التي تواجهها السياسة الخارجية الأميركية. وفي حين أن الولايات المتحدة وغيرها من الدول قد شددت من حزمة العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية التي تهدف إلى قطع السبيل بينها وبين العالم الاقتصادي والمالي، إلا أن بيونغ يانغ تواصل جهودها على تطوير الأسلحة النووية والصواريخ القادرة على حملها.
وأمام الولايات المتحدة، جراء ذلك، خيارات محدودة. إذ يمكنها وعلى نطاق واسع استهداف الشركات الصينية التي تقيم أعمالا تجارية في كوريا الشمالية. لكنها خطوة قد تثبت عدم فعاليتها تجاه الحكومة الصينية التي يساورها القلق بأن القيود التجارية من شأنها أن تفاقم الأوضاع في الشمال؛ مما يجعل من الموقف هناك أكثر صعوبة على التنبؤ.
يقول جونديلوري، الأستاذ في جامعة يونساي في سيول: «إن بدأت الولايات المتحدة في الدفع باقتصاد بيونغ يانغ إلى الحضيض بشكل حاد، فربما تنتهج مسارا أكثر تطرفا مما هي عليه الآن».
ولقد دفع الاختبار النووي الذي أجرته كوريا الشمالية يوم الأحد الماضي المسؤولين في البيت الأبيض إلى التهديد بفرض عقوبات جديدة تستهدف الشركات والدول التي تواصل التعامل مع بيونغ يانغ. ولقد أدى هذا إلى المزيد من الانتقادات من جانب الصين يوم الاثنين، التي وصفت فكرة التدابير التجارية ضدها بأنها «غير مقبولة».
وصرح المتحدث الرسمي باسم الخارجية الصينية في مؤتمر صحافي: «إنها فكرة لا تتسم بالموضوعية أو الإنصاف».
ومن ناحية المصطلحات التجارية العالمية، فإن كوريا الشمالية هي بالأساس تمثل «سلسلة من الأخطاء التقريبية». إذ إن حجم التجارة الصينية مع كوريا الشمالية يقارب نحو 3 مليارات دولار خلال الشهور السبعة الأولى من عام 2017 الحالي – وهو الحجم نفسه المسجل تقريبا في العام الماضي – حيث تشتري الصين كميات أقل من الفحم والملابس والسلع من بيونغ يانغ. (وبالمقارنة، فإن الولايات المتحدة قد صدرت ما قيمته 11 مليار دولار من الذرة إلى الصين في عام 2016 وحده).
ومع ذلك، وحتى مع انخفاض الصادرات الكورية الشمالية إلى الصين، إلا أن الأخيرة تصدر الكثير. فخلال العام الحالي، وعلى الرغم من العقوبات الجديدة، والتحذيرات الصارمة من جانب الرئيس الأميركي، والتجارب العسكرية المتكررة التي تجريها بيونغ يانغ، ارتفعت الصادرات الصينية إلى كوريا الشمالية بأكثر من 22 في المائة خلال يوليو (تموز) مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ويرجع ذلك جزئيا إلى ارتفاع مبيعات المعدات الكهربائية والآلات، وفقا إلى البيانات الواردة من شركة «آي إتش إس ماركيت» البحثية، وأطلس التجارة العالمية.
كما تشتري الصين خام الزنك والحديد وغيرهما من المعادن من كوريا الشمالية، إلى جانب المأكولات البحرية والملابس الجاهزة المصنعة في مصانع النسيج هناك. وكانت الصين من الناحية التاريخية المشتري الأكبر لفحم كوريا الشمالية لصالح مصانعها، رغم انخفاض واردات الفحم خلال العام الحالي بسبب عقوبات الأمم المتحدة المشددة، وبعد أن أعلنت الولايات المتحدة أن هذه التجارة تساهم بشكل مباشر في إمداد برنامج الأسلحة النووية في كوريا الشمالية بالأموال اللازمة لاستمرار البرنامج.
وفي المقابل، استمرت الشركات الكبرى التي تديرها الحكومة الصينية إلى جانب أكبر العلامات التجارية في البلاد في توفير منتجات أخرى مثل الزيوت وبعض أنواع المشروبات.
وتوفر الصين كذلك لكوريا الشمالية أحد أهم المنتجات المطلوبة: ألا وهي الأموال. إذ يذهب العمال من كوريا الشمالية إلى الصين لكسب الأموال وإرسالها مرة أخرى إلى بلادهم. حيث توفر الشركات التجارية الصينية العملات الأجنبية لبيونغ يانغ.
ومن شأن ذلك أن يساعد في المحافظة على سريان عجلة الاقتصاد في كوريا الشمالية – والذي شهد بعض التحسن في عهد الرئيس الحالي كيم جونغ أون، حيث تبنى بعض السياسات الموجهة نحو السوق. كما ساعد ذلك في توفير رؤوس الأموال المستخدمة في توسيع نطاق البرنامج النووي والصاروخي القادر بشكل متزايد على توجيه الضربات إلى الولايات المتحدة. ويقول عدد من الخبراء، إن تلك الشركات التجارية يمكن أن تعتبر أهدافا قوية للعقوبات الاقتصادية.
يقول ديفيد تومسون، كبير المحللين في مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة، وهو الشركة البحثية ومقرها في واشنطن: «إن ما نراه على نحو تقريبي أشبه ما يكون بخطة غسل أموال قائمة على التجارة».
ولقد دعا بعض المحللين في الولايات المتحدة إلى وضع سياسات جديدة تضيف المزيد من الضغوط على مجموعة أوسع من الشركات الصينية. وينبغي ضم المصارف والشركات الصينية الكبرى التابعة للدولة؛ نظرا لأنها خاضعة تماما لسيطرة الحكومة في بكين، كما يقول دانيال بلومنتال، المحلل لدى «معهد أميركان إنتربرايز» ذي التوجهات المحافظة.
وأضاف السيد بلومنتال يقول: «والهدف من وراء ذلك أن يشعر الحزب الشيوعي الصيني الحاكم بالألم جراء علاقاته المتسعة مع نظام كيم»، مشيرا إلى زعيم كوريا الشمالية.
وفي حين أن مصانع الغزل والنسيج وشركات التجارة الحدودية تمثل جزءاً كبيراً من التجارة الصينية مع كوريا الشمالية، كانت بعض من أكبر العلامات التجارية الصينية قد شحنت في بعض الأحيان البضائع إلى كوريا الشمالية في السنوات الأخيرة، ورغم من أن المبيعات صغيرة جداً بالمقارنة بمثيلاتها في أماكن أخرى. وبعض من الشركات نفسه تبيع أيضاً المنتجات إلى أسواق الولايات المتحدة.
ومن المعروف أن كل شركة كبيرة في مجال صناعة الأجهزة الصينية قد باعت منتجاتها في كوريا الشمالية، بما في ذلك شركة «تي سي إل» وشركة «هايسنس». وباعت الشركتان مجموعة من المنتجات التي تشمل الثلاجات ومكيفات الهواء وشاشات التلفزيون، وغير ذلك من الأجهزة الإلكترونية.
وكانت شركة «ميديا» الصينية، التي استحوذت على شركة «كوكا» الألمانية للروبوتات في العام الماضي، على الرغم من بعض الاعتراضات الأوروبية على الصفقة، قد أقامت علاقات تجارية غير منتظمة مع كوريا الشمالية. وفي الآونة الأخيرة، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، شحنت الشركة الصينية الثلاجات، ومكيفات الهواء، وأنابيب النحاس، وغيرها من الأجهزة الإلكترونية إلى كوريا الشمالية.
ومن بين شركات السيارات الصينية، هناك شركات «غريت وول»، و«شيري»، و«جيلي» قد شحنت قطع غيار السيارات أو المركبات إلى كوريا الشمالية. وخلال عرض عسكري أجري خلال هذا الربيع احتفالاً بيوم ميلاد الزعيم كيم إيل سونغ، مؤسس البلاد، التقط أحد الصحافيين الزائرين صوراً لشاحنات تجر صواريخ الغواصات من صناعة شركة تدعى «سينوتراك». ولقد شحنت تلك الشركة مركبات بقيمة 1.2 مليون دولار، فضلاً عن قطع الغيار إلى كوريا الشمالية خلال السنوات القليلة الماضية.
ولقد حققت شركة «بي واي دي» الصينية لصناعة البطاريات والمعدات الكهربائية أرباحا تقدر بنحو 14 مليون دولار من التجارة مع كوريا الشمالية منذ عام 2012، واستمرت الشحنات حتى وقت قريب. وفي يناير (كانون الثاني)، أرسلت الشركة المنتجات المطاطية إلى كوريا الشمالية، وفي ديسمبر (كانون الأول)، أرسلت شحنات من المركبات. ويجري تداول أسهم تلك الشركة في بورصة هونغ كونغ، وهي مدعومة من الملياردير الأميركي الشهير وارين بافيت الذي يملك حصة 10 في المائة من إجمالي أسهم الشركة.
وفي صيف عام 2014، شحنت شركة المشروبات الصينية «تسينغتاو» ما قيمته 20 ألف دولار من المشروبات إلى كوريا الشمالية إلى جانب منتجات أخرى، مثل المظلات اليدوية والأواني الزجاجية.
ومع ذلك، أي جهود تبذلها الولايات المتحدة للحد من العلاقات التجارية مع كوريا الشمالية قد ترجع بنتائج عكسية إذا ما أسفرت عن الانقسامات في المواقف مع واشنطن وبكين وسيول.
يقول السيد ديلوري من جامعة يونساي الكورية الجنوبية: «لسوف يكون أمراً عظيماً بالنسبة لهم»، مشيراً إلى بيونغ يانغ. «فإن كوريا الشمالية سوف تستغل وتستفيد من ذلك. فلقد بدأوا حرباً تجارية بين الصين والولايات المتحدة. ولسوف تؤدي إلى حماقات هائلة عما قريب».

* خدمة «نيويورك تايمز»



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.