استهلال عن داود باشا وتصدير لأنستاس الكرملي

استهلال عن داود باشا وتصدير لأنستاس الكرملي

مقتطف من {شعراء بغداد وكتابها}
الأربعاء - 15 ذو الحجة 1438 هـ - 06 سبتمبر 2017 مـ رقم العدد [14162]
لندن: «الشرق الأوسط»
يصدر قريبا كتاب «بغداد وشعراؤها» عن دار «الوراق» ببيروت. وقد وجد مخطوطاً عند محمود شكري الآلوسي، وهو من أشهر مشاهير علماء بغداد. وبقي مخطوطاً مدة تنوف على نحو 20 سنة. والكتاب يترجم لسير الشعراء خلال فترة داود باشا (1767 - 1851)، وهو آخر ولاة المماليك. وننشر هنا جزءا من مقدمة وتصدير العلامة الأب أنستاس ماري الكرملي، والمراسلات بينه وبين نعوم سركيس فيما يتعلق بمؤلف المخطوط الفعلي، وما إذا كان معرباً أم موضوعاً
«توالت المحن على العراق، ولا سيّما على بغداد، في المائة الثامنة عشرة للميلاد. ومما زاد الطين بلّة، أن شوكة الترك صلبت وخشنت، وتمكنت لغتهم من البلاد، وأصبح أكثرهم ينطقون بهذه اللغة. وما بقي من الأهالي، كانوا يتراطنون؛ إذ أصبح لسانهم خليطاً من ألفاظ مختلفة الأصول؛ من عربية، وتركية، وفارسية، وكردية، وإيطالية. فقيّض الله حينئذٍ لدار السلام، رجلا عظيماً، أعاد إليها بعض الحياة الأدبية، وهو الذي اشتهر بعد ذلك باسم «داود باشا».
كان هذا الرجل، كرجيّاً نصرانيّاً، ولد في تفليس في نحو سنة 1190هـ - 1776م، فسرق من أهله صغيراً، وأُتي به إلى بغداد، فاشتراه واليها سليمان باشا. وكان حسن الصورة، ذكيّاً، خفيف الروح، ترى عليه مخايل النبوغ. فعني مولاه بتهذيبه، وتعليمه جميع العلوم المعروفة يومئذٍ، من عقلية ونقلية، حتى اتجهت إليه الأنظار من كلِّ أديب، وفاضل، وعالم.
فلما رأى مولاه أنه ضليع بما يعهد إليه، عيّنه في المناصب الواحد بعد الآخر، حتى أصبح دفتر دار بغداد. وهو من المناصب التي كان يحسد عليها صاحبها.
ولما عيّن سعيد باشا ابن سليمان باشا، والياً لبغداد، انهزم من العاصمة، لعدم اتفاقه مع ابن مولاه، ثم عاد إلى الزوراء لما وقع الوئام بينهما. ولما قتل سعيد باشا المذكور، أصبح داود باشا والياً للعراق كله.
وكان الولاة يومئذٍ في هذه الديار، مستبدين بحكمهم، مستقلين بإدارتهم، لبعد هذه الربوع عن العاصمة الكبرى، ولصعوبة المراجعة بين الولاة والسلاطين.
فلما رأى الخاقان محمود خان أن الوزير ينقاد لأهواء نفسه، مصراً على الجماح، والمضي في ركوب رأسه، أنفذ إلى العراق الوزير علي رضا باشا والياً عاماً، فحاصر هذا ذاك وحاربه في سنة 1246هـ - 1830م في إبان الطاعون الجارف للخلائق، وفي وقت طغيان دجلة، وغرق بعض محلات بغداد.
فلما رأى كبار بغداد الهول الذي يهددهم فتحوا لعسكر علي رضا باشا، باب البلدة المسمى بالباب الشرقي، ودخل عسكره، واستولى على البلدة، وتمكن من إرسال داود باشا إلى دار الخلافة، فنفي إلى بعض البلاد، ثم عفا عنه السلطان، وأرسله إلى المدينة، مجاوراً لها، وشيخا لحرمها، فتوفي ثمَّ في سنة 1267هـ - 1851م.
وكان داود باشا عمّر مساجد، وجوامع، وأسواقاً، ومن جملة تلك الآثار الباقية إلى اليوم، الجامع المشهور بـ(الحيدر خانة) وهو آية من آي البناء العربي. وكانت أمه سمعت بمبانيه فكانت تبني في تفليس بيعاً وديارات بعدما كانت تسمع عن أبنية ابنها. وكان داود باشا لا يتحرج عن القتل والفتك سياسة ومصادرة بعض المتمولين. وبالجملة كان عالم الوزراء ووزير العلماء، وفي أيامه اشتهر العلماء الذين ورد ذكر أسمائهم هنا. فكان الوزير أول من وضع الحجر الأول في إعادة بناء صرح الأدب في العراق الحديث، وعسى أن يمتد هذا الصرح إلى عنان السماء، وتقوى أُسسه على مدى الدهر، وهو المنتظر منه تعالى.
الأب أنستاس ماري الكرملي
- تصدير
وجدنا هذا الكتيب عند حضرة صاحب الفضيلة والعرفان السيد محمود شكري الآلوسي، من أشهر مشاهير علماء بغداد صاحب التآليف الجليلة الكثيرة. فاستأذناه في نسخه فأذن لنا بذلك، وبقي مخطوطاً في خزانتنا مدة تنيف على نحو عشرين سنة. ولما أصدرنا جريدة (العرب) في أيام الاحتلال البريطاني، استشرنا الأستاذ الآلوسي في نشره فلم ير بأساً في ذلك، إلا أنه زاد في الأمر أنه قال لنا: (لو تصلح عبارته لساغت مطالعته)، فأقدمنا على تنقيح ما فيه من العبارات العامية تحقيقاً لأمنية الأستاذ - رحمه الله-.
بَيْدَ أن ناشري الكتب في عصرنا هذا قد جنحوا إلى استبقاء كتب عصر انحطاط العربية بنصها، إذا ما أريد طبعها لتبقى بحلتها الأصلية ولا تلبس برداً غير ما أُلبست. فالأستاذ يعقوب أفندي نعوم سركيس يعرف أني أنا الذي حاولت تغيير لبسة المؤلف. لكنه لم يرد أن يصرح بكلامه تأدباً وتلطفاً منه. وهذا ما يظهر للقارئ عند وقوفه على جميع ملاحظاته. وعملاً بفكره، أبقينا النص ببردته وعدلنا عن فكر الأستاذ الآلوسي.
الأب أنستاس ماري الكرملي»
- رسالة الأستاذ نعوم سركيس إلى الأب الكرملي
من بغداد في 25 تشرين الأول 1935 وإليها
«حضرة العلامة الأب الجليل أنستاس ماري الكرملي المحترم:
تحيات واحتراماً جزيلاً، أعيد إليكم المخطوط الذي تكرمتم بإعارته إياي وهو المعنون في صفحته الأولى: «شعراء بغداد وكتّابها» (وهذه الكلمة بخطكم. ولنا أن نضيف إليها: «وعلمائها» فإنه قد ترجم بعضهم) في أيام المرحوم داود باشا في حدود سنة 1200هـ - 6 - 1785م إلى سنة 1246هـ -1 - 1830م تأليف الفاضل، والنبيه الكامل عبد القادر أفندي الخطيبي الشهرباني. هذا وإني لأُبدي لحضرتكم الشكر على هذه المنّة وهي ليست الأولى من نوعها فقد سبقتها عشرات.
إن طلبي من حضرتكم إعارة هذا المخطوط - كما تعلمون - هو أنني لما كنت سمعت منكم أن الذي نشر في صحيفة (العرب)، (البغدادية)، في سنة 1917م هو قسم منه، وقد كنت أظن قبل ذلك أنه لم يبق منه شيء غير منشور؛ إذ إن الترجمة المرقمة بعدد 34 الواردة في تلك الصحيفة في عددها المؤرخ في 17 تشرين الأول 1917م ليست بمختومة بكلمة تدل على بقاء باقية منه، فكان غرضي من استعارته الوقوف على التراجم غير المنشورة ليس إلا، بَيْدَ أنه بعد اطلاعي عليه بانت لي فيه مغامز، فرأيت أن أفصح عنها في هذه العجالة. وقد يفوتني شيء من ذلك.
وقد بدا لي أن التراجم غير المنشورة تسع عشرة، وأن الترجمتين الأولى والثانية، وهما ترجمة عبد القادر وداود باشا، ليستا من الأصل الذي لا بدّ أنه كان بالتركية - ولا من تعريب عبد القادر، إن صح أن التعريب له، كما سيجيء، لأن في صدر ترجمته هذا العنوان: (مترجم التذكرة). ويتصدر ترجمة داود باشا قوله: (ترجمة المرحوم داود باشا)، بينما التراجم التي تليهما تتصدرها كلمة (مبحث). وفضلاً عن ذلك، فقد ذكرت ترجمة عبد القادر وفاته مما لا يبقي ريباً فيما قلته.
اعتمدت (العرب) على اسم الكتاب ومؤلفه المدونين في صفحته الأولى، بينما أن الحقيقة تخالف ما جاء فيها عن اسم المؤلف، ولا توافق مضمونه الموافقة التامة كما سيرد. ولا بدّ من (أن) نسبة الكتاب في عنوانه إلى عبد القادر من خطأ النساخ وأشباههم، فإن ترجمته الواردة في أوله ترينا أنه معرب، ولي في ذلك أيضاً شكّ. وإذا رجعنا إلى الكتاب نفسه نجد جملاً وتراجم أُقحمت في الأصل أو في التعريب، فيتبادر إلى البال أن نسخة إما كان فيها حواشٍ فأدخلها المتن من نسخ عليها، فاختلط الحابل بالنابل، فضلاً عن الغلط في نسبة تأليف الكتاب في عنوانه إلى عبد القادر، وسيرد الكلام على ذلك والتحقيق عن المعرب.
لا غرو أن هذا الكتاب ركيك العبارة، كثير الأغلاط الصرفية، والنحوية وغيرها. ومن هذه الأغلاط ما هو للمعرب وما هو للنساخ على ما يلوح لي. وإذ كان ذوق ناشر التراجم في «العرب» يمج ذلك، بدا له أن يقوّم عبارات الكتاب بعض التقويم، فوافق وقوعه في بعض السهو المخل بالمعنى. من ذلك أنه جاء في «العرب» في ترجمة عبد القادر في الكلام على هذا الكتاب قوله: «وضع في ذلك العهد كتابه المذكور» بينما المخطوط يقول: «فبذلك الأثناء ترجم تذكرة الشعراء...» والفرق بين الكلامين - في مثل هذه الحال – ظاهر، فإنه من الواضح أن عبد القادر لم يكن مؤلفاً، وربما كان مترجماً، بمعنى معرِّب لا مترجم رجال، ولنا شواهد أخرى على ذلك كما سيأتي.
الأدلة على أن تأليف الأصل ليس لعبد القادر:
الجملة التي أوردناها آنفاً وفيها أنه مترجم بمعنى معرب.
جاء في المخطوط كذلك في ترجمة عبد القادر قوله: «مترجم التذكرة اسمه عبد القادر....».
وجاء كذلك في المخطوط قوله: «مبحث منلا مختار أفندي... أن المومى إليه والد عبد القادر أفندي المترجم الذي سلف ذكره في الأول...» قلت: لو كان الأصل لعبد القادر. لقال: «والدي» ولما اكتفى - على ما أظن - بترجمته ترجمة مقتضبة قوامها ثلاثة أسطر فقط. ولذكره بصيغة المتكلم كما ورد في مبحث الفاضل نائب بكتاش، ومبحث السيد علي البندنيجي، ومبحث صالح النجار، إذ قال المؤلف: «والدي». وإذ تقول ترجمة عبد القادر: إن التعريب له، دون أن تنسب إليه الأصل، فهذا الوالد الوارد ذكره في المباحث الثلاثة هو غير والده. وإني لأشكّ في أن التعريب له، كما سيجيء، فضلاً عن أن الأصل ليس له، لما سيأتي بيانه، مستخرجاً من مبحث ميرزا محمد. وإن كان التعريب له، فقد زيد عليه.
وهل لنا أن نضيف إلى هذه الأدلة أن ترجمة عبد القادر لم يرد فيها ذهابه إلى شمال بغداد مع أن المؤلف يقول عن نفسه إنه مكث في الموصل من سنة 1227هـ -3 - 1812م إلى سنة 1231هـ - 6 - 1815م، وعودته منها مجتازاً بإربل في سنة 1231هـ، ثم مروره بكركوك وإقامته فيها أياماً، كذلك في سنة 1231هـ.
هل التعريب لعبد القادر؟
تُرينا ترجمته أن التعريب له، ولكني لا أكتفي بذلك، لأن الشكوك تحوم حول هذا القول، ولأنه يصادف أن تأليفاً ينسب سهواً إلى غير صاحبه، فلا بدّ إذن من تدقيق النظر في الأمر وتمحيصه.
العراق كتب

اختيارات المحرر