الخوف يسيطر على مصرفيين واقتصاديين من موجة تهديدات للنمو العالمي

قلق بشأن ما إذا كان الانفتاح الاقتصادي منصفاً لجميع الدول

رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي وهارو هيكو كورودا رئيس البنك المركزي الياباني (أ.ب)
رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي وهارو هيكو كورودا رئيس البنك المركزي الياباني (أ.ب)
TT

الخوف يسيطر على مصرفيين واقتصاديين من موجة تهديدات للنمو العالمي

رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي وهارو هيكو كورودا رئيس البنك المركزي الياباني (أ.ب)
رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جانيت يلين ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي وهارو هيكو كورودا رئيس البنك المركزي الياباني (أ.ب)

في العقد الذي مر منذ الأزمة المالية، كان صناع السياسات الاقتصادية وأساتذة الجامعات والمحتجون يجتمعون هنا في الولايات المتحدة في أغسطس (آب) من كل عام للتناقش حول أفضل السبل للعودة إلى النمو الاقتصادي بوتيرة أسرع. غير أنهم توقفوا عن ذلك في العام الحالي.
وكانت الأجندة الرسمية وأحاديث الأروقة في المؤتمر السنوي الذي استضافه بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي تدور بدلا من ذلك، وفي المقام الأول، حول أن الأمور الموثوق منها لا تزداد سوءا.
وحذر المراقبون الماليون من إلغاء الضوابط التنظيمية. كما حذر أنصار التجارة الحرة من سياسات الحمائية. وحذر جيروم باول محافظ الاحتياطي الفيدرالي بمدينة كانساس من الاحتمال الذي لا يمكن تصوره بأن تفشل الولايات المتحدة في سداد ديونها.
وفقدت السياسة النقدية مكانها المعتاد من دائرة الضوء. ويعتبر المؤتمر السنوي من الفعاليات الدولية، وهو يجتذب محافظي البنوك المركزية من جميع أنحاء العالم، وهو يركز في المعتاد على هذا الخط من العمل. ولكن هناك شعور سائد بين محافظي البنوك المركزية بأنهم يقومون بكل ما يستطيعون، وأن النمو لا يزال بطيئا بسبب المشاكل الهيكلية التي تستلزم أنواعا أخرى من التدخلات السياسية.
أما جايسون فورمان، الذي كان رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في حكومة الرئيس الأسبق أوباما، فقد قال ساخرا: «لقد طار بعضكم لمدة 10 أو 15 ساعة للوصول إلى هنا، وكنتم تجلسون طيلة الوقت ولم تسمعوا أي شيء يذكر عن السياسة النقدية». ثم انتقل إلى حديث لا علاقة له بالأمر حول فوائد الإنفاق الحكومي.
وألقى كل من جانيت يلين رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وماريو دراغي رئيس البنك المركزي الأوروبي خطابات ركزت على قضايا أخرى بخلاف السياسة النقدية. وتحدثت السيدة يلين بدلا من ذلك حول مخاطر إلغاء الضوابط التنظيمية المالية، وتحدث السيد دراغي عن مخاطر الحمائية.
وشهدت الاقتصادات الرئيسية في العالم نموا للمرة الأولى منذ الأزمة المالية، ولكن التوسع يعتبر فاترا وهشا.
ويعد التهديد الأكثر إلحاحا ناشئا عن المهلة التي تلوح في الأفق لكي يرفع الكونغرس الأميركي من سقف الدين الفيدرالي، مما يسمح للحكومة الأميركية باقتراض الأموال لسداد الفواتير المستحقة.
وينظر إلى الدين الفيدرالي وعلى نطاق واسع باعتباره من أكثر الاستثمارات أمانا في العالم، ومن شأن التوقف المؤقت في المدفوعات أن يسبب أزمة مالية جديدة.
ويصر زعماء الكونغرس والمسؤولون الإداريون على ضرورة سن التشريع المطلوب قبل أن تصل الحكومة إلى حد الاقتراض في وقت ما من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بيد أن الرئيس ترمب وصف الموقف يوم الخميس بأنه «فوضوي».
وحذر السيد باول، الجمهوري الذي ساعد في إقناع حزبه برفع سقف الدين في عام 2011 و2013، في مقابلتين منفصلتين على شبكة «سي إن بي سي» المالية وشبكة فوكس للمال والأعمال من أن التخلف عن سداد الديون سوف يؤدي إلى صدمة كبيرة في الاقتصاد الأميركي، وهو الأمر الذي لا تحتاجه البلاد في الوقت الراهن كما أضاف. وشدد السيد باول كذلك على أن بنك الاحتياطي الفيدرالي ليس بإمكانه حماية الاقتصاد الأميركي من عواقب التخلف عن سداد الديون.
وكانت أغلب المناقشات الرسمية موجهة نحو التحول العالمي صوب الحمائية. وتصدر هذا الاتجاه المناقشات إثر القرار البريطاني بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ومن تهديدات السيد ترمب العشوائية بفرض القيود على الواردات إلى الولايات المتحدة. كما يمكن ملاحظة ذلك أيضا في نسبة التراجع التجاري من النشاط الاقتصادي العالمي خلال العقد الماضي منذ الأزمة المالية العالمية.
وقال السيد دراغي: «ويساور الناس القلق بشأن ما إذا كان الانفتاح منصفا، وما إذا كان آمنا، وما إذا كان عادلا».
وقد اعتبر خبراء الاقتصاد ومنذ فترة طويلة أن التجارة بين الدول تدور حول هذه الأمور كلها، ويرى الكثيرون من رواد المؤتمر أن ردة الفعل ليست إلا مشكلة في العلاقات العامة.
والتجارة، وفق هذه الرؤية، قد أصبحت كبش الفداء للقضايا التي تشتمل على تراجع الصناعات التحويلية في الاقتصادات المتقدمة وصعود التفاوت الكبير في الدخل. وتشير الأدلة إلى أن التغيرات التكنولوجية قد لعبت دورا كبيرا ومؤثرا في الحد من العمالة داخل قطاع الصناعات التحويلية، إلى جانب العولمة التي لعبت دورا ضئيلا بالمقارنة.
ولاحظ آلان بليندر، الخبير الاقتصادي من جامعة برينستون، أن الناس يقبلون بوجه عام الخسائر التي يعزونها إلى التغيرات التكنولوجية ولكنهم يستشيطون غضبا من فقدان الوظائف التي يعزونها إلى السياسات التجارية. والتأثيرات الاقتصادية تعتبر متطابقة بشكل أساسي، غير أن العواقب السياسية متباينة بصورة كبيرة.
وبالإشارة إلى الأب المؤسس للتحليل الاقتصادي للتجارة، يقول السيد بليندر: «نعتقد نحن خبراء الاقتصاد أن ديفيد ريكاردو كان محقا بشكل كبير قبل 200 عام، والكثير من الناس يعتقدون أنه أخطأ التقدير بشكل كبير، ولم نتمكن على مدى قرنين من الزمان من إقناعهم بعكس ذلك».
ولكن هناك أدلة ناشئة ومتزايدة تؤكد على أن خبراء الاقتصاد قد قللوا بشكل كبير وممنهج من الاضطرابات الناجمة عن زيادة التجارة بالنسبة للعمال، ولا سيما في قطاع الصناعات التحويلية، وبالنسبة لأسرهم ومجتمعاتهم كذلك.
وتقول نينا بافنيك، أستاذة الاقتصاد في كلية دارتموث: «إن ردة الفعل العنيفة ضد العولمة لم تنشأ بسبب أن الناس يشككون في الفوائد الإجمالية للتجارة، ولكن ردة الفعل الملاحظة تلك تعكس أن التجارة تجعل من أوضاع بعض الناس أكثر سوءا بالفعل».
وفكرة أن الدول المتقدمة ينبغي عليها التركيز على جني فوائد التجارة، ثم تنتقل للقلق حول تعويضات التكاليف، قد عادت بفوائد جمة، ولا سيما بالنسبة للأثرياء - وكبدت العمال تكاليف من دون أي تعويضات وبشكل صارخ وكبير. وقال بيتر شوت، الخبير الاقتصادي من جامعة ييل، إن الباحثين يحتاجون إلى تفهم السبب وراء نضال العمال للعثور على فرص العمل الجديدة. وفي حين أن صدمة زيادة التجارة مع الصين كانت حادثة وحيدة لم تتكرر، فإن مثل هذه الأبحاث يمكن أن تصوغ السياسات العامة التي تساعد العمال النازحين بسبب صدمات أخرى، مثل التحسينات الكبيرة في المجال التكنولوجي.
كرست السيدة يلين خطابها الرئيسي في المؤتمر للدفاع الحذر عن التغيرات التي حصلت في أعقاب الأزمة المالية والتي ترمي إلى تحسين مرونة النظام المالي في الولايات المتحدة. وتدفع إدارة الرئيس ترمب نحو التخفيف من هذه الروابط، وحذرت السيدة يلين من أن أي شيء أكثر من التغيرات المعقولة قد يرجع بآثار سيئة للغاية على اقتصاد البلاد.
وذكرت السيدة يلين في كلمتها: «إن المرونة المحسنة تساند قدرة المصارف وغيرها من المؤسسات المالية على الإقراض، وبالتالي دعم النمو الاقتصادي خلال الأوقات الجيدة والسيئة على حد سواء». وتناول السيد دراغي نفس المسألة في نهاية كلمته أمام المؤتمر إذ قال: «ليس هناك وقت أنسب من الآن للحصول على ضوابط تنظيمية أكثر مرونة».
حتى المتظاهرون المجتمعون خارج مبنى المؤتمر قد غيروا من لهجتهم. ولقد أنشأت الجماعة الليبرالية «فيد أب» قبل أربع سنوات لأغراض حث بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على مواصلة النمو الاقتصادي السريع. وخلال العام الحالي، برغم ذلك، ارتدى أعضاء الجماعة «أجنحة يلين» ونظموا مسيرة تؤيد تولي السيدة يلين فترة رئاسة جديدة لبنك الاحتياطي الفيدرالي.
وتنتهي رئاسة السيدة يلين، التي تستمر لمدة أربع سنوات فقط، لبنك الاحتياطي الفيدرالي في أوائل فبراير (شباط) المقبل، وقال الرئيس ترمب إنه يدرس في إمكانية استبدال رئيس آخر بها من عدمه.
وقال المتظاهرون إنهم غير راضين عن الانتعاش الاقتصادي الأميركي. وكانت نسبة العاطلين من البالغين في الولايات المتحدة لا تزال مرتفعة مما كان عليه الأمر قبل الأزمة، والأرقام هي أسوأ بكثير بين الأقليات. ولا يزال نمو الأجور ضعيفا للغاية.
ولكنهم قلقون من أن مغادرة السيدة يلين لمنصبها قد تجعل الأمور أسوأ. وقد يميل الرئيس الجديد لبنك الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بسرعة كبيرة. وهم يخشون من المخاطر طويلة الأجل كذلك، وأن تقليل الضوابط التنظيمية من شأنه أن يؤدي إلى أزمة اقتصادية جديدة في البلاد.
تقول أبريل إيفلين لويس، 34 عاما، من شارلوت بولاية نورث كارولينا: «لم تنته السيدة يلين من عملها بعد، ولا أوافق على قرارات بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة. ولكن سجل السيد يلين خلال السنوات الماضية يعكس بشكل عام أنها معنية للغاية بالمواطنين من أمثالي».
- خدمة «نيويورك تايمز»



البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تلعب دوراً مركزياً في استقرار أسواق الطاقة

سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

في وقتٍ تتقاذف فيه أمواج التوترات الجيوسياسية استقرار الممرات المائية الحيوية، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الطموحات الاقتصادية الكبرى في منطقة الخليج على الصمود أمام اختبار مضيق هرمز، الذي يمثل «شريان حياة» لا غنى عنه للاقتصاد العالمي، وفق رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي، روبرتا غاتي. وحذّرت، في حديث مع «الشرق الأوسط»، من أن التوترات الجيوسياسية الراهنة تضع طموحات التنوع الاقتصادي في المنطقة أمام اختبار حقيقي، مشددة، في المقابل، على الدور المركزي الذي تلعبه السعودية في أسواق الطاقة العالمية، من خلال تدابيرها لتعزيز موثوقية سلاسل الإمداد. وأوضحت أن جهود المملكة لا تخدم المُصدّرين فحسب، بل تمتد آثارها الإيجابية لتشمل التضخم والتجارة والنمو العالمي.

كان البنك الدولي قد أصدر، الأسبوع الماضي، تقريراً، قبيل اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين، ثبّت فيه اقتصاد السعودية عند موقع الصدارة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة خلال 2026، ليبرز بوصفه أكثر اقتصادات الخليج قدرةً على التعايش مع تداعيات الأزمة الجيوسياسية الراهنة، وذلك رغم المراجعة الحادة التي طالت تقديرات المنطقة. كما أظهرت البيانات الواردة في التقرير أنه من المتوقع أن يتقلص عجز المالية العامة بمقدار النصف إلى 3 في المائة، من 6 في المائة خلال 2025، بالتزامن مع تحول ميزان الحساب الجاري من المنطقة السالبة إلى تحقيق فائض ملموس من -2.7 في المائة إلى 3.3 في المائة.

رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان في البنك الدولي (البنك)

وابتداءً من يوم الاثنين الماضي، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية؛ في محاولة لتصعيد الضغط على إيران من أجل إعادة فتح الممر النفطي الحيوي بعد انهيار مفاوضات السلام في باكستان، خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. ويُتوقع أن تستأنف هذه المفاوضات خلال الأيام المقبلة.

وشددت غاتي على أن المملكة «تلعب دوراً مركزياً، الدور المركزي للمملكة يبرز، اليوم، في أسواق الطاقة العالمية»، وعَدَّت أن جهودها لتعزيز المرونة «تكتسب أهمية خاصة في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين حول مضيق هرمز». وقالت: «إن التدابير التي تُعزز موثوقية سلاسل إمدادات الطاقة - سواء من خلال الاستثمار في البنية التحتية، أم طرق التصدير البديلة، أم الطاقة الاحتياطية - يمكن أن تساعد في الحد من مخاطر تحوُّل مثل هذه الصدمات إلى اضطراب عالمي أوسع نطاقاً. وتكتسب هذه الجهود أهمية؛ ليس فقط للحد من التقلبات لصالح المصدّرين، بل أيضاً بالنسبة للتضخم والتجارة والنمو العالميين».

التنوع الاقتصادي واختبار الصمود

وقالت غاتي إن الصراع الحالي سلّط الضوء، بشكل مباشر، على الأهمية الاستراتيجية للتنويع الاقتصادي، وهو الهدف الجوهري الذي تتبناه خطط التنمية الوطنية ودول مجلس التعاون الخليجي. وأشارت إلى أن البيانات المسجّلة، منذ 28 فبراير (شباط) الماضي مع بدء حرب إيران، تعكس هذا التفاوت بوضوح، «حيث شهدت الاقتصادات الأكثر تنوعاً نسبياً، مثل الإمارات المتحدة والبحرين، انخفاضاً في توقعات نموّها بنسب أقل بكثير، مقارنة بالاقتصادات الأقل تنوعاً مثل قطر والكويت». وردَّت التراجع الحاد في توقعات الأخيرتين إلى «اعتمادهما الكبير على مضيق هرمز كمسار وحيد للتجارة وصادرات الطاقة، في ظل غياب أي طرق تصدير بديلة قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية».

ويتوقع البنك الدولي أن يسجل اقتصاد قطر انكماشاً بواقع 5.7 في المائة، وهو ما يعني تراجعاً من توقعات البنك السابقة بمقدار 11 نقطة مئوية، نتيجة الأضرار التي لحقت إمدادات الغاز المُسال. كما يتوقع أن يواجه الاقتصاد الكويتي انكماشاً أكبر بواقع 6.4 في المائة؛ نظراً لاعتماده بنسبة 100 في المائة على هرمز لتصدير النفط، مما يجعل إغلاق المضيق بمنزلة توقف كامل لشريان الحياة المالي للدولة. في المقابل، يتوقع أن تسجل اقتصادات الإمارات وسلطنة عُمان نمواً متوقعاً 2.4 في المائة لكل منهما، والبحرين ما نسبته 3.1 في المائة.

في هذا السياق، تؤكد غاتي أن استراتيجيات «الرؤية» الوطنية تظل خياراً مناسباً وحيوياً؛ نظراً لاستكمالها أهداف تقليل الاعتماد الهيكلي على الهيدروكربونات وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو. إلا أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن تنفيذ هذه الاستراتيجيات يظل «حساساً» تجاه الصدمات الخارجية، مع ظهور آثار متفاوتة عبر المنطقة؛ فالاقتصادات الأكثر تنوعاً تميل إلى أن تكون أكثر مرونة بفضل امتلاكها احتياطات مالية أقوى وقطاعات غير نفطية أكثر عمقاً.

وتُنبه غاتي إلى أن نوعية القطاعات التي يشملها التنويع تلعب دوراً حاسماً في مستويات الصمود؛ فبينما أبدت قطاعات مثل الخدمات المصرفية والمالية مناعة أكبر، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يؤدي إلى إضعاف شهية الاستثمار وزيادة الاضطراب في قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجيستية، وهي المجالات التي كانت تشهد توسعاً سريعاً ومحورياً في خطط التنويع الاقتصادي بالمنطقة.

ميناء ينبع التجاري أحد المنافذ البحرية المهمة للسعودية في الفترة الراهنة (موانئ)

«فقر الطاقة»

تنتقل روبرتا غاتي، في تحليلها، إلى الجانب الأكثر قتامة لتقلبات أسواق الطاقة، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط يفرض ضغوطاً مركبة على الدول النامية المستوردة؛ إذ يُترجم فوراً إلى ارتفاع في تكاليف الكهرباء والنقل العام، وصولاً إلى زيادة أسعار المواد الغذائية المرتبطة بارتفاع تكلفة الأسمدة. وتؤكد أن هذه الضغوط تؤدي حتماً إلى اتساع العجز التجاري وزيادة استنزاف الموازنات العامة، خاصة في الدول الفقيرة ذات الاحتياطات المحدودة، والتي تضطر لتحمُّل تكاليف مالية باهظة إذا حاولت دعم أسعار الطاقة لتخفيف العبء عن مواطنيها.

وتُنبه غاتي إلى أن الطاقة الموثوقة والميسورة ليست مجرد خدمة، بل هي عصب الحياة للأُسر والشركات على حد سواء، لذا فإن تقلبات أسواق الوقود والغاز تُسدد «ضربة مزدوجة» لهذه الاقتصادات؛ فبينما تكافح الأُسر لتأمين احتياجاتها الأساسية، تواجه الشركات طاقة مكلفة وغير موثوقة، مما يجعل التوسع الصناعي عملية أبطأ، وأكثر خطورة، وأقل تنافسية. وبموجب هذا المنطق، فإن الارتفاعات الحادة في الأسعار على المدى القصير لا تكتفي بآثارها اللحظية، بل قد تؤدي إلى تعطيل «التحول الهيكلي» طويل الأمد في الاقتصادات الفقيرة طاقياً.

وخلصت إلى أن قدرة أي اقتصاد على الصمود أمام صدمات النفط والغاز ترتبط طردياً بمدى انكشاف هياكله الاقتصادية؛ حيث تلعب درجة الاعتماد على الطاقة المستوردة، وكثافة استهلاك القطاعات الإنتاجية، ومدى مرونة استجابة المستهلكين والحكومات لارتفاع الأسعار، الدور الحاسم في تحديد حجم الضرر أو القدرة على التعافي.

«فاتورة» المسارات البديلة لتأمين الطاقة

عند الحديث عن ضرورة الاستثمار في ممرات برية أو خطوط أنابيب تتجاوز المضائق البحرية الضيقة، تؤكد غاتي أن القرار يتطلب توازناً دقيقاً بين الكفاءة الاقتصادية والقدرة على الصمود. فمن منظوريْن جغرافي وفني، يظل تصدير النفط والغاز عبر مضيق هرمز هو «الخيار الأكثر كفاءة» من حيث التكلفة، لكن الصدمات الراهنة تفرض تنويع طرق التجارة كضرورة لا مفر منها لتوفير المرونة.

وتستعرض غاتي أمثلة متباينة لهذا الصمود في المنطقة؛ حيث تبرز السعودية نموذجاً رائداً بقدرتها على تحويل جزء من صادراتها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، عبر خط أنابيب «شرق -غرب» بسعة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً. وبالمثل، تمتلك الإمارات خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» بسعة تُقارب 1.8 مليون برميل يومياً. وفي المقابل، تظهر التحديات في حالات أخرى مثل خط أنابيب «كركوك-جيهان» الرابط بين العراق وتركيا، والذي لا يعمل إلا بكسر من طاقته الإجمالية (0.4 مليون برميل يومياً من أصل 1.5 مليون) بسبب تأخر الإصلاحات داخل الأراضي العراقية، مما يحدّ من خيارات بغداد الاستراتيجية.

نهاية عصر «الكفاءة وحدها»

وفيما يخص مرونة سلاسل التوريد، تشير غاتي إلى أن العالم يمر باختبار قاسٍ بدأ بجائحة «كوفيد-19»، وصولاً إلى صراعات المنطقة، وهي أحداث كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على شبكات إنتاج مركزة جغرافياً. وتؤكد غاتي أن الدرس الأهم من هذه الأزمات هو أن «الكفاءة وحدها لم تعد كافية»؛ إذ باتت الحكومات والشركات بحاجة ماسة إلى بناء احتياطات، وتنويع المصادر، وزيادة المخزونات للسلع الحيوية، وتطوير أنظمة لوجستية أكثر مرونة.

وكشفت كبيرة اقتصاديي البنك الدولي عن وجود أُطر عمل وأبحاث مكثفة لدعم الدول في هذا التحول؛ مُحيلةً إلى «تقرير التنمية العالمية 2020»، الذي رصد تحديات البلدان النامية في عصر سلاسل القيمة العالمية. كما أعلنت ترقب صدور تقرير جديد ومهم بعنوان «الموارد من أجل المرونة: التنويع الاقتصادي لمصدّري النفط والغاز»، والذي سيقدّم خريطة طريق للمصدّرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ حول كيفية تنويع قدراتهم الاقتصادية لتجاوز تقلبات الممرات المائية والاضطرابات المفاجئة.


برئاسة ولي العهد... صندوق الاستثمارات العامة يُقرّ إستراتيجية العام 2026 - 2030

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
TT

برئاسة ولي العهد... صندوق الاستثمارات العامة يُقرّ إستراتيجية العام 2026 - 2030

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي

برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، أقرّ مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة إستراتيجية الصندوق 2026 - 2030، التي تُعد استكمالًا لتوجهه طويل الأمد، حيث سيركز الصندوق على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرة تنافسية عالية، بما يدعم التكامل بين القطاعات وتعظيم قيمة الأصول الإستراتيجية واستدامة العوائد، ومواصلة مسيرة التحوّل الاقتصادي في المملكة وتعزيز جودة حياة مواطنيها.


«أسهم الصين» تنضم لموجة انتعاش عالمية وسط تفاؤل بشأن حرب إيران

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
TT

«أسهم الصين» تنضم لموجة انتعاش عالمية وسط تفاؤل بشأن حرب إيران

شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

ارتفعت أسهم الصين وهونغ كونغ، الأربعاء، لتنضم إلى موجة انتعاش في الأسواق العالمية وسط آمال بانتهاء أسوأ تداعيات صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب.

وارتفع مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.2 في المائة بحلول استراحة الغداء، بينما ارتفع مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة 0.4 في المائة. وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سينغ» بنسبة 0.8 في المائة. وانضمت هذه الأسهم إلى انتعاش واسع النطاق في أسواق الأسهم الآسيوية بعد قوة «وول ستريت» خلال الليلة السابقة، حيث عززت آمالُ التوصل إلى حل دبلوماسي للحرب معنوياتِ المستثمرين.

وقال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن المحادثات في باكستان قد تُستأنف خلال اليومين المقبلين، بعد انهيارها خلال عطلة نهاية الأسبوع. كما صرح مسؤولون باكستانيون وإيرانيون بإمكانية استئناف المفاوضات.

وقال فيليب وي، المحلل في بنك «دي بي إس»، في مذكرة: «مع استقرار أسعار (خام برنت) دون 100 دولار للبرميل في معظمها خلال الأسبوع الماضي، كانت الأسواق تنتظر حلاً دبلوماسياً». وأضاف: «في الوقت الراهن، يبدو أن أسوأ سيناريو لصدمة أسعار النفط قد جرى احتواؤه جزئياً».

وقد طغى هذا التفاؤل على المخاوف الاقتصادية، بعد أن كان «صندوق النقد الدولي» خفض توقعاته للنمو يوم الثلاثاء؛ بسبب ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.

وفي الصين، قادت أسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية والأدوية والخدمات اللوجيستية المكاسب، بينما تراجعت أسهم شركات إنتاج سيارات الطاقة الجديدة، وشركات تصنيع البطاريات، وشركات السلع الأساسية.

وفي هونغ كونغ، ارتفعت أسهم شركات التكنولوجيا الحيوية، وشركات التكنولوجيا، وشركات الإعلام. وتُعدّ قطاعات الطاقة والمواد من بين القطاعات الأقل أداءً.

اليوان يتراجع

وقد انخفض اليوان الصيني بشكل طفيف مقابل الدولار يوم الأربعاء، بعد أن أظهرت البيانات تباطؤاً حاداً في صادرات البلاد خلال شهر مارس (آذار) الماضي، حيث أدت الحرب مع إيران إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الطلب العالمي.

لكن المحللين يقولون إن الاتجاه التصاعدي طويل الأجل للعملة الصينية لا يزال قائماً، مع ازدياد آمال التوصل إلى حل دبلوماسي للصراع في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي من شأنه أن يضعف جاذبية الدولار بصفته ملاذاً آمناً.

وبلغ سعر صرف اليوان في السوق المحلية نحو 6.8178 يوان للدولار عند الساعة الـ03:00 بتوقيت غرينيتش، أي بانخفاض قدره نحو 0.04 في المائة عن إغلاق الجلسة السابقة.

وجاء هذا الحذر جزئياً نتيجة بيانات أظهرت تباطؤاً حاداً في صادرات الصين خلال شهر مارس الماضي؛ مما يشير إلى انخفاض الطلب على اليوان اللازم لشراء السلع الصينية.

ولم تتجاوز نسبة نمو الشحنات الصادرة 2.5 في المائة الشهر الماضي، وهو أدنى مستوى لها في 5 أشهر، وأقل بكثير من الارتفاع الكبير الذي بلغ 21.8 في المائة خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى فبراير (شباط) الماضيين. وأشار بنك «دي بي إس» إلى ضرورة توخي الحذر عند تفسير بيانات التجارة الصينية الضعيفة في مارس الماضي؛ نظراً إلى تأثيرات المقارنة التي شوهت الإشارة. في المقابل، لا يزال البنك متفائلاً بشأن قيمة اليوان على المدى الطويل، مُشيراً إلى أن الدولار يفقد تدريجياً جاذبيته بصفته ملاذاً آمناً من اضطرابات الشرق الأوسط. وقال فيليب وي، المحلل في البنك، إن قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إغلاق مضيق هرمز «عزز من تصميم دول الاتحاد الأوروبي والصين على السعي نحو حل دبلوماسي».

وأضاف: «في الوقت الراهن، يبدو أن أسوأ سيناريو لصدمة أسعار النفط قد جرى احتواؤه جزئياً، ليس بسبب غياب الصراع؛ بل بسبب رفض حلفاء أميركا تصعيد الأزمة الوسطى إلى حرب شاملة».

وقد أيّد بنك «دويتشه» هذا الرأي، إذ أوصى ببيع الدولار. وقال في مذكرة: «لقد عارضنا بشدة التوجهات الصعودية للدولار في الأسابيع الأخيرة... مع التطورات الأخيرة التي تشير إلى احتمال بلوغ مخاطر الحرب مع إيران ذروتها، نرى أن الظروف مواتية الآن لبيع الدولار مجدداً».