المشير أكد حاجة مصر للمصارحة والمكاشفة.. ومنافسه دعا إلى «وطن بلا تمييز»

تكثيف الحملات الدعائية للسيسي وصباحي بالمحافظات قبل ساعات من موعد «الصمت الانتخابي»

مصري يمر بجوار ملصقات لحملة حمدين صباحي (رويترز)
مصري يمر بجوار ملصقات لحملة حمدين صباحي (رويترز)
TT

المشير أكد حاجة مصر للمصارحة والمكاشفة.. ومنافسه دعا إلى «وطن بلا تمييز»

مصري يمر بجوار ملصقات لحملة حمدين صباحي (رويترز)
مصري يمر بجوار ملصقات لحملة حمدين صباحي (رويترز)

كثفت الحملات الدعائية للمرشحين الاثنين للانتخابات الرئاسية في مصر؛ المشير عبد الفتاح السيسي، واليساري حمدين صباحي، من الفعاليات الدعائية في الكثير من المدن والمراكز بالمحافظات، وذلك قبل ساعات من موعد «الصمت الانتخابي»، المقرر له يوما السبت والأحد المقبلان، على أن يجري الاقتراع يومي الاثنين والثلاثاء. وبينما أكد المشير، في لقاء مع الشباب، حاجة البلاد للمصارحة والمكاشفة، دعا صباحي في مقابلة مع ممثلين من أبناء النوبة بجنوب البلاد، إلى «وطن بلا تمييز».
وشارك السيسي في مؤتمر جماهيري للشباب في العاصمة المصرية أمس، وذلك للاستماع لرؤيتهم وأفكارهم حول المستقبل، والدور الذي يمكنهم القيام به للإسهام في بناء الوطن. وأعرب في بداية اللقاء عن سعادته بالتواصل مع القطاعات المختلفة للشباب في القاهرة والمحافظات بصفتهم الأمل الحقيقي والثروة البشرية التي يجب الحفاظ عليها وتوظيفها، مؤكدا أن إشراك الشباب في التنمية بات أمرا ضروريا، ولا يمكن تجاهله.
وأشار السيسي إلى أن هناك مشكلة حقيقية في منظومة الوعي لدى المجتمع المصري في الوقت الراهن، قادت البلاد إلى حالة من عدم القدرة على مجابهة التحديات التي تعرضت لها على مدار السنوات الماضية، مؤكدا أن منظومة الوعي هذه تعرضت لعمليات تزييف غير مسبوقة، كان لها تأثير بشكل مباشر على قدرة الشباب وتعاملهم مع الواقع، وكذلك قدرتهم على استغلال الفرص المتاحة والمساهمة في فهم حقيقي للأوضاع بمصر.
ولفت المرشح الرئاسي، خلال المؤتمر الجماهيري، إلى أن مصارحة المسؤول بكل ما يدور في الدولة من تحديات ومشكلات، أمر يسهم بشكل أساسي في خلق آليات التعامل مع تلك التحديات، مؤكدا أن استدعاء الفهم الحقيقي لدى المواطن حول قضية معينة يشكل جزءا كبيرا من حلها.
وأوضح السيسي أن المجتمع يحتاج إلى نشر قيم الصدق والتسامح مرة أخرى، ووضع شروط ومعايير واضحة في التواصل بين المسؤول والرأي العام، لافتا إلى أن الفترة المقبلة سوف تشهد تواصلا مع القطاعات كافة الموجودة في الدولة، على رأسها المؤسسات المعنية ببناء منظومة الوعي والفهم لدى الناس.
وأكد السيسي أن الشباب هم أمل مصر الحقيقي، الذي يمكن أن يصنع نهضتها وتقدمها في المرحلة المقبلة، مشددا على أنه لا يستهدف سوى العمل الجاد المخلص بشرف وأمانة، وأنه يعتمد بشكل رئيس على الظهير الشعبي والمواطنين، الذين طلبوا استدعاءه لمهمة إنقاذ الوطن، واستجاب إليهم من أجل مصر، وخوفه من أن تنهار الدولة، مع التجارب التي لا تقدر المسؤولية ولا تعرف حجم التحدي الهائل الذي يقف في طريق هذا البلد ويحول دون عبوره إلى المستقبل.
وبدأت حملة السيسي، بالتنسيق مع الكثير من الأحزاب الداعمة له، تكثيف الدعاية الانتخابية في مدن ومراكز وقرى المحافظات. وفي القاهرة، من المقرر أن يعقد حزب الوفد اجتماعا لأكثر من عشرين حزبا من الأحزاب الداعمة للسيسي. وفي الإسكندرية (شمال غربي العاصمة)، نظم حزب النور وجماعة الدعوة السلفية مؤتمرا لدعم السيسي بحضور قيادات الجماعة السلفية والحزب، ووسط مشاركة كثيفة من المواطنين. وقامت القوات الأمنية بتأمين الفعالية التي تعد الأكبر حشدا بالإسكندرية منذ بدء مرحلة الدعاية الانتخابية. وحذر رئيس الحزب، يونس مخيون، جماعة الإخوان المسلمين مما وصفه بجر البلاد لسيناريوهات الفوضى في دول مثل ليبيا وسوريا، موضحا أن اختيار السيسي مرشحا للرئاسة هدفه الحفاظ على الدولة من الانهيار ومن أجل إصلاح المؤسسات عبر الوفاق الوطني.
وعد مخيون كثافة التصويت في الانتخابات الرئاسية للمصريين بالخارج تعكس إرادة الشعب ووعيه ضد ما يتعرض له من خطر. وأوضح أن حزب النور بدأ عمله عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير من أجل مصلحة الوطن بهدف كسب ثقة الشعب، مطالبا المواطنين بضرورة تكثيف المشاركة في الانتخابات الرئاسية لتأكيد توافق الشعب ضد من يتربص به.
ومن جانبه، أكد نائب رئيس مجلس إدارة «الدعوة السلفية»، الدكتور ياسر برهامي، أن تأييد السيسي مرجعه تحقيق مصلحة البلاد العليا لا لاعتباره الورقة الرابحة، محذرا مما يتهدد الدولة المصرية بما يخالف الإرادة الشعبية، وهو ما يدعمه عدد من الموجودين في الداخل لتطبيق أجندات الخارج، مشددا على ضرورة نبذ ما يثار من شائعات وأخبار كاذبة عن «الدعوة السلفية» وحزب النور.
وقال مسؤول «الدعوة السلفية» بالإسكندرية محمود عبد الحميد، إن «الوضع الراهن في مصر بحاجة إلى رجل صاحب خلفية عسكرية يدرك المخاطر التي تتعرض لها حدود الدولة، ويستطيع التعامل مع ملفات الفساد، وعدم السماح بعودة الأنظمة السابقة مرة أخرى»، مشيرا إلى أن «السيسي هو الأقدر على تحقيق المصالحة بوصفه طرفا فيها، فضلا عن قدرته على لم الشمل المصري»، منددا بمحاولات النقد والهجوم على «خارطة الطريق» وانتقاد اختيار جماعة الدعوة السلفية وحزب النور.
وفي مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية (شمال القاهرة)، أكد عبد الحكيم عبد الناصر، نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أنه على ثقة بنزول ملايين المصريين للمشاركة في انتخابات الرئاسة، قائلا خلال مؤتمر شعبي نظمته حملة مؤيدة للسيسي إنه يثق بحسن اختيار الشعب رئيسه الجديد، عادا انتخاب السيسي سيحقق لمصر قوة عالمية وسيساعد في تحقيق أفضل خطط التنمية والقضاء على الجهل والمرض، مضيفا أن السيسي عرض حياته للخطر، ويجب أن نقف معه.
وطالب «عبد الحكيم» الجماهير بأن تكون على مستوى المسؤولية وأن تخرج للتصويت يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين، «لتقول للعالم كله إن ما حدث في 30 يونيو (حزيران) كان ثورة شعب ضد الظلم والطغيان وضد من سرق الوطن».
ونظمت الحملة مؤتمرا في مدينة كوم أمبو بمحافظة أسوان، بينما تقيم الحملة بمركز «مشتول السوق» في محافظة الشرقية، مؤتمرا للمرأة اليوم (الخميس) لدعم السيسي. وفي مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، أعلنت قبيلة الفواخرية، وهي إحدى كبرى قبائل المحافظة وكبرى قبائل العريش، دعمها السيسي، ودعت أهالي محافظة شمال سيناء للتوجه إلى صناديق الانتخابات واختيار السيسي رئيسا لمصر. وأوضحت القبيلة، في بيان أصدرته أمس، أن دعمها السيسي يأتي لحماية مصر من قوى الشر في الداخل والخارج، ولإحياء روح نصر أكتوبر، وحتى تسترد مصر مكانتها الرائدة بين الأمم، ولمستقبل مشرق لأبناء مصر عامة وأبناء سيناء الشمالية خاصة.
ومن جانبها، واصلت حملة المرشح صباحي، بالتنسيق مع أحزاب «الدستور»، و«التيار الشعبي»، و«التحالف الشعبي»، و«الكرامة»، فعالياتها في خمس محافظات بجنوب وشمال البلاد لدعمه في الانتخابات والتعريف ببرنامجه الانتخابي ولحث الجماهير على المشاركة في العملية الانتخابية لاختيار رئيس مصر المقبل. ونظمت الحملة سلسلة بشرية في محافظة الجيزة وأخرى في الإسكندرية وسوهاج وأسوان مع توزيع منشورات وملصقات دعائية. وكانت حملة «حمدين صباحي رئيسا لمصر» قد أعلنت في وقت سابق تنظيمها مؤتمرا ختاميا للدعاية الانتخابية مساء يوم غد (الجمعة) بميدان عابدين القريب من ميدان التحرير بالقاهرة، وهو آخر يوم للدعاية الانتخابية قبل فترة الصمت الانتخابي التي أقرتها اللجنة العليا للانتخابات.
وكان صباحي التقى وفدا من أهالي النوبة من محافظة أسوان (جنوب البلاد) بمقر حملته في القاهرة الليلة قبل الماضية، وقال خلال اللقاء إنه يريد وطنا من دون تمييز، مشيرا إلى أن أهالي النوبة لهم دور كبير في مصر حينما تخلوا عن أرضهم عن طيب خاطر لبناء السد العالي في ستينات القرن الماضي، مؤكدا أن مطلب إعادة التوطين بالنوبة القديمة وإعادة تسمية القرى أسماءها النوبية الأصلية هو استجابة حقيقية لمطلب متراكم منذ فترة طويلة. وقال إن لديه برنامجا متكاملا للتنمية.
ويختتم المرشحان الجولات الانتخابية الدعائية في كلمات توجه للشعب عبر وسائل الإعلام مساء اليوم (الخميس) ويوم غد (الجمعة)، وهو آخر يوم من أيام الدعاية الرسمية والقانونية، لحث الناخبين على المشاركة في الاقتراع، وذلك قبل يومي الصمت الانتخابي المحظور فيه الترويج للمرشحين. وقال عبد النبي عبد الستار، المتحدث باسم الحملة الشعبية للسيسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن مندوبين للحملة سينتشرون حول المقار الانتخابية في يومي الاقتراع لمواجهة أي محاولة للتضييق على الناخبين، خاصة من جانب جماعة الإخوان.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.