قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج
TT

قصة قصيرة: إن كنت تعرف القسم الذي تقصده فاضغط

سيارة مغطاة بالثلج
سيارة مغطاة بالثلج

انتهى عملي في السّاعة الحادية عشرة والنّصف ليلاً. كنت أنظر من الشّباك الكبير إلى شارع كدزي العريض، أراقب بين الحين والحين هطول الثّلج، فلأوّل مرّة أراه ينزل نديفاً متناهي الصّغر، كرأس دبوس، ثم أكبر، وأكبر حتى يصل في بعض الأحيان إلى حجم الحمّصة، وأحياناً البندقة الصّغيرة من غير مبالغة. لا شكّ أن تلك النّدفة التي تبدأ متناهية الضآلة تصطدم بغيرها، تتجمّع مع بعضها، ثم تعاود النّزول، فتزداد في الحجم، حتى تصبح كتلة كبيرة تفاجئ من يراها، ثم أنظر إلى الأرض التي اختفى إسفلتها الأسود، واكتست طبقة من البياض، لكنّي لم أراقب ارتفاعها، ولم يخطر لي أنّ تكاثفها سيكلّفني ذلك التعب الشّديد، بعدئذ. لم أتصوّر بأي حال أنّ ارتفاع الثّلج سيصل إلى سبعين سنتمتراً في نحو ثماني ساعات، مفاجأة لا تصدّق. مقرّ العمل دافئ، مريح، يغري المرء بعدم التفكير بالجو المكفهّر في الخارج. فوجئت قبل أن أخرج بنشرة الأخبار، تذكر أن مستوى الحرارة هبط تحت الصفر المئوي بـ15 درجة. أوّل شيء واجهته ما إن خرجت من باب المقرّ، هو ارتفاع الثّلج الهائل، تردّدت قبل أن أغامر بمدّ رجلي. أنا مصاب بكسر في قدمي اليسرى، منذ عهد طويل، لكنّ الألم يظهر عندما أخوض بالماء البارد، فكيف بها وهي تغطس بهذا الثّلج؟ لم يكن من الأمر بدّ، غامرت، أنزلت قدمي، إن تأثّرتْ فسيظهر ذلك بعد ساعات، لأنّ الثّلج لا يخترق «البسطال» الثّخين، ولا جوارب الصّوف حالاً. هناك ملح كثيف بنفسجي رمته شاحنات البلديّة في وسط شارع كدزي. عليّ أن أكون حذراً وإلا سقطت وكسرت إحدى عظامي. وصلت التل الأبيض الذي كان قبل ثماني ساعات سيارتي. لا أستطيع أن أزيل الثّلج المتلّل فوقها، بكفيّ، نسيت أن أرتدي قفّازي، خشيت أن تعود آلام الروماتيزم في كفي اليمنى، فتمنعني من النّوم، ولا سيما وإنّي لم أفكّر بالحصول على حبّات الدّواء قبل هذا اليوم. كنت أؤجل شراءها دائماً. لذلك رجعت إلى مقرّ العمل، بحثت عن شيء أزيل به الثّلج من فوق سيارتي وجوانبها. وجدت لحسن الحظّ، قطعة خشب بعرض نصف قدم، وطول قدمين. فرحت جداً، اعتبرت نفسي محظوظاً. فكّرت أن أشغل السّيارة قبل أن أزيل الثّلج، سأتمكن من ضرب عصفورين بحجر واحد. تدفئة جوّها أولّا، وإحماء الماكنة الضّروري لعملية التشغيل ثانياً، أدرت مفتاح التحريك. السّيارة وشوشت، عطست، ثم توقّفت. انتظرت ثانيتين، ثم شغلته ثانية، فعطست عطستين، ثم وشوشت وسكتت. عندئذ انتظرت دقيقة كاملة، وشغّلته ثالثة فعطست بضع عطسات، ثم سكتتْ، ثم توقّفت عن العطاس، ماتت مرّة واحدة. ما العمل في هذا الليل السّاكن، الشّارع خالٍ، الزّمهرير شديد، إن بقيت هنا تجمّدت ومتّ مثل سيارتي. سيعثرون عليّ غداً تمثالاً بائساً جامداً من الجليد، لا حسّ ولا نفس؟ يصعدون إلى القمر لكنّهم ينسون واقعهم، لا يخترعون جهازاً بسيطاً يوضع في السّيارة يتوقّع المشاكل قبل حدوثها؟ لكن لماذا أعلّق أخطائي على شمّاعة الغير؟ أنا متخلّف، أعيش في أميركا ولا أقتني هاتفاً نقالاً، لأسباب أتفه من التفاهة نفسها. لماذا؟ لأني لا أحبّ من يسوق وهو يتكلّم، لا أحبّ من يتكلّم وهو جالس في الحافلة أو القطار، كأنّي مسؤول عن تصرّف الخلق. أخذت أفكّر أين أجد أقرب محطة وقود؟ أين؟ أين؟ هه، لقيتها. على مسافة نصف ميل، على كدزي ووسترن. لكن هل أستطيع ترك السّيارة في الشّارع؟ بخاصة بعد الثانية عشرة ليلاً؟ بعد هذا الوقت تنتشر شاحنات تسحب ما يبقى في الشّوارع من سيّارات كالقطط الجائعة تبحث عن ضحاياها، تصطاد السيّارات كما تصطاد القطط الفئران. ستسحب سيّارتي وأغرّم ثلثي ما أتلقاه في أسبوع كامل. إذن عليّ أن أركض قبل فوات الوقت لأتصل بشركة التصليح، ولعل سائق الشّركة يحنّ عليّ فيوصلني إلى أقرب نقطة مترو، الحافلات في هذه المنطقة تتوقّف بعد منتصف الليل، لا يبقى سوى المترو، وإلّا فلا سبيل آخر للرّجوع إلى البيت، فأنجو من قسوة الصّقيع وأنعم بالدّفء. لا أستطيع أن أركض على الرّصيف، والثّلج بمثل هذا الارتفاع الخياليّ. عليّ أن استعمل الشّارع، الشّارع زلق بوجود الثّلج، لكن لا بدّ مما ليس له بدّ. أنا مضطر، لا سبيل لغير ذلك. الحمد لله وصلت. عندي خمس عشرة دقيقة إلى منتصف الليل. كافية للاتّصال. وضعت وأنا ألهث نصف دولار في الهاتف العموميّ، في محطة تعبئة الوقود، جاءني صوت التسجيل الأنثوي: «إن كنت تعرف القسم التي تريده، اضغط على رقمه، وإن لم تعرفه، وتتكلّم الإنجليزيّة فاضغط على الرّقم واحد، وأن كنت تتكلّم الإسبانيّة فـ…». نقرت على الرّقم واحد. إن كانت السّيارة تحتاج إلى سمكرة، فاضغط على الرّقم واحد، أما إذا كان العطل ميكانيكيّاً، فاضغط على الرّقم 2». فعلت كما قالت. استمرت: إن كانت تستعمل «الدّيزل» فاضغط على الرّقم 1. وإن كانت تستعمل «الكاز» فاضغط على الرّقم 2. ضغطت على 2… انتهى نصف الدّولار. وضعت ثلاثة أرباع الدّولار وهو كلّ ما عندي من عملة معدنيّة، كي لا ينقطع الصّوت مرّة أخرى. كنت أنقر الأرقام وعيني على الطّريق. لا أستطيع رؤية سيارتي بالطّبع، لكنّ المنطقة مشبوهة، تكثر فيها الحوادث. قد أقتل ولا يفاجأ «العصابجي» حينما لا يجد في محفظتي سوى 20 دولاراً فقط. الثّلج يداعب سيارتي باستمرار، وكأنه يلعب معها، يتكدّس فوقها غير آبه لمأساتي، وسيارات الملح وحدها سيدة الموقف، تنثر الملح البنفسجي على الشّارع من دون انقطاع. أخيراً بلغ الصّوت النّقطة التي انقطع منها: «إن كانت السّيّارة شاحنة كبيرة فاضغط على 1، وإن كانت شاحنة عاديّة فاضغط على 2، وإن كانت سيّارة عائليّة ذات دفع رباعي فاضغط على الرّقم 3. وإن كانت السّيّارة صغيرة فاضغط على 4…». ضغطت على الرّقم 4. انتهت الفلوس، هرعت في سرعة إلى داخل المحطة. فتح عينيه هندي شيخ ذو لحية مصبوغة بحنّة باهتة، تساءل: ماذا تريد؟
طلبت منه «فكّة» معدنيّة لخمسة دولارات. سأضعها كلّها في معدة التلفون الجهنميّة التي لا تشبع قط، تذكّرت الآية القرآنيّة: «.. هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ». لعنت التلفونات ومن اخترعها. تحرّك الشيخ في بطء، وأخذ يعدّ ما عنده، وأنا أهدئ أعصابي، عنده أربعة دولارات خردة فقط. هتفت: هات، أسرعْ.
أخذت القطع المعدنيّة وركضت، وقفت قرب التلفون، وضعتها كلّها في جوف الجهاز، بدأت أضغط على النّتوءات، وأنا أتلهف لسماع الصّوت، فإذا بأصوات هائلة تسيطر على سكون الشّوارع الخالية، فتعلّقت عيناي على جهة الصّوت، فإذ هي سيارات السّحب تهزّ الكون بحركاتها المجلجلة، تندفع في جنون. اتجهت واحدة شمالاً نحو شارع لورنس، اتجهت الأخرى غرباً نحو شارع كاليفورنيا. تنفست نفساً عميقاً بارتياح، حمداً للمصادفات، سيارتي في الجنوب. ثم جاءت المصيبة أسرع من لمح البصر، لاحت شاحنة سحب ثالثة، اتجهت نحو شارع كدزي، حيث ترقد سيارتي ميتة بلا حراك. تركت سماعة التلفون، وهي تصيح «اضغط..».. ركضت، فلعلي أصل إليها قبل أن ترى سيارتي وتسحبها. ركضت، ركضت، ركضت. خارت قواي، أخذت أمشي متعباً وأنا ألهث، ثم توقّفتُ، لا فائدة، رأيت سيارتي بعد بضع دقائق، يجلّلها الثّلج الأبيض، والهواء ينثره في الأعلى وعلى الجانبين، وهي مثبتة فوق ظهر شاحنة السّحب.
- روائي وقاص عراقي



نهايات مسلسلات النصف الأول لرمضان تخطف الاهتمام في مصر

عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
TT

نهايات مسلسلات النصف الأول لرمضان تخطف الاهتمام في مصر

عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)
عصام عمر في زيارة لمقبرة والدته ضمن أحداث الحلقة الأخيرة من «عين سحرية» (الشركة المنتجة)

خطفت نهايات مسلسلات النصف الأول لشهر رمضان الاهتمام في مصر، وهي المسلسلات ذات الحلقات القصيرة (15) التي انتهى عرضها الأربعاء، بما حملته من مفاجآت درامية من نهايات تبشّر بالأمل، وأخرى حققت العدالة، وما شهدته بعض المسلسلات من أحداث سعيدة أشاعت البهجة.

ولاقت الحلقات الأخيرة مشاهدات عالية، واهتماماً لافتاً عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وتصدرت «الترند» على «غوغل» و«x» في مصر، الخميس.

وشهد مسلسل «اتنين غيرنا» تتويج قصة الحب بين بطلَيه «حسن سويلم» الأستاذ الجامعي الذي يقوم بدوره آسر ياسين، والفنانة «نور أبو الفتوح» التي تقوم بدورها دينا الشربيني، بعد سلسلة من التعقيدات التي حالت دون زواجهما، وكان أهمها رغبته في العودة لزوجته الأولى.

في النهاية ينتصر الحب، وينتهي المسلسل بمشهد الفرح الذي أحياه محمود العسيلي وصابرين النجيلي بأغنية و«أخيراً»، وكان أبطال المسلسل قد تجمعوا لمشاهدة الحلقة الأخيرة معاً بحضور المطربة أنغام التي وجهت تحية لفريق العمل، ومن بينهم المؤلفة رنا أبو الريش، والمخرج خالد الحلفاوي.

وشهد مسلسل «عين سحرية» نهاية عادلة بعد ظهور «عادل» (عصام عمر) في بث مباشر عبر مواقع التواصل، تحدث فيه عن عصابة الأدوية المغشوشة التي أودت بحياة والدته وكثير من الأبرياء، ونشر فيديو نجح في تصويره للمحامي «شهاب الصفطاوي» الذي يقوم بدوره محمد علاء وهو يعترف بجرائمه، ليتم القبض على «شهاب»، وأكد «عادل» في النهاية «أننا إذا لم نحقق العدالة بأيدينا على الأرض فلن نستحقها في السماء». وحاز المسلسل اهتماماً لافتاً على مدى حلقاته، وهو من إخراج السدير مسعود.

وحملت الحلقة الأخيرة لمسلسل «الست موناليزا» مفاجآت قوية؛ إذ ظهرت «موناليزا» (مي عمر) في برنامج «الحكاية» مع الإعلامي عمرو أديب لتكشف المؤامرات التي حيكت ضدها، كما قامت برفع دعوى قضائية ضد «حسن» الذي يقوم بدوره أحمد مجدي، لتقضي المحكمة ببراءتها ومعاقبة «حسن»، و«أدهم» الذي يقوم بدوره حازم إيهاب، و«عفاف» التي تقوم بدورها وفاء عامر، بالسجن 10 سنوات، في المسلسل الذي كتبه محمد سيد بشير، وإخراج محمد علي.

منة شلبي تنجح في إنقاذ الطفلين في الحلقة الأخيرة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

وفي نهاية يحدوها الأمل، اختار صنّاع مسلسل «صحاب الأرض» أن ينهوا حلقاته الدرامية عند الحلقة 14، ليستكملوا الحلقة 15 بالفيلم الوثائقي «مفتاح العودة». وشهدت آخر حلقاته عودة الطبيبة المصرية «سلمى» التي تقوم بدورها منة شلبي لمصر، والطفلين «يونس» نجل شقيق «ناصر» الذي يقوم بدوره إياد نصار، و«ناجي» ابن «فدوى» التي ماتت عقب ولادته، وخروج «كارما» ابنة «ناصر» من السجن عقب قمة السلام بشرم الشيخ التي دعا إليها الرئيس السيسي قادة العالم، وتقرر وقف إطلاق النار خلالها.

وانتهت الحلقة بمكالمة فيديو بين «سلمى» في القاهرة و«ناصر» في غزة وهو يستمع لأغنية «طاير يا هوا» لمحمد رشدي، في حين يلعب الطفل «يونس» مع أقرانه وسط الركام، وعرض الفيلم الوثائقي «مفتاح العودة» رحلة علاج الأطفال الفلسطينيين المبتسرين في مصر بعد قصف المستشفى الذي كانوا فيه.

وشهدت الحلقة الأخيرة لمسلسل «منّاعة» قيام «غرام» (هند صبري) بالكشف للشرطة عن موعد ومكان تسليم أكبر شحنة مخدرات يقوم بها المعلم «رشاد الفولي» (رياض الخولي)، وقامت بتسليم نفسها للشرطة بعد اعترافها بأنها «منّاعة» تاجرة المخدرات، لتؤكد رغبتها في التوبة والتكفير عن أخطائها. ومع انتهاء الحلقة تم عرض برنامج وثائقي عن رحلة سقوط «منّاعة» الحقيقية التي كانت أشهر تاجرة مخدرات بحي الباطنية، والمسلسل من إخراج حسين المنباوي.

وكانت الحلقة الأخيرة لمسلسل «حد أقصى» قد حملت مفاجأة صادمة بمقتل «صباح» (روجينا) خلال حفل زفاف شقيقها وصديقتها، وسط أجواء الفرح والرقص، ووسط سعادتها بأنها نجحت في الكشف عن أفراد العصابة، وكانت قد أبلغت عن «نادر» (محمد القس) قبل سفره هرباً للخارج، ووعدته بأن ترعى طفله وتنتظره حتى يعود بعد قضاء عقوبته، وجمع المسلسل لأول مرة بين روجينا وابنتها المخرجة مايا أشرف زكي.

وجاءت نهاية مسلسل «كان ياما كان» مفتوحة ومحبطة من خلال مشهد وقوف الطفلة «ريتال عبد العزيز» أمام المحكمة في الحلقة الأخيرة من المسلسل، ليخيّرها القاضي بين الإقامة مع أبيها أو أمها بعد بلوغها 15 عاماً، لتقول إنها تريد أن تعيش مع الاثنين كما كان، ليؤكد صنّاع المسلسل استمرار الصراع بين الزوجين السابقين، والمسلسل بطولة ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، ومن تأليف شيرين دياب، وإخراج كريم العدل.

روجينا تواجه الغدر في ختام مسلسل «حد أقصى» (الشركة المنتجة)

وترى الناقدة الفنية المصرية ناهد صلاح أن نهاية مسلسل «صحاب الأرض» بثت شحنة من الأمل بوصول الطبيبة «سلمى» إلى مصر لتعالج الطفلين الفلسطينيين، لنرى لها وجهاً جديداً مشرقاً بالأمل، ومشهد الطفل «يونس» وهو يلعب بالكرة، وأغنية محمد رشدي... كل هذا يمنح الأمل لشعب قادر على أن يعيد بناء نفسه رغم كل الوجع، كما أشارت إلى أهمية الفيلم الوثائقي في النهاية كوثيقة في وجه الافتراءات التي يحاول الجانب المحتل ترويجها.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن مسلسل «عين سحرية» من المسلسلات المهمة في رمضان، قائلة إن «نهاية المسلسل أيضاً تمنح الأمل بعدما تمكن البطلان من تحقيق جزء من العدالة»، كما أشارت إلى أن نهاية «اتنين غيرنا» حققت نهاية سعيدة، وأنه من المهم في القصص الرومانسية تحقيق النهاية السعيدة للتخفيف من وطأة الواقع الذي نعيشه، مؤكدة أن مسلسل «الست موناليزا» لعب على تيمة البطل الشعبي، وقد جاءت نهايته شعبية لطيفة تليق بطبيعة القصة التي طرحها العمل.

وعَدّت الناقدة المصرية أن نهاية مسلسل «كان ياما كان» تبدو للبعض نهاية مفتوحة، لكنها في الحقيقة نكأت جرحاً اجتماعياً ليس له حل حتى هذه اللحظة، مشيرة إلى أن نهاية مسلسل «حد أقصى» الذي قدمت فيه الفنانة روجينا أداء ناضجاً، جاءت نهاية حتمية لصالح الجمهور والبطل الشعبي الذي قدمته روجينا على طريقة امرأة، من خلال عمل يبشّر بمخرجة واعدة هي مايا أشرف زكي.


«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
TT

«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)
جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)

بلوحات باسمة عن الفوانيس والمسحراتي والكنافة والزينة ومدفع رمضان، ازدانت جدران محطة مترو صفاء حجازي، وسط العاصمة المصرية القاهرة، ووقف ركاب المترو لالتقاط الصور مع اللوحات التي ذكرتهم بالماضي، وفجّرت في أخيلتهم حالة من النوستالجيا، تمثلت في الحنين للطقوس الرمضانية التي اعتادها المصريون في الشهر الكريم.

«ابتسامات رمضانية في المترو»، هو عنوان معرض الكاريكاتير والبورتريه الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية بالتعاون والتنسيق مع وزارة النقل وهيئة مترو الأنفاق والجمعية المصرية للكاريكاتير، يضم أكثر من 40 عملاً لفنانين من كل الأجيال، ويحوّل محطة صفاء حجازي (حي الزمالك) إلى مساحة للبهجة؛ حيث يمنح آلاف الركاب فرصة يومية لاكتشاف الفن أثناء تنقلهم.

لوحات المعرض استعرضت مظاهر رمضانية مختلفة (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

ويضم المعرض، الذي يستمر طوال شهر رمضان، نخبة من رواد ورسامي الكاريكاتير؛ حيث تُعرض أعمال لعدد من الرواد، من بينهم صلاح جاهين ومصطفى حسين وعبد العزيز تاج، إلى جانب مشاركة مجموعة من الفنانين المعاصرين، منهم أحمد عبد النعيم، وأحمد علوي، وأحمد قاعود، وأحمد جعيصة، وآمنة سعد، وثروت مرتضى، وخالد صلاح، وخضر حسن، ودسوقي البغدادي، وسمير عبد الغني، وسعيد بدوي، وشيماء الشافعي، وعمر صديق، وعمرو سليم، وغادة مصطفى، وفوزي مرسي، ومحمد الصباغ، ومصطفى الشيخ، ومصطفى سالم، وهدير يحيى.

و«تعكس الأعمال المعروضة روح الاحتفاء بشهر رمضان المعظم، بوصفه مناسبة إنسانية وثقافية جامعة؛ حيث مزج الفنانون بين الابتسامة الذكية والتعبير الإنساني الدافئ، في لوحات تستلهم تفاصيل الحياة الرمضانية ومظاهر البهجة المرتبطة به»، وفق بيان لوزارة الثقافة.

إقبال من ركاب المترو على معرض «ابتسامات رمضانية» (وزارة الثقافة)

وأعرب الفنان مصطفى الشيخ، رئيس الجمعية المصرية للكاريكاتير، عن تقديره للدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة للجمعية، من خلال تنظيم هذا المعرض، وأكد أن إقامة معرض فني في أحد الفضاءات العامة يُمثل خطوة مهمة نحو توسيع دائرة التلقي، وإتاحة الفنون البصرية لجمهور أكثر تنوعاً.

من جانبه، أوضح الفنان فوزي مرسي، قوميسير المعرض، والأمين العام للجمعية المصرية للكاريكاتير، أن «المعرض المقام حالياً يُمثل تظاهرة فنية وثقافية مميزة، تعكس الدور الحيوي لفن الكاريكاتير في قراءة الواقع والتفاعل مع قضايا المجتمع بوعي نقدي ولغة بصرية مباشرة»، كما أكد أن «هذا الفن لا يقتصر على الابتسام فحسب، بل يعد وسيلة فعّالة لتوصيل الأفكار وتبسيط القضايا المعقدة وإبراز التناقضات الاجتماعية والسياسية بأسلوب فني مؤثر».

فوازير «فطوطة» اشتهرت خلال رمضان في الثمانينات (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

ووفق حديث مرسي لـ«الشرق الأوسط»: «يعد هذا أول معرض كاريكاتير رمضاني يُنظَّم داخل محطات مترو الأنفاق بالقاهرة، ويأتي استمراراً لتجربة ناجحة بدأت في فبراير (شباط) الماضي داخل محطة صفاء حجازي، عندما استضافت المحطة معرضاً فنياً احتفاءً بافتتاح المتحف المصري الكبير، وهو ما شجّع على تكرار التجربة وتطويرها».

أعمال المعرض تستعيد مظاهر شهر رمضان (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

وأضاف أن «فكرة إقامة المعرض داخل المترو تعكس توجهاً مهماً للخروج بالفن من القاعات المغلقة إلى الفضاءات العامة؛ حيث يلتقي مباشرة بآلاف الركاب الذين يمرون بالمحطة كل يوم، فيتحول طريقهم المعتاد إلى لحظة تأمل وابتسامة».

الكنافة من الأكلات الشهيرة المرتبطة برمضان (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

وأكدت وزارة الثقافة أن «هذا المعرض وغيره من الأنشطة الأخرى تأتي ضمن استراتيجية لإتاحة الفنون في الفضاءات العامة، وتسهيل وصولها إلى مختلف فئات المجتمع، بما يُعزز الدور المجتمعي للثقافة، ويجعلها جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين».

الأغاني التي ميّزت شهر رمضان ضمن لوحات المعرض (الجمعية المصرية للكاريكاتير)

فيما لفت منسق المعرض إلى أن الأعمال تستلهم روح شهر رمضان، من خلال أعمال كاريكاتيرية وبورتريهات تستعيد ملامح العادات الرمضانية المصرية القديمة، مثل أجواء السحور واللمة الرمضانية وروح البهجة في الشارع المصري، إلى جانب بورتريهات لعدد من أشهر الشخصيات المرتبطة بذاكرة الشهر الكريم، من بينها الموسيقار سيد مكاوي صاحب الصوت الرمضاني المميز في أغاني «المسحراتي»، والشخصية الكوميدية الشهيرة «فطوطة» التي ارتبطت بوجدان أجيال من المصريين.


هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
TT

هيروتا يوسوكي: «مدينة المداخن» يرفض الاستسلام لـ«الزمن المتجمد»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

قال المخرج الياباني هيروتا يوسوكي إن الفكرة الأساسية لفيلم الرسوم المتحركة «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» لم تنطلق من الرغبة في تقديم مغامرة جديدة أو توسيع عالم سينمائي سبق أن حقق نجاحاً، بل جاءت نتيجة تأمل طويل في معنى الانتظار، موضحاً أنه ظل مشغولاً بسؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، وهو: لماذا يواصل بعض الناس الانتظار رغم مرور السنوات وتعاقب الخيبات؟

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «الانتظار الصادق لا يعكس ضعفاً أو عجزاً، بل يكشف عن قلب لا يزال نابضاً وقادراً على الإيمان، حتى في مواجهة الفقد»، وهو المعنى الذي أراد إبرازه في الفيلم الذي عُرض بالنسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، حيث قدّم للجمهور الجزء الثاني من «بوبيل في مدينة المداخن» الذي طُرح لأول مرة عام 2020.

غير أن الجزء الجديد يذهب إلى مساحة أكثر هدوءاً وتأملاً من العمل السابق، وتبدأ الحكاية بخسارة شخصية عميقة؛ للصبي «لوبيتشي» الذي يعيش صدمة فقد صديقه «بوبيل»، لكن الفيلم لا يتعامل مع الفقد عبر مشاهد بكائية أو انفعالات صاخبة، بل يختار طريقاً أكثر صمتاً، حيث يتحول الحزن إلى جمود داخلي، يشبه ساعة توقفت عن الدوران من دون أن يسمع أحد صوت توقفها.

هذا الجمود هو ما يقود «لوبيتشي» إلى عالم غامض تحكمه قواعد صارمة؛ عالم يُقصى فيه كل ما يتوقف عن العمل. الساعات التي تتعطل تُستبعد فوراً، كأنها فقدت قيمتها، ووسط هذا النظام الحديدي يقف برج ضخم، ساعته متوقفة عند الحادية عشرة وتسع وخمسين دقيقة، ومع ذلك لم يُهدم.

المخرج الياباني هيروتا يوسوكي (مهرجان برلين)

هنا تتبلور الفكرة الرمزية التي يراها يوسوكي جوهر الفيلم. فهو يؤكد أن اختيار التوقيت لم يكن عشوائياً، بل يمثل لحظة معلّقة بين النهاية والاستمرار، بين السقوط والنجاة، لافتاً إلى أنه أراد أن يشعر المشاهد بأن شيئاً ما على وشك الحدوث، وأن النهاية ليست قدراً محتوماً طالما الدقيقة الأخيرة لم تكتمل.

ويشير المخرج إلى أن «عالم الفيلم لم يُصمَّم باعتباره مساحة فانتازية مستقلة فحسب، بل بصفته انعكاساً مباشراً للعالم الداخلي للبطل، فكل تفصيلة معمارية، وكل حجر في البرج، يمثل ذكرى أو خوفاً أو فكرة تسكن داخل (لوبيتشي) لذلك لم يكن الهدف الإبهار البصري بقدر ما كان خلق بيئة نفسية يشعر بها المشاهد، حتى لو لم يدرك أبعادها الرمزية بشكل واعٍ. لأن العالم المتخيَّل في الأحداث ليس هروباً من الواقع، بل مرآة له».

قدم المخرج الجزء الجديد بفلسفة مغايرة عن الجزء الأول (إدارة مهرجان برلين)

على مدار 98 دقيقة، تتصاعد الأحداث تدريجياً، ويخوض «لوبيتشي» رحلة تتجاوز فكرة إصلاح ساعة متوقفة، ويلتقي بـ«غاس»، الرجل الذي أمضى مائة عام منتظراً تحقيق وعد، ليصبح وجوده شهادة حية على معنى الانتظار الطويل، كما تظهر شخصيات أخرى ترافق الصبي في رحلته، وتكشف له أوجهاً مختلفة للزمن، ما بين الصبر، والأمل، والتحول، في المقابل، يبرز الفيلم التناقض الواضح بين المدينة الصناعية التي جاء منها «لوبيتشي»، بعالمها المعدني القاسي، وبين عالم البرج المشيّد من الحجر والكتل الثقيلة.

يتحدث يوسوكي بإسهاب عن شخصية «غاس»، مؤكداً أنه لم يرد تقديمه بوصفه مجرد رجل عجوز ينتظر، بل بوصفه رمزاً لفكرة الإيمان الذي يتحول مع الزمن إلى جزء من الهوية، فمرور مائة عام ليس مبالغة زمنية تهدف إلى الدهشة، بل تعبير عن أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالسنوات، بل بقدرته على الاستمرار رغم غياب الدليل، فهو لا ينتظر لأنه متأكد من النتيجة، بل لأنه اختار ألا يتخلى عن الوعد، حتى لو بدا مستحيلاً.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

ويكشف المخرج عن أن خلفيته الممتدة في مجال الرسوم الحاسوبية أثّرت بعمق في مقاربته البصرية، لكنه كان واعياً لخطر أن تتحول التقنية إلى عنصر بارد يخلق مسافة بين العمل وجمهوره، لذلك سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين الدقة الرقمية والدفء الإنساني، مؤكداً أن الإيقاع البصري، وحرصه على ألا تبدو الصورة أقرب إلى الرسم اليدوي من حيث الملمس والحركة كانا أهم معايير العمل.

يعترف يوسوكي بأن نجاح الجزء الأول شكّل ضغطاً نفسياً حقيقياً عليه عند التفكير في تقديم جزء ثانٍ. لكنه قرر ألا يقارن العملين أو يسعى إلى تكرار ما حقق إعجاب الجمهور سابقاً، لافتاً إلى أنه تعامل مع «مدينة المداخن... الزمن المتجمّد» بوصفه قصة مستقلة قادرة على الوقوف بذاتها، حتى لمن لم يشاهد الفيلم الأول، لأن هدفه شعور المشاهد بأنه يدخل عالماً كاملاً لا يحتاج إلى معرفة مسبقة.