الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

تحالف المسيحيين يحلّق في استطلاعات الرأي... والاشتراكي شولتز يفقد زخمه

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم
TT

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

لم يسبق لاستطلاعات الرأي الألمانية أن كانت بمثل هذا الوضوح منذ سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا. فكل الاستطلاعات تعطي التحالف المسيحي تفوّقاً على منافسه الاشتراكي بما لا يقل عن 15 نقطة، قبل شهر واحد من موعد الانتخابات النيابية في 24 سبتمبر (أيلول) 2017.
وإذ يعزو بعض المحللين تفوّق التحالف المسيحي الديمقراطي على غريمه الاشتراكي الديمقراطي إلى إنجازات زعيمة الطرف الأول، المستشارة أنجيلا ميركل و«وسطيتها» السياسية بين المحافظين الألمان، فإن مجموعة من العلماء النفسانيين ترى أن سر جاذبية «مامي»، بحسب الوصف الذي يُطلق على ميركل، يكمن في شيء آخر. إذ يقول علماء من جامعة فريدريش ألكسندر في بافاريا إن سر نجاح ميركل يكمن في شكل وجهها، ويعتبرون أن النساء من ذوات الوجه العريض، مثل ميركل وهيلاري كلينتون، يتمتعن بشراهة إلى السلطة أكثر من غيرهن. وتسعى هذه النسوة إلى فرض النفوذ وتوفير شروط النجاح أكثر من غيرهن من النساء، بحسب دراسة علماء الجامعة البافارية.
وللوصول إلى هذه الخلاصة، درس العلماء تأثير زيادة النشاط الهرموني في الدماغ ونمو الجسم في مرحلة الشباب، وتوصلوا إلى أن هذا النشاط ينعكس على عظام الوجه وعلى تطور فصوص الدماغ الأمامية المسؤولة عن الحوافز والسلوك عند البشر. واستخدم العلماء طريقة قياس الوجه التي يُطلق عليها اسم طريقة «نسبة عرض الوجه إلى طوله»، وتوصلوا مجدداً إلى أن البشر يميلون إلى الذكورة والأنوثة كلما زادت نسبة عرض الوجه بالنسبة إلى طوله.
طبّق علماء جامعة بافاريا نتائج دراستهم على 213 فرداً وانطبقت على كثير من النساء، على رغم أن النسبة بين عرض وطول الوجه تصلح أكثر في تقييم الرجال. وذكر كيفن جونسون الذي قاد فريق العمل، أن أنجيلا ميركل نموذج جيد للعلاقة بين أبعاد الوجه وسلوك التهافت على السلطة. ومعلوم أن وسائل الإعلام الألمانية تُطلق منذ فترة اسم «مامي» (Mutti) على ميركل، لكن ذلك أثار اعتراض أكثر من سياسي اعتبر أن هذه التسمية تمنح أفضلية للمستشارة على غيرها في الانتخابات من خلال تصويرها بوصفها «أم كل الألمان».

التحالف المسيحي في الواجهة
وأظهر آخر استطلاع للرأي نُشر في ألمانيا أن ثلث الناخبين لم يحسموا بعد أمرهم إلى أي جهة سيصوتون. وكما هو متوقع، اعتبر الحزب الديمقراطي الاشتراكي هذه النتيجة - الثلث الحائر في تأييد هذا الطرف أو ذاك - دليلاً على إمكانية تجاوز الفجوة بينه وبين الاتحاد المسيحي في «الوقت الضائع» من المباراة، بينما اعتبرها المسيحيون تعبيراً عن وقوف الاشتراكيين وحلفائهم في «موقف تسلل».
ويشير استطلاع الرأي، الذي أجراه معهد «انزا» بتكليف من جريدة «بيلد» واسعة الانتشار، إلى أن الاتحاد المسيحي سيفقد نقطة ويحقق 37 في المائة من الأصوات. ويحقق الحزب الليبرالي (الحزب الديمقراطي الحر)، وهو الحليف التقليدي للمسيحيين، نسبة 8 في المائة. ويأتي الحزب الديمقراطي الاشتراكي في المرتبة الثانية محققاً نسبة 24 في المائة. وسيخسر حزب الخضر، بحسب الاستطلاع، نقطة واحدة، لكنه سيتخطى نسبة 5 في المائة اللازمة لدخول البرلمان ويحقق 6.5 في المائة.
وكان حزب اليسار وحزب «البديل لألمانيا» الشعبوي الحزبين الوحيدين اللذين حققا ارتفاعاً قدره نقطة واحدة مقارنة باستطلاعات الرأي قبل شهر. ويُتوقع أن يرتفع رصيد اليسار إلى أكثر من 10 في المائة قليلاً ليصبح القوة الثالثة في البرلمان، فيما سيحقق حزب «البديل لألمانيا» نسبة 10 في المائة.
وقبل شهرين كشفت نتائج استطلاعات الرأي من معهد «فورسا»، لصالح مجلة «شتيرن» وتلفزيون «ر ت ل»، أن تحالف المحافظين مع الليبراليين سينجح في تشكيل حكومة غالبية، وأن الاشتراكيين لا أمل لهم في الوصول إلى السلطة.
وبالأرقام، ظهر أن التحالف المسيحي سيحقق بمفرده نسبة 40 في المائة، تاركاً للاشتراكيين نسبة 22 في المائة، ولليبراليين نسبة 8 في المائة، ولليسار نسبة 9 في المائة، والخضر نسبة 8 في المائة، ولحزب «البديل لألمانيا» نسبة 7 في المائة. وعلى هذا الأساس، يُتوقع أن يحقق تحالف المحافظين مع الليبراليين نسبة 48 في المائة في مقابل مجموع قدره 46 في المائة لكل القوى الأخرى.

قضم التفاحة الخضراء أو التحالف الكبير
وبالمقارنة مع استطلاعات الرأي الأخيرة، يتضح أن أشكال التحالفات الحكومية المقبلة تقلّصت إلى مجرد شكلين فقط، هما التحالف الكبير (غروكو/ مختصر التحالف الكبير بالألمانية) بين الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي، وتحالف «جامايكا» الذي يعبّر عن ألوان التحالف المسيحي (الأسود) مع الليبراليين (الأصفر) وحزب الخضر (الأخضر). فمجموع نسبة المسيحيين مع الليبراليين (45 في المائة) لا يكفي لتحقيق الأكثرية اللازمة لتشكيل حكومة، ولا تكفي أصوات الاشتراكيين واليسار والخضر لتحقيق أغلبية تكفي لتأسيس حكومة «يسارية» (المجموع 40.6 في المائة). وإذ يرفض الجميع التحالف مع حزب «البديل لألمانيا»، ولا تعترض قيادة المسيحيين على التحالف مع الخضر، لا يبقى سوى احتمال استمرار التحالف الكبير في تولي الحكم في برلين، أو «قضم التفاحة الخضراء» من قبل المسيحيين والليبراليين (مجموع 51.5 في المائة لـ«تحالف جامايكا»). وسياسة «قضم التفاحة الخضراء»، بمعنى عدم الاعتراض على التحالف مع الخضر، هي سياسة أوجدها المستشار الأسبق هيلموت كول في أواخر أيامه.
لا يصب كلا الشكلين من التحالف في صالح الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي يفسّر جناحه الأيسر هبوط شعبية الحزب على أساس دخوله التحالف الكبير مع المحافظين. وحينها لا يبقى أمام حزب المرشح الاشتراكي مارتن شولتز غير القبول بدور الحليف الصغير في الـ«غروكو» إلى جانب المسيحيين، وهو الدور الذي كان الليبراليون يؤدونه في العادة، أو القبول بدور المعارض البرلماني الكبير لحكم «جامايكا».
ولم يكشف مارتن شولتز، الذي تخلى عن موقعه رئيساً للبرلمان الأوروبي ليخوض معترك المنافسة السياسية الألمانية، ما إذا كان سيرضى بموقع وزير الخارجية في حكومة تشكلها ميركل مستقبلاً، أو أنه سيحتفظ بموقعه التنظيمي فقط رئيساً للحزب الديمقراطي الاشتراكي.

وزراء يرحلون ووزراء قادمون
وعلى أي حال، يتوقع محللون سياسيون، في ضوء أداء وزراء التحالف الكبير الحاكم حالياً، أن يؤدي هذا التحالف إلى فقدان كثير من الوزراء حظوتهم لدى أنجيلا ميركل. وتوقّع معهد «انزا» لاستطلاعات الرأي أن يخسر المسيحيون 50 نائباً برلمانياً إذا خسروا 3 نقاط في الانتخابات في المحصلة الأخيرة مقارنة بنتائج انتخابات 2013.
ويكشف استطلاع الرأي أن المسيحيين والاشتراكيين سيخسرون كثيراً من النقاط، وعليهم على هذا الأساس أن يتخلّوا عن عشرات النواب في الدورة النيابية المقبلة. وطبيعي أن الرابح الأكبر من هذه الخسارة سيكون حزب «البديل لألمانيا» الشعبوي الذي سيقفز من صفر إلى 10 في المائة، وكذلك حزب اليسار الذي سيكسب 3 نقاط.
وبحسب تقديرات برنامج «مينوس آينز» الذي تبثه قناة التلفزيون الأولى (ا ر د)، فهناك قائمة جاهزة تضم تشكيلة الوزارة الجديدة في حالة انعقاد «التحالف الكبير» مجدداً بعد الانتخابات. وفضلاً عن الـ«مامي» ميركل على رأس الوزارة، من المتوقع أن يحتفظ وزير المالية الحالي السياسي المحافظ المخضرم فولفغانغ شويبله بكرسيه «السيّار» في الحكومة رغم بلوغه 78 سنة. كما أدت الاشتراكية أندريا ناليز عملها بشكل جيد في وزارة العمل، ويُتوقع بالتالي أن تحتفظ بحقيبتها الوزارية.
ويُعتقد أن قائمة الذين سيبقون في الحكومة، عند حصول «التحالف الكبير» مجدداً، ستشمل وزير دائرة المستشارة بيتر التماير (مسيحي)، ووزير الصحة هيرمان غروهه (مسيحي)، ووزيرة التعليم يوهانا فانكه (مسيحية)، ووزير الخارجية زيغمار غابرييل (اشتراكي)، ووزيرة العائلة كاتارينا برالي (مسيحية)، ووزير الزراعة كريستيان شميدت (مسيحي)، ووزير التنمية والعلوم غيرد موللر (مسيحي).
ويقف وزير الداخلية الاتحادي توماس دي ميزير (مسيحي) على قائمة المتوقع «تسريحهم» من الخدمة الوزارية المقبلة، ويرافقه الاشتراكي هايكو ماس الذي يحمل حقيبة وزارة العدل، وتنضم إليهما وزيرة الدفاع أورسولا فون ير لاين (مسيحية)، ووزير النقل ألكسندر دوبرند (مسيحي) ووزيرة البيئة باربرا هيندريكس (اشتراكية).
ويبدو يواخيم هيرمان، وزير داخلية بافاريا المتشدد (ينتمي إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، مرشحاً قوياً لخلافة دي ميزير في وزارة الداخلية. كما يبرز اسم ينز شبان، المنتمي بدوره إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي، مرشحاً قوياً لموقع وزير الدفاع.

الاشتراكي مارتن شولتز يفقد «تأثيره»
وكانت قيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي وافقت بالإجماع، في مؤتمر الحزب السنوي نهاية العام الماضي، على ترشيح مارتن شولتز (61 سنة) لمنازلة المحافظة ميركل على منصب المستشارية في الانتخابات العامة. وفي الحال، نال ترشيح شولتز موافقة الجناح اليساري في الحزب، وتأييد النقابات العمالية وثيقة الصلة بالحزب، وهو أول مرشح يحظى بمثل هذا التأييد الداخلي. كما رحّب حزب اليسار، وكذلك حزب الخضر، بترشيح شولتز، وعبّر مندوبو الحزبين عن اقتناعهم بإمكانية الرهان على شولتز لإقصاء ميركل.
وكان «البارومتر» السياسي، الذي تقدمه القناة الثانية في التلفزيون الألماني (ز د ف)، يضع شولتز، في استطلاعات الرأي، على رأس قائمة السياسيين الأكثر شعبية في ألمانيا، يليه اشتراكي آخر هو فرانك فالتر شتاينماير، ثم وزير المالية فولفغانغ شويبله، وتأتي ميركل بعدهم في المرتبة الرابعة.
وفي استطلاع للرأي أجرته القناة الأولى في التلفزيون الألماني (ا ر د) في يناير (كانون الثاني) الماضي، قال 67 في المائة ممن شملهم الاستفتاء إنهم يدعمون ترشيح شولتز. ونال شولتز نسبة من الأصوات بلغت 41 في المائة (+5 مقارنة بشهر ديسمبر/كانون الأول) مقابل النسبة نفسها للمستشارة ميركل (- 2 مقارنة بشهر ديسمبر).
وتفوّق شولتز على ميركل، في هذا الاستطلاع، من ناحية «المصداقية»، وحقق نسبة 65 في المائة مقابل 64 في المائة لميركل، ومن ناحية «اللطافة»، لأنه حقق 69 في المائة مقابل 63 في المائة للمستشارة. إلا أن ميركل تفوّقت عليه في قضايا «الكفاءة» بنسبة 78 في المائة إلى 68 في المائة، وفي القدرة القيادية 78 في المائة إلى 68 في المائة.
ووصفت الصحافة الألمانية ما أنجزه في بداية مشواره بـ«تأثير شولتز»، إلا أن هذا التأثير لم يدم طويلاً، إذ فقد شولتز زخمه، فيما نجحت ميركل في استعادة توازنها السياسي في التعامل مع مشكلة اللاجئين، وأجرت مصالحة مع هورست زيهوفر، زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي (الشقيق البافاري للمسيحي الديمقراطي)، الذي هدد بدخول الانتخابات منافساً لميركل لو أنها استمرت في سياسة الترحيب باللاجئين.
وواقع الحال أن شولتز أنقذ الاشتراكيين من نسبة تحت العشرين في المائة، التي منحتها لهم استطلاعات الرأي قبل ترشيح نفسه، والتي اعتبرت «خسارة تاريخية» لهم من قبل الإعلام الألماني. وتحتسب نسبة 24 في المائة التي حققها شولتز لحزبه في الاستطلاعات قبل شهر من الانتخابات إنجازاً له، رغم كل شيء.
وفي تفسيرهم سبب تراجع الاشتراكيين السريع في استطلاعات الرأي، وصعود المسيحيين مجدداً، يُجمع معلقون سياسيون على أن حزب المستشارة ميركل كسب في واقع الحال الناخبين من معسكر حزب «البديل لألمانيا» بعد انعطافته «اليمينية» في موضوع سياسة الهجرة واللجوء.

برلمان مقبل بستة أحزاب
حقق حزب «البديل لألمانيا» أعلى نتائجه سنة 2015 مستغلاً أصوات الناقمين على سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين. وتراجعت أصواته كثيراً بعد أن أوصدت ميركل أبواب الهجرة مجدداً بوجه اللاجئين، لكنه أصبح القوة السادسة التي يتوقع أن تدخل البرلمان الألمان (البوندستاغ).
وإذا تم التعامل مع الاتحاد المسيحي كحزب واحد، يمكن القول إن «البوندستاغ» بقي بـ3 أحزاب طوال 40 سنة حتى منتصف الثمانينات. وهي أحزاب الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الحر. وكان الحزب الليبرالي (الديمقراطي الحر) القاسم المشترك الأعظم الذي حقق للحزبين الكبيرين كل مرة الأغلبية اللازمة عند فوزه في الانتخابات.
وتجاوز حزب «الخضر» حاجز 5 في المائة اللازمة لدخول البرلمان وأصبح القوة الرابعة فيه سنة 1987. أعقب ذلك سقوط جدار برلين والوحدة الألمانية و«نشوء حزب الديمقراطية الاشتراكية»، الذي تحوّل بعد ذلك من حزب شرقي بحت إلى حزب اليسار لكل ألمانيا في مطلع القرن الحادي والعشرين، وصعد إلى البرلمان كقوة خامسة. قبلها نجح الحزب في انتخابات التسعينات في إدخال بعض ناخبيه عبر الترشح الفردي في مناطقهم الانتخابية، لكنه لم يتحوّل إلى «كتلة برلمانية» إلا بعد تغيير اسمه إلى حزب اليسار.

اللجوء والاندماج أكثر ما يهم الناخب الألماني
أجرى برنامج «فال جيك» الذي تبثه القناة الأولى في التلفزيون الألماني (ا ر د)، بالتعاون مع معهد «انفراتيست» لاستطلاعات الرأي، دراسة ميدانية حول أهم الموضوعات التي «تحرّك الناخب الألماني» في الحملة الانتخابية الحالية.
ويتضح من الاستطلاع أن موضوع الهجرة واللاجئين والاندماج يحظى بالمرتبة الأولى من اهتمام الناخبين. وقالت نسبة 41 في المائة إن موضوع دمج اللاجئين يهمهم أكثر من أي شيء آخر، وطالبت نسبة 34 في المائة بوقف الهجرة إلى ألمانيا. وتتفق الغالبية مع سياسة الحكومة الحالية المتشددة، التي تتمسك بسياسة ترحيل اللاجئين الذين رُفضت طلبات لجوئهم، وتتشدد في لم شمل عوائل اللاجئين.
وأحصت الدراسة الميدانية دخول 1.3 مليون لاجئ ومهاجر إلى ألمانيا منذ سنة 2015، يشكّل الشباب تحت سن 20 سنة 33 في المائة منهم. وهناك اليوم 490 ألفاً منهم يبحثون عن عمل أو نالوا حق التدريب المهني، مع مشكلة عسيرة تتمثل بوجود 25 في المائة منهم من الأميين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة بلغتهم الأم، ويقع على المسؤولين تعليمهم الألمانية وتدريبهم ودمجهم في سوق العمل.
وفي هذا المجال، منح البرنامج نقطة لصالح التحالف المسيحي على حساب بقية الأحزاب، خصوصاً أن الحزب الاشتراكي كان طوال الفترة الماضية شريكاً حكومياً ويتحمل كل النتائج السلبية الناجمة عن سياسة الهجرة في ألمانيا.
أما الموضوع الثاني الذي يهم الناخب الألماني فهو التقاعد والفقر بعد التقاعد وارتفاع الإيجارات، وهي مشكلة اجتماعية قديمة - جديدة. وقالت نسبة 35 في المائة إن تراجع معدلات الرواتب التقاعدية، وتصاعد نسبة المتقاعدين في المجتمع، تقلقهم إلى أبعد حد. وتضطر نسبة 30 في المائة من المتقاعدين إلى عمل إضافي ينقذهم من الفقر عند الشيخوخة.
ودعت نسبة 34 في المائة إلى محاربة الفقر في الشيخوخة وتقليل الفجوة بين الفقراء والأغنياء، فيما رأت نسبة 28 في المائة من الذين شملهم الاستفتاء ضرورة وضع حد لارتفاع الإيجارات المنفلت الذي تفاقم مع دخول أكثر من مليون لاجئ يبحث عن سكن إلى ألمانيا.
وتوقع يوخن بمبرتز، من معهد الدراسات الاقتصادية الألماني، أن ينخفض تقاعد ضعيفي الدخول أكثر مستقبلاً، وأن يتفاقم خطر الفقر في الشيخوخة. وقال إن تقاعد العامل والموظف الصغير في عام 2030 سيكون الراتب التقاعدي نفسه سنة 2017، بحسبان ارتفاع الأسعار والتضخم والضرائب.
وفي هذا المجال، منح بمبرتز نقطة إضافية للحزب الديمقراطي الاشتراكي، لأن الحزب الديمقراطي المسيحي لم يتقدم ببرنامج واضح لمعالجة هذه النقطة، في حين قدّم منافس ميركل الاشتراكي مارتن شولتز برنامجاً متكاملاً يضع فيه تصوراته لحل مشكلة الفقر بين الكهول عند فوزه في الانتخابات.
وفي التعليم، الذي يحتل المرتبة الثالثة من اهتمامات الناخبين الألمان، طالبت نسبة 57 في المائة بفرص متساوية لأبناء الفقراء والأغنياء في التحصيل العلمي العالي. كما طالبت نسبة 26 في المائة بالمساواة في فرص التعليم بين الولايات، وجعل الخطط التعليمية مركزية بدلاً من تركها إلى الحكومات المحلية.
واعترفت الدكتورة يانا تيلتمان، من معهد الدراسات التربوية الاتحادية، بأن فرص أولاد الأغنياء أكبر من فرص أبناء الفقراء والمهاجرين في التعليم العالي. لكنها اعتبرت المعادلة الشائعة «مال أكثر يعني تحصيلاً علمياً أفضل» قضية «نسبية»، مشيرة إلى أن الحافز والرغبة في شق الطريق يلعبان دوراً أيضاً، وليس فقط عامل الفقر والثراء.
وتكشف إحصاءات معهد «انزا» وجود حالة اجتماعية واضحة تكشف أن عائلات الأكاديميين أفضل مالياً من العمّال وغير الدارسين (تعليماً عالياً)، وقادرة على دعم أولادها في طموحهم الدراسي الجامعي، في حين تعجز العائلات الأفقر حالاً عن دعم أولادها في هذا المجال. وإذ يدرس في الجامعة 6 من كل 10 من أبناء عائلات الخريجين من التعليم العالي، لا يحقق ذلك سوى 1.5 من كل 10 من أبناء عائلات غير الخريجين.
ومنحت تيلتمان نقطة تفضيلية إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي ينادي حالياً بالتعليم المجاني ومنح فرص متساوية في التعليم العالي لأبناء الأغنياء والفقراء، وبرفع حصة التعليم من الميزانية العامة. وأشارت الباحثة إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تخصص 11.2 في المائة من ميزانيتها كمعدل لدعم التعليم، في حين تخصص الدولة الألمانية منذ عقود معدل 9.5 في المائة من ميزانيتها فقط لدعم التعليم.

اتفاق غير معلن على تجاهل موضوع الإرهاب
والملاحظ في الحملة الانتخابية 2017 تجنّب الحزبين الكبيرين إثارة موضع الإرهاب في الحملة الانتخابية. واتهمت صحيفة «هاندلزبلات» المعروفة الحزبين الحاكمين، وكذلك حزبي الخضر واليسار، بتجنب إثارة موضوع الإرهاب تحت شعار «الديمقراطية أهم من الإرهاب». وذكرت الصحيفة أن هذا التوجّه تعزز بعد العمليات الإرهابية الأخيرة في برشلونة.
وطبيعي أن يتجنب الحزبان الحاكمان موضوع الإرهاب، لأن «الأخطاء» التي ارتكبت في كثير من حالات التعامل مع الإرهابيين يتحملها وزراء داخلية من الحزبين، وخصوصاً وزير الداخلية الاتحادي توماس دي ميزير من الحزب الديمقراطي المسيحي والاشتراكي رالف ييغر وزير داخلية ولاية الراين الشمالي فيستفاليا.
ويمكن لإثارة موضوع الإرهاب أن يعيد إلى أذهان الناخبين ارتباطه بقضية إدخال مليون لاجئ دون كثير من التدقيق إلى الأراضي الألمانية. وبعد أن نفى دي ميزير أكثر من مرة - وأيدته ميركل في ذلك - وجود ترابط بين الإرهاب واللاجئين، اتضح الآن، بحسب ما يقول منتقدون، أن معظم الذين ارتكبوا العمليات الإرهابية في ألمانيا، أو الذين اعتقلوا بتهمة الإرهاب، هم من اللاجئين الذين وفدوا إلى ألمانيا بعد سنة 2015.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.