الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

تحالف المسيحيين يحلّق في استطلاعات الرأي... والاشتراكي شولتز يفقد زخمه

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم
TT

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

الانتخابات النيابية الألمانية: «مامي» أنجيلا باقية في الحكم

لم يسبق لاستطلاعات الرأي الألمانية أن كانت بمثل هذا الوضوح منذ سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا. فكل الاستطلاعات تعطي التحالف المسيحي تفوّقاً على منافسه الاشتراكي بما لا يقل عن 15 نقطة، قبل شهر واحد من موعد الانتخابات النيابية في 24 سبتمبر (أيلول) 2017.
وإذ يعزو بعض المحللين تفوّق التحالف المسيحي الديمقراطي على غريمه الاشتراكي الديمقراطي إلى إنجازات زعيمة الطرف الأول، المستشارة أنجيلا ميركل و«وسطيتها» السياسية بين المحافظين الألمان، فإن مجموعة من العلماء النفسانيين ترى أن سر جاذبية «مامي»، بحسب الوصف الذي يُطلق على ميركل، يكمن في شيء آخر. إذ يقول علماء من جامعة فريدريش ألكسندر في بافاريا إن سر نجاح ميركل يكمن في شكل وجهها، ويعتبرون أن النساء من ذوات الوجه العريض، مثل ميركل وهيلاري كلينتون، يتمتعن بشراهة إلى السلطة أكثر من غيرهن. وتسعى هذه النسوة إلى فرض النفوذ وتوفير شروط النجاح أكثر من غيرهن من النساء، بحسب دراسة علماء الجامعة البافارية.
وللوصول إلى هذه الخلاصة، درس العلماء تأثير زيادة النشاط الهرموني في الدماغ ونمو الجسم في مرحلة الشباب، وتوصلوا إلى أن هذا النشاط ينعكس على عظام الوجه وعلى تطور فصوص الدماغ الأمامية المسؤولة عن الحوافز والسلوك عند البشر. واستخدم العلماء طريقة قياس الوجه التي يُطلق عليها اسم طريقة «نسبة عرض الوجه إلى طوله»، وتوصلوا مجدداً إلى أن البشر يميلون إلى الذكورة والأنوثة كلما زادت نسبة عرض الوجه بالنسبة إلى طوله.
طبّق علماء جامعة بافاريا نتائج دراستهم على 213 فرداً وانطبقت على كثير من النساء، على رغم أن النسبة بين عرض وطول الوجه تصلح أكثر في تقييم الرجال. وذكر كيفن جونسون الذي قاد فريق العمل، أن أنجيلا ميركل نموذج جيد للعلاقة بين أبعاد الوجه وسلوك التهافت على السلطة. ومعلوم أن وسائل الإعلام الألمانية تُطلق منذ فترة اسم «مامي» (Mutti) على ميركل، لكن ذلك أثار اعتراض أكثر من سياسي اعتبر أن هذه التسمية تمنح أفضلية للمستشارة على غيرها في الانتخابات من خلال تصويرها بوصفها «أم كل الألمان».

التحالف المسيحي في الواجهة
وأظهر آخر استطلاع للرأي نُشر في ألمانيا أن ثلث الناخبين لم يحسموا بعد أمرهم إلى أي جهة سيصوتون. وكما هو متوقع، اعتبر الحزب الديمقراطي الاشتراكي هذه النتيجة - الثلث الحائر في تأييد هذا الطرف أو ذاك - دليلاً على إمكانية تجاوز الفجوة بينه وبين الاتحاد المسيحي في «الوقت الضائع» من المباراة، بينما اعتبرها المسيحيون تعبيراً عن وقوف الاشتراكيين وحلفائهم في «موقف تسلل».
ويشير استطلاع الرأي، الذي أجراه معهد «انزا» بتكليف من جريدة «بيلد» واسعة الانتشار، إلى أن الاتحاد المسيحي سيفقد نقطة ويحقق 37 في المائة من الأصوات. ويحقق الحزب الليبرالي (الحزب الديمقراطي الحر)، وهو الحليف التقليدي للمسيحيين، نسبة 8 في المائة. ويأتي الحزب الديمقراطي الاشتراكي في المرتبة الثانية محققاً نسبة 24 في المائة. وسيخسر حزب الخضر، بحسب الاستطلاع، نقطة واحدة، لكنه سيتخطى نسبة 5 في المائة اللازمة لدخول البرلمان ويحقق 6.5 في المائة.
وكان حزب اليسار وحزب «البديل لألمانيا» الشعبوي الحزبين الوحيدين اللذين حققا ارتفاعاً قدره نقطة واحدة مقارنة باستطلاعات الرأي قبل شهر. ويُتوقع أن يرتفع رصيد اليسار إلى أكثر من 10 في المائة قليلاً ليصبح القوة الثالثة في البرلمان، فيما سيحقق حزب «البديل لألمانيا» نسبة 10 في المائة.
وقبل شهرين كشفت نتائج استطلاعات الرأي من معهد «فورسا»، لصالح مجلة «شتيرن» وتلفزيون «ر ت ل»، أن تحالف المحافظين مع الليبراليين سينجح في تشكيل حكومة غالبية، وأن الاشتراكيين لا أمل لهم في الوصول إلى السلطة.
وبالأرقام، ظهر أن التحالف المسيحي سيحقق بمفرده نسبة 40 في المائة، تاركاً للاشتراكيين نسبة 22 في المائة، ولليبراليين نسبة 8 في المائة، ولليسار نسبة 9 في المائة، والخضر نسبة 8 في المائة، ولحزب «البديل لألمانيا» نسبة 7 في المائة. وعلى هذا الأساس، يُتوقع أن يحقق تحالف المحافظين مع الليبراليين نسبة 48 في المائة في مقابل مجموع قدره 46 في المائة لكل القوى الأخرى.

قضم التفاحة الخضراء أو التحالف الكبير
وبالمقارنة مع استطلاعات الرأي الأخيرة، يتضح أن أشكال التحالفات الحكومية المقبلة تقلّصت إلى مجرد شكلين فقط، هما التحالف الكبير (غروكو/ مختصر التحالف الكبير بالألمانية) بين الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي، وتحالف «جامايكا» الذي يعبّر عن ألوان التحالف المسيحي (الأسود) مع الليبراليين (الأصفر) وحزب الخضر (الأخضر). فمجموع نسبة المسيحيين مع الليبراليين (45 في المائة) لا يكفي لتحقيق الأكثرية اللازمة لتشكيل حكومة، ولا تكفي أصوات الاشتراكيين واليسار والخضر لتحقيق أغلبية تكفي لتأسيس حكومة «يسارية» (المجموع 40.6 في المائة). وإذ يرفض الجميع التحالف مع حزب «البديل لألمانيا»، ولا تعترض قيادة المسيحيين على التحالف مع الخضر، لا يبقى سوى احتمال استمرار التحالف الكبير في تولي الحكم في برلين، أو «قضم التفاحة الخضراء» من قبل المسيحيين والليبراليين (مجموع 51.5 في المائة لـ«تحالف جامايكا»). وسياسة «قضم التفاحة الخضراء»، بمعنى عدم الاعتراض على التحالف مع الخضر، هي سياسة أوجدها المستشار الأسبق هيلموت كول في أواخر أيامه.
لا يصب كلا الشكلين من التحالف في صالح الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي يفسّر جناحه الأيسر هبوط شعبية الحزب على أساس دخوله التحالف الكبير مع المحافظين. وحينها لا يبقى أمام حزب المرشح الاشتراكي مارتن شولتز غير القبول بدور الحليف الصغير في الـ«غروكو» إلى جانب المسيحيين، وهو الدور الذي كان الليبراليون يؤدونه في العادة، أو القبول بدور المعارض البرلماني الكبير لحكم «جامايكا».
ولم يكشف مارتن شولتز، الذي تخلى عن موقعه رئيساً للبرلمان الأوروبي ليخوض معترك المنافسة السياسية الألمانية، ما إذا كان سيرضى بموقع وزير الخارجية في حكومة تشكلها ميركل مستقبلاً، أو أنه سيحتفظ بموقعه التنظيمي فقط رئيساً للحزب الديمقراطي الاشتراكي.

وزراء يرحلون ووزراء قادمون
وعلى أي حال، يتوقع محللون سياسيون، في ضوء أداء وزراء التحالف الكبير الحاكم حالياً، أن يؤدي هذا التحالف إلى فقدان كثير من الوزراء حظوتهم لدى أنجيلا ميركل. وتوقّع معهد «انزا» لاستطلاعات الرأي أن يخسر المسيحيون 50 نائباً برلمانياً إذا خسروا 3 نقاط في الانتخابات في المحصلة الأخيرة مقارنة بنتائج انتخابات 2013.
ويكشف استطلاع الرأي أن المسيحيين والاشتراكيين سيخسرون كثيراً من النقاط، وعليهم على هذا الأساس أن يتخلّوا عن عشرات النواب في الدورة النيابية المقبلة. وطبيعي أن الرابح الأكبر من هذه الخسارة سيكون حزب «البديل لألمانيا» الشعبوي الذي سيقفز من صفر إلى 10 في المائة، وكذلك حزب اليسار الذي سيكسب 3 نقاط.
وبحسب تقديرات برنامج «مينوس آينز» الذي تبثه قناة التلفزيون الأولى (ا ر د)، فهناك قائمة جاهزة تضم تشكيلة الوزارة الجديدة في حالة انعقاد «التحالف الكبير» مجدداً بعد الانتخابات. وفضلاً عن الـ«مامي» ميركل على رأس الوزارة، من المتوقع أن يحتفظ وزير المالية الحالي السياسي المحافظ المخضرم فولفغانغ شويبله بكرسيه «السيّار» في الحكومة رغم بلوغه 78 سنة. كما أدت الاشتراكية أندريا ناليز عملها بشكل جيد في وزارة العمل، ويُتوقع بالتالي أن تحتفظ بحقيبتها الوزارية.
ويُعتقد أن قائمة الذين سيبقون في الحكومة، عند حصول «التحالف الكبير» مجدداً، ستشمل وزير دائرة المستشارة بيتر التماير (مسيحي)، ووزير الصحة هيرمان غروهه (مسيحي)، ووزيرة التعليم يوهانا فانكه (مسيحية)، ووزير الخارجية زيغمار غابرييل (اشتراكي)، ووزيرة العائلة كاتارينا برالي (مسيحية)، ووزير الزراعة كريستيان شميدت (مسيحي)، ووزير التنمية والعلوم غيرد موللر (مسيحي).
ويقف وزير الداخلية الاتحادي توماس دي ميزير (مسيحي) على قائمة المتوقع «تسريحهم» من الخدمة الوزارية المقبلة، ويرافقه الاشتراكي هايكو ماس الذي يحمل حقيبة وزارة العدل، وتنضم إليهما وزيرة الدفاع أورسولا فون ير لاين (مسيحية)، ووزير النقل ألكسندر دوبرند (مسيحي) ووزيرة البيئة باربرا هيندريكس (اشتراكية).
ويبدو يواخيم هيرمان، وزير داخلية بافاريا المتشدد (ينتمي إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي)، مرشحاً قوياً لخلافة دي ميزير في وزارة الداخلية. كما يبرز اسم ينز شبان، المنتمي بدوره إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي، مرشحاً قوياً لموقع وزير الدفاع.

الاشتراكي مارتن شولتز يفقد «تأثيره»
وكانت قيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي وافقت بالإجماع، في مؤتمر الحزب السنوي نهاية العام الماضي، على ترشيح مارتن شولتز (61 سنة) لمنازلة المحافظة ميركل على منصب المستشارية في الانتخابات العامة. وفي الحال، نال ترشيح شولتز موافقة الجناح اليساري في الحزب، وتأييد النقابات العمالية وثيقة الصلة بالحزب، وهو أول مرشح يحظى بمثل هذا التأييد الداخلي. كما رحّب حزب اليسار، وكذلك حزب الخضر، بترشيح شولتز، وعبّر مندوبو الحزبين عن اقتناعهم بإمكانية الرهان على شولتز لإقصاء ميركل.
وكان «البارومتر» السياسي، الذي تقدمه القناة الثانية في التلفزيون الألماني (ز د ف)، يضع شولتز، في استطلاعات الرأي، على رأس قائمة السياسيين الأكثر شعبية في ألمانيا، يليه اشتراكي آخر هو فرانك فالتر شتاينماير، ثم وزير المالية فولفغانغ شويبله، وتأتي ميركل بعدهم في المرتبة الرابعة.
وفي استطلاع للرأي أجرته القناة الأولى في التلفزيون الألماني (ا ر د) في يناير (كانون الثاني) الماضي، قال 67 في المائة ممن شملهم الاستفتاء إنهم يدعمون ترشيح شولتز. ونال شولتز نسبة من الأصوات بلغت 41 في المائة (+5 مقارنة بشهر ديسمبر/كانون الأول) مقابل النسبة نفسها للمستشارة ميركل (- 2 مقارنة بشهر ديسمبر).
وتفوّق شولتز على ميركل، في هذا الاستطلاع، من ناحية «المصداقية»، وحقق نسبة 65 في المائة مقابل 64 في المائة لميركل، ومن ناحية «اللطافة»، لأنه حقق 69 في المائة مقابل 63 في المائة للمستشارة. إلا أن ميركل تفوّقت عليه في قضايا «الكفاءة» بنسبة 78 في المائة إلى 68 في المائة، وفي القدرة القيادية 78 في المائة إلى 68 في المائة.
ووصفت الصحافة الألمانية ما أنجزه في بداية مشواره بـ«تأثير شولتز»، إلا أن هذا التأثير لم يدم طويلاً، إذ فقد شولتز زخمه، فيما نجحت ميركل في استعادة توازنها السياسي في التعامل مع مشكلة اللاجئين، وأجرت مصالحة مع هورست زيهوفر، زعيم الاتحاد الاجتماعي المسيحي (الشقيق البافاري للمسيحي الديمقراطي)، الذي هدد بدخول الانتخابات منافساً لميركل لو أنها استمرت في سياسة الترحيب باللاجئين.
وواقع الحال أن شولتز أنقذ الاشتراكيين من نسبة تحت العشرين في المائة، التي منحتها لهم استطلاعات الرأي قبل ترشيح نفسه، والتي اعتبرت «خسارة تاريخية» لهم من قبل الإعلام الألماني. وتحتسب نسبة 24 في المائة التي حققها شولتز لحزبه في الاستطلاعات قبل شهر من الانتخابات إنجازاً له، رغم كل شيء.
وفي تفسيرهم سبب تراجع الاشتراكيين السريع في استطلاعات الرأي، وصعود المسيحيين مجدداً، يُجمع معلقون سياسيون على أن حزب المستشارة ميركل كسب في واقع الحال الناخبين من معسكر حزب «البديل لألمانيا» بعد انعطافته «اليمينية» في موضوع سياسة الهجرة واللجوء.

برلمان مقبل بستة أحزاب
حقق حزب «البديل لألمانيا» أعلى نتائجه سنة 2015 مستغلاً أصوات الناقمين على سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين. وتراجعت أصواته كثيراً بعد أن أوصدت ميركل أبواب الهجرة مجدداً بوجه اللاجئين، لكنه أصبح القوة السادسة التي يتوقع أن تدخل البرلمان الألمان (البوندستاغ).
وإذا تم التعامل مع الاتحاد المسيحي كحزب واحد، يمكن القول إن «البوندستاغ» بقي بـ3 أحزاب طوال 40 سنة حتى منتصف الثمانينات. وهي أحزاب الاتحاد المسيحي والحزب الديمقراطي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الحر. وكان الحزب الليبرالي (الديمقراطي الحر) القاسم المشترك الأعظم الذي حقق للحزبين الكبيرين كل مرة الأغلبية اللازمة عند فوزه في الانتخابات.
وتجاوز حزب «الخضر» حاجز 5 في المائة اللازمة لدخول البرلمان وأصبح القوة الرابعة فيه سنة 1987. أعقب ذلك سقوط جدار برلين والوحدة الألمانية و«نشوء حزب الديمقراطية الاشتراكية»، الذي تحوّل بعد ذلك من حزب شرقي بحت إلى حزب اليسار لكل ألمانيا في مطلع القرن الحادي والعشرين، وصعد إلى البرلمان كقوة خامسة. قبلها نجح الحزب في انتخابات التسعينات في إدخال بعض ناخبيه عبر الترشح الفردي في مناطقهم الانتخابية، لكنه لم يتحوّل إلى «كتلة برلمانية» إلا بعد تغيير اسمه إلى حزب اليسار.

اللجوء والاندماج أكثر ما يهم الناخب الألماني
أجرى برنامج «فال جيك» الذي تبثه القناة الأولى في التلفزيون الألماني (ا ر د)، بالتعاون مع معهد «انفراتيست» لاستطلاعات الرأي، دراسة ميدانية حول أهم الموضوعات التي «تحرّك الناخب الألماني» في الحملة الانتخابية الحالية.
ويتضح من الاستطلاع أن موضوع الهجرة واللاجئين والاندماج يحظى بالمرتبة الأولى من اهتمام الناخبين. وقالت نسبة 41 في المائة إن موضوع دمج اللاجئين يهمهم أكثر من أي شيء آخر، وطالبت نسبة 34 في المائة بوقف الهجرة إلى ألمانيا. وتتفق الغالبية مع سياسة الحكومة الحالية المتشددة، التي تتمسك بسياسة ترحيل اللاجئين الذين رُفضت طلبات لجوئهم، وتتشدد في لم شمل عوائل اللاجئين.
وأحصت الدراسة الميدانية دخول 1.3 مليون لاجئ ومهاجر إلى ألمانيا منذ سنة 2015، يشكّل الشباب تحت سن 20 سنة 33 في المائة منهم. وهناك اليوم 490 ألفاً منهم يبحثون عن عمل أو نالوا حق التدريب المهني، مع مشكلة عسيرة تتمثل بوجود 25 في المائة منهم من الأميين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة بلغتهم الأم، ويقع على المسؤولين تعليمهم الألمانية وتدريبهم ودمجهم في سوق العمل.
وفي هذا المجال، منح البرنامج نقطة لصالح التحالف المسيحي على حساب بقية الأحزاب، خصوصاً أن الحزب الاشتراكي كان طوال الفترة الماضية شريكاً حكومياً ويتحمل كل النتائج السلبية الناجمة عن سياسة الهجرة في ألمانيا.
أما الموضوع الثاني الذي يهم الناخب الألماني فهو التقاعد والفقر بعد التقاعد وارتفاع الإيجارات، وهي مشكلة اجتماعية قديمة - جديدة. وقالت نسبة 35 في المائة إن تراجع معدلات الرواتب التقاعدية، وتصاعد نسبة المتقاعدين في المجتمع، تقلقهم إلى أبعد حد. وتضطر نسبة 30 في المائة من المتقاعدين إلى عمل إضافي ينقذهم من الفقر عند الشيخوخة.
ودعت نسبة 34 في المائة إلى محاربة الفقر في الشيخوخة وتقليل الفجوة بين الفقراء والأغنياء، فيما رأت نسبة 28 في المائة من الذين شملهم الاستفتاء ضرورة وضع حد لارتفاع الإيجارات المنفلت الذي تفاقم مع دخول أكثر من مليون لاجئ يبحث عن سكن إلى ألمانيا.
وتوقع يوخن بمبرتز، من معهد الدراسات الاقتصادية الألماني، أن ينخفض تقاعد ضعيفي الدخول أكثر مستقبلاً، وأن يتفاقم خطر الفقر في الشيخوخة. وقال إن تقاعد العامل والموظف الصغير في عام 2030 سيكون الراتب التقاعدي نفسه سنة 2017، بحسبان ارتفاع الأسعار والتضخم والضرائب.
وفي هذا المجال، منح بمبرتز نقطة إضافية للحزب الديمقراطي الاشتراكي، لأن الحزب الديمقراطي المسيحي لم يتقدم ببرنامج واضح لمعالجة هذه النقطة، في حين قدّم منافس ميركل الاشتراكي مارتن شولتز برنامجاً متكاملاً يضع فيه تصوراته لحل مشكلة الفقر بين الكهول عند فوزه في الانتخابات.
وفي التعليم، الذي يحتل المرتبة الثالثة من اهتمامات الناخبين الألمان، طالبت نسبة 57 في المائة بفرص متساوية لأبناء الفقراء والأغنياء في التحصيل العلمي العالي. كما طالبت نسبة 26 في المائة بالمساواة في فرص التعليم بين الولايات، وجعل الخطط التعليمية مركزية بدلاً من تركها إلى الحكومات المحلية.
واعترفت الدكتورة يانا تيلتمان، من معهد الدراسات التربوية الاتحادية، بأن فرص أولاد الأغنياء أكبر من فرص أبناء الفقراء والمهاجرين في التعليم العالي. لكنها اعتبرت المعادلة الشائعة «مال أكثر يعني تحصيلاً علمياً أفضل» قضية «نسبية»، مشيرة إلى أن الحافز والرغبة في شق الطريق يلعبان دوراً أيضاً، وليس فقط عامل الفقر والثراء.
وتكشف إحصاءات معهد «انزا» وجود حالة اجتماعية واضحة تكشف أن عائلات الأكاديميين أفضل مالياً من العمّال وغير الدارسين (تعليماً عالياً)، وقادرة على دعم أولادها في طموحهم الدراسي الجامعي، في حين تعجز العائلات الأفقر حالاً عن دعم أولادها في هذا المجال. وإذ يدرس في الجامعة 6 من كل 10 من أبناء عائلات الخريجين من التعليم العالي، لا يحقق ذلك سوى 1.5 من كل 10 من أبناء عائلات غير الخريجين.
ومنحت تيلتمان نقطة تفضيلية إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي ينادي حالياً بالتعليم المجاني ومنح فرص متساوية في التعليم العالي لأبناء الأغنياء والفقراء، وبرفع حصة التعليم من الميزانية العامة. وأشارت الباحثة إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تخصص 11.2 في المائة من ميزانيتها كمعدل لدعم التعليم، في حين تخصص الدولة الألمانية منذ عقود معدل 9.5 في المائة من ميزانيتها فقط لدعم التعليم.

اتفاق غير معلن على تجاهل موضوع الإرهاب
والملاحظ في الحملة الانتخابية 2017 تجنّب الحزبين الكبيرين إثارة موضع الإرهاب في الحملة الانتخابية. واتهمت صحيفة «هاندلزبلات» المعروفة الحزبين الحاكمين، وكذلك حزبي الخضر واليسار، بتجنب إثارة موضوع الإرهاب تحت شعار «الديمقراطية أهم من الإرهاب». وذكرت الصحيفة أن هذا التوجّه تعزز بعد العمليات الإرهابية الأخيرة في برشلونة.
وطبيعي أن يتجنب الحزبان الحاكمان موضوع الإرهاب، لأن «الأخطاء» التي ارتكبت في كثير من حالات التعامل مع الإرهابيين يتحملها وزراء داخلية من الحزبين، وخصوصاً وزير الداخلية الاتحادي توماس دي ميزير من الحزب الديمقراطي المسيحي والاشتراكي رالف ييغر وزير داخلية ولاية الراين الشمالي فيستفاليا.
ويمكن لإثارة موضوع الإرهاب أن يعيد إلى أذهان الناخبين ارتباطه بقضية إدخال مليون لاجئ دون كثير من التدقيق إلى الأراضي الألمانية. وبعد أن نفى دي ميزير أكثر من مرة - وأيدته ميركل في ذلك - وجود ترابط بين الإرهاب واللاجئين، اتضح الآن، بحسب ما يقول منتقدون، أن معظم الذين ارتكبوا العمليات الإرهابية في ألمانيا، أو الذين اعتقلوا بتهمة الإرهاب، هم من اللاجئين الذين وفدوا إلى ألمانيا بعد سنة 2015.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».