«داعشيان» من العراق وسوريا يرويان رحلتيهما مع التنظيم

«الشرق الأوسط» زارت مقر مكافحة الإرهاب في أربيل

«داعشيان» من العراق وسوريا يرويان رحلتيهما مع التنظيم
TT

«داعشيان» من العراق وسوريا يرويان رحلتيهما مع التنظيم

«داعشيان» من العراق وسوريا يرويان رحلتيهما مع التنظيم

راودني شعور غريب وأنا أجلس في مقر مكافحة الإرهاب في أربيل، وسط مئات من «الدواعش» الموزّعين على غرف السجن وزنزاناته. شعرت بإثارة كنت أعتقد أنها تصيب الصحافي المبتدئ وحده. لكنها أمراض المهنة وفي طليعتها الفضول الجارف. في الصباح كنت في مقر إقليم كردستان أحاور رئيسه مسعود بارزاني عن مستقبل الأكراد والعراق والتبعات الإقليمية لاستقلال أكراد العراق. وفي المساء وجدتني أستجوب معتقلين عن ظروف التحاقهما بتنظيم داعش.
في المقر مئات من المعتقلين غالبيتهم من العراقيين ثم السوريين، إضافة إلى عدد من جنسيات أخرى. مر فيه فرنسيون سُلّموا إلى حكومتهم. وسويديون سلّموا أيضاً إلى سلطات بلادهم. ولا يزال في المبنى ثلاثة من «الدواعش» الأميركيين أصحاب الخبرة في المجال الإلكتروني، أضيف إليهم حديثاً «صيد ثمين طازج» هو «داعشي» غير عربي وقع في قبضة البيشمركة أثناء محاولته الفرار من العراق إلى سوريا وقد كان له دور بارز في إدارة المعارك.
يخضع المعتقلون للتحقيق ويسلّمون إلى بلدانهم حين يكون ذلك متاحاً. أما الذين ارتكبوا جرائم على أرض الإقليم فيحالون على المحاكمة. ويتلقى المعتقلون زيارات دورية من الصليب الأحمر الدولي ومنظمات إنسانية وتوفّر لهم عناية طبية.
ساهمت اعترافات المعتقلين في كشف أشياء كثيرة عن «داعش» وأسلوب عمله وطريقته في التجنيد والترهيب وتنفيذ الأحكام. وهي كشفت عن أن التنظيم كان يعد مجموعات للتحرك لاحقاً في حال سقطت معاقله بأيدي القوات المهاجمة. لهذا هناك من يتوقع أن يستمر التنظيم في شن هجمات إرهابية في المنطقة والعالم.
شملت التدريبات للمرحلة المقبلة كيفية التصرف في المطارات وتزوير الجوازات والاختفاء في المدن وشراء المواد الضرورية لصنع المتفجرات فضلاً عن رصد الأهداف وتحديد ساعة الصفر للتنفيذ. وأوحت روايات المعتقلين أن العالم قد يشهد موجة أخرى من الإرهاب «ما لم يعالج وضع السنة في العراق وكذلك في سوريا».
تحدث معتقلون عن خيوط إقليمية تدير «داعش» أو تُحرّك أقساماً منه أو تؤثر عليه. لفت هؤلاء إلى علاقات غامضة على الحدود التركية - السورية. ولفتوا إلى أن «القاعدة» كانت حتى في أيام «أبو مصعب الزرقاوي» تقيم علاقات مع إيران عبر «والي ديالى» وأن هذه العلاقة استمرت في زمن «داعش».
وكشفت التحقيقات عن أن «أبو أيوب المصري» الذي خلف الزرقاوي كان وراء فكرة استقطاب أصحاب اختصاص. كما أوضحت أن فكرة «الدولة الإسلامية في العراق والشام» انطلقت على يد ضباط عملوا في جيش صدام حسين «وانضموا إلى المقاومة و(القاعدة) و{داعش} رداً على السلوك الطائفي للحكم الجديد في بغداد». وعلم من إفادات المعتقلين أن فكرة الخلايا في المدن بدأت حين كلّف صدام ضابطاً يعرف بـ«الحاج سمير» في 1990 بإنشاء خلايا في المدن والمحافظات لتتولى المقاومة في حال سقوط بغداد في حرب الخليج الأولى. وقالوا إن «داعش» أفاد كثيراً من انضمام عسكريين إليه أصحاب خبرة في الأمن والاستخبارات والتصنيع العسكري.
حاورت في المقر «داعشياً» من العراق وآخر من سوريا، طلبا عدم نشر صورتيهما لكنهما وافقا على التقاط صور لهما بجوالي لأرشيفي الشخصي، وتخوّفا من عواقب نشر اسميهما الصريحين على عائلتيهما واتفقنا على الاكتفاء بالحروف الأولى.
حاورت الرجلين في مكتب بالمقر وبحضور حارسين.
دخل ن. أ وألقى التحية. إنه عربي من مواليد 1990 في عامودا، قرب القامشلي السورية. تلقى علومه في الرقة وانتسب بعد البكالوريا في الفرع العلمي إلى معهد فني - مساحة. وقال: «أنا من عائلة تتشكل من أربعة شبان وأربع فتيات. قطعت دراستي بسبب اندلاع الثورة. شاركت في المظاهرات السلمية في البداية على أمل تغيير النظام الذي أعتبره مستبداً وفئوياً. لم أكن بعثياً وإن كانوا سجلونا في الحزب أوتوماتيكيا طلابا».
وأضاف: «عندما تحوّلت المواجهة عسكرية قاتلت في الرقة في صفوف الجيش الحر وكان خالي المسؤول المباشر عني. بعدها أخرج الجيش الحر من المحافظة فالتحقت بـ(داعش)». وقال: «التحقت لأنني أريد مواصلة القتال ضد النظام. ثم لأن {داعش} طرحت نفسها مدافعا عن السنة ضد وحشية النظام. وكذلك للحصول على راتب وكنت أتقاضى 50 دولاراً شهرياً. في البداية كان المسؤول عنا أبو علي الشايب ولاحقاً جاء آخرون. أمضيت ثلاث سنوات مع (داعش) شاركت خلالها في عمليات ضد الجيش الحر في ريف الرقة».
وأضاف: «أخضعت لدورات إعداد ديني كانت تركّز على التوحيد والجهاد وقتال الكفار والروافض والجيش السوري. وأخضعت لدورة عسكرية دربوني خلالها على السلاح الفردي وعلى إطلاق القذائف والرمي بالدوشكا. لم يكن السوريون متشددين أصلاً. كرههم للنظام وعمليات التدمير التي كان يقوم بها دفعت كثيرين إلى أحضان (داعش). وخلال الفترة رأيت مقاتلين من جنسيات مختلفة. من الشيشان وأوروبا والمغرب والجزائر والخليج. لاحظت أن المقاتلين يكنون ولاء غير محدود للبغدادي وأن سلوك المقاتلين الأجانب يتميز بالعنف الشديد».
وروى: «في العام الماضي طلب مسؤول من خمسة منا التسلل إلى إقليم كردستان العراق في مهمة أمنية. دوري الشخصي كان أن أتقرب من البيشمركة وأكسب ثقتهم وأعدهم بتزويدهم معلومات عن الرقة على أن أتحوّل عميلاً مزدوجاً مهمته التجسس على البيشمركة. وقعنا في كمين في منطقة الحدود واعتقلنا في أغسطس (آب) الماضي، أي قبل سنة».
نفى أن يكون شارك في أي عمليات ذبح وقال إنه كان يتفادى الذهاب إلى ساحات تنفيذ الأحكام لكنه شاهد مرة قرب بيت عمه جثتين لشخصين اتهما بتشكيل خلية تابعة لـ«الجيش الحر». قال إنه نادم على الالتحاق بـ«داعش» لكنه غير نادم على مقاتلة النظام. أكد أنه غير قادر على العودة إلى سوريا في حال الإفراج عنه ويفضّل الالتحاق بشقيقه الطبيب في تركيا ليشكل عائلة هناك.
قبل المغادرة تمنى علي ألا أنشر صورته أو اسمه كاملاً «فلا {داعش} يرحم ولا النظام يرحم»، فأكدت له واكتفينا بلقطة «سيلفي» وداعية.

«الداعشي» الآتي من تلعفر
دخل «ج. و» مستغرباً بعض الشيء. ألقى التحية وجلس. قال: «أنا من سكان بغداد لكن أصلي من قضاء تلعفر. من مواليد فبراير (شباط) 1986. درست في بغداد حتى المرحلة المتوسطة ثم عملت مع والدي في شركة تجارة أجهزة كهربائية. شهدنا في بغداد ما تعرّض له السنة خصوصاً في سنوات حكم نوري المالكي من تمييز واغتيالات وتهميش. تصوّر أنني لم أكن أجرؤ على الخروج وقد عشت في الكرادة ومناطق أخرى. زوّرت بطاقة باسم نبراس آزاد وأوحيت أنني مسيحي كردي وصرت أتجول بها. في هذا الجو من الخوف والتصفيات وأنباء العثور على جثث، شجعني شقيقي صفاء على الالتحاق بـ(داعش) وهو سبقني في هذا الطريق وهكذا كان».
وأضاف: «التحقت بالتنظيم في 2015 في تلعفر وانتميت إلى خلية. اعتبرت جندياً في البداية ثم تحولت إدارياً يخدم في كتيبة. وفي تلعفر شاهدت مقاتلين من تركيا وطاجيكستان وأذربيجان والشيشان فضلاً عن أوروبيين وآخرين من منطقة المغرب العربي وبعض الخليجيين».
وتابع: «أنا نادم لأنني خُدعت كما خدع كثيرون غيري. اعتبرنا أن السنة يتعرضون لمحاولة اقتلاع وأن (داعش) سيدافع عنهم خصوصاً بعدما صارت بغداد محكومة بميليشيات طائفية إيرانية الهوى. واكتشفنا لاحقاً عن أن (داعش) أخطر أداة لتدمير السنة وأن عمليات الإفراج عن الإسلاميين من سجون عراقية وسورية كان الغرض منها تمكين (داعش) من التوسع لاستخدام ذلك لاحقاً ذريعة للتدمير والتهجير والقتل. كل الخسائر البشرية والمادية وقعت في مناطق السنة».
واتهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بأنه «تعمّد دفع السنة إلى أحضان {داعش} لتنفيذ ثأر قديم يرمي إلى تغيير طبيعة بغداد والعراق وتدمير المناطق السنية وهذا ما حصل أخيراً في العراق. وقع بعض السنة في الفخ لاعتقادهم أن (داعش) قد يرد الميليشيات الشيعية عنهم كما التحق آخرون بسبب التطرف الديني أو ضمان الرواتب أو الزواج المتكرر ووعود الجنة».
قال إن «العيش في ظل (داعش) فظيع وكئيب وإنهم يعاقبون الناس بلا رحمة ولا يقبلون أقل من الطاعة الكاملة. تصوّر أن رجلاً مسناً حاول العبور بعائلته إلى إقليم كردستان هرباً من العنف والجوع فقتلوه على الفور لأنه ذاهب إلى الكفار كما قالوا».
سلّم نفسه إلى سلطات الإقليم قبل خمسين يوماً وقال إنه لا يعرف شيئاً عن شقيقه «الداعشي» الذي كان يعمل عسكرياً في دوريات التنظيم. وكشف عن أن أمه زارته في المعتقل ونقلت إليه تهديداً من عمه «الداعشي» بتصفيته في أول فرصة.
وأشاد بالمعاملة التي يلقاها في الإقليم آملاً في أن يبقى فيه يعد الإفراج عنه و«كي لا أضطر إلى اللجوء إلى أجزاء من أرض العراق بلد الشقاق والنفاق».
إنها مجرد قصص صغيرة من بحر من الآلام أطلقه «داعش». استوقفني الكلام أن نسخة جديدة من «داعش» قد تولد لاحقاً ما لم تقم دول تتسع لكل مكوناتها.


مقالات ذات صلة

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

أفريقيا عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

هدد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي بتصفية 416 رهينة لديه إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي...

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شمال افريقيا اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.