فان دام يخلط بين الرعب والأمن والركود والاستقرار

استنتاجات خاطئة في كتاب الدبلوماسي الهولندي المخضرم عن سوريا

فان دام يخلط بين الرعب والأمن والركود والاستقرار
TT

فان دام يخلط بين الرعب والأمن والركود والاستقرار

فان دام يخلط بين الرعب والأمن والركود والاستقرار

يقدم التعريف الموجز لهذا الكتاب الجديد عن سوريا مؤلفه نيكولاس فان دام بوصفه: «دبلوماسيا هولنديا مخضرما لديه معرفة مباشرة بالشرق الأوسط». وقد تولى فان دام، بعد عمله سفيراً لهولندا في مصر، وتركيا، والعراق، منصب المبعوث الخاص لبلده إلى سوريا؛ وخلال هذه المهمة الأخيرة أخذ يراقب الوضع من قاعدة في دولة الجوار تركيا. وتتجلى الخلفية الدبلوماسية لفان دام بوضوح طوال صفحات الكتاب، الذي يحاول فيه بجهد، من دون أن ينجح دائماً، أن يكون عادلاً تجاه «جميع الأطراف»، أي يحاول عدم الانحياز لطرف دون الآخر، مع نسج الحجج التي تتمحور حول العبارة النمطية القديمة وهي أن «الحوار هو المخرج الوحيد».
وعلى أية حال، هو ينتقد الأنظمة الديمقراطية الغربية التي يقول إنها خدعت المعارضة السورية من خلال قطع كثير من الوعود ومن بينها الوعد بالتدخل العسكري، وهو أمر لم يعتزموا أبداً القيام به. كذلك ينتقد بوجه خاص الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي أطلق عبارة «على الأسد أن يرحل»، ورسم «خطاً أحمر»، تخطاه النظام السوري المستبد بكل جرأة ومن دون أن يصيبه أي أذى.
يتكون النصف الأول من الكتاب من رواية ذات إيقاع سريع للتاريخ السوري قبل اندلاع الثورة الشعبية عام 2011. الصورة التي تظهر من خلال الكتاب هي صورة سوريا التي تعاني الآن من عدم الاستقرار وأعمال العنف بما في ذلك الصراع الطائفي؛ وربط فان دام ذلك بصورة سوريا، التي أعاد تشكيلها الرئيس الراحل حافظ الأسد، الذي تولى السلطة عام 1970، والذي خلّفه على سدة الحكم ابنه بشار الأسد. يقول فان دام هنا: «لقد شهدت سوريا خلال فترة حكم كل من حافظ وبشار استتباب الأمن الداخلي، والاستقرار، على نحو أكبر مما كانت عليه منذ استقلالها».
ولكن ألا يخلط فان دام بين الرعب والأمن، وبين الركود والاستقرار؟ وإذا غضضنا النظر عن الست سنوات الماضية، التي شهدت البلاد فيها مقتل نحو نصف مليون سوري، فإن تلك العقود الأربع من حكم الأب وابنه كانت نموذجاً للأمن والاستقرار، حسب فان دام. طوال تلك السنوات التي يتحدث عنها فان دام، عاشت سوريا مكبلة بقانون الطوارئ، وتم اعتقال الآلاف، أو تعذيبهم، أو إعدامهم.
إن غياب الأمن والاستقرار الحقيقيين، كان يعني أن النظام البعثي غير قادر على بناء مؤسسات راسخة مستدامة لدولة حديثة، لذا رأى المجتمع السوري إلى حد كبير الطاقة الإبداعية وهي تختنق وهو أمر لم يتمكن، حتى لو حاولوا، الحكام المستبدون السابقون بداية من حسني الزعيم القيام به. يمكن القول بعبارة أخرى، وخلافاً لما ذهب إليه فان دام، فإن الأسد الأب والابن قد دمرا كافة فرص إرساء البنية التحتية السياسية لسوريا، ناهيك بالبنية التحتية الأخلاقية اللازمة لتحقيق أمن واستقرار حقيقيين.
ويحاول فان دام تصوير سوريا كمجتمع يسيطر عليه العنف الطائفي دائماً، ويشير في كثير من المواضع إلى «قتل العلويين» على أيدي المسلمين السنة العرب. والمثال الوحيد الذي يذكره هو عملية القتل الجماعي، التي ارتكبها قادة عسكريون ينتمون إلى الطائفة العلوية في حلب خلال فترة حكم حافظ الأسد. امتدت تلك العملية، وهي أكبر عملية قتل جماعي في تلك الحقبة، لمدة أسبوع، وراح ضحيتها مدنيون عزّل تم قتلهم على أيدي قوات الأسد في حماة عام 1982، وقد وصل عدد الضحايا، حسب فان دام، إلى 25 ألف كان أكثرهم من العرب السنة. يعلم من هم على دراية بالتاريخ السوري أنه في الوقت الذي لعبت فيه الطائفية دوراً في كل الأحداث قريباً التي شهدتها تلك البلاد التعسة، إلا لم تكن دوماً هي العامل الأساسي المهيمن. ما عايشته سوريا ولا تزال تعايشه إلى درجة هي حرب طائفيين وليست حرباً طائفية.
إن القتال، الذي تدور رحاه اليوم، ليس بين السنة والعلويين السوريين، وسيكون من الخطأ رؤية نظام الأسد المستبد كنظام علوي فحسب، بل إنه صراع بين جماهير من السوريين المحرومين من الحرية والديمقراطية الذين ينتمون إلى كل الطوائف، وبين نظام مستبد عازم على الوصول إلى آخر مدى من أجل التمسك بالسلطة، أو، كما نلاحظ، بوهم السلطة.
من أجل تحقيق هذه الغاية، ركّز نظام الأسد على الهيمنة على أذرع السلطة الغاشمة من جيش، وشرطة، و15 تنظيماً أمنياً على الأقل، مع الاستعانة بأفراد موالين للأسد أكثر مما هم موالون لطائفة بعينها أو حتى لحزب البعث الحاكم. وتمثل نسبة الضباط العلويين في الجيش السوري، بحسب تقديرات فان دام، 86 في المائة، لكن أهم ما في الأمر هو موالاتهم لعشيرة الأسد، أكثر من موالاتهم لطائفة دينية، على نحو لا يزال سرياً حتى بالنسبة لأتباعها. ويبلغ الدعم الذي يحظى به الأسد، بحسب تقدير فان دام، 30 في المائة من سكان سوريا؛ ويقابل ذلك نسبة العلويين والمسيحيين والإسماعيليين والدروز في البلاد. مع ذلك تحتاج ترجمة الإحصاءات والأرقام، وهي تقديرية فحسب، إلى حقائق من الدعم السياسي للنظام إلى قدر كبير من الخيال. قد يفضل المرء التقديرات، التي يقدمها سامي خيمي، أحد أكثر الدبلوماسيين السوريين خبرة، والذي يوجد في المنفى حالياً، ويقتبس فان من أقواله في الكتاب. طبقاً لخيمي، يحظى نظام الأسد ومعارضوه المسلحون بدعم نحو 70 في المائة من السوريين، أما الباقي فيكرهون الاثنين لأسباب مختلفة.
بحسب فان دام، فإن مطالبة المعارضة السورية، إلى جانب أكثر من مائة دولة، برحيل الأسد كان عقبة كبرى على طريق التوصل إلى حل تفاوضي للصراع. ويقول فان دام إن على المعارضة ومؤيديها من الدول العربية والدول الديمقراطية الغربية المطالبة عوضاً عن ذلك بتعاون الأسد في عملية الانتقال. قد لا يعلم فان دام هذا الأمر، لكنه تحديداً ما كانوا يحاولون القيام به حين تم طرح خطة المسار الثاني التي من كان المفترض بموجبها أن «يتنحى الأسد جانباً» بدلاً من أن «يتنازل عن السلطة» بدعم أوروبي وإلى حد ما أميركي. كان مصير هذه الخطة الفشل، نظراً لرفض الأسد المبادئ الأساسية لها، إلى جانب سحب أوباما للدعم الأميركي اعتقاداً منه أن الأسد سوف يسقط في كل الأحوال.
قد يتساءل المرء عن معنى عنوان الكتاب والعنوان الفرعي له. ما يحدث في سوريا لا علاقة له بـ«تدمير أمة»، ولا من المرجح أن يتم تدمير سوريا كأمة. في الواقع يمكن للمرء القول إنه بمجرد إسقاط النظام الاستبدادي، قد تنهض سوريا من محنتها الحالية أقوى كأمة أكثر من أي وقت مضى. وفي الحقيقة، يتم تسويق موضوع «الدمار» من جانب الأسد والدولتين الداعمتين له روسيا وإيران كأداة في حملة تستهدف نشر الإرهاب النفسي للسيطرة على الشعب السوري وإجباره على الخضوع والخنوع، مثله مثل استخدام شعار «إما الأسد أو سوف نحرق البلاد» من قبل البلطجية الداعمين للأسد بمن فيهم الشبيحة.
قد يمثل وصف الصراع في سوريا بأنه «حرب أهلية» إشكالية، فمنذ الأزمنة القديمة في روما، بين ماريوس وسولا، أو قيصر ومومباي على سبيل المثال، ينطبق مصطلح الحرب الأهلية على الصراع المسلح على السلطة بين معسكرين محليين يتمتعان بالقوة نفسها عند نقطة البداية. ولا ينطبق هذا الوصف على سوريا حيث اندلع الصراع بين متظاهرين غير مسلحين، وقوات مسلحة ذات عتاد ثقيل تابعة للأسد. لم يتحول الصراع الموازي، الذي تطور بعد ذلك بين الجماعات المسلحة المناهضة للأسد، وبقايا جيش النظام، إلى حرب أهلية بسبب وجود عناصر وقوى أجنبية بقوة على الجانبين.
يضيف فان دام إلى كتابه تقديرات تشير إلى أن ما تبقى من أفراد جيش الأسد يزيد على 65 ألف. في الوقت ذاته، يتفاخر اللواء قاسم سليماني، الذي يقود حملة «تصدير الثورة» من طهران، بأن لديه أكثر من 60 ألف رجل في سوريا، من بينهم متطوعون للاستشهاد من لبنان، وأفغانستان، والعراق، وباكستان. بعبارة أخرى، نحو نصف هؤلاء الذين يقاتلون من أجل الحفاظ على أمن وسلامة الأسد في آخر معاقله في دمشق ليسوا من السوريين. في الوقت ذاته من الواضح أنه لولا مظلة الدفاع، التي يوفرها القصف الجوي الروسي، لما كان سيصبح لدى الأسد أي فرصة للعودة ولو رمزياً إلى مناطق مثل حلب.
كذلك هناك تدخل أجنبي واضح في معسكر المعارضة المسلحة. بحسب التقديرات الغربية، يقاتل أكثر من 30 ألف من غير السوريين، يحمل الكثير منهم جوازات سفر أوروبية، إلى جانب تنظيم داعش، والجماعات «الجهادية» المختلفة، بل وحتى جماعات مسلحة كردية في سوريا. قد يكون الدعم المالي، والسياسي، والتدريب، الذي تقدمه أكثر من 50 دولة، إلى المعارضة السورية «قليل جداً ومتأخر للغاية»، كما يؤكد فان دام، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الصعب تقليل شأن العنصر غير السوري من هذا الصراع المأساوي. بعبارة أخرى، تمنع الحرب بالوكالة في هذا الصراع، وهو أمر يقرّه فان دام، توصيف الوضع بأنه حرب أهلية بالمعنى الكلاسيكي.
رغم أوجه القصور الواضحة في كتاب فان دام، يعد إسهاماً مرحباً به في الجدال الدولي بشأن الأزمة السورية، فحسبه أنه يقدم لمحة عن الأفكار المتداولة في الدوائر الدبلوماسية الأوروبية.
ما قد لا يتقبله البعض هو تشاؤم فان دام العميق تجاه مستقبل سوريا، حيث يكتب: «ليس لدى سوريا مستقبل جيد في ظل بقاء بشار الأسد في سدة الحكم، مع ذلك تظل فرص سوريا في المستقبل دون وجود الأسد غير واعدة أيضاً». مع ذلك، ومن دون النظر إلى ما سيحدث، فمن المؤكد أن ماكينة الإرهاب التي يستخدمها الأسد قد تعطلت، وحتى مع الدعم الروسي الإيراني، لا يمكن إصلاحها وإعادتها إلى سابق عهدها. لذا ربما لا تكون فرص سوريا في المستقبل قاتمة؛ وعلى أي حال سوف نرى.



بمبادرة سعودية... قرار أممي يعتمد «تمكين المرأة في الأمن السيبراني»

قطاع الأمن السيبراني في السعودية شهد تطوراً مستمراً (الشرق الأوسط)
قطاع الأمن السيبراني في السعودية شهد تطوراً مستمراً (الشرق الأوسط)
TT

بمبادرة سعودية... قرار أممي يعتمد «تمكين المرأة في الأمن السيبراني»

قطاع الأمن السيبراني في السعودية شهد تطوراً مستمراً (الشرق الأوسط)
قطاع الأمن السيبراني في السعودية شهد تطوراً مستمراً (الشرق الأوسط)

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، الثلاثاء، قرار تمكين «المرأة في مجال الأمن السيبراني» في ضوء أهداف المبادرة العالمية التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، لتمكين المرأة في القطاع من خلال إطار أممي متعدد الأطراف قائم على التعاون والمساعدة التقنية وبناء القدرات لدعم الدول وفقاً لأولوياتها الوطنية.

وانطلاقاً من المبادرة العالمية التي أطلقها ولي العهد السعودي، طرحت بعثة المملكة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف، مشروع قرار أممي يُعزز أهداف هذه المبادرة المهمة على المستوى الدولي، ويترجم رؤيتها إلى خطوات عملية من خلال تعزيز مشاركة المرأة في قطاع الأمن السيبراني، وتنمية مهاراتها، ودعم المسارات المهنية لها في هذا المجال، والإسهام في معالجة الفجوة العالمية في المواهب والمهارات السيبرانية؛ بما يعزز الصمود السيبراني على المستوى العالمي.

وحظي القرار بإجماع دولي باعتماده بتوافق الآراء ودون تصويت في مجلس حقوق الإنسان خلال دورته الثانية والستين، ويعكس هذا الموقف الدولي أهمية هذه المبادرة وأثرها الإيجابي على تعزيز الصمود السيبراني على المستوى الدولي.

شهد برنامج «آمن» للتوعية الذي أطلقته الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في السعودية استقطاب آلاف المهتمين (واس)

وأكد السفير عبد المحسن خثيلة المندوب الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجنيف في كلمته أمام المجلس، أن المبادرة تجسد حرص المملكة على تعزيز التعاون الدولي والمساعدة التقنية وبناء القدرات لتمكين المرأة في مجال الأمن السيبراني، بما يراعي الأولويات الوطنية للدول.

وأوضح أن مشروع القرار يعكس على المستوى الأممي الرؤية التي تتبناها مبادرة ولي العهد السعودي لتمكين المرأة في مجال الأمن السيبراني، وزيادة الكفاءات النسائية في هذا المجال ودعم المسار المهني للمرأة نحو مناصب قيادية عليا.

ويبرز القرار، الذي حظي بتأييد واسع واعتمد بتوافق الآراء، حرص المملكة على دعم جهود الدول في تمكين المرأة في مجال الأمن السيبراني، انطلاقاً من مكانتها الريادية ومبادراتها النوعية في هذا المجال.

يشار إلى أن «مؤسسة المنتدى الدولي للأمن السيبراني» تتولى الإشراف على مشروعات تنفيذ المبادرتين العالميتين اللتين أطلقهما ولي العهد السعودي؛ «حماية الطفل في الفضاء السيبراني»، و«تمكين المرأة في مجال الأمن السيبراني»، وذلك بالعمل والتعاون مع عدد من المنظمات والشركاء الدوليين؛ بما في ذلك مختلف الوكالات المتخصصة في الأمم المتحدة.


«عِش بشاعرية»... وصفة الفيلسوف المعمر إدغار موران للحياة السعيدة

الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (الشرق الأوسط)
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (الشرق الأوسط)
TT

«عِش بشاعرية»... وصفة الفيلسوف المعمر إدغار موران للحياة السعيدة

الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (الشرق الأوسط)
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (الشرق الأوسط)

«أن تحيا الحياة بشاعرية قدر الإمكان

أن تحيا في ظل الفضول والحب

ألا تتخلى عن العقل حين تغلبك العاطفة وألا تترك عاطفتك حين تركن إلى عقلك.

أن تحتفظ بالإحساس الغامض إزاء ما هو ملغز.

ألا تكف عن الانبهار والنشوة وتتعلق بشدة بكل ما يحققهما: الحب، والانتماء، والشعر، والموسيقى، وعجائب وأحاجيّ الأرض والسماء.

أن تسعى دائماً إلى الفهم، وأن تحاول بوجه أخص فهم الآخر.

أن تتطلع إلى السكينة والحيوية بشكل متزامن.

أن تتعلم درس سيزيف: أن تبدأ من جديد حتى تموت».

تلك هي خلاصة الوصفة التي وضعها الفيلسوف الفرنسي المعمّر إدغار موران الذي وافته المنية قبل أيام عن عمر 105 سنوات، ملخصاً فيها أبعاد تجاربه وخبراته وقراءاته ورؤيته للعالم.

انطلق عالم الاجتماع والفيلسوف إدغار موران، المولود في فرنسا عام 1921 والمتوفى في 29 مايو (أيار) الماضي، في بداياته من أسئلة بسيطة وبديهية حول المعرفة الإنسانية، ماذا نعرف؟ من أين اكتسبنا هذه المعارف؟ ما المسموح لنا والمتاح لكي نعرفه؟ وما الذي يتوجب علينا معرفته حقاً؟

أسئلة بسيطة ولكنها معقدة بمعايير علم الأبستمولوجيا، اتكأ عليها لتشكيل دائرة معارفه الخاصة عبر القراءة النهمة لكل ما يقع تحت يديه من كتب في الفكر والفلسفة والأدب والعلم والتاريخ حتى يطرح سؤالاً كبيراً حول كيفية إصلاح العالم.

من تجربة يُتم في الطفولة، بعد فقدان أمه وشعوره بالخديعة التي تعرض لها في إخفاء الأمر عليه، وتساؤله حول ماهية العالم الآخر، هرع إدغار موران إلى عالم القراءة والمعرفة لمحاولة التوصل لماهية العالم وفهمه والتعامل معه بندّيّة، وما بين ثنائية الإصلاح والثورة دارت أفكاره الأولى، فالإصلاح ربما لا يكون كافيا أو مجدياً أو ملائماً لبعض المجتمعات، والثورة بقدر ما تحمل حلولا قوية وجذرية إلا أنها تترك ندوباً في روح المجتمع يصعب شفاؤها.

من هنا اختار موران أن يقفز فوق تلك الثنائية باختيار «الطريق الثالث» الذي يسمح بتجاوز الديمقراطية وينقذها، ويتخطى الرأسمالية، وهو الطريق الذي سيصلح المجتمع بشكل عميق من خلال أنسنته.

في كتابه «مغامرة المنهج» الصادرة ترجمته عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، والذي كتبه في نهاية حياته بعد أن قضى 35 عاماً في تأليف كتابه المرجعي الموسوعي «المنهج»، يضع موران أمامنا تجربة ثرية حول رؤيته للعالم، ورغبته في توصيل هذه الرؤية للجميع، بل وسعيه لتطبيق هذه الرؤية في المناهج التعليمية لتنشئة الأطفال في منظومة واعية تسمح لهم بفهم طبيعة وجودهم في الكون وتفاعلهم مع كل العوامل المحيطة بهم.

يشرح موران في كتابه الذي ترجمه الدكتور أيمن عبد الهادي، ويقيم له المركز القومي للترجمة في القاهرة احتفالية خاصة لاستعادة أفكار هذا الفيلسوف المتفرد، كيفية تعاطيه مع الأفكار التي تلقاها في بداياته، وتخليه عن الشيوعية الستالينة بعد قراءات موسعة ومعرفة عميقة بخيبات الأمل التي أحاطت بالشيوعيين في عهد ستالين، لينتقل إلى رؤية أخرى وتبني الأفكار الماركسية، باعتبار أن فكر ماركس بمقدوره فهم كل المشاكل الإنسانية والتاريخية والاجتماعية.

كتاب «مغامرة المنهج» تضمن سيرة ذاتية فكرية (الشرق الأوسط)

ويرى مترجم الكتاب أيمن عبد الهادي أن هذا الكتاب لا يعد سيرة ذاتية بقدر ما يمكن وصفه بالمغامرة الفكرية على حد تعبير موران نفسه.

ويضيف عبد الهادي لـ«الشرق الأوسط»: «الكتاب يتناول كيفية بناء موران لمشروعه الفكري الضخم وهو كتاب (المنهج) الصادر في 6 أجزاء والذي يدعو خلاله لإعمال الفكر المركب في التعاطي مع القضايا الإنسانية بشكل عام».

في خضم الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا لفرنسا (1940 -1944) تبلوت الأفكار الأولى في عقل موران، مع اندماجه في عالم السياسة وانخراطه في المقاومة لفترة، وحديثه عن حكومة فيشي الموالية لألمانيا، وصوت المقاومة المتمثل في الجنرال شارل ديجول.

ربط موران بين الرؤى الهيغيلة والماركسية في فهم الطبيعة البشرية وعلاقتها بحركة المجتمع والتاريخ، مستنداً إلى توسيع معارفه في علم البيولوجي وقراءته كتاب «الصدفة والضرورة» ومفارقة الجينات القادرة على إنتاج الكائن الحي بشكل متماثل، لكنها تستطيع من دون تخطيط أن تنتج كائناً حياً جديداً بسبب التغير الذي يحدث في المعلومات الوراثية الحيوية، وفق الكتاب.

أثرت نظرية الأنساق المعرفية والسيبرنطيقا في تشكيل الهوية الفكرية لموران عبر 4 محاور رئيسية هي العالم الفيزيائي متضمناً جدلية النظام والفوضى، والعالم الحي الذي يربط فيه بين المجال البيولوجي للإنسان والمجال الثقافي. والمعارف العابرة للتخصصات، والمعرفة.

ووفق المترجم «انطلق موران في مغامرة المنهج من أسئلة بديهية في الطفولة ليخوض مغامرة تحمل مخاطرة، وليست عملاً فكرياً أو علمياً صارماً، يسعى من خلالها لإعلاء قيمة الإنسانية واستخدامها في تحقيق السلام للمجتمع».

صمم الفيلسوف الفرنسي كتابه «المنهج» بمعنى الطريق في البداية ليكون كتاباً واحداً من 4 أقسام هي «طبيعة الطبيعة» و«حياة الحياة» و«معرفة المعرفة» و«مستقبل المستقبل»، إلا أنه مع الوقت أصدر كل كتاب وحده، مع كتب بينية كان لها أثر كبير في تشكيل فكرته عن العالم مثل كتاب «نقد ذاتي».

يلخص إدغار موران منهجه وطريقه في البحث عن وسيلة لإصلاح العالم في عبارة بكتابه «إنسانية الإنسانية» يقول فيها: «هل من الممكن إقصاء الوحشية وتحقيق تحضر البشر؟ هل من الممكن مواصلة تطور الكائن البشري تأسيساً على إنسانيته؟ هل بالوسع إنقاذ البشرية بتحقيق إنسانيتها؟».

ويمكن النظر لكتاب «مغامرة المنهج» على أنه محاولة لفهم كيفية تطوير الأفكار، وفق عبد الهادي، موضحاً أن «الفيلسوف الفرنسي قدم العديد من الأفكار الصالحة للتطبيق عملياً، وأراد إنتاج معرفة موسوعية تؤصل للظاهرة الإنسانية بوصفها ظاهرة معقدة ضد الاختزال وضد التبسيط».

ويشير موران في «مغامرة المنهج» إلى الارتباط الوثيق بين التقنية والاقتصاد الذي يعيشه الكوكب وما يرافقه من زيادة في حالة الانقسام، ويقول إن «الصراعات الإثنية والآيديولوجية والدينية مزقت الأرض... ويرافق التقدم في نمط حياة الرفاهية المادية ارتفاع حالات الشقاء الروحي».

يتبنى موران فكرة ضرورة التفكير في زيادة مقدار الحياة في الأيام التي نعيشها أكثر من زيادة الأيام التي نعيشها فحسب، فوفق الشاعر الألماني هولدرين «يجب أن يسكن الإنسان الأرض بشاعرية»، فالصفة الشاعرية للحياة أهم من السعادة، وهي شرط لكل سعادة.


جاهزية آلة حفر الأنفاق العملاقة لمشروع امتداد «قطار الرياض»

يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
TT

جاهزية آلة حفر الأنفاق العملاقة لمشروع امتداد «قطار الرياض»

يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)
يبلغ قطر رأس الحفر في الآلة 11.16 متر ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

تتقدَّم مراحل تنفيذ مشروع امتداد المسار الأحمر لـ«قطار الرياض»، مع اكتمال تصنيع آلة حفر الأنفاق العميقة المخصصة له، واجتيازها الاختبارات المصنعية، تمهيداً لنقلها إلى العاصمة السعودية، وبدء استخدامها في تنفيذ أعمال الأنفاق. ويربط الامتداد بين جامعة الملك سعود ومشروع تطوير «بوابة الدرعية»، وذلك في إطار جهود الهيئة الملكية لمدينة الرياض لتطوير شبكة النقل العام، وتعزيز الترابط بين الوجهات الحيوية في العاصمة. وتعمل الآلة بنظام توازن ضغط التربة، ويبلغ قطر رأس الحفر فيها 11.16 متر، ويصل طولها الإجمالي إلى 105 أمتار. كما زُوِّدت بتقنيات هندسية متقدِّمة تُعزِّز قدرتها على التعامل مع الظروف الجيولوجية المختلفة، بما يسهم في رفع كفاءة تنفيذ أعمال الحفر والإنشاء.

تقنيات هندسية متقدِّمة تُعزِّز قدرة الآلة على التعامل مع الظروف الجيولوجية المختلفة (الهيئة الملكية لمدينة الرياض)

ويمتدُّ المسار الأحمر، أحد المسارات الرئيسة ضمن شبكة «قطار الرياض»، بطول يقارب 8.4 كم، ويربط بين عدة وجهات حيوية، ويشمل تنفيذ 7.1 كيلومتر من الأنفاق العميقة تحت سطح الأرض، و1.3 كيلومتر من المسارات المرتفعة. كما يضمُّ 5 محطات، منها اثنتان بجامعة الملك سعود، حيث تخدم الأولى المدينة الطبية والكليات الصحية، في حين تخدم الثانية بهو الجامعة، إضافة إلى 3 محطات في الدرعية، ستكون إحداها نقطة ربط بالمسار السابع مستقبلاً. ويأتي مشروع الامتداد الجديد لتعزيز تكامل الشبكة وخدمة المناطق والمشروعات التنموية الواقعة على امتداد المسار، بما يواكب النمو العمراني المتسارع، ويُعزِّز خيارات التنقل المستدام في مدينة الرياض. ويُعدُّ استخدام تقنيات الحفر المتقدمة أحد العناصر الرئيسة في تنفيذ مشروعات النقل الكبرى، بما يسهم في إنجاز الأعمال وفق أعلى المعايير الهندسية والتشغيلية، ويدعم مستهدفات الهيئة في تطوير بنية تحتية متكاملة للنقل.

عاجل مونديال 2026: سويسرا إلى ربع النهائي على حساب كولومبيا بركلات الترجيح