الصابئة المندائيون يحتفلون بـ«التعميد الذهبي» على ضفاف الزاب الكبير

هربوا بعيدهم إلى أربيل خشية تعرضهم للاستهداف في وسط وغربي العراق

الصابئة المندائيون يحتفلون بـ«التعميد الذهبي» على ضفاف الزاب الكبير
TT

الصابئة المندائيون يحتفلون بـ«التعميد الذهبي» على ضفاف الزاب الكبير

الصابئة المندائيون يحتفلون بـ«التعميد الذهبي» على ضفاف الزاب الكبير

بعيدا عن مدنهم وبيوتهم هذه المرة، احتفلت طائفة الصابئة المندائيين أول من أمس بعيد التعميد الذهبي «الدهفة ديمانة»، ثاني أهم الأعياد الدينية الأربعة في الديانة المندائية، وذلك على ضفاف نهر الزاب الكبير الواقع غربي مدينة أربيل، بسبب عدم تمكنهم من إقامة هذه المراسم بمعابدهم في مدن وسط وجنوبي العراق بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وتعرضهم للاستهداف المتكرر في تلك المدن، ولجأت كثير من عائلات الطائفة، التي تعد الأقدم في وادي الرافدين، إلى إقليم كردستان العراق، ويقدر عددهم حاليا في أربيل بنحو 500 شخص.
وقال الشيخ علاء عزيز طاووس وكيل رئيس الصابئة المندائيين في العراق، الذي قدم من بغداد لتعميد أبناء طائفته في نهر الزاب الكبير: «يأتي الصابئة المندائيون في الصباح الباكر للتعميد، وتعميد أطفالهم في هذا العيد الذي يعد من الأعياد المقدسة، وبعد إجراء مراسم التعميد يقوم أبناء الطائفة بإجراء ثواب الغفران لموتاهم، والتهاني فيما بينهم، وتمحى الأحقاد والضغائن ويفتحون صفحة جديدة وهي بداية حياة جيدة».
وأضاف: «نتقدم بالشكر الجزيل لحكومة إقليم كردستان، لأنها احتوت أبناءنا في هذه المحافظة التي تمتاز بالطيبة والأمان والاستقرار، ففضلوا البقاء في العراق بدلا من التوجه إلى الغربة والانصهار في تلك الحضارات ولم يرغبوا في ترك بلدهم».
أم ماريا، التي تسكن منطقة الدورة غربي بغداد وتعتز بطائفتها الصابئية، حرصت على مشاركة بقية أهلها، المقيمين في أربيل، احتفالهم بعيد التعميد الذهبي لأول مرة، بعد أن حرمت عوائل كثيرة من الاحتفال به في بغداد، وتمنت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن «تكون الحكومة الجديدة قادرة على تحقيق الأمن للمجتمع العراقي بشكل عام، والأقليات بشكل خاص بعد سنوات من التهجير والتهديد والاستهداف».
بدوره، طالب رئيس الصابئة المندائيين في العراق الريشما ستار جبار، بتشريع قوانين تضمن حقوق المكونات قليلة العدد، على أساس أن قوة المجتمعات تقاس باستقرار أقلياتها الإثنية أو الدينية، ومدى ما تأخذه من حقوق، منتقدا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الخلافات السياسية في العراق، التي تنعكس سلبا على الواقع والمجتمع العراقي، مؤكدا على «أهمية نبذ الخلافات والمحاصصة المقيتة، واللجوء إلى الحوار والتعاون في ظل حكومة جديدة وقوية من أجل عراق يعيش على أرضه الجميع بسواسية، وبعيدا عن التهميش».
يذكر أن الصابئة المندائيين الذين يبلغ تعدادهم نحو 60 ألف نسمة في جميع أنحاء العالم، يحتفلون سنويا بأربعة أعياد دينية رئيسة، هي: «البرونايا (عيد الخليقة)»، و«الدهفة ديمانة (يوم التعميد الذهبي)»، و«الدهفة ربة (العيد الكبير)»، و«الدهفة حنينا (عيد الازدهار)»، فضلا عن ثلاث مناسبات دينية أخرى لا تقل أهمية عن الأعياد الرئيسة، وهي: مناسبتا أبو الفل وأبو الهريس، وعيد شوشيان.
وتشير مصادر مندائية إلى أن العيد الذي يأتي بعد 60 يوما من «البنجة»، أي في الأول من شهر «هطية» المندائي هو عيد الدهفة ديمانه، وهو احتفال بتعميد النبي يحيى، وفيه يتوجب على الأتقياء أن يتعمدوا كأسلافهم، حيث يُجرى تعميد جماعي لأبناء الطائفة المندائية، وبالخصوص الأطفال.
إحصاءات جمعية الثقافة المندائية أشارت إلى وجود المئات من أبناء هذه الطائفة في إقليم كردستان العراق، الذين وصلوا إليه بعد عام 2003، بحدود 110 عائلات في أربيل.
وتعد طائفة الصابئية من سكان العراق الأصليين، وأقدم من استوطن أرضها قبل التاريخ، وهي من أقدم الديانات الموحدة، وكانت منتشرة في بلاد الرافدين وفلسطين قبل المسيحية، ولا يزال بعض من أتباعها موجودين في العراق، حيث إن مقر رئاسة الطائفة يقع في بغداد، كما أن هناك وجودا للمندائيين في إقليم الأحواز في إيران، ويطلق عليهم في اللهجة العراقية «الصبّة».
كما يسمون بـ«المندائيين» أو «الصابئة المندائيين»، حيث اشتقت كلمة المندائيين من الجذر «مندى»، الذي يعني بلغتهم المندائية «المعرفة» أو «العلم»، أما كلمة «الصابئة» فهي مشتقة من الجذر «صبا»، الذي يعني باللغة المندائية «اصطبغ»، أو «تعمد»، أو «غطس في الماء»، وهي من أهم شعائرهم الدينية، وبذلك يكون معنى «الصابئة المندائيين»: «المُعَمَّدون العارفون لدين الحق» أو «العارفون بوجود الخالق الأوحد الأزلي».
ولتقديسهم للمياه، فإنهم يعيشون منذ القدم في المدن الواقعة عند ضفاف الأنهار، مثل بغداد والبصرة والعمارة، كما تقام معابدهم عند حافات المياه الحالية، حيث تجري طقوس التعميد في مياه هذه الأنهار.



بعد 100 عام... تغيير في اليابان نحو تقاسُم حضانة الأطفال

مساحة تفاهم بين طرفين (غيتي)
مساحة تفاهم بين طرفين (غيتي)
TT

بعد 100 عام... تغيير في اليابان نحو تقاسُم حضانة الأطفال

مساحة تفاهم بين طرفين (غيتي)
مساحة تفاهم بين طرفين (غيتي)

سيكون بمقدور الأزواج المطلَّقين في اليابان التفاوض بشأن الحضانة المشتركة لأطفالهم، وذلك في أول تغيير رئيسي يطرأ على القوانين المنظمة لتربية الأطفال في البلاد منذ ما يزيد على 100 عام.

وسابقاً، كان القانون المدني الياباني يلزم الزوجين تحديد طرف واحد فقط يتولَّى حضانة الأطفال عند وقوع الطلاق. وإنما الضغوط التي مارسها النقاد، الذين يرون أنّ صراع تجاذب الأبناء بين الوالدين يتسبَّب في أضرار نفسية للأطفال ويعاقب الوالد «المحروم» بشكل غير منصف، بلغت ذروتها بتصويت برلماني في عام 2024 لتعديل القانون.

وذكرت «الغارديان» أنه بموجب التعديل، فسيتمكن الوالدان من تقرير ما إذا كانت ستُرتَّب حضانةٌ مشتركة أم فردية لأبنائهما. ووفق صحيفة «أساهي شيمبون»، فإنه في الحالات التي جرى فيها الطلاق فعلياً ومُنح فردٌ واحد الحضانة، يمكن للوالدين التقدُّم بطلب إلى محكمة الأسرة لتغيير الاتفاق.

ويدعو هذا التعديل، وهو الأول من نوعه منذ تقنين أحكام الزواج ضمن القانون المدني أواخر القرن الـ19، الوالدين إلى احترام كل منهما مواقف الآخر والتعاون بما يحقّق «المصالح المُثلى لطفلهما».

وبهذا التغيير القانوني، تلتحق اليابان، العضوُ الوحيد في «مجموعة السبع» الذي لم يكن يعترف قانوناً بالحضانة المشتركة، بركب غالبية الدول الأخرى، حيث تُعد التربية التعاونية للأطفال بعد الطلاق أمراً شائعاً.

ويرى مؤيّدو هذا التغيير أنّ النظام السابق كان يمنع الطرف غير الحاضن من لعب أي دور في القرارات المهمّة التي تمسّ أطفاله، بما فيها اختيار المدرسة، ومكان الإقامة، وما إذا كان الطفل سيتلقّى التطعيمات من عدمه.

وفي المقابل، يرى المنتقدون أنّ ترتيبات الحضانة المشتركة قد تسمح للطرف «المُسيء» باستغلال الصلاحيات الأوسع لمواصلة إيذاء شريكه السابق أو الطفل. كما أشار آخرون إلى أنّ التعديل يضع سلطة مُفرطة في يد محاكم الأسرة، التي سيُطلب منها الفصل في ترتيبات الحضانة عندما يعجز الوالدان عن التوصل إلى قرار بنفسيهما.

وفي حديث لصحيفة «جابان تايمز»، أعربت إيمي إيشيكاوا، وهي سيدة ناجية من عنف منزلي فرَّت من زواجها قبل 5 سنوات عندما كان طفلها في عامه الأول، عن مخاوفها من استغلال زوجها السابق مادة تسمح للمطلقين قبل 1 أبريل (نيسان) بالتقدُّم بطلب للحصول على حضانة مشتركة.

ورغم أنّ محاكم الأسرة غير مخوَّلة منح الحضانة المشتركة في الحالات التي يُستشهد فيها بالانتهاكات سبباً للطلاق، فإن إيشيكاوا، التي فضَّلت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي، لم تشعر بالاطمئنان، وقالت: «بصراحة، أنا خائفة جداً. سأضطر إلى العيش في رعب طيلة الـ12 عاماً المقبلة (حتى يبلغ طفلها سنّ الرشد) خشية اللحظة التي قد يتقدَّم فيها زوجي السابق بطلب للحضانة المشتركة».

وبموجب النظام الحالي، فإنّ الأمهات يحصلن على الحضانة في 85 في المائة من الحالات، وفق بيانات وزارة الصحة لعام 2020.

وقد أثار نظام «الحضانة الفردية» انتقادات واسعة من المطلّقين، بمن فيهم الأجانب الذين يعانون للحفاظ على علاقاتهم بأطفالهم إذا ما قرَّر الطرف الآخر العودة بهم إلى اليابان.

يُذكر أن نحو 200 ألف طفل في اليابان يتأثَّرون بحالات الطلاق سنوياً، وهو ضعف العدد المُسجَّل قبل 50 عاماً. كما كشف مسح حكومي أُجري عام 2021 عن أنّ واحداً من كلّ 3 أطفال لأبوين مطلَّقين صرَّح بأنه فقد الاتصال نهائياً بالطرف غير الحاضن.


في المهمة للقمر... لماذا سيرتدي رواد فضاء «أرتميس 2» اللون البرتقالي؟

داستن جومرت مدير مشروع أنظمة نجاة طاقم أوريون يشرح عملية بناء بدلات الفضاء التي ستُستخدم في مهمة «أرتميس 2» (أ.ب)
داستن جومرت مدير مشروع أنظمة نجاة طاقم أوريون يشرح عملية بناء بدلات الفضاء التي ستُستخدم في مهمة «أرتميس 2» (أ.ب)
TT

في المهمة للقمر... لماذا سيرتدي رواد فضاء «أرتميس 2» اللون البرتقالي؟

داستن جومرت مدير مشروع أنظمة نجاة طاقم أوريون يشرح عملية بناء بدلات الفضاء التي ستُستخدم في مهمة «أرتميس 2» (أ.ب)
داستن جومرت مدير مشروع أنظمة نجاة طاقم أوريون يشرح عملية بناء بدلات الفضاء التي ستُستخدم في مهمة «أرتميس 2» (أ.ب)

مع اقتراب أول مهمة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من نصف قرن، لا تقتصر الأنظار على الأهداف العلمية والتقنية لمهمة «أرتميس 2»، بل تمتد أيضاً إلى تفاصيل تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها تحمل دلالات مهمة، ومن أبرزها لون بدلات رواد الفضاء. فاللون البرتقالي الزاهي الذي سيرتديه أفراد الطاقم ليس مجرد خيار جمالي، بل إنه عنصر مدروس يجمع بين السلامة، والوظيفة، والرمزية.

سيظهر رواد الفضاء الأربعة -ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوتش، وجيريمي هانسن- مرتدين هذه البدلات البرتقالية عند انطلاقهم من مركز «كينيدي» للفضاء في فلوريدا، كما سيرتدونها عند عودتهم بعد رحلة تستمر عشرة أيام حول القمر، ويصلون خلالها إلى أبعد نقطة بلغها البشر في الفضاء، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

وبذلك لا تصبح هذه الرحلة حدثاً تاريخياً فحسب، بل تتحول البدلات البرتقالية نفسها إلى جزء من هذا الحدث، بوصفها رمزاً بصرياً يرافق لحظات مفصلية في تاريخ استكشاف الفضاء.

بين الوظيفة والجاذبية البصرية

في السنوات الأخيرة، انصبّ الاهتمام على بدلات السير في الفضاء البيضاء التي تُطوّرها «برادا» و«أكسيوم سبيس»، غير أن بدلات «أرتميس 2» البرتقالية قد تكون الأكثر لفتاً للأنظار، وهو أمر مقصود.

فإذا كانت بدلات «سبيس إكس» التي صممها إيلون ماسك تبدو كأنها مستوحاة من أفلام الخيال العلمي الحديثة؛ وإذا كانت بدلات «برادا/ أكسيوم» تجمع بين الطابع العملي ولمسات من عالم الأزياء؛ وإذا كانت بدلات «بلو أوريجين» التي صممها جيف بيزوس تعكس روح المغامرة بأسلوب مستقبلي؛ فإن البدلات البرتقالية تمنح رواد الفضاء حضوراً أقرب إلى أبطال القصص المصوّرة، بفضل تصميمها الجريء، ولونها اللافت.

بدلة يستخدمها قائد مهمة «أرتميس 2» ريد وايزمان للتدريب تظهر على طاولة في مركز جونسون للفضاء (أ.ب)

تصميم متطور بوظائف حيوية

لا يقتصر دور هذه البدلات على الشكل الخارجي، إذ صُممت لتعمل كنظام دعم حياة مصغّر، يتيح لرواد الفضاء البقاء داخلها لمدة تصل إلى 144 ساعة عند الضرورة. وقد جرى تصميمها خصيصاً لتناسب مقاييس كل رائد فضاء على حدة، بإشراف مهندسي وكالة «ناسا».

وتتميّز البدلات بخطوط زرقاء سماوية عاكسة تُشكّل حرف V واضحاً على منطقة الجذع، وتمتد إلى الفخذين، وأعلى الذراعين، حيث تُبرز مرونة الكتفين بطريقة تُشبه مفاصل الدروع.

ولا يقتصر اللون الأزرق على الجانب الجمالي، بل يؤدي وظائف عملية؛ إذ يشير شكل حرف V إلى مواقع أحزمة الإنقاذ الخارجية، بينما تحتوي الجيوب الزرقاء التي تشبه حزم الطاقة على سترات نجاة، وأسطوانات أكسجين احتياطية. كما يخلق التباين بين الأزرق والبرتقالي وضوحاً بصرياً يعزز من سهولة تمييز البدلة في مختلف الظروف.

لماذا اللون البرتقالي؟

يحمل اللون البرتقالي تاريخاً طويلاً في مجالات السلامة، والإنقاذ، إذ يُعرف رسمياً باسم «البرتقالي الدولي» (AMS Standard 595، رقم FS 12197)، وفقاً للمعايير الحكومية الأميركية الخاصة بالدهانات.

وتوضح ليتريس إيزمان، المديرة التنفيذية لمعهد «بانتون» للألوان، أن «البرتقالي مزيج من الأحمر، والأصفر، وهما لونان قويان، وبارزان، ما يجعله لوناً يعكس الإلحاح، ويجذب الانتباه بسرعة».

لهذا السبب، يُستخدم هذا اللون على نطاق واسع في معدات السلامة، إذ يسهل رصده من مسافات بعيدة، سواء في البحر، أو على اليابسة، أو في البيئات الصعبة، وهو ما يجعله خياراً مثالياً لبدلات رواد الفضاء، حيث تُعدّ سرعة تحديد موقعهم أمراً حاسماً في حالات الطوارئ.

كما أن فعالية اللون البرتقالي في عمليات البحث والإنقاذ واضحة، ولا يمكن تجاهلها. أما بدلات «ناسا» الخاصة بالسير في الفضاء، والتي يرتديها رواد الفضاء خلال أنشطتهم خارج محطة الفضاء الدولية فتظل بيضاء، نظراً لقدرتها العليا على عكس الحرارة. وبحلول عام 1988، ظهرت البدلات البرتقالية الدولية، والتي عُرفت أيضاً بلقب «بدلات اليقطين».


سماء أستراليا تتحوَّل إلى لون الدم... ما سرّ المشهد المرّيخي؟

الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
TT

سماء أستراليا تتحوَّل إلى لون الدم... ما سرّ المشهد المرّيخي؟

الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)

تسبَّبت المَشاهد المروّعة للسماء الحمراء فوق غرب أستراليا في جذب اهتمام إعلامي دولي واسع. ونتجت هذه الظاهرة غير المعتادة عن غبار قرمزي أثارته الرياح الخارجية القوية للإعصار الاستوائي الشديد «ناريل».

ووفق «الإندبندنت»، تُعدّ هذه الأحداث الجوية المذهلة غير شائعة في شمال غربي أستراليا؛ إذ تتطلَّب حدوث ظروف بيئية دقيقة جداً. فمعظم الأعاصير الاستوائية التي تضرب هذه المنطقة القاحلة لا تسفر عن سماء حمراء. وعادة ما تحدث العواصف الترابية الضخمة التي تُغيّر لون السماء خلال فترات الجفاف الطويلة. ولعلَّ أبرزها تلك العاصفة التي اجتاحت مدينة ملبورن في 8 فبراير (شباط) 1983، وأدَّت إلى تحوُّل السماء إلى اللون الأحمر البني ثم الأسود القاتم.

فما الذي تسبّب في العاصفة الترابية للإعصار «ناريل»؟ ولماذا اكتست السماء بهذا اللون الأحمر الظاهر؟ لقد اجتمعت 4 عوامل لتشكيل هذه الحالة: طبيعة جغرافية مكشوفة وشديدة الجفاف ذات تربة حمراء، ونقص في الأمطار السابقة، ورياح عاتية سبقت موجات المطر المصاحبة للإعصار، واتجاه محدَّد للرياح.

سرّ الحجم المهيب للعاصفة الترابية؟

يُعد شمال غربي أستراليا أحد الأماكن القليلة في العالم التي تؤثّر فيها الأعاصير الاستوائية على مناخ صحراوي قاحل، على غرار شبه الجزيرة العربية وأجزاء شبه قاحلة في الهند وباكستان. وتفتقر هذه المناطق الجافة إلى الغطاء النباتي الطبيعي الكافي لحماية التربة الهشَّة من رياح الأعاصير. وفي شمال غربي ولاية غرب أستراليا، تمنح التربة الغنية بالحديد، التي تجذب كبرى شركات التعدين، المنطقة مظهرها الأحمر الاستثنائي.

ووفق مكتب الأرصاد الجوية، شهدت المنطقة الشمالية الغربية الكبرى هطول أمطار تراوحت بين 10 و50 ملم فقط في الأسابيع الستة التي سبقت الإعصار «ناريل»، ممّا جعل الأرض القاحلة جافة تماماً. وكان هذا عاملاً حاسماً في حجم العاصفة الترابية ذات الصبغة الحمراء وضخامتها.

وفي نصف الكرة الجنوبي، تدور الأعاصير الاستوائية في اتجاه عقارب الساعة بسبب «قوة كوريوليس» التي تؤثّر في حركة الأجسام الدوّارة، ممّا يفسّر كيفية تطوُّر العاصفة؛ إذ كانت الرياح القوية جنوب عين الإعصار آتية من اتجاه الشمال الشرقي إلى الجنوب الشرقي، وبالتالي هبَّت فوق اليابسة الجافة.

وبعد تحرّكه جنوباً بالقرب من «نورث ويست كيب» في غرب أستراليا، عبر الإعصار «ناريل» الساحل أخيراً قرب «كورال باي» متوجّهاً نحو الداخل حيث تراجعت قوته.

وقد امتدَّت رقعة الرياح العاتية للإعصار لمسافة تتراوح بين 200 و260 كيلومتراً من مركزه. وهبَّت هذه الرياح القوية في المنطقة الجنوبية الغربية من الإعصار عبر أراضي «بيلبارا» الجافة، لتمتصَّ الرواسب الحمراء الدقيقة قبل وصول أحزمة المطر وتنقّلها غرباً. وضربت هذه العواصف الترابية الحمراء القانية المدن الساحلية في منطقتي غاسكوين وبيلبارا.

كما ساعدت التضاريس الواسعة والمنبسطة في بيلبارا على خلق مسافة هبوب طويلة للرياح فوق أرض مفتوحة، ممّا سمح بالتقاط كميات أكبر من جزيئات الغبار. ومع مرور الإعصار، ارتفعت مستويات الرطوبة بسرعة، وتبعتها سحب كثيفة ثم أمطار غزيرة؛ وهذا هو السبب في أنّ ذلك الغبار المريع لم يدم طويلاً؛ إذ غسلته الأمطار من الغلاف الجوّي وأعادته إلى الأرض.

لماذا بدت السماء بهذا اللون الأحمر القاني؟

تحتوي تربة منطقة بيلبارا ذات اللون الأحمر الداكن على نسبة عالية من أكاسيد الحديد، وهي التربة التي تُشكل حجر الزاوية لصناعة تعدين خام الحديد التي تُقدّر استثماراتها بمليارات الدولارات.

وتكمن الإجابة في فَهْم فيزياء الغلاف الجوّي؛ إذ تعمل جزيئات الغبار العالقة في الهواء على تشتيت الأطوال الموجية القصيرة (الضوءان الأزرق والأخضر) بشكل أكثر فاعلية، في حين تنفّذ الأطوال الموجية الأطول (الضوءان الأحمر والبرتقالي) أو تهيمن على ما يصل إلى العين. وقد أدَّت جزيئات التربة الحمراء إلى تعميق درجة اللون الأحمر المُنبعث، ومن هنا ظهرت السماء بلون برتقالي محمَّر داكن، أو حتى بلون الدم.

ونتيجة للمزيج الدقيق من الظروف البيئية، احتوت عاصفة «ناريل» الترابية على تركيز مرتفع جداً من الغبار، كان كثيفاً بما يكفي لترشيح ضوء الشمس الداخل إلى الغلاف الجوّي وصبغه بشكل ملحوظ؛ وهو ما خلق ذلك المظهر المريع الشبيه بسطح كوكب المريخ. كما اقترب الإعصار من منطقة نورث ويست كيب في الصباح الباكر، وهو الوقت الذي يضطر فيه ضوء الشمس إلى قطع مسافة أطول عبر الغلاف الجوّي، ممّا أدّى إلى مزيد من التشتُّت وجعل الدرجات الحمراء تبدو أكثر قوّة.

وتُعدّ العواصف الترابية الضخمة ظاهرة متكرّرة خلال فترات الجفاف الطويلة في وسط أستراليا وجنوب وشرقها. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك عاصفة «الفجر الأحمر» التي اجتاحت سيدني في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، حيث استيقظ السكان على فجر أحمر مخيف بسبب سحابة غبار هائلة.

وعادة ما تنتج هذه العواصف الترابية الضخمة عن جبهات هوائية باردة قوية وعواصف رعدية شديدة تدفع جزيئات الرواسب الدقيقة إلى أعالي الغلاف الجوّي. وتتحرّك هذه الجزيئات عادة نحو الشرق، وتصل أحياناً إلى المستويات العليا من طبقة «التروبوسفير»، وفي حالات نادرة، يترسَّب هذا الغبار في أماكن بعيدة تصل إلى جبال الألب الجنوبية في نيوزيلندا (أوتياروا).

إنّ مثل هذه الأحداث الجوّية المُذهلة تبرز بوضوح على الساحة العالمية؛ فالتضافر النادر بين التربة الحمراء الاستثنائية لمنطقة بيلبارا، والرياح الإعصارية الآتية من الاتجاه الصحيح، والتوقيت المثالي الذي سبق هطول الأمطار، سمح ببناء تركيزات عالية جداً من الغبار الجوّي، ممّا جعله مشهداً جاذباً للأبصار وحدثاً دوّنته سجلات الأرقام القياسية.