وزيرا الدفاع والخارجية الفرنسيان في بغداد وأربيل للتحضير لما بعد «داعش»

باريس تريد دوراً في مرحلة السلام وحصة في إعادة الإعمار

رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني لدى استقباله وزيري الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان والدفاع فلورنس بارلي في أربيل (رويترز)
رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني لدى استقباله وزيري الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان والدفاع فلورنس بارلي في أربيل (رويترز)
TT

وزيرا الدفاع والخارجية الفرنسيان في بغداد وأربيل للتحضير لما بعد «داعش»

رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني لدى استقباله وزيري الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان والدفاع فلورنس بارلي في أربيل (رويترز)
رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني لدى استقباله وزيري الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان والدفاع فلورنس بارلي في أربيل (رويترز)

زيارة الـ24 ساعة التي قام بها إلى بغداد وأربيل وزيرا الخارجية والدفاع الفرنسيان جان إيف لو دريان وفلورنس بارلي، أمس، لا يمكن فصلها، كما تقول مصادر دبلوماسية فرنسية، عما آلت إليها الحرب ضد تنظيم داعش وعن رغبة باريس في أن تكون حاضرة في زمن السلم بعد أن كانت حاضرة في زمن الحرب.
ويطيب للمسؤولين الفرنسيين أن يذكروا بأن باريس كانت من أوائل الدول التي انضمت منذ صيف العام 2014 إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش» بقيادة الولايات المتحدة وأنها «المساهم الثاني» في العمليات الجوية بعد واشنطن. فضلا عن ذلك، فإن باريس نشرت ما لا يقل عن 500 رجل، بعضهم لتوفير التدريب لوحدات عراقية والبعض الآخر من رجال الكوماندوز للمساهمة عن بعد في العمليات العسكرية. كذلك تذكر هذه المصادر أن باريس أرسلت وحدات من المدفعية الثقيلة التي شاركت في معركة الموصل كما أنها تشارك في معركة تلعفر. وما زالت الطائرات الفرنسية تساهم في عمليات القصف منطلقة من قاعدتين جويتين: الأولى في أبوظبي والثانية في الأردن. وفي أوقات متقطعة، انضمت حاملة الطائرات شارل ديغول إلى الجهد العسكري الفرنسي الجوي في سوريا والعراق.
وحتى اليوم، ما زالت باريس مستمرة في توفير الدعم العسكري للقوات العراقية والكردية على السواء. ولكن مع اقتراب الانتهاء من معركة تلعفر وانهيار آخر معقل أساسي لـ«داعش» بعد سقوط الموصل، فإن المسؤولين الفرنسيين أخذوا ينظرون إلى مرحلة ما بعد انتهاء الحرب على التنظيم الإرهابي وإلى التحديات التي تنتظر العراق وخصوصا إلى ما يمكن أن تطمح إليه باريس. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن لو دريان قوله في الطائرة التي أقلت الوفد الفرنسي إلى بغداد إن الفترة الراهنة هي «مرحلة انتقالية بين حرب تقترب من نهايتها و(زمن) بداية الاستقرار وإعادة البناء».
في المقابل، شددت فلورنس بارلي على الجوانب العسكرية للزيارة إذ أكدت أن الدعم الفرنسي العسكري مستمر «طالما لم يتم دحر العدو المشترك (داعش)» وإخراجه من كافة «الجيوب» التي ما زال يسيطر عليها. وفي أي حال، فإن باريس ترى أن دحر «داعش» في العراق «لم يعد سوى مسألة وقت» وهي تقدر بشهور. لكنها في المقابل تعتبر أن ذلك «لا يعني نهاية الإرهاب وانعدام قدرة (داعش) على تنفيذ عمليات إرهابية».
وأصدرت الخارجية الفرنسية بعد ظهر أمس بيانا جاء فيه أن الحرب على داعش «يجب أن تستمر حتى تحرير كافة الأجزاء التي ما زالت محتلة من الأراضي العراقية كتلعفر والحويجة وبعض مناطق الأنبار»، مشيرة إلى أن لو دريان (الذي شغل منصب وزير الدفاع في السنوات الخمس المنصرمة) أكد للمسؤولين العراقيين «التزام باريس الثابت إلى جانب العراق حتى دحر (داعش)» كما جدد التذكير بـ«الحاجة لحماية المدنيين».
وفي المؤتمر الصحافي المشترك مع وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري، كشف لو دريان عن نوايا بلاده بقوله: «نحن موجودون في الحرب وسوف نكون موجودين في السلم» ما يبين رغبة باريس بأن تساهم في جهود المصالحة الوطنية في العراق من جهة وأن يكون لها دور في عملية إعادة الإعمار التي ستكلف مبالغ طائلة تتراوح وفق التقديرات المتوافرة ما بين 700 إلى 1000 مليار دولار.
ويقول مصدر فرنسي مطلع إن باريس تريد أن تجني «الثمار السياسية والاقتصادية والاستثمارية» لما زرعته في العراق في السنوات الثلاث المنصرمة وإن غرضها الأبعد «بناء علاقة بعيدة المدى» مع بغداد على كل المستويات. ولذا، فإن أفضل السبل هو «التواصل المباشر» مع كبار المسؤولين العراقيين الأمر الذي دفع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى إرسال وزيرين سياديين (الخارجية والدفاع) إلى بغداد وأربيل للاجتماع في العاصمة العراقية مع رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الوزراء حيدر العبادي ومع وزيري الخارجية والدفاع ولقاء رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني.
وترى باريس أن العراق مقبل على ثلاثة تحديات سياسية رئيسية: الأول، يتمثل في رغبة الأكراد في تنظيم استفتاء على الاستقلال وما يمكن أن يستتبعه من تداعيات داخلية وإقليمية. والثاني، قدرة الحكومة على السير بسياسة وفاقية تجمع كافة مكونات المجتمع العراقي وتحديدا المكون السني وثالثها «مرتبط بالثاني» ويتناول تحديدا التوافق على صيغة لإدارة الموصل وسهل نينوى وكلاهما غني بتنوعه البشري. بيد أن الملف الملتهب، بحسب باريس، هو بالطبع الاستفتاء الكردي الذي ترى فيه، كبقية الأطراف الإقليمية والدولية، «خطرا داهما». وتعتبر فرنسا نفسها «صديقة للأكراد» منذ تسعينات القرن الماضي وأنها قادرة على التأثير عليهم. في المقابل، فإن باريس «تؤيد تمتع الأكراد بإدارة ذاتية ولكن في إطار الدستور العراقي الحالي». وتتمسك باريس ببقاء الحدود الحالية الموروثة عن اتفاقية سايكس - بيكو ومؤتمر باريس والمؤتمرات الدولية اللاحقة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الأولى على حالها. وقال الباحث ديديه بيون المتخصص في الشؤون التركية والكردية والعراقية لـ«الشرق الأوسط» إن كردستان مستقلة «لن تكون قادرة على الحياة اقتصاديا في ظل معارضة شديدة من بغداد وخصوصا من الدول الإقليمية المحيطة» كما أن الاستفتاء سيشعل ربما صراعا جديدا مع بغداد ودول الجوار.
ليس سرا أن باريس تدعو الطبقة السياسية العراقية ومنذ سنوات إلى اتباع سياسات توافقية في الداخل. وفي هذا السياق، أشار بيان الخارجية إلى أن باريس «ستواكب تدعيم الاستقرار في العراق وإعادة بنائه من أجل التوصل إلى سلام دائم يمكن من مصالحة كافة مكونات المجتمع العراقي». ونوه البيان بقرض قيمته 430 مليون يورو للعام 2017 من أجل تمكينه من الحصول على التمويل الدولي الضروري لعملية إعادة الإعمار معبرا عن رغبة باريس بأن تفضي زيارة لو دريان وبارلي إلى «انطلاقة جديدة» للعلاقات الثنائية في «كافة الميادين».
يبقى أن باريس تريد «توضيح» ملف المواطنين الفرنسيين أو المقيمين على الأراضي الفرنسية الذين انضموا إلى داعش وتقدر أعدادهم بـ600 إلى 700 شخص (في سوريا والعراق) وبعضهم وقع أسيرا بأيدي القوات العراقية. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر دبلوماسية أن المقاتلين وزوجاتهم يمكن أن يحاكموا لانتمائهم إلى تنظيمات إرهابية في العراق، لكن يتعين أن يتمتع الأطفال بمعاملة مختلفة قانونيا واجتماعيا على الأراضي الفرنسية ما يعني استرجاعهم إلى فرنسا. ولا تخفي الأجهزة الأمنية الفرنسية تخوفها من عودة مقاتلين إلى الأراضي الفرنسية ما يزيد من المخاطر الإرهابية علما بأن فرنسا عانت في العامين والنصف الأخيرين من تكرار العمليات الإرهابية التي أوقعت 243 قتيلا وعدة مئات من الجرحى.
وفي سياق آخر، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي، في رده على سؤال عن سوريا، أنه «لا يجب إغفال البحث عن حل سياسي في سوريا بالتزامن مع استمرار الحرب ضد (داعش)». وأضاف لو دريان أنه لا يوجد شرط مسبق برحيل رئيس النظام السوري بشار خلال المرحلة الانتقالية، وأن الموضوع الأساسي في سوريا هو محاربة داعش. وأشار إلى ضرورة أن تتوسع مناطق وقف التصعيد لتشمل كل سوريا.
وتعكس هذه التصريحات الانعطافة التي لحقت بالسياسة الفرنسية إزاء سوريا منذ وصول الرئيس ماكرون إلى قصر الإليزيه. وينتظر أن يكشف ماكرون يوم الثلاثاء المقبل، في خطابه أمام السفراء الفرنسيين المعتمدين في العالم، عن تفاصيل «مبادرته» في سوريا والتي أساسها تشكيل «مجموعة اتصال» لمواكبة جهود الأمم المتحدة وتشكيل «المظلة السياسية» للاتصالات الدائرة حول سوريا.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.