يوم انتحرت «ماجدولين»

يوم انتحرت «ماجدولين»

الخميس - 2 ذو الحجة 1438 هـ - 24 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [ 14149]
د. محمد البشير
هل يستطيع كتاب واحد تغيير حياة إنسان؟! ربما، ولكن حين بحثتُ طويلاً في رحلتي مع الكتب، لم أسقط على كتاب أستشهد به كان له الأثر المقصود، وإنما وجدت عدداً من الكتب لا فضل لها في ذاتها على غيرها من الكتب بقدر تضافر عدد من العوامل الزمنية وقتها، فلا أنسى الكتب المصورة التي وقعت عيني عليها في مكتبة ابتدائية «حمزة بن عبد المطلب»، حين تصفحت عدداً منها، واستعرت أخرى؛ لتكون معادلاً ترفيهياً للعب كرة القدم وقتها، ولن أنسى كتاب «قصص الأنبياء» أول كتاب اقتنيته في أول رحلة مدرسية إلى مكة، فكان ذلك الكتاب بداية مكتبة تقاسمني اليوم غرفة نومي.
وكان لي صديقي اسمه نوح أثناء دراستي بالكلية الصحية بالدمام أشاركه السكن مع اختلاف الميول والوظيفة، رآني يوماً أقرأ قصة «ماجدولين»، فحكيت له أحداثها، حتى وجد أثر الحزن على محياي في اليوم التالي، فسأل عن سبب حزني، فأخبرته بانتحار «ماجدولين».
علمت يومها أن ألفونس كار حين كتبها لم يعلم أن المنفلوطي يوماً سيعربها، وأن قارئاً في المشرق يحزن لموت بطلته، وأن صديقه سيواسيه يوماً لحزنه سخرية أو صدقاً، لذلك أجد في ذلك الكتاب منعرجاً في رحلتي القصصية لتلك الحادثة لا أكثر، فأصبحت مولعاً بالقصة والرواية، وصرت مرتبطاً بالقصة، لتنقلني إلى محطة أخرى في كتابة السيناريو، هكذا كانت البداية قصص مصورة تقود إلى قصص متحركة أشاهدها على الشاشة.
لم أقف عند تلك المحطة، فلمز بعض الأصدقاء بعدم الاختصاص في اللغة، ألحقني بدراسة كتبها منذ البداية، والتتلمذ على المختصين، ودراسة الأجرومية، والكواكب الدرية، بل والالتحاق للدراسة بقسم اللغة العربية بعد أن فرغت من الدراسة التخصصية في العلوم الصحية، والوصول إلى شهادة الدكتوراه في الأدب والبلاغة والنقد، وأثناء تلك المرحلة دخلت كتب جديدة مكتبتي أنزلت الروايات والقصص وحلّت مكانها، فكان المنعرج الجديد في رحلتي، وصار كتاب (فعل القراءة) لفولفونغ آيزر مثلاً سبب في رسالتي للماجستير «تلقي الرواية السعودية في الصحافة».
البحث أشبه ما يكون برحلة صيد، تذهب لتصطاد نوعاً من السمك، فتظفر بآخر يقودك إلى مكان مختلف، وهذا ما حدث عندما تعرفت على «تودوروف» وكتبه التي قادتني إلى «الفانتاستك» حيث عشقي للقصص ابتداء، فكان أول خيط لرسالتي في الدكتوراه حين وقعت على كتابه «الشعرية»، فزاوجت بين الشعرية والفانتاستك في الرواية السعودية متخذا من «طوق الحمام» لرجاء عالم نموذجاً.
هل أستطيع بعد هذا الترحال أن أتوقف عند خصيصة وجدتها في الكتب الصغيرة؟! ككتاب «الأدب في خطر» لتودوروف، ومطبوعات توبقال من قبيل كتب عبد الفتاح كيليطو التي أثبتت بأن القيمة بالكيف لا الكم، فمتى انتهت فكرتك في الكتابة توقف دون أن تزيد، فالزيادة أخت النقص.
- قاص وروائي سعودي
السعودية كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة