حوادث الدهس المتعمد خوف هستيري من سلاح فتاك

حوادث الدهس المتعمد خوف هستيري من سلاح فتاك

مطالب بتطبيق سياسات قاسية مقابل عودة الإحساس بالأمان
الاثنين - 29 ذو القعدة 1438 هـ - 21 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [ 14146]
برشلونة: أماندا تاوب
هذه المرة في برشلونة، وباستخدام شاحنة «فان» عادية حوَّلَها قائدها إلى سلاح فتاك.
بدا هذا الاعتداء وكأن الهدف منه إحداث صدمة اجتماعية تجعل الناس يغيرون من اعتقادهم بأنهم أمنون ما داموا يسيرون على الرصيف، وما دام قائد المركبة يتبع القواعد، وبأن مثل تلك الحوادث لا يجب النظر إليها باعتبارها فردية وعشوائية لجعل الناس تخشى السير في الشوارع وتهرب من أمام المركبات.
ورغم أن عدد الاعتداءات الإرهابية التي تمت باستخدام السيارات خلال العامين الأخيرين أقل بكثير من الحوادث العادية، فإنهم يحذرون من أن سائق السيارة بمقدوره استخدام السيارة العادية كسلاح فتاك، مما يضيف شعوراً جديداً بالرعب من أي شيء نراه أمامنا في حياتنا العادية كل يوم. وتوصلت الأبحاث التي استمرت لسنوات طويلة إلى أن الخوف يمكنه إحداث انقسام مجتمعي، وبث السموم فيها، وكذلك بث روح الخوف من الأجانب، مما يجعلهم الناس تتجاهل القيم المهمة التي تربوا عليها. واللجوء إلى هذا النوع من الاعتداءات التي تستخدم فيها معدات نراها في حياتنا اليومية يمكنه أن يعزز من هذا التأثير.
واكتشف العالمان السياسيان مارك هارنغتون وإليزابيث شاري، على سبيل المثال، أنه عندما يشعر الناس الذين عاشوا منفتحين على الأجانب ووثقوا فيهم وفجأة تغير هذا الإحساس إلى الخوف من اعتداء إرهابي، فمن الأرجح أنهم سيؤيدون تطبيق سياسات قاسية واستبدادية وقد يضحون بالحريات المدنية مقابل عودة الإحساس بالأمان.
فالهدف من الاعتداءات لفت انتباه الناس ونشر الخوف والذعر بينهم، وبالتالي تدفعنا تلك العمليات، باعتبارنا أفراداً في هذا المجتمع، إلى أن نجري العملية الحسابية العقلية التالية: هل سيحدث هذا لي أو لشخص أحبه؟ هل من طريقة تجعلني في مأمن من ذلك؟ ماذا سيكلفني الأمر لأكون في مأمن؟
ولكي ننعم بالطمأنينة، أخذنا في البحث عن استراتيجيات تجعلنا قريبين من الإجابة عن هذه التساؤلات. فعقب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، تحاشى الكثيرون السفر بالطائرات، واعتقد الناس الذي يعملون في مكاتب بمباني قليلة الارتفاع أنهم في مأمن وأن الذين يعملون بمكاتب في ناطحات سحاب مثل مركز التجارة العالمي هم وحدهم معرضون للخطر.
لكن السيارات والشاحنات تحيطنا من كل مكان، وليس هناك قانون أو حدود تمنعها من أن تكون جزءا من حياة الناس لحمايتهم من تكرار مثل تلك الاعتداءات.
لكن احتمال أن تقتل أنت نتيجة لأحد تلك الاعتداءات ضعيف، ففي الولايات المتحدة وحدها تتسبب حوادث السيارات في قتل 30 إلى 40 ألف شخص سنوياً، فيما لم تتسبب الاعتداءات التي استخدمت فيها المركبات في نسبة تُذكَر من هذا الرقم.
بيد أن طريقة الحساب تلك لن تجعل الخوف يتراجع داخل الناس، إذ إن الشعور باحتمال حدوث حادث سيارة بالمصادفة يختلف عن شعور الخوف من حادث متعمد، ومن أن تكون أنت نفسك مستهدفاً.
في التسعينات، وبعدما قام بعض الإرهابيين بوضع قنبلة في محطة قطارات فيكتوريا، قامت بلدية المدينة بإزالة صناديق القمامة من جميع المحطات. ولذلك كان أي زائر للمدينة تنتابه الحيرة من عدم رفض الناس لعدم وجود تلك الصناديق، والسبب هو أن مشاهدة تلك الصناديق كانت كفيلة ببث الرعب من أن يكون بداخلها قنبلة قد تنفجر بمجرد اقترابك منها، وهو الخوف الذي صاحب نمط الحياة في المدن. فتغيير معنى أداة أو ماكينة عادية والغرض من استخدامها مثلما حدث في اعتداء برشلونة الأخير يخلق إحساساً، مفاده أن الحياة العامة بات يسيطر عليها شعور من الخوف لا يمكن تجنبه. فعندما ننظر إلى أي شي على أنه قابل للتحول إلى سلاح فسوف تتلاشى بداخلنا الثقة في إمكانية السيطرة على الإرهاب أو الحد منه، إذ إن الحصول على شاحنة «فان» لا يتطلب مهارات خاصة أو مصادر تمويل لقيادتها والاندفاع بها وسط زحام الأبرياء، فكل ما يحتاج إليه الأمر هو الدافع لارتكاب الجريمة. وهذا الإحساس ليس سيئاً فقط، بل إنه مدمر نظراً للمؤثرات التي يجلبها على المجتمع.
قد تساعد الاعتداءات الأخيرة في أوروبا في تفسير ذلك، وهذا هو السبب في أن دراسة حديثة أعدها مركز «كاثوم هاوث» البحثي البريطاني أظهرت أن نحو نصف الأوروبيين يؤيدون فرض حظر على المهاجرين من الدول الإسلامية. وأظهرت دراسات أخرى أنه عندما شعر الناس بأنهم عرضة للهجوم بسبب انتماءاتهم الدينية أو جنسيتهم أو عرقهم، فإن ذلك يزيد من تمسكهم بدينهم ولهويتهم ويصبحون أكثر ارتياباً في الغرباء. ويقول علماء الاجتماع إن هذا يدفعهم إلى «التشرذم»، وإلى الخوف من غيرهم، ويعزز لديهم الرغبة في الانتقام، وهو ما حدث عقب اعتداء ويستمنستر، الذي أدى هذا التشرذم. ويتسبب شعور «نحن» في مواجهة «هم» في حدوث انقسام مجتمعي يزيد من حدة التحامل بين الطوائف المختلفة، ويرسم خطوطاً للمعارك بينهم، وهو بالضبط ما تتسبب فيه سياسات جناح اليمين الشعبوي الذي تنامت شعبيته في أوروبا والولايات المتحدة أخيراً. فأيّاً كانت نتيجة تلك الهجمات على السياسية الغربية، فقد أسهمت بالفعل في تغيير الجغرافية العقلية للمجتمعات الحضرية. فمع وضع المدن للمزيد من الحواجز لدرء خطر جديد سوف يتنامى بداخلنا الخوف من الأشياء العادية أكثر وأكثر.
* خدمة «نيويورك تايمز»
اسبانيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة