الرقابة الذاتية... لجم للسان مقابل البقاء على قيد الحياة

مسؤولة العلاقات لدى لجنة حماية الصحافيين : 88 % من المراسلين الذين لقوا حتفهم في 2017 محليون

الرقابة الذاتية... لجم للسان مقابل البقاء على قيد الحياة
TT

الرقابة الذاتية... لجم للسان مقابل البقاء على قيد الحياة

الرقابة الذاتية... لجم للسان مقابل البقاء على قيد الحياة

الصحافة. مهنة نقل الحقائق وتوثيق الأنباء. إن كانت من خلال عدسة الجوال أثناء مظاهرة في إحدى دول الربيع العربي أو بتحقيق استقصائي موسع يكشف فسادا في بنوك أوروبية أو في مدونة تخاطب معاناة بلدة صغيرة جائعة في القارة السمراء.
مهنة صعبة أينما كانت. محفوفة بالمخاطر والخطوط الحمراء والتحديات. تضحيات جمة يقدمها الصحافي مقابل نشر الكلمة. سطور قد تعرض عائلته للخطر وتنهي حياته.
ضاقت مساحة حرية الصحافة اليوم وتعددت وجوه الرقابة. اختلفت من منطقة إلى أخرى، لكنها قيدت النشر وضاعفت الانتهاكات. بتنا نتلقى الأخبار بكل ارتياحية من خلال بحث سريع على «غوغل» أو جولة خاطفة على «تويتر». لكن لو وقفنا لوهلة وفكرنا بجيش المراسلين... أولئك الصحافيون تحت القصف أو وراء القضبان... أينما كانوا... من يوثق مسيرتهم؟ ومن يدافع عن حقوقهم؟ ومن سيعيد لهم صوتهم المخطوف؟

- وجوه للرقابة
حاولت البحث عن إجابات لتساؤلاتي. ولم أتصور أن أجد معظمها في الجادة السابعة بحي مانهاتن الشهير وسط نيويورك. هناك في ناطحة سحاب، الطابق الحادي عشر بالتحديد، يقبع مقر «لجنة حماية الصحافيين» المعروفة باختصارها العالمي «CPJ». أسسها مجموعة من الصحافيين في 1981 لحماية زملائهم. اللجنة من أبرز المناشدين لحرية الصحافة عالمياً. تبذل جهوداً من أجل عالم، يعمل الصحافيون فيه من دون مخاوف وتهديدات في شتى بقاع الأرض. أهداف نبيلة وقد تكون مستحيلة في يومنا هذا، إلا أن أهم مخرجات اللجنة كتاب سنوي عنوانه «الاعتداءات على الصحافة». يرصد الكتاب أبرز التحديات التي واجهت الصحافيين خلال العام. طبعة عام 2017 ركزت بفصولها المتنوعة على «وجه الرقابة الجديد».
«اخترنا إبراز وجوه الرقابة الجديدة في إصدار هذا العام لأنها قضية جادة، ففي مختلف مناطق العالم نشهد تراجعا في حرية الصحافة خصوصا في دول كانت معروفة بحرية صحافتها مثل كندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكينيا ودول أخرى»، هكذا بدأت مسؤولة العلاقات لدى اللجنة كيري بيترسون ردها على أسئلتي خلال احتسائنا للقهوة في مكتبها بعيدا عن ضجيج الشارع.
بيترسون تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن تغيير مفهوم الرقابة. ترى أن المصطلح تشعبت معانيه بابتعاده عن وضوحه السابق؛ «تهديد الصحف بسحب الإعلانات منها في كينيا يعتبر رقابة، وحجب مواقع من قبل حكومات نوع من الرقابة أيضاً، وتهديد الصحافيين نوع آخر». لكن أكثر أنواع الرقابة المثيرة للقلق، بحسب بيترسون هي «الرقابة الذاتية». حيث تقول: «قد يضطر الصحافيون ممارسة نوع من الرقابة على أنفسهم خوفاً على حياتهم الأمر الذي يقيد العمل الصحافي».

- تعريف جديد للصحافي
المناخ السياسي المتقلب في معظم مناطق العالم أجبر الصحافيين على العمل في ظروف محفوفة بالمخاطر، خصوصا في مناطق النزاع. تكشف بيترسون أن 88 في المائة من الصحافيين الذين لقوا حتفهم أثناء العمل الميداني خلال عام كانوا محليين وليسوا مراسلين أجانب.
يقول المسح السنوي للجنة إن 36 صحافيا فقدوا حياتهم في ميادين الحروب منذ مطلع العام الحالي. وبحسب اللجنة فقد قتل 48 صحافيا حول العالم في 2016 بينما دخل 259 إلى السجن. الإحصائية ذاتها تذكر بقائمة الصحافيين الضحايا منهم 72 صحافيا قتلوا في 2015 و61 آخرين في 2014.
اتساع نطاق النزاعات في الشرق الأوسط وأهمية نشر المعلومة وتنوع المصادر، بدوره خلل مفهوم الصحافة والصحافي. في هذا الشأن، تقول بيترسون: «أصبحنا مرنين في تعريفنا للصحافي». ثم توضح أن اللجنة قررت أن تعتمد تعريفا واسعا لمن تعده صحافيا وتقول: «على سبيل المثال المراسل الذي يمارس عملا صحافيا دقيقا ومستقلا لكن منبره الوحيد هو نشره على صفحته على (فيسبوك) جراء القيود في بلاده نعتبره صحافيا».
ومن أقرب الأمثلة لقلبها، صحافي كان يعمل في إذاعة بالكونغو، وعندما أقفلت أبوابها، قرر أن يحمل مذياعا ويمضي في شوارع بلدته لنشر الأخبار ولقي حتفه أثناء عمله.
لجنة حماية الصحافيين منظمة بحثية توفر خدمات للصحافيين، بشتى معاني المصطلح، الذين بحاجة لدعم مالي أو طبي أو قضائي أو حتى بحاجة للهروب من منطقة نزاع بعد تلقي تهديدات لكن شرط توفير الدعم، وفق بيترسون هو أن تكون تلك الاحتياجات نتيجة العمل الصحافي.
حاولت الاستفسار عن حالات معينة في منطقة الشرق الأوسط، فحولتني بيترسون إلى زميلها شريف منصور.

- نظرة داخل الشرق الأوسط
رقابة ذاتية ناجمة عن الخوف. خوف من عقاب الحكومات، وذعر من تهديدات القتل التي يتلقاها الصحافي من تنظيمات متطرفة في منطقة الشرق الأوسط اليوم من «داعش» وأخواتها. رقابة غير مباشرة تجبر المراسل أن يشل قلمه خوفا على حياته.
في الشرق الأوسط وتحديدا بعد انطلاق الربيع العربي، شهدت المنطقة لأول مرة انفتاحا لمجالات كثيرة لتبادل الأخبار والمعلومات في المنطقة، وفي دول الربيع اتخذ مواطنون قرار المخاطرة ونشر آرائهم وما يرونه وما يسمعونه حول القضايا التي أشعلت ثوراتهم». هكذا عاد بي شريف منصور، منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى لجنة حماية الصحافيين، إلى عام 2011، واصفا المناخ آنذاك.
ويوضح شريف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «الثورة أدت إلى ولادة الصحافي المواطن، والناشط الإعلامي. هؤلاء لم يحصلوا على أية دعم أو تدريب احترافي لكي يقوموا بمهنة الصحافة ولكن الكثير منهم قام بالمخاطرة، والبعض دفع الثمن».
ووفق منصور، لقي أكثر من 110 صحافي في سوريا أغلبهم من شريحة الشباب حتفه أثناء تغطيتهم للمظاهرات أو أحداث النزاع المسلح منذ بدء الحرب في البلاد. ويضيف: «بالإمكان قول الشيء ذاته عن العراق واليمن وليبيا. الكثير من الناشطين والصحافيين الذين قتلوا كانوا يعملون في وسائل إعلام كانت تبث على الإنترنت وتعتمد على متطوعين لم يحصلوا على أية تدريب سابق أو كانت لهم خبرة في تغطية الحروب».

- «طوق نجاة»
لجنة حماية الصحافيين لا توفر دورات تدريبية، بيد أنها تحاول، رغم شح الموارد والكوادر دعم الصحافيين خاصة من هم في مأزق، وتعمل على إنقاذ حياتهم. تتدخل اللجنة حتى عندما لا تنفع الأساليب التقليدية، خصوصا عند التعامل مع جهات غير حكومية كفصائل مسلحة. وبرنامج الإغاثة في الشرق الأوسط يركز على أكثر من بعد. في توضيح ذلك يقول منصور: «نعمل على مساعدة الصحافيين الذين يتعرضون للتهديد سواء بتقديم دعم مالي لهم لكي يخرجوا من مناطق النزاع أو تغطية أي نوع من المساعدة الطبية والقانونية للمستهدفين والملاحقين قضائيا». مضيفاً أن «بعض الدعم قد يكون تسهيلات للحصول على إقامة للذين يضطرون إلى الهجرة سواء لأميركا أو أوروبا حتى يقوموا بمتابعة عملهم الصحافي في بلاد المنفى». ولا يختصر دعم اللجنة على حفظ أرواح الصحافيين وأمنهم في العالم الحقيقي إذ يشمل حماية كيان الصحافي في عالم المجازي والإنترنت. يلفت منصور إلى أنه في حال تعرض الصحافيين لانتهاك أو قرصنة أو إبطال أو إيقاف مواقعهم أو اختراق صفحاتهم على مواقع التواصل، تقوم اللجنة بتوثيق ذلك والعمل مع شركات الإعلام الجديد لتعديله.
أما في مجال السلامة الصحافية، فإن اللجنة على سبيل المثال، بصدد إطلاق نشرة يومية لتغطية عملية تحرير الرقة. ويوضح منصور: «سنعمل على توعية وتنبيهات خاصة بالسلامة ومناطق الخطر التي يجب أن يتجنبها الصحافيون وأنواع السلامة المطلوبة التي يحتاجونها لو قاموا بتغطية هذه المنطقة، وتوفير معلومات عن أقرب مستشفى أو أقرب طريق لإجلاء من يتعرض للإصابة يتم استهدافه أو يكون تحت خطر حتى لا يتم اختطافه أو ما هو أسوأ». وقد استطاعت اللجنة مساعدة أكثر من 120 صحافياً سورياً اضطروا للهجرة للخروج من البلاد والتأقلم مع مقرهم الجديد.
- فقدان الأمن والإحباط
تلك التحديات قد تحبط صحافيا، مهما كان مؤمنا برسالته. والقضية لها تبعات نفسية أيضاً. حيث يقول منصور إن «الكثير من الصحافيين خصوصا من قام بتغطية مناطق النزاع يشتكون من اضطراب ما بعد الصدمات (PTSD) وغيره من الأمراض النفسية الناجمة عن عملهم وسط العنف». ويوضح: «الكثير من الصحافيين أجبر على الخروج من دولته أو السكوت بالتهديد فقد مصادره وفقد أمانه الشخصي والعائلي».
ويربط ذلك بتجربته الخاصة، «كنت في إقليم كردستان العراق وقابلت الكثير من الصحافيين الذين كانوا يغطون معارك الموصل وشرحوا لي كيف أن الصحافيين قضوا سنين في بيوتهم أو خارج بيوتهم هاربين من (داعش) وبعد ذلك فقدوا عملهم أغلب الصحافيين أصبحوا عاطلين عن العمل».
رغم التحديات، لا تزال ظاهرة الصحافي المواطن علامة ميزت دول الربيع. قد يختار صحافي اسما مستعارا، أو قد تختار ناشطة التدوين بحذر خوفا من خسارة كل شيء، لكنهم ماضون.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.