جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

من أوائل رجال الأعمال في الإمارات الذين وضعوا المال في خدمة الكتاب

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب
TT

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

تعلم جمعة الماجد الصبر والمثابرة من صيد اللؤلؤ عندما كان والده يصطحبه معه إلى مجاهل البحر، ولعل ولادته في الشندغة عام 1930 هيأته لهذه الرحلات البحرية الشاقة، ثم تعلّم في الكتاتيب على يد أمثال فرح القريني، وأحمد القنبري، وغيرهما، وبعدها انتسب إلى المدرسة الأهلية عام 1948 التي أسسها حسن ميرزا الصايغ. ثم طرق باب التجارة، ولكنه سرعان ما كرس نفسه للكتاب من خلال تأسيس المدارس الخيرية والجامعات، وكلية الدراسات العربية الإسلامية عام 1986 ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث عام 1991. وهو من أوائل رجال المال والتجارة في الإمارات الذين وضعوا المال في خدمة الكتاب، ووصل إخلاصه وتفانيه في حب إلى الكتاب إلى القول: أعتبر نفسي مسؤولاً عن إنقاذ أي كتاب معرض للتلف في العالم.

> نحن نعيش في عصر البربرية والتطرف، فهل تعتقد أن المراكز الثقافية، ومنها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، تسهم في عملية التنوير ونشر الثقافة والعلم والمعرفة بين أوساط الشباب؟
- لا أعتقد أن مركزاً واحداً يستطيع أن يغيّر الكون، رغم أن مركزنا يختلف عن بقية مراكز العالم الثقافية، لأننا لا نقلّد بل نبتكر، وكما هو معروف، إن مهمتنا هي تزويد الباحث العربي بالكتب والمراجع والمخطوطات، لذا ابتكرنا طريقة إرسال الكتاب أو المخطوط إليه، فلا يتمكن الباحثون والمؤلفون القدوم إلينا، لذلك نقوم نحن بالسفر إليهم، ومخطوطاتنا ملك للناس وليس للحفظ. ونحن نختلف عن المكتبات ليس في العالم العربي بل في العالم المتحضّر أيضاً، على سبيل المثال، يصل سعر اللقطة الواحدة من الكتب والمخطوطات إلى دولار أو دولار ونصف، بينما نحن نسعّرها بـ25 سنتاً خدمة للقارئ والباحث، هكذا قلبنا نظام الرسوم رأساً على عقب.
> كانت لديكم مبادرات في اقتناء المخطوطات من العالم، خصوصا تلك المُعرّضة للخطر، كما حصل مع مخطوطات تمبكتو؟
- نحن أكبر مركز لحفظ المخطوطات في العالم، يتوفر في مركزنا نحو 900 ألف نسخة مخطوطة، ولا يوجد هذا الكم في أي مكتبة من مكتبات العالم. وهذه المخطوطات ليست للحفظ بل متاحة للقراء والباحثين والمختصين. لكننا لسنا مركزاً لتحقيق المخطوطات، ولو أننا نقوم بتحقيق 4 أو 5 مخطوطات في العام، ولكنه ليس من اختصاصنا، بل نحن نزوّد الباحثين والكتّاب بأدوات البحث، وهذا ما يؤدي إلى أن يقوم الباحثون بتحقيق آلاف المخطوطات بفضل جهودنا.
> كيف يمكن التغلب على الفكر المتطرف في نظركم، هل الثقافة قادرة على هذا التحدي وهذا الرهان في وقتنا الحالي؟
- البلدان التي تدعي التمدّن هي التي خلقت التطرف والإرهاب. ما دام هناك رؤساء يكذبون على شعوبهم ما الذي تبّقى؟ وعندما يحققون معهم يضعون لهم غطاء حسن النيّة، مثلما قال توني بلير في بريطانيا، يعترف بالخطأ حتى لا يُطارد في المستقبل. أسأل: مَنْ خلق التطرف؟ انظر ماذا قال كلينتون؟ قال: نحن خلقنا «داعش». الناس تقرأ ولكنها لا تفهم، ولا تسمع، فرئيس دولة يقول: نحن خلقنا «داعش»! والسؤال: لماذا خلقوا «داعش»؟ لخراب بلدان العالم. هم البلاء. علينا أن نخدم الثقافة من أجل استنارة الأمة، كما تفعل الشعوب الأخرى. أعتقد أنك قرأت كيف أن حكومة اليابان مدّت سكة حديد إلى مدينة نائية لأن هناك بنتا تدرس وتعيش مع أهلها في مزرعة، شيدوا قطاراً لكي تتمكن من الدوام في مدرستها.على قسم من الحكّام العرب والمسلمين أن ينفقوا 10 في المائة من الدخل القومي على التعليم، و10 في المائة على الصحة، و80 في المائة لهم. لا أحد يريد أن يسمع هذا الكلام، رغم أن وضعنا كارثي، حيث أعلنت اليونيسكو والأمم المتحدة عن وجود 80 مليون أمي في البلدان العربية، وأغلبيتهم في مصر. هل تحرك الحُكام لمعالجة هذا الأمر؟
> نلاحظ أن بعض الأفراد والمؤسسات تقوم بهذا العمل أي المحاولة في معالجة وضع الأمية في العالم العربي؟
ــــ يجب أن لا ننظر فقط الإمارات العربية المتحدة وما قام به سلطان بن سلطان العويس أو جمعة الماجد أو غيرهما في هذا المجال، وما كانا يستطيعان ذلك لولا التسهيلات التي حصلا عليها من الدولة، مثلاً الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، أمر بأن كل شيء عائد إلى جمعة الماجد، يُنقل على طائرته الخاصة، والشيخ حمدان بن زايد أمر بنقل كل ما يعود لي من كتب ومخطوطات في الحقيبة الدبلوماسية، والشيح محمد بن راشد أمر بعدم خضوع أي كتاب يأتي إلى مركز جمعة الماجد إلى الرقابة. عندما جاء نزار قباني إلى دبي لتسلم جائزة سلطان العويس، قال له العويس: اذهب وشاهد مكتبة مركز جمعة الماجد، فقال: يا سلطان، أنا رأيت مكتبات العالم، ماذا ستكون هذه المكتبة؟ قال له: لا، اذهب وشاهدها. لم يرغب في البداية، ثم جاء لزيارة المكتبة. تناولنا القهوة ونزلت معه. وعندما رأى المكتبة، قال: أتمنى أن تكون كتبي هنا. قلت له: لم لا؟ قلت له: يأتيك شخص ويأخذ كتبك. فأجابني: لكن كتبي ممنوعة. قلت له: لا، كتبك غير ممنوعة، وكذلك كتب غيرك أيضاً. قال لي: هل أنت متأكد؟ فقلت له: نعم. قال لي: لا ترسل أحداً يأخذ كتبي، أنا سوف أقوم بذلك. عندما وصل إلى لبنان، شحن كتبه، وتسلمناها من المطار. هذه قصة نزار قباني معنا. لماذا لا تحذو البلدان العربية حذو الإمارات ويعملون مثلها، ويستفيدون منها، حتى جيراننا لا يريدون الاستفادة من تجربتنا.
> من أي عمرٍ بدأ اهتمامك وشغفك بالكتاب، هل يعود إلى سنوات الصبا والشباب أم جاء في عمر متأخر، وأنت المهتم بالغوص في البدايات؟
- ليست لدي شهادة ابتدائية، ولكنني حرصت على توفير الكتاب للقارئ والباحث. نشأتُ في عائلة فقيرة، وكنت أذهب مع أبي للغوص، وهي أشق مهنة في الحياة على الإطلاق. ويعمل الناس على ظهر السفينة، كما لو كان نادي عراة، يأكلون وينامون ويقضون حاجاتهم، وغيرها، وكل واحد على السفينة له مهامه الخاصة، كانت مسؤوليتي أن أعتني بالقرط، وهي شجر تنبتُ في عُمان، لكي يدهن به الغواصون أجسادهم، للحفاظ عليها من القروح وتأثيرات الأملاح، وهكذا يداوي النوخذة نفسه. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، نزل سعر اللؤلؤ، ولم تعد البلدان الأوروبية والولايات المتحدة تشتري اللؤلؤ منا، ولكن الهند وملوكها وتجارها ظلوا يشترون منا. أما زراعة اللؤلؤ، فتعود إلى مائة أو مائة وعشرين عاما، قبل الحرب العالمية الثانية ارتفع سعره، لكنه بعدها، نزل سعره الأصلي، وخسر التجار، وانكسر الخليج. وبدأ التاجر ينفق عشرة آلاف درهم لكنه لا يربح سوى ستة آلاف درهم. لكن سفينة ماجد الغرير باعت مائة ألف آنذاك، وهي سفينة كبيرة. السفن الصغيرة غير قادرة على هذا الإنتاج، ربما تنتج عشرين أو ثلاثين كيساً، ولم تعد الأرض تنتج اللؤلؤ، أحياناً مائة كيس من الصدف، الكبير، والمحار، الصغير، لا يحتوي معظمه على اللؤلؤ، على سبيل المثال، مائة كيس لا يوجد فيه كمية من المحار والصدف، بينما عشرون كيسا يمكن أن يحتوي على كمية أكبر.
> أنتم من أوائل من ربط بين الثقافة والتجارة في عمل إيجابي مثمر ومفيد لقطاعات واسعة محرومة وعملتم على تمكين هذه الفئات إلى الحصول على التعليم، هل تعتقد أن الرأسمال العربي لا يزال بعيداً عن خدمة الثقافية والتربية؟
- لا تنفق الحكومات العربية والإسلامية بما فيه الكفاية على التعليم، ولا يوجد غير التعليم مَنْ يُنقذ الأمة، سواء كانوا في المشرق أو المغرب أو إندونيسيا أو ماليزيا. ولكن ماذا يمكن أن يقوم به التاجر في هذا الميدان؟ إنه عمل فردي. حتى قسم من كُتابنا مثل الببغاوات، يكررون كلمات قيلت من قبل، مائة مرة، وكل التجار العرب لا يعادلون تاجراً واحداً في أميركا، وهناك شركة واحدة أكبر من دولة. ولكنهم يضّخمون من قدراتنا، ويقولون عندنا بترول، ونحن ضخمّنا أنفسنا أيضاً. يجب التركيز أولاً على تعليم المرأة. في الكلية كان عندي 2700 امرأة، يدرسن مجاناً، والكتب مجاناً، والنقل مجاناً، ونمنح الفقير مصاريف 500 درهم. وأغالبهم من عُمان، من الطبقة الفقيرة، التي لا تتمكن من مواصلة الدراسة في الكليات والجامعات الخاصة. ركزت على اللغة العربية، لأنها لغة القرآن، ولغة الدين. وكلياتنا معترف بها من قبل الأزهر ووزارة التعليم العالي، أول ماجستير ودكتوراه في الدولة تخرج من كليتنا. علّمتُ المرأة، ولما تعلّمت وجدت عملاً، ومن ثم حصلت على زوج. هل تبرع لها رجال الأعمال الآخرين مبلغ 500 درهم لكي تعيش بصورة أفضل؟ التعليم قيمة لا تعادلها كل أموال الدنيا.
> قطعتم شوطاً كبيراً في مجال العمل الخيري، وهذه السنة تحتفل مؤسستكم بذلك، إلى أي مدى وصل تأثيركم في المجال الثقافي والتربوي؟
ــ دعني أروي لك هذه القصة: عندما نزل البترول إلى 7 دولارات للبرميل قبل ثلاثين سنة، اجتمع الخليجيون وقالوا: لا نستطيع تدريس أبناء الأجانب، وذلك في الشهر التاسع، أنا كنت رئيس مجلس الآباء في دبي آنذاك، وكان أحمد الطاير، وكيلاً بالنيابة، لم يكن لدينا وزير، وكان هو الرئيس وأنا نائب الرئيس في بنك الإمارات، قلت له: كيف تعلنون عن عدم تدريس أبناء الأجانب في بداية العالم الدراسي؟ قال لي الطاير: القرار اتخذ من قبل مجلس التعاون الخليجي، ولا نستطيع أن نخرج على الاتفاق. وبقيت أفكر، وأقول: أين يذهب أبناء الأجانب في هذه الظروف؟ اتصلت بوزير التربية، وقلت له: أريد مساعدتك، قال: ماذا تريد؟ قلت له: أريد مدارس بعد الظهر. قال: نعم. قلت له: وأريد كتباً. فأخرج لنا أمرا من رئاسة الوزراء لإعطائنا الكتب. قلت له: أريد مدرّسين، نحن ندفع لهم. قال نسمح لهم بذلك. فالفضل يعود إلى أحمد الطاير في المدارس الخيرية. هذه أمور لا يعرفها أحد. ولا الكتّاب يريدون يكتبون ولا الصحف تريد أن تكتب. عندنا 12 ألف خريج من المدارس الخيرية، وهم دائماً من العشرة الأوائل في الدولة من المدارس الخيرية. في البداية خصصناها بالمجان، بعدها رأينا أن التجار يريدون تسجيل أولادهم فيها، فقلتُ لهم: يا جماعة أنتم عندكم فلوس، علموهم في الخارج، قالوا: لا، تعليمكم معترفٌ به. فقلتُ لهم ادفعوا 5 آلاف في السنة، ورفعناها إلى 7 آلاف فيما بعد. دخلوا جامعات كثيرة وتخرجوا، وأعطوا من حياتهم، ورواتبهم أقل من الآخرين، لكنهم يؤمنون بالرسالة التربوية. وأحياناً تأخذهم منا المدارس الأخرى بإغرائهم. ما هو ذنب الفقير لا يتعلم؟
> نحن نعلم أن العالم العربي بحاجة إلى فكرة المؤسسات القائمة على قوانين ثابتة وليس على أشخاص، كيف ترى حال المؤسسات الفكرية والثقافية في العالم العربي في الوقت الحاضر؟
- قبل 2008 كانت البنوك والشركات الكبرى تأتي إلي، وتقول: ما هو السّر في دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وما سّر الثورة التي تشهدونها، كيف تحققت؟ فقلت لهم: هنا أنت حرّ في عقلك ومالك. وهنا الأمور ميسّرة: تريد تكّون شركة... أو تبني فندقاً، أو مدرسة أو مستشفى، أو بارا، لا أحد يقف عائقاً أمام استثمارك. نحن نعمل من أجل خير البشرية.
> هل تؤكد على تأسيس مراكز ثقافية على غرار مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث؟
- لا نريد مراكز، بل نريد إخراج البشرية من الأميّة، نريد مدارس لكن المدرسين غير موجودين في البلدان العربية. كان راتب المدرس ألفي جنيه فقط في أيام حسني مبارك، فكيف يتطور حقل التعليم. المدرس التربوي.
> هل تعتقد أن العمل الثقافي لا يزال يلاقي نقص التمويل من الأغنياء ورجال الأعمال العرب في العالم العربي؟
- وما الضير إذا أسهم التجار بنسبة خمسة في المائة من دخولهم خاصة أن الضرائب غير موجودة في الإمارات. هناك رجال استماتوا في خدمة أوطانهم. واختيارهم موفق من حكامهم، انظر من الفجيرة إلى أبوظبي، كل شيء ينمو ويزدهر، وكل الدراسات تقول إن العقار هو أفضل دخل في دولة الإمارات. يجب أن تكون لنا أهداف تخدم بها البشر، وينتفع بها.
> هل تتعاونون مع مراكز ثقافية عالمية، وهل يُمكن تحديدها، وما هي الفوائد التي يجنيها مركزكم من ذلك على صعيد التبادل الفكري والثقافي؟
ـــ طبعاً، لدينا تعاون كبير مع المراكز العالمية، إذا ما طلب منا أحد كتاباً ولا يتوفر في مكتبتا، نحاول الحصول عليه من مكتبات عالمية مثل مكتبة الكونغرس وبريستون، وبرلين، ندفع دولارا أو دولارين ونأخذ من طالب الكتاب 25 سنتاً، لا توجد مؤسسة في العالم تفعل ذلك. وهي وإن كانت مؤسسات غير ربحية في العالم إلا أنها تأخذ الرسوم، وأقول إن العلم ليس صفقة بيع وشراء. البلدان تقدمت بالإنفاق على التعليم مثل الصين واليابان وماليزيا، ما الذي ينقصنا حتى لا نصرف على التعليم. لذلك أصّر على ضرورة إنفاق 10 في المائة من الدخل القومي على التعليم، و10 في المائة على الصحة.
> ما هي مشاريعكم في التعامل مع الكتب التي تصدر خارج العالم العربي، هل من خطة للاهتمام بها؟
ــــ نحن نسعى إلى جمع كتب المهجر من مؤلفين عراقيين وسوريين ومصريين وعرب، ونسعى لبناء مكتبة تكلف 30 مليون دولار، ستكون وقفا للبشرية. ولطالما حرصت على جمع الكتب من أنحاء العالم، وأطلب من الأساتذة والعلماء والباحثين الذين التقي بهم ضرورة تزودي بالكتب الجيدة لكي أضمّها إلى مكتبتنا. أنت تعلم أنا تاجر وليس لدي معرفة بكل الكتب. ولدينا مكتبة فارسية تحتوي على نحو مائة ألف مخطوط، وهذا جزء من اهتمامنا بالكتاب غير العربي أيضاً.
> ما هو رأيكم بما يحدث للعالم العربي من انتهاكات وانتكاسات وتدمير للثقافة مثل ما حصل مؤخراً من قصف لمكتبة الموصل وتدميرها، وقبل ذلك حرق مكتبة بغداد الوطنية؟
- إنني أعتبر نفسي مسؤولا عن إنقاذ الكتاب في العالم، سواء كان إسلامياً أو بوذياً، أو مسيحياً أو عبرانياً، فهو في نهاية المطاف، ملك للبشرية، ويجب إنقاذه أينما كان. حرق الكتب جريمة تصل إلى قتل النفس في أي مكان في العالم.
> ما هي خططكم المستقبلية في الارتقاء بمؤسساتكم الثقافية والفكرية والتربوية؟
- مشاريعنا لا تتوقف، ولا نهاية لها. كنت في شراكة مع (الكاز) لاثنتي عشرة سنة، وتفارقنا بعدها، وبقينا أصدقاء، جاء رئيسها، وقال: إلى أين أنت ذاهب؟ فقلت له: كيف؟ قال هذا الذي تعمل فيه عبارة عن بحر عميق، لا نهاية له: قلت له أعرف أين سائر أنا؟ كتب، ومخطوطات، ووثائق، وخبراء من الخارج، ونحن لا نتوفر على الكوادر، وما نحصل عليه من كوادر تغتنمهم بعض المؤسسات الحكومية وتأخذهم منا. أنا أتكلم عن التعليم، وجميع مؤسساتي عبارة عن وقف: الكليات، المدارس الخيرية، بيت الخير، مركز جمعة الماجد وغيرها. وقد اختارت جامعة الدول العربية مركزنا كأفضل مكتبة في العالم العربي، وتم الإعلان عن ذلك وسط القاهرة. كما حصلت جمعية بيت الخير على جائزة من بين 76 جمعية خيرية. أليست هذه مفخرة؟ أقمنا في عام 2013 مشروعاً بالتنسيق مع كليات التقنية، لتعليم الطالبات، من دون رسوم، لمدة سنتين للغة العربية واللغة الإنجليزية والكومبيوتر والمحاسبة، ونحن نقوم بالبحث عن عمل لهن، وبدأنا العمل وحصلنا على رواتب الآن، واحدة تقول: سنتان من البحث عن العمل لا أحد يوظفها، وهي خريجة ثانوية، وهي الآن قبل أن تتخرج عثرت على عمل. للأسف الشديد، أقول: العالم يتطور ونحن نتراجع. كنت أزور كوريا الجنوبية قبل سنوات كانت بيوتهم عبارة عن عشش، وهم يقولون لي: ماذا تفعل هنا؟ فأجبتهم بأنني هنا لشراء البضائع. ولم يكن فيها حتى فنادق 5 نجوم. وأنظر الآن كيف تطورت كوريا؟ والسبب الجوهري لتطورها هو التركيز على التعليم، والعالم العربي لا يزال يعاني من أزمة التعليم...
> هل فكرتكم بكتابة مذكراتكم التي ستكون لها بلا شك أهمية كبيرة للأجيال المقبلة؟ هل هناك مشروع من هذا القبيل؟
- إن شاء الله.

الجوائز التي حصل عليها
> جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام 1990 وجائزة الشخصية الدولية لخدمة الثقافة والتراث من قبل الرئيس المصري حسني مبارك 2000 وجائزة شخصية العام الثقافية في مهرجان القرين الثقافي في الكويت 2005 وجائزة تريم عمران الثقافية للمؤسسات2007 وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للإنجاز الثقافي والعلمي لدورة 2006 - 2007 وغيرها من التكريمات والجوائز المحلية والعربية والعالمية.



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».