جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

من أوائل رجال الأعمال في الإمارات الذين وضعوا المال في خدمة الكتاب

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب
TT

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

تعلم جمعة الماجد الصبر والمثابرة من صيد اللؤلؤ عندما كان والده يصطحبه معه إلى مجاهل البحر، ولعل ولادته في الشندغة عام 1930 هيأته لهذه الرحلات البحرية الشاقة، ثم تعلّم في الكتاتيب على يد أمثال فرح القريني، وأحمد القنبري، وغيرهما، وبعدها انتسب إلى المدرسة الأهلية عام 1948 التي أسسها حسن ميرزا الصايغ. ثم طرق باب التجارة، ولكنه سرعان ما كرس نفسه للكتاب من خلال تأسيس المدارس الخيرية والجامعات، وكلية الدراسات العربية الإسلامية عام 1986 ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث عام 1991. وهو من أوائل رجال المال والتجارة في الإمارات الذين وضعوا المال في خدمة الكتاب، ووصل إخلاصه وتفانيه في حب إلى الكتاب إلى القول: أعتبر نفسي مسؤولاً عن إنقاذ أي كتاب معرض للتلف في العالم.

> نحن نعيش في عصر البربرية والتطرف، فهل تعتقد أن المراكز الثقافية، ومنها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، تسهم في عملية التنوير ونشر الثقافة والعلم والمعرفة بين أوساط الشباب؟
- لا أعتقد أن مركزاً واحداً يستطيع أن يغيّر الكون، رغم أن مركزنا يختلف عن بقية مراكز العالم الثقافية، لأننا لا نقلّد بل نبتكر، وكما هو معروف، إن مهمتنا هي تزويد الباحث العربي بالكتب والمراجع والمخطوطات، لذا ابتكرنا طريقة إرسال الكتاب أو المخطوط إليه، فلا يتمكن الباحثون والمؤلفون القدوم إلينا، لذلك نقوم نحن بالسفر إليهم، ومخطوطاتنا ملك للناس وليس للحفظ. ونحن نختلف عن المكتبات ليس في العالم العربي بل في العالم المتحضّر أيضاً، على سبيل المثال، يصل سعر اللقطة الواحدة من الكتب والمخطوطات إلى دولار أو دولار ونصف، بينما نحن نسعّرها بـ25 سنتاً خدمة للقارئ والباحث، هكذا قلبنا نظام الرسوم رأساً على عقب.
> كانت لديكم مبادرات في اقتناء المخطوطات من العالم، خصوصا تلك المُعرّضة للخطر، كما حصل مع مخطوطات تمبكتو؟
- نحن أكبر مركز لحفظ المخطوطات في العالم، يتوفر في مركزنا نحو 900 ألف نسخة مخطوطة، ولا يوجد هذا الكم في أي مكتبة من مكتبات العالم. وهذه المخطوطات ليست للحفظ بل متاحة للقراء والباحثين والمختصين. لكننا لسنا مركزاً لتحقيق المخطوطات، ولو أننا نقوم بتحقيق 4 أو 5 مخطوطات في العام، ولكنه ليس من اختصاصنا، بل نحن نزوّد الباحثين والكتّاب بأدوات البحث، وهذا ما يؤدي إلى أن يقوم الباحثون بتحقيق آلاف المخطوطات بفضل جهودنا.
> كيف يمكن التغلب على الفكر المتطرف في نظركم، هل الثقافة قادرة على هذا التحدي وهذا الرهان في وقتنا الحالي؟
- البلدان التي تدعي التمدّن هي التي خلقت التطرف والإرهاب. ما دام هناك رؤساء يكذبون على شعوبهم ما الذي تبّقى؟ وعندما يحققون معهم يضعون لهم غطاء حسن النيّة، مثلما قال توني بلير في بريطانيا، يعترف بالخطأ حتى لا يُطارد في المستقبل. أسأل: مَنْ خلق التطرف؟ انظر ماذا قال كلينتون؟ قال: نحن خلقنا «داعش». الناس تقرأ ولكنها لا تفهم، ولا تسمع، فرئيس دولة يقول: نحن خلقنا «داعش»! والسؤال: لماذا خلقوا «داعش»؟ لخراب بلدان العالم. هم البلاء. علينا أن نخدم الثقافة من أجل استنارة الأمة، كما تفعل الشعوب الأخرى. أعتقد أنك قرأت كيف أن حكومة اليابان مدّت سكة حديد إلى مدينة نائية لأن هناك بنتا تدرس وتعيش مع أهلها في مزرعة، شيدوا قطاراً لكي تتمكن من الدوام في مدرستها.على قسم من الحكّام العرب والمسلمين أن ينفقوا 10 في المائة من الدخل القومي على التعليم، و10 في المائة على الصحة، و80 في المائة لهم. لا أحد يريد أن يسمع هذا الكلام، رغم أن وضعنا كارثي، حيث أعلنت اليونيسكو والأمم المتحدة عن وجود 80 مليون أمي في البلدان العربية، وأغلبيتهم في مصر. هل تحرك الحُكام لمعالجة هذا الأمر؟
> نلاحظ أن بعض الأفراد والمؤسسات تقوم بهذا العمل أي المحاولة في معالجة وضع الأمية في العالم العربي؟
ــــ يجب أن لا ننظر فقط الإمارات العربية المتحدة وما قام به سلطان بن سلطان العويس أو جمعة الماجد أو غيرهما في هذا المجال، وما كانا يستطيعان ذلك لولا التسهيلات التي حصلا عليها من الدولة، مثلاً الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، أمر بأن كل شيء عائد إلى جمعة الماجد، يُنقل على طائرته الخاصة، والشيخ حمدان بن زايد أمر بنقل كل ما يعود لي من كتب ومخطوطات في الحقيبة الدبلوماسية، والشيح محمد بن راشد أمر بعدم خضوع أي كتاب يأتي إلى مركز جمعة الماجد إلى الرقابة. عندما جاء نزار قباني إلى دبي لتسلم جائزة سلطان العويس، قال له العويس: اذهب وشاهد مكتبة مركز جمعة الماجد، فقال: يا سلطان، أنا رأيت مكتبات العالم، ماذا ستكون هذه المكتبة؟ قال له: لا، اذهب وشاهدها. لم يرغب في البداية، ثم جاء لزيارة المكتبة. تناولنا القهوة ونزلت معه. وعندما رأى المكتبة، قال: أتمنى أن تكون كتبي هنا. قلت له: لم لا؟ قلت له: يأتيك شخص ويأخذ كتبك. فأجابني: لكن كتبي ممنوعة. قلت له: لا، كتبك غير ممنوعة، وكذلك كتب غيرك أيضاً. قال لي: هل أنت متأكد؟ فقلت له: نعم. قال لي: لا ترسل أحداً يأخذ كتبي، أنا سوف أقوم بذلك. عندما وصل إلى لبنان، شحن كتبه، وتسلمناها من المطار. هذه قصة نزار قباني معنا. لماذا لا تحذو البلدان العربية حذو الإمارات ويعملون مثلها، ويستفيدون منها، حتى جيراننا لا يريدون الاستفادة من تجربتنا.
> من أي عمرٍ بدأ اهتمامك وشغفك بالكتاب، هل يعود إلى سنوات الصبا والشباب أم جاء في عمر متأخر، وأنت المهتم بالغوص في البدايات؟
- ليست لدي شهادة ابتدائية، ولكنني حرصت على توفير الكتاب للقارئ والباحث. نشأتُ في عائلة فقيرة، وكنت أذهب مع أبي للغوص، وهي أشق مهنة في الحياة على الإطلاق. ويعمل الناس على ظهر السفينة، كما لو كان نادي عراة، يأكلون وينامون ويقضون حاجاتهم، وغيرها، وكل واحد على السفينة له مهامه الخاصة، كانت مسؤوليتي أن أعتني بالقرط، وهي شجر تنبتُ في عُمان، لكي يدهن به الغواصون أجسادهم، للحفاظ عليها من القروح وتأثيرات الأملاح، وهكذا يداوي النوخذة نفسه. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، نزل سعر اللؤلؤ، ولم تعد البلدان الأوروبية والولايات المتحدة تشتري اللؤلؤ منا، ولكن الهند وملوكها وتجارها ظلوا يشترون منا. أما زراعة اللؤلؤ، فتعود إلى مائة أو مائة وعشرين عاما، قبل الحرب العالمية الثانية ارتفع سعره، لكنه بعدها، نزل سعره الأصلي، وخسر التجار، وانكسر الخليج. وبدأ التاجر ينفق عشرة آلاف درهم لكنه لا يربح سوى ستة آلاف درهم. لكن سفينة ماجد الغرير باعت مائة ألف آنذاك، وهي سفينة كبيرة. السفن الصغيرة غير قادرة على هذا الإنتاج، ربما تنتج عشرين أو ثلاثين كيساً، ولم تعد الأرض تنتج اللؤلؤ، أحياناً مائة كيس من الصدف، الكبير، والمحار، الصغير، لا يحتوي معظمه على اللؤلؤ، على سبيل المثال، مائة كيس لا يوجد فيه كمية من المحار والصدف، بينما عشرون كيسا يمكن أن يحتوي على كمية أكبر.
> أنتم من أوائل من ربط بين الثقافة والتجارة في عمل إيجابي مثمر ومفيد لقطاعات واسعة محرومة وعملتم على تمكين هذه الفئات إلى الحصول على التعليم، هل تعتقد أن الرأسمال العربي لا يزال بعيداً عن خدمة الثقافية والتربية؟
- لا تنفق الحكومات العربية والإسلامية بما فيه الكفاية على التعليم، ولا يوجد غير التعليم مَنْ يُنقذ الأمة، سواء كانوا في المشرق أو المغرب أو إندونيسيا أو ماليزيا. ولكن ماذا يمكن أن يقوم به التاجر في هذا الميدان؟ إنه عمل فردي. حتى قسم من كُتابنا مثل الببغاوات، يكررون كلمات قيلت من قبل، مائة مرة، وكل التجار العرب لا يعادلون تاجراً واحداً في أميركا، وهناك شركة واحدة أكبر من دولة. ولكنهم يضّخمون من قدراتنا، ويقولون عندنا بترول، ونحن ضخمّنا أنفسنا أيضاً. يجب التركيز أولاً على تعليم المرأة. في الكلية كان عندي 2700 امرأة، يدرسن مجاناً، والكتب مجاناً، والنقل مجاناً، ونمنح الفقير مصاريف 500 درهم. وأغالبهم من عُمان، من الطبقة الفقيرة، التي لا تتمكن من مواصلة الدراسة في الكليات والجامعات الخاصة. ركزت على اللغة العربية، لأنها لغة القرآن، ولغة الدين. وكلياتنا معترف بها من قبل الأزهر ووزارة التعليم العالي، أول ماجستير ودكتوراه في الدولة تخرج من كليتنا. علّمتُ المرأة، ولما تعلّمت وجدت عملاً، ومن ثم حصلت على زوج. هل تبرع لها رجال الأعمال الآخرين مبلغ 500 درهم لكي تعيش بصورة أفضل؟ التعليم قيمة لا تعادلها كل أموال الدنيا.
> قطعتم شوطاً كبيراً في مجال العمل الخيري، وهذه السنة تحتفل مؤسستكم بذلك، إلى أي مدى وصل تأثيركم في المجال الثقافي والتربوي؟
ــ دعني أروي لك هذه القصة: عندما نزل البترول إلى 7 دولارات للبرميل قبل ثلاثين سنة، اجتمع الخليجيون وقالوا: لا نستطيع تدريس أبناء الأجانب، وذلك في الشهر التاسع، أنا كنت رئيس مجلس الآباء في دبي آنذاك، وكان أحمد الطاير، وكيلاً بالنيابة، لم يكن لدينا وزير، وكان هو الرئيس وأنا نائب الرئيس في بنك الإمارات، قلت له: كيف تعلنون عن عدم تدريس أبناء الأجانب في بداية العالم الدراسي؟ قال لي الطاير: القرار اتخذ من قبل مجلس التعاون الخليجي، ولا نستطيع أن نخرج على الاتفاق. وبقيت أفكر، وأقول: أين يذهب أبناء الأجانب في هذه الظروف؟ اتصلت بوزير التربية، وقلت له: أريد مساعدتك، قال: ماذا تريد؟ قلت له: أريد مدارس بعد الظهر. قال: نعم. قلت له: وأريد كتباً. فأخرج لنا أمرا من رئاسة الوزراء لإعطائنا الكتب. قلت له: أريد مدرّسين، نحن ندفع لهم. قال نسمح لهم بذلك. فالفضل يعود إلى أحمد الطاير في المدارس الخيرية. هذه أمور لا يعرفها أحد. ولا الكتّاب يريدون يكتبون ولا الصحف تريد أن تكتب. عندنا 12 ألف خريج من المدارس الخيرية، وهم دائماً من العشرة الأوائل في الدولة من المدارس الخيرية. في البداية خصصناها بالمجان، بعدها رأينا أن التجار يريدون تسجيل أولادهم فيها، فقلتُ لهم: يا جماعة أنتم عندكم فلوس، علموهم في الخارج، قالوا: لا، تعليمكم معترفٌ به. فقلتُ لهم ادفعوا 5 آلاف في السنة، ورفعناها إلى 7 آلاف فيما بعد. دخلوا جامعات كثيرة وتخرجوا، وأعطوا من حياتهم، ورواتبهم أقل من الآخرين، لكنهم يؤمنون بالرسالة التربوية. وأحياناً تأخذهم منا المدارس الأخرى بإغرائهم. ما هو ذنب الفقير لا يتعلم؟
> نحن نعلم أن العالم العربي بحاجة إلى فكرة المؤسسات القائمة على قوانين ثابتة وليس على أشخاص، كيف ترى حال المؤسسات الفكرية والثقافية في العالم العربي في الوقت الحاضر؟
- قبل 2008 كانت البنوك والشركات الكبرى تأتي إلي، وتقول: ما هو السّر في دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وما سّر الثورة التي تشهدونها، كيف تحققت؟ فقلت لهم: هنا أنت حرّ في عقلك ومالك. وهنا الأمور ميسّرة: تريد تكّون شركة... أو تبني فندقاً، أو مدرسة أو مستشفى، أو بارا، لا أحد يقف عائقاً أمام استثمارك. نحن نعمل من أجل خير البشرية.
> هل تؤكد على تأسيس مراكز ثقافية على غرار مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث؟
- لا نريد مراكز، بل نريد إخراج البشرية من الأميّة، نريد مدارس لكن المدرسين غير موجودين في البلدان العربية. كان راتب المدرس ألفي جنيه فقط في أيام حسني مبارك، فكيف يتطور حقل التعليم. المدرس التربوي.
> هل تعتقد أن العمل الثقافي لا يزال يلاقي نقص التمويل من الأغنياء ورجال الأعمال العرب في العالم العربي؟
- وما الضير إذا أسهم التجار بنسبة خمسة في المائة من دخولهم خاصة أن الضرائب غير موجودة في الإمارات. هناك رجال استماتوا في خدمة أوطانهم. واختيارهم موفق من حكامهم، انظر من الفجيرة إلى أبوظبي، كل شيء ينمو ويزدهر، وكل الدراسات تقول إن العقار هو أفضل دخل في دولة الإمارات. يجب أن تكون لنا أهداف تخدم بها البشر، وينتفع بها.
> هل تتعاونون مع مراكز ثقافية عالمية، وهل يُمكن تحديدها، وما هي الفوائد التي يجنيها مركزكم من ذلك على صعيد التبادل الفكري والثقافي؟
ـــ طبعاً، لدينا تعاون كبير مع المراكز العالمية، إذا ما طلب منا أحد كتاباً ولا يتوفر في مكتبتا، نحاول الحصول عليه من مكتبات عالمية مثل مكتبة الكونغرس وبريستون، وبرلين، ندفع دولارا أو دولارين ونأخذ من طالب الكتاب 25 سنتاً، لا توجد مؤسسة في العالم تفعل ذلك. وهي وإن كانت مؤسسات غير ربحية في العالم إلا أنها تأخذ الرسوم، وأقول إن العلم ليس صفقة بيع وشراء. البلدان تقدمت بالإنفاق على التعليم مثل الصين واليابان وماليزيا، ما الذي ينقصنا حتى لا نصرف على التعليم. لذلك أصّر على ضرورة إنفاق 10 في المائة من الدخل القومي على التعليم، و10 في المائة على الصحة.
> ما هي مشاريعكم في التعامل مع الكتب التي تصدر خارج العالم العربي، هل من خطة للاهتمام بها؟
ــــ نحن نسعى إلى جمع كتب المهجر من مؤلفين عراقيين وسوريين ومصريين وعرب، ونسعى لبناء مكتبة تكلف 30 مليون دولار، ستكون وقفا للبشرية. ولطالما حرصت على جمع الكتب من أنحاء العالم، وأطلب من الأساتذة والعلماء والباحثين الذين التقي بهم ضرورة تزودي بالكتب الجيدة لكي أضمّها إلى مكتبتنا. أنت تعلم أنا تاجر وليس لدي معرفة بكل الكتب. ولدينا مكتبة فارسية تحتوي على نحو مائة ألف مخطوط، وهذا جزء من اهتمامنا بالكتاب غير العربي أيضاً.
> ما هو رأيكم بما يحدث للعالم العربي من انتهاكات وانتكاسات وتدمير للثقافة مثل ما حصل مؤخراً من قصف لمكتبة الموصل وتدميرها، وقبل ذلك حرق مكتبة بغداد الوطنية؟
- إنني أعتبر نفسي مسؤولا عن إنقاذ الكتاب في العالم، سواء كان إسلامياً أو بوذياً، أو مسيحياً أو عبرانياً، فهو في نهاية المطاف، ملك للبشرية، ويجب إنقاذه أينما كان. حرق الكتب جريمة تصل إلى قتل النفس في أي مكان في العالم.
> ما هي خططكم المستقبلية في الارتقاء بمؤسساتكم الثقافية والفكرية والتربوية؟
- مشاريعنا لا تتوقف، ولا نهاية لها. كنت في شراكة مع (الكاز) لاثنتي عشرة سنة، وتفارقنا بعدها، وبقينا أصدقاء، جاء رئيسها، وقال: إلى أين أنت ذاهب؟ فقلت له: كيف؟ قال هذا الذي تعمل فيه عبارة عن بحر عميق، لا نهاية له: قلت له أعرف أين سائر أنا؟ كتب، ومخطوطات، ووثائق، وخبراء من الخارج، ونحن لا نتوفر على الكوادر، وما نحصل عليه من كوادر تغتنمهم بعض المؤسسات الحكومية وتأخذهم منا. أنا أتكلم عن التعليم، وجميع مؤسساتي عبارة عن وقف: الكليات، المدارس الخيرية، بيت الخير، مركز جمعة الماجد وغيرها. وقد اختارت جامعة الدول العربية مركزنا كأفضل مكتبة في العالم العربي، وتم الإعلان عن ذلك وسط القاهرة. كما حصلت جمعية بيت الخير على جائزة من بين 76 جمعية خيرية. أليست هذه مفخرة؟ أقمنا في عام 2013 مشروعاً بالتنسيق مع كليات التقنية، لتعليم الطالبات، من دون رسوم، لمدة سنتين للغة العربية واللغة الإنجليزية والكومبيوتر والمحاسبة، ونحن نقوم بالبحث عن عمل لهن، وبدأنا العمل وحصلنا على رواتب الآن، واحدة تقول: سنتان من البحث عن العمل لا أحد يوظفها، وهي خريجة ثانوية، وهي الآن قبل أن تتخرج عثرت على عمل. للأسف الشديد، أقول: العالم يتطور ونحن نتراجع. كنت أزور كوريا الجنوبية قبل سنوات كانت بيوتهم عبارة عن عشش، وهم يقولون لي: ماذا تفعل هنا؟ فأجبتهم بأنني هنا لشراء البضائع. ولم يكن فيها حتى فنادق 5 نجوم. وأنظر الآن كيف تطورت كوريا؟ والسبب الجوهري لتطورها هو التركيز على التعليم، والعالم العربي لا يزال يعاني من أزمة التعليم...
> هل فكرتكم بكتابة مذكراتكم التي ستكون لها بلا شك أهمية كبيرة للأجيال المقبلة؟ هل هناك مشروع من هذا القبيل؟
- إن شاء الله.

الجوائز التي حصل عليها
> جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام 1990 وجائزة الشخصية الدولية لخدمة الثقافة والتراث من قبل الرئيس المصري حسني مبارك 2000 وجائزة شخصية العام الثقافية في مهرجان القرين الثقافي في الكويت 2005 وجائزة تريم عمران الثقافية للمؤسسات2007 وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للإنجاز الثقافي والعلمي لدورة 2006 - 2007 وغيرها من التكريمات والجوائز المحلية والعربية والعالمية.



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.