جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

من أوائل رجال الأعمال في الإمارات الذين وضعوا المال في خدمة الكتاب

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب
TT

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

جمعة الماجد... من صيّاد اللؤلؤ إلى صيّاد الكتب

تعلم جمعة الماجد الصبر والمثابرة من صيد اللؤلؤ عندما كان والده يصطحبه معه إلى مجاهل البحر، ولعل ولادته في الشندغة عام 1930 هيأته لهذه الرحلات البحرية الشاقة، ثم تعلّم في الكتاتيب على يد أمثال فرح القريني، وأحمد القنبري، وغيرهما، وبعدها انتسب إلى المدرسة الأهلية عام 1948 التي أسسها حسن ميرزا الصايغ. ثم طرق باب التجارة، ولكنه سرعان ما كرس نفسه للكتاب من خلال تأسيس المدارس الخيرية والجامعات، وكلية الدراسات العربية الإسلامية عام 1986 ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث عام 1991. وهو من أوائل رجال المال والتجارة في الإمارات الذين وضعوا المال في خدمة الكتاب، ووصل إخلاصه وتفانيه في حب إلى الكتاب إلى القول: أعتبر نفسي مسؤولاً عن إنقاذ أي كتاب معرض للتلف في العالم.

> نحن نعيش في عصر البربرية والتطرف، فهل تعتقد أن المراكز الثقافية، ومنها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، تسهم في عملية التنوير ونشر الثقافة والعلم والمعرفة بين أوساط الشباب؟
- لا أعتقد أن مركزاً واحداً يستطيع أن يغيّر الكون، رغم أن مركزنا يختلف عن بقية مراكز العالم الثقافية، لأننا لا نقلّد بل نبتكر، وكما هو معروف، إن مهمتنا هي تزويد الباحث العربي بالكتب والمراجع والمخطوطات، لذا ابتكرنا طريقة إرسال الكتاب أو المخطوط إليه، فلا يتمكن الباحثون والمؤلفون القدوم إلينا، لذلك نقوم نحن بالسفر إليهم، ومخطوطاتنا ملك للناس وليس للحفظ. ونحن نختلف عن المكتبات ليس في العالم العربي بل في العالم المتحضّر أيضاً، على سبيل المثال، يصل سعر اللقطة الواحدة من الكتب والمخطوطات إلى دولار أو دولار ونصف، بينما نحن نسعّرها بـ25 سنتاً خدمة للقارئ والباحث، هكذا قلبنا نظام الرسوم رأساً على عقب.
> كانت لديكم مبادرات في اقتناء المخطوطات من العالم، خصوصا تلك المُعرّضة للخطر، كما حصل مع مخطوطات تمبكتو؟
- نحن أكبر مركز لحفظ المخطوطات في العالم، يتوفر في مركزنا نحو 900 ألف نسخة مخطوطة، ولا يوجد هذا الكم في أي مكتبة من مكتبات العالم. وهذه المخطوطات ليست للحفظ بل متاحة للقراء والباحثين والمختصين. لكننا لسنا مركزاً لتحقيق المخطوطات، ولو أننا نقوم بتحقيق 4 أو 5 مخطوطات في العام، ولكنه ليس من اختصاصنا، بل نحن نزوّد الباحثين والكتّاب بأدوات البحث، وهذا ما يؤدي إلى أن يقوم الباحثون بتحقيق آلاف المخطوطات بفضل جهودنا.
> كيف يمكن التغلب على الفكر المتطرف في نظركم، هل الثقافة قادرة على هذا التحدي وهذا الرهان في وقتنا الحالي؟
- البلدان التي تدعي التمدّن هي التي خلقت التطرف والإرهاب. ما دام هناك رؤساء يكذبون على شعوبهم ما الذي تبّقى؟ وعندما يحققون معهم يضعون لهم غطاء حسن النيّة، مثلما قال توني بلير في بريطانيا، يعترف بالخطأ حتى لا يُطارد في المستقبل. أسأل: مَنْ خلق التطرف؟ انظر ماذا قال كلينتون؟ قال: نحن خلقنا «داعش». الناس تقرأ ولكنها لا تفهم، ولا تسمع، فرئيس دولة يقول: نحن خلقنا «داعش»! والسؤال: لماذا خلقوا «داعش»؟ لخراب بلدان العالم. هم البلاء. علينا أن نخدم الثقافة من أجل استنارة الأمة، كما تفعل الشعوب الأخرى. أعتقد أنك قرأت كيف أن حكومة اليابان مدّت سكة حديد إلى مدينة نائية لأن هناك بنتا تدرس وتعيش مع أهلها في مزرعة، شيدوا قطاراً لكي تتمكن من الدوام في مدرستها.على قسم من الحكّام العرب والمسلمين أن ينفقوا 10 في المائة من الدخل القومي على التعليم، و10 في المائة على الصحة، و80 في المائة لهم. لا أحد يريد أن يسمع هذا الكلام، رغم أن وضعنا كارثي، حيث أعلنت اليونيسكو والأمم المتحدة عن وجود 80 مليون أمي في البلدان العربية، وأغلبيتهم في مصر. هل تحرك الحُكام لمعالجة هذا الأمر؟
> نلاحظ أن بعض الأفراد والمؤسسات تقوم بهذا العمل أي المحاولة في معالجة وضع الأمية في العالم العربي؟
ــــ يجب أن لا ننظر فقط الإمارات العربية المتحدة وما قام به سلطان بن سلطان العويس أو جمعة الماجد أو غيرهما في هذا المجال، وما كانا يستطيعان ذلك لولا التسهيلات التي حصلا عليها من الدولة، مثلاً الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، أمر بأن كل شيء عائد إلى جمعة الماجد، يُنقل على طائرته الخاصة، والشيخ حمدان بن زايد أمر بنقل كل ما يعود لي من كتب ومخطوطات في الحقيبة الدبلوماسية، والشيح محمد بن راشد أمر بعدم خضوع أي كتاب يأتي إلى مركز جمعة الماجد إلى الرقابة. عندما جاء نزار قباني إلى دبي لتسلم جائزة سلطان العويس، قال له العويس: اذهب وشاهد مكتبة مركز جمعة الماجد، فقال: يا سلطان، أنا رأيت مكتبات العالم، ماذا ستكون هذه المكتبة؟ قال له: لا، اذهب وشاهدها. لم يرغب في البداية، ثم جاء لزيارة المكتبة. تناولنا القهوة ونزلت معه. وعندما رأى المكتبة، قال: أتمنى أن تكون كتبي هنا. قلت له: لم لا؟ قلت له: يأتيك شخص ويأخذ كتبك. فأجابني: لكن كتبي ممنوعة. قلت له: لا، كتبك غير ممنوعة، وكذلك كتب غيرك أيضاً. قال لي: هل أنت متأكد؟ فقلت له: نعم. قال لي: لا ترسل أحداً يأخذ كتبي، أنا سوف أقوم بذلك. عندما وصل إلى لبنان، شحن كتبه، وتسلمناها من المطار. هذه قصة نزار قباني معنا. لماذا لا تحذو البلدان العربية حذو الإمارات ويعملون مثلها، ويستفيدون منها، حتى جيراننا لا يريدون الاستفادة من تجربتنا.
> من أي عمرٍ بدأ اهتمامك وشغفك بالكتاب، هل يعود إلى سنوات الصبا والشباب أم جاء في عمر متأخر، وأنت المهتم بالغوص في البدايات؟
- ليست لدي شهادة ابتدائية، ولكنني حرصت على توفير الكتاب للقارئ والباحث. نشأتُ في عائلة فقيرة، وكنت أذهب مع أبي للغوص، وهي أشق مهنة في الحياة على الإطلاق. ويعمل الناس على ظهر السفينة، كما لو كان نادي عراة، يأكلون وينامون ويقضون حاجاتهم، وغيرها، وكل واحد على السفينة له مهامه الخاصة، كانت مسؤوليتي أن أعتني بالقرط، وهي شجر تنبتُ في عُمان، لكي يدهن به الغواصون أجسادهم، للحفاظ عليها من القروح وتأثيرات الأملاح، وهكذا يداوي النوخذة نفسه. وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، نزل سعر اللؤلؤ، ولم تعد البلدان الأوروبية والولايات المتحدة تشتري اللؤلؤ منا، ولكن الهند وملوكها وتجارها ظلوا يشترون منا. أما زراعة اللؤلؤ، فتعود إلى مائة أو مائة وعشرين عاما، قبل الحرب العالمية الثانية ارتفع سعره، لكنه بعدها، نزل سعره الأصلي، وخسر التجار، وانكسر الخليج. وبدأ التاجر ينفق عشرة آلاف درهم لكنه لا يربح سوى ستة آلاف درهم. لكن سفينة ماجد الغرير باعت مائة ألف آنذاك، وهي سفينة كبيرة. السفن الصغيرة غير قادرة على هذا الإنتاج، ربما تنتج عشرين أو ثلاثين كيساً، ولم تعد الأرض تنتج اللؤلؤ، أحياناً مائة كيس من الصدف، الكبير، والمحار، الصغير، لا يحتوي معظمه على اللؤلؤ، على سبيل المثال، مائة كيس لا يوجد فيه كمية من المحار والصدف، بينما عشرون كيسا يمكن أن يحتوي على كمية أكبر.
> أنتم من أوائل من ربط بين الثقافة والتجارة في عمل إيجابي مثمر ومفيد لقطاعات واسعة محرومة وعملتم على تمكين هذه الفئات إلى الحصول على التعليم، هل تعتقد أن الرأسمال العربي لا يزال بعيداً عن خدمة الثقافية والتربية؟
- لا تنفق الحكومات العربية والإسلامية بما فيه الكفاية على التعليم، ولا يوجد غير التعليم مَنْ يُنقذ الأمة، سواء كانوا في المشرق أو المغرب أو إندونيسيا أو ماليزيا. ولكن ماذا يمكن أن يقوم به التاجر في هذا الميدان؟ إنه عمل فردي. حتى قسم من كُتابنا مثل الببغاوات، يكررون كلمات قيلت من قبل، مائة مرة، وكل التجار العرب لا يعادلون تاجراً واحداً في أميركا، وهناك شركة واحدة أكبر من دولة. ولكنهم يضّخمون من قدراتنا، ويقولون عندنا بترول، ونحن ضخمّنا أنفسنا أيضاً. يجب التركيز أولاً على تعليم المرأة. في الكلية كان عندي 2700 امرأة، يدرسن مجاناً، والكتب مجاناً، والنقل مجاناً، ونمنح الفقير مصاريف 500 درهم. وأغالبهم من عُمان، من الطبقة الفقيرة، التي لا تتمكن من مواصلة الدراسة في الكليات والجامعات الخاصة. ركزت على اللغة العربية، لأنها لغة القرآن، ولغة الدين. وكلياتنا معترف بها من قبل الأزهر ووزارة التعليم العالي، أول ماجستير ودكتوراه في الدولة تخرج من كليتنا. علّمتُ المرأة، ولما تعلّمت وجدت عملاً، ومن ثم حصلت على زوج. هل تبرع لها رجال الأعمال الآخرين مبلغ 500 درهم لكي تعيش بصورة أفضل؟ التعليم قيمة لا تعادلها كل أموال الدنيا.
> قطعتم شوطاً كبيراً في مجال العمل الخيري، وهذه السنة تحتفل مؤسستكم بذلك، إلى أي مدى وصل تأثيركم في المجال الثقافي والتربوي؟
ــ دعني أروي لك هذه القصة: عندما نزل البترول إلى 7 دولارات للبرميل قبل ثلاثين سنة، اجتمع الخليجيون وقالوا: لا نستطيع تدريس أبناء الأجانب، وذلك في الشهر التاسع، أنا كنت رئيس مجلس الآباء في دبي آنذاك، وكان أحمد الطاير، وكيلاً بالنيابة، لم يكن لدينا وزير، وكان هو الرئيس وأنا نائب الرئيس في بنك الإمارات، قلت له: كيف تعلنون عن عدم تدريس أبناء الأجانب في بداية العالم الدراسي؟ قال لي الطاير: القرار اتخذ من قبل مجلس التعاون الخليجي، ولا نستطيع أن نخرج على الاتفاق. وبقيت أفكر، وأقول: أين يذهب أبناء الأجانب في هذه الظروف؟ اتصلت بوزير التربية، وقلت له: أريد مساعدتك، قال: ماذا تريد؟ قلت له: أريد مدارس بعد الظهر. قال: نعم. قلت له: وأريد كتباً. فأخرج لنا أمرا من رئاسة الوزراء لإعطائنا الكتب. قلت له: أريد مدرّسين، نحن ندفع لهم. قال نسمح لهم بذلك. فالفضل يعود إلى أحمد الطاير في المدارس الخيرية. هذه أمور لا يعرفها أحد. ولا الكتّاب يريدون يكتبون ولا الصحف تريد أن تكتب. عندنا 12 ألف خريج من المدارس الخيرية، وهم دائماً من العشرة الأوائل في الدولة من المدارس الخيرية. في البداية خصصناها بالمجان، بعدها رأينا أن التجار يريدون تسجيل أولادهم فيها، فقلتُ لهم: يا جماعة أنتم عندكم فلوس، علموهم في الخارج، قالوا: لا، تعليمكم معترفٌ به. فقلتُ لهم ادفعوا 5 آلاف في السنة، ورفعناها إلى 7 آلاف فيما بعد. دخلوا جامعات كثيرة وتخرجوا، وأعطوا من حياتهم، ورواتبهم أقل من الآخرين، لكنهم يؤمنون بالرسالة التربوية. وأحياناً تأخذهم منا المدارس الأخرى بإغرائهم. ما هو ذنب الفقير لا يتعلم؟
> نحن نعلم أن العالم العربي بحاجة إلى فكرة المؤسسات القائمة على قوانين ثابتة وليس على أشخاص، كيف ترى حال المؤسسات الفكرية والثقافية في العالم العربي في الوقت الحاضر؟
- قبل 2008 كانت البنوك والشركات الكبرى تأتي إلي، وتقول: ما هو السّر في دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وما سّر الثورة التي تشهدونها، كيف تحققت؟ فقلت لهم: هنا أنت حرّ في عقلك ومالك. وهنا الأمور ميسّرة: تريد تكّون شركة... أو تبني فندقاً، أو مدرسة أو مستشفى، أو بارا، لا أحد يقف عائقاً أمام استثمارك. نحن نعمل من أجل خير البشرية.
> هل تؤكد على تأسيس مراكز ثقافية على غرار مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث؟
- لا نريد مراكز، بل نريد إخراج البشرية من الأميّة، نريد مدارس لكن المدرسين غير موجودين في البلدان العربية. كان راتب المدرس ألفي جنيه فقط في أيام حسني مبارك، فكيف يتطور حقل التعليم. المدرس التربوي.
> هل تعتقد أن العمل الثقافي لا يزال يلاقي نقص التمويل من الأغنياء ورجال الأعمال العرب في العالم العربي؟
- وما الضير إذا أسهم التجار بنسبة خمسة في المائة من دخولهم خاصة أن الضرائب غير موجودة في الإمارات. هناك رجال استماتوا في خدمة أوطانهم. واختيارهم موفق من حكامهم، انظر من الفجيرة إلى أبوظبي، كل شيء ينمو ويزدهر، وكل الدراسات تقول إن العقار هو أفضل دخل في دولة الإمارات. يجب أن تكون لنا أهداف تخدم بها البشر، وينتفع بها.
> هل تتعاونون مع مراكز ثقافية عالمية، وهل يُمكن تحديدها، وما هي الفوائد التي يجنيها مركزكم من ذلك على صعيد التبادل الفكري والثقافي؟
ـــ طبعاً، لدينا تعاون كبير مع المراكز العالمية، إذا ما طلب منا أحد كتاباً ولا يتوفر في مكتبتا، نحاول الحصول عليه من مكتبات عالمية مثل مكتبة الكونغرس وبريستون، وبرلين، ندفع دولارا أو دولارين ونأخذ من طالب الكتاب 25 سنتاً، لا توجد مؤسسة في العالم تفعل ذلك. وهي وإن كانت مؤسسات غير ربحية في العالم إلا أنها تأخذ الرسوم، وأقول إن العلم ليس صفقة بيع وشراء. البلدان تقدمت بالإنفاق على التعليم مثل الصين واليابان وماليزيا، ما الذي ينقصنا حتى لا نصرف على التعليم. لذلك أصّر على ضرورة إنفاق 10 في المائة من الدخل القومي على التعليم، و10 في المائة على الصحة.
> ما هي مشاريعكم في التعامل مع الكتب التي تصدر خارج العالم العربي، هل من خطة للاهتمام بها؟
ــــ نحن نسعى إلى جمع كتب المهجر من مؤلفين عراقيين وسوريين ومصريين وعرب، ونسعى لبناء مكتبة تكلف 30 مليون دولار، ستكون وقفا للبشرية. ولطالما حرصت على جمع الكتب من أنحاء العالم، وأطلب من الأساتذة والعلماء والباحثين الذين التقي بهم ضرورة تزودي بالكتب الجيدة لكي أضمّها إلى مكتبتنا. أنت تعلم أنا تاجر وليس لدي معرفة بكل الكتب. ولدينا مكتبة فارسية تحتوي على نحو مائة ألف مخطوط، وهذا جزء من اهتمامنا بالكتاب غير العربي أيضاً.
> ما هو رأيكم بما يحدث للعالم العربي من انتهاكات وانتكاسات وتدمير للثقافة مثل ما حصل مؤخراً من قصف لمكتبة الموصل وتدميرها، وقبل ذلك حرق مكتبة بغداد الوطنية؟
- إنني أعتبر نفسي مسؤولا عن إنقاذ الكتاب في العالم، سواء كان إسلامياً أو بوذياً، أو مسيحياً أو عبرانياً، فهو في نهاية المطاف، ملك للبشرية، ويجب إنقاذه أينما كان. حرق الكتب جريمة تصل إلى قتل النفس في أي مكان في العالم.
> ما هي خططكم المستقبلية في الارتقاء بمؤسساتكم الثقافية والفكرية والتربوية؟
- مشاريعنا لا تتوقف، ولا نهاية لها. كنت في شراكة مع (الكاز) لاثنتي عشرة سنة، وتفارقنا بعدها، وبقينا أصدقاء، جاء رئيسها، وقال: إلى أين أنت ذاهب؟ فقلت له: كيف؟ قال هذا الذي تعمل فيه عبارة عن بحر عميق، لا نهاية له: قلت له أعرف أين سائر أنا؟ كتب، ومخطوطات، ووثائق، وخبراء من الخارج، ونحن لا نتوفر على الكوادر، وما نحصل عليه من كوادر تغتنمهم بعض المؤسسات الحكومية وتأخذهم منا. أنا أتكلم عن التعليم، وجميع مؤسساتي عبارة عن وقف: الكليات، المدارس الخيرية، بيت الخير، مركز جمعة الماجد وغيرها. وقد اختارت جامعة الدول العربية مركزنا كأفضل مكتبة في العالم العربي، وتم الإعلان عن ذلك وسط القاهرة. كما حصلت جمعية بيت الخير على جائزة من بين 76 جمعية خيرية. أليست هذه مفخرة؟ أقمنا في عام 2013 مشروعاً بالتنسيق مع كليات التقنية، لتعليم الطالبات، من دون رسوم، لمدة سنتين للغة العربية واللغة الإنجليزية والكومبيوتر والمحاسبة، ونحن نقوم بالبحث عن عمل لهن، وبدأنا العمل وحصلنا على رواتب الآن، واحدة تقول: سنتان من البحث عن العمل لا أحد يوظفها، وهي خريجة ثانوية، وهي الآن قبل أن تتخرج عثرت على عمل. للأسف الشديد، أقول: العالم يتطور ونحن نتراجع. كنت أزور كوريا الجنوبية قبل سنوات كانت بيوتهم عبارة عن عشش، وهم يقولون لي: ماذا تفعل هنا؟ فأجبتهم بأنني هنا لشراء البضائع. ولم يكن فيها حتى فنادق 5 نجوم. وأنظر الآن كيف تطورت كوريا؟ والسبب الجوهري لتطورها هو التركيز على التعليم، والعالم العربي لا يزال يعاني من أزمة التعليم...
> هل فكرتكم بكتابة مذكراتكم التي ستكون لها بلا شك أهمية كبيرة للأجيال المقبلة؟ هل هناك مشروع من هذا القبيل؟
- إن شاء الله.

الجوائز التي حصل عليها
> جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام 1990 وجائزة الشخصية الدولية لخدمة الثقافة والتراث من قبل الرئيس المصري حسني مبارك 2000 وجائزة شخصية العام الثقافية في مهرجان القرين الثقافي في الكويت 2005 وجائزة تريم عمران الثقافية للمؤسسات2007 وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للإنجاز الثقافي والعلمي لدورة 2006 - 2007 وغيرها من التكريمات والجوائز المحلية والعربية والعالمية.



الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.