أبو سهمين يكلف ميليشيات إسلامية بتأمين العاصمة

قوات عسكرية تنضم إلى جيش حفتر وتعلن حل البرلمان.. ورئيسه يعلن تسييره الأعمال من مكان آمن

جنود من الجيش الليبي يحرسون المدخل الغربي الى العاصمة طرابلس أمس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الليبي يحرسون المدخل الغربي الى العاصمة طرابلس أمس (أ.ف.ب)
TT

أبو سهمين يكلف ميليشيات إسلامية بتأمين العاصمة

جنود من الجيش الليبي يحرسون المدخل الغربي الى العاصمة طرابلس أمس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش الليبي يحرسون المدخل الغربي الى العاصمة طرابلس أمس (أ.ف.ب)

اقترحت الحكومة المؤقتة في ليبيا برئاسة عبد الله الثني، مبادرة مفاجئة مساء أمس لحل الأزمة الراهنة في البلاد، تضمنت عشر نقاط وطالبت المؤتمر الوطني العام (البرلمان) بوقف عمله لحين إجراء الانتخابات العامة المقبلة بعد التصويت على ميزانية عام 2014 وإعادة انتخاب رئيس الوزراء. ولم يصدر على الفور أي تعليق مباشر من نوري أبو سهمين رئيس البرلمان الذي أصدر في وقت سابق قرارا مثيرا للجدل بتكليف «قوة درع ليبيا الوسطى» التي تضم مقاتلين إسلاميين، بالتمركز داخل العاصمة وتأمين مداخلها ومخارجها اعتبارا من أمس. ووجهت هذه القوة عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تحذيرا إلى من وصفتهم بالعابثين من أي اعتداء على مؤسسات الدولة وما يترتب عليه من ترويع للمدنين. وقالت: «إننا سنكون في العاصمة طرابلس في الوقت المناسب ولن نرحم ونتسامح في الرد ومعاقبة هؤلاء المتمردين والخارجين عن الشرعية وكما نحذر السياسيين وعبثهم بالدولة الليبية».
وفى محاولة للخروج من الأزمة السياسية وما نتج عنها من جدل قانوني حول تكليف المليونير ورجل الأعمال المحسوب على الإسلاميين، أحمد معيتيق بتشكيل الحكومة الجديدة، دعت الحكومة إلى إعادة التصويت على رئيس الحكومة الجديد في جلسة علنية بطريقة الاقتراع السري المباشر، على أن تستمر الحكومة الحالية في تسيير الأعمال في حال فشل البرلمان في ذلك إلى حين انتخاب البرلمان القادم في موعد أقصاه منتصف شهر أغسطس (آب) المقبل.
واشترطت المبادرة دخول المؤتمر الوطني في إجازة برلمانية بعد انتهاء استحقاق إقرار ميزانية الدولة الليبية عن العام الحالي، حتى يجري انتخاب البرلمان القادم وتسلم له السلطة التشريعية عند ذلك.
وخرجت بعثة الأمم المتحدة عن الصمت الذي التزمته منذ اندلاع المواجهات المسلحة بين قوات اللواء خليفة حفتر وميليشيات مسلحة في طرابلس وبنغازي، ودعت في بيان إلى الوقف الفوري للأعمال العسكرية وإلى معالجة الخلافات سياسيا.
وتوقفت المعارك والاشتباكات في العاصمة الليبية طرابلس ومدينة بنغازي بشرق ليبيا أمس بين القوات الموالية للواء خليفة حفتر وميلشيات إسلامية مسلحة داعمة للمؤتمر الوطني العام (البرلمان) وحكومته الانتقالية، بينما أكد مصدر مسؤول بوزارة الخارجية الليبية مغادرة البعثتين الدبلوماسيتين للسعودية والإمارات العربية المتحدة إلى بلديهما.
وأوضح المصدر أن مغادرة البعثتين جاءت كإجراء احترازي وبصورة مؤقتة، مشيرا إلى أن عودتهما مرتبطة بتحسن الأوضاع الأمنية في البلاد.
وقال سكان في مدينتي طرابلس وبنغازي لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة كانت شبه طبيعية أمس في شوارع المدينتين، بينما قالت وكالة الأنباء الرسمية إن امتحانات الشهادة الإعدادية سارت بصور طبيعية، وإن المصارف والمحلات التجارية تمارس عملها الطبيعي، وحركة السير على الطرقات تسير بنفس وتيرة الأيام العادية.
وقالت مصادر بمطار طرابلس الدولي إن المطار يعمل بصورة طبيعية ورحلات الطيران الداخلية والخارجية المبرمجة تسير وفق ما هو مخطط لها ولم يحدث فيها تغيير، مشيرة إلى أن المنطقة المحيطة بالمطار يسودها هدوء كامل والحركة فيها طبيعية ولا وجود لأي من المظاهر أو التحركات العسكرية سواء للأفراد أو السيارات.
وأعلن نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني أنه موجود في مكان آمن ويقوم بتسيير الأعمال بالتنسيق الكامل مع نائبيه ورئيس الحكومة ومدير المخابرات العامة.
وقال أبو سهمين في تصريحات لقناة محلية إن تكرار الاقتحامات لمقر المؤتمر أدى إلى عدم اتخاذ أية إجراءات في السابق للحد منها والانفلات الأمني وعدم قدرة الدولة على بسط سيطرتها على مؤسساتها، خصوصا الأمنية منها، مشيرا إلى أن رئاسة الحكومة المتمثلة في وزارتي الداخلية والدفاع ورئاسة الأركان مكلفون بالقيام بتوفير الحماية الأمنية التامة للمقار السيادية في الدولة بما فيها المؤتمر الوطني والأجهزة التابعة له.
وانسحبت قوات من كتيبتي القعقاع والصواعق المولية لحفتر من شوارع العاصمة طرابلس بعد عملية مداهمة سريعة واقتحام لمقر البرلمان، وخاضت مواجهات عنيفة ضد ميلشيات داعمة للسلطات الرسمية، بينما أعلنت وزارة الصحة الليبية أن الاشتباكات التي وقعت بطرابلس أول من أمس قد أسفرت عن أربعة أشخاص وجرح 89 آخرين، مشيرة إلى أنه جرى نقل ثلاث حالات بالإسعاف الطائر إلى تونس بسبب صعوبتها.
من جهتها، رأت غرفة عمليات ثوار ليبيا، التي تضم إسلاميين داعمين للبرلمان أن عهد الانقلابات قد ولى، وهددت في بيان لها أمس بالتصدي بكل حزم لمحاولات الحالمين للوصول إلى سدة الحكم على ظهور الدبابات.
ووصفت التحركات العسكرية بمدينتي بنغازي وطرابلس، التي قالت إنها مدعومة عبر وسائل إعلام محلية وعربية، بأنها «انقلاب عسكري صريح ومكتمل الفصول على شرعية الدولة». وأضافت: «على الشعب الليبي في حال عدم الرضا عن السلطة الشرعية الحالية أن يسعى للمشاركة في انتخاب أعضاء مجلس للنواب يرتضيهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وأن يحسن اختيارهم وألا يقع في نفس الأخطاء من جديد».
ونقلت وكالة الأنباء المحلية عن مصدر أمني قوله إن قوة الردع والتدخل المشتركة تسيطر على الأوضاع الأمنية داخل مدينة طرابلس، ودعا المواطنين إلى التعاون وعدم التسبب في أية قلاقل والابتعاد عن التجمعات.
كما أكد العقيد محمد سويسي مدير أمن طرابلس أن عناصر الأجهزة الأمنية التابعة للمديرية موجودون في مقار أعمالهم لتأمينها وحمايتها، لافتا إلى أن جميع الأجهزة المكلفة بحماية الأهداف والمنشآت الحيوية قائمة بواجباتها وموجودة بمقارها لتأمينها وحمايتها.
وأعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي أنها مع تحقيق أهداف ثورة 17 فبراير والتزامها بالشرعية، واستهجانها للأعمال الإرهابية التي تستهدف عناصر الجيش وغيرهم من المواطنين، لافتة إلى دعمها لمن وصفتهم بالثوار الحقيقيين الذين يعملون لصالح الوطن وتحقيق إرادة الشعب.
وأكدت رئاسة الأركان في بيان بثته وكالة الأنباء الليبية أنها تراقب الأحداث الدامية التي تشهدها مدن عدة في ليبيا، وكشفت النقاب عن مساع غير معلنة للتفاوض، حيث أعربت عن «دعمها المطلق للجهود التي يبذلها الخيرون في ليبيا من أجل التهدئة والحوار الجاد الذي يقطع الطريق أمام أعداء الوطن في الداخل والخارج»، داعية الليبيين للانضمام إليهم والمشاركة في الحوار للوصول إلى المصالحة التي تحقق الأمن. وكان العقيد مختار فرنانة قائد الشرطة العسكرية قد أعلن مساء أول من أمس في بيان باسم الجيش الوطني الموالي للواء حفتر تجميد عمل المؤتمر الوطني وتكليف لجنة الستين، المنوط بها صياغة الدستور بالمهام التشريعية والرقابية «في أضيق نطاق».
ودعا البيان الحكومة إلى الاستمرار في عملها حتى انتخاب البرلمان والرئاسة، معتبرا أن ما جرى من «حراك في طرابلس ليس انقلابا على السلطة، بل هو انحياز لإرادة الشعب الليبي».
لكن الحكومة الانتقالية التي يترأسها وزير الدفاع عبد الله الثني قالت في المقابل إنها تستنكر التعبير عن الرأي السياسي باستخدام القوة المسلحة من كل الأطراف، وطلبت التوقف فورا عن استخدام الترسانة العسكرية التي يمتلكها الشعب الليبي للاقتتال تعبيرا عن الرأي السياسي.
وقالت في بيان تلاه وزير العدل الليبي صلاح الميرغني في ساعة مبكرة من صباح أمس في أعقاب هجوم على البرلمان إن وزارة الداخلية وقوات الأمن تبذل كل ما في وسعها للحفاظ على هذا الأمن الذي ينشده المواطن وطمأنة الشعب إلى أن مسؤوليتها الأمن بقوتها الظاهرة ودورياتها المدنية المستترة وذلك رغم صعوبة الظروف.
وعدت الحكومة أن ما وقع في مدينة طرابلس لا يحمل أي علامات حقيقية تربطه بما وقع في مدينة بنغازي من اقتتال يوم الجمعة الماضي الذي راح ضحيته العشرات، ودعت في المقابل الجميع للتحلي بالمسؤولية التاريخية والوطنية وعدم جر البلاد لمواجهات واقتتالات تؤدي إلى سفك المزيد من الدماء.
وأعلنت كتيبة للجيش الليبي في الجنوب، بالإضافة إلى قاعدة جوية في مدينة طبرق بشرق ليبيا في بيانين منفصلين الانضمام إلى قوات حفتر، في وقت حثت فيه القوات الخاصة التابعة للجيش الليبي في مدينة بنغازي المواطنين في كل المدن الليبية على الخروج في مظاهرات تؤيد ما وصفته بالحراك الوطني للدفاع عن الوطن، في إشارة إلى دعمها عملية الكرامة التي تشنها قوات حفتر ضد معسكرات تابعة لتنظيمات إسلامية متطرفة. وحسمت القوات الخاصة بهذا البيان موقفها الذي أثار جدلا منذ اندلاع المواجهات بين قوات حفتر والمتطرفين، حيث لم تشارك في هذه المعارك واكتفت بتأمين مقراتها. وأعلنت القوات الخاصة التي تضم نخبة من مقاتلي الصاعقة والمظلات بقيادة العقيد ونيس بوخمادة أنها في قتال مستمر منذ أكثر من عام في ضرب أوكار الإرهاب والجريمة، لافتة إلى أنها قدمت سلسلة متواصلة ويومية من الشهداء والمفقودين والجرحى. وأضاف البيان: «وكما عاهدنا شعبنا العظيم بأننا لن نخون ولن نخذلهم ولن نتهاون ولن نسلم الوطن إلى هذه الثلة من المجرمين التكفيريين الخارجة عن الملة، إما نحن وإما هم في هذا الوطن، الذي لا يسع الاثنين». وذكرت مصادر عسكرية بقاعدة بنينا الجوية في بنغازي أن ثلاثة صواريخ من نوع غراد متوسطة الحجم سقطت على المهبط القديم للقاعدة دون أن تسفر عن أضرار.
وأكد العقيد محمد حجازي الناطق الرسمي باسم قوات حفتر أنه جرى ضبط سيارة عليها مدفع رباعي موجه باتجاه القاعدة بإحدى المناطق، مشيرا إلى أن القوات الخاصة المكلفة بحماية القاعدة ردت بإطلاق الأسلحة الثقيلة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.