«المطابع الأميرية» تتوقف عن طباعة أوراق الاقتراع لأول مرة منذ 60 سنة

ذاع صيتها عقب مزاعم بشأن تزوير انتخابات الرئاسة في 2012

مصريان يقفان أمام الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية بالقاهرة («الشرق الأوسط»)
مصريان يقفان أمام الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية بالقاهرة («الشرق الأوسط»)
TT

«المطابع الأميرية» تتوقف عن طباعة أوراق الاقتراع لأول مرة منذ 60 سنة

مصريان يقفان أمام الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية بالقاهرة («الشرق الأوسط»)
مصريان يقفان أمام الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية بالقاهرة («الشرق الأوسط»)

بعد أكثر من 60 عاما تولت فيها طباعة بطاقات الانتخابات والاستفتاءات في مصر، لم تعد ماكينات هيئة المطابع الأميرية، أقدم مطبعة حكومية في البلاد، مسؤولة الآن عن إصدار تلك الأوراق المهمة، التي يضعها الناخبون في صناديق مغلقة لتحدد مصير رأس السلطة وعضوية البرلمان، وذلك بعدما قررت اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، اللجوء لمطابع أخرى تابعة لجهاز الشرطة لإصدار أوراق الانتخابات الرئاسية، التي ستجري الأسبوع المقبل، ويتنافس فيها المشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع السابق، وحمدين صباحي زعيم التيار الشعبي.
وقالت لجنة الانتخابات الرئاسية إن استبعاد «الأميرية» جاء درءا للشبهات، التي أثيرت في الانتخابات السابقة عام 2012، والمتعلقة بتسويد بطاقات التصويت (وضع علامات مسبقة) لصالح الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي كان ينافس فيها رئيس الوزراء الأسبق الفريق أحمد شفيق، وهي القضية الجاري التحقيق فيها حتى الآن.
وخلال العهود السابقة عادة ما شكك المصريون في نزاهة الانتخابات، وعرفت في هذا الإطار ألوان كثيرة من التزوير، منها توزيع رشى مالية على الناخبين أو سلع استهلاكية، أو تسويد البطاقات الانتخابية داخل لجان الانتخابات من جانب مشرفي اللجان.
وأعلن المستشار عبد العزيز سالمان، الأمين العام للجنة الانتخابات الرئاسية الحالية، في وقت سابق، أن أوراق وبطاقات الاقتراع في الانتخابات الرئاسية المقبلة ستجري طباعتها في مطابع الشرطة، في إطار الحرص على تأمينها، وهذا بعد أن فاضلت اللجنة العليا بين عدد من المطابع، من حيث الأرخص والأجود للطباعة.
وأوضح سالمان أنه ستجري طباعة نحو 54 مليون بطاقة تصويت، طبقا لعدد المواطنين الذين لهم حق التصويت، مؤكدا أن مطابع الشرطة قادرة على إنجاز طباعة الأوراق المطلوبة بسرعة ودقة خلال المدة المحددة.
وأضاف: «المطابع ستسلم بطاقات الاقتراع واللجنة تتولى توزيعها على المحاكم الابتدائية ثم على القضاة المشرفين على اللجان الفرعية، قبل بدء عملية التصويت، وسيقوم جميع القضاة بمراجعة الأوراق للتأكد من عدم وجود أي مخالفات بها أو تسويدها سلفا، لإبلاغ اللجنة وإبطالها إن وجدت».
وكانت حملة المرشح الخاسر في انتخابات عام 2012 (شفيق) قد زعمت في وقت سابق، أن البطاقات التي جرى تزويرها لصالح مرسي في المطابع الأميرية بلغت مليون بطاقة، اكتشفت منها فقط 20 ألفا، ووضع الباقي داخل الصناديق واحتسبت لصالح مرسي الفائز.
وقال المستشار عادل إدريس، قاضي التحقيق في القضية أمس إنه «سلم أوراق القضية كاملة إلى النيابة العامة، حتى يتسنى لها الاطلاع وإبداء طلباتها على ضوء ما حوته التحقيقات». ومن المعروف أن النشر في هذه القضية محظور بأمر من السلطات القضائية.
وتقوم المطابع الأميرية، التي تأسست لطباعة الكتب العسكرية في عهد مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا قبل 194 عاما، بطباعة كل المنشورات الرسمية الصادرة عن الدولة، بما فيها أوراق الانتخابات. وينفي مسؤولو المطبعة علاقتهم بتسويد بطاقات الانتخابات الرئاسية الماضية، مؤكدين أن طبع تلك الاستمارات جرى تحت إشراف كامل من الأجهزة الأمنية، وأن عملية التسويد جاءت خارج المطبعة في اللجان الفرعية بعد الطباعة.
وفي جولة لـ«الشرق الأوسط» داخل مقر المطبعة العملاق، بحي إمبابة شمال محافظة الجيزة، رفض مسؤولو المطبعة الخوض في تفاصيل قرار استبعادها، مؤكدين أنه صادر من جهات عليا يجب احترامها.
وقال مسؤول أمني رفيع، رفض الكشف عن اسمه، إن «الحديث عن طباعة أوراق الانتخابات أمر بالغ الحساسية، فعملية طباعة البطاقات تخضع لرقابة أقوى الأجهزة الأمنية في الدولة»، عادا أن «استبعاد (الأميرية) أمر مؤسف بالتأكيد بوصفها المسؤولة تاريخيا عن هذا الأمر، وهي أعرق مطابع الشرق الأوسط». وتابع المسؤول: «الكل هنا (في المطبعة) يعلم أن من مصلحة مصر أن تجري الانتخابات الحالية خالية من أي شكوك أو شبهات، خصوصا أنها انتخابات مصيرية بعد ثورة 30 يونيو (حزيران) الماضي، ولذلك علينا تجنب هذا الأمر حاليا».
وقال أحد موظفي المطبعة: «يبدو أن الدولة عندما قررت القضاء على جماعة (الإخوان) وعزل مرسي بعد الاحتجاجات الشعبية ضده، قررت في الوقت نفسه أن تستبعد كل ما له صلة بوصولهم إلى الحكم حتى ولو من باب الشك أو الاتهامات المرسلة».
وافتتح مقر المطبعة الحالي المطل على كورنيش النيل على مساحة قدرها 35000 متر مربع تقريبا، في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات. وتصدر المطبعة «الجريدة الرسمية»، وهي الجريدة التي تنشر فيها كل القرارات الحكومية والقوانين الرسمية المعمول بها، وتصدر كل يوم خميس، بالإضافة إلى جريدة «الوقائع المصرية»، وهي أقدم صحيفة مصرية، وتصدر الآن ملحقا للجريدة الرسمية.
ويعود تاريخ إنشاء المطبعة الأميرية إلى سبتمبر (أيلول) عام 1820، تحت اسم «مطبعة بولاق» في حي بولاق أبو العلا بالقاهرة، وافتتحت رسميا في عهد محمد علي باشا عام 1821، حيث كانت تطبع الكتب العسكرية للجيش، ثم تطورت بعد ذلك، حيث قامت بطبع الكتب الأدبية والعلمية والمدرسية.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1862 قدم الخديو سعيد باشا المطبعة هدية إلى عبد الرحمن بك رشدي، ثم اشتراها الخديو إسماعيل باشا وضمها إلى أملاك الدائرة السنية، ثم عادت ملكا للدولة في 20 يونيو 1880، في عهد الخديو توفيق، حتى أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 13 أغسطس (آب) 1956 القرار بقانون رقم 312 لسنة 1956، بإنشاء «الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية»، وإلحاقها بوزارة الصناعة والتجارة.

* مشاهد على هامش الانتخابات الرئاسية

* قال مصدر حكومي كويتي إن بلاده قررت إبعاد 15 مصريا شاركوا في مسيرة ليلية مؤيدة لمرشح الرئاسة المصري عبد الفتاح السيسي، بحسب وكالة «رويترز»، التي أضافت أن المصدر رفض الخوض في تفاصيل القضية لكنه أكد أن قرار الإبعاد اتخذ بالفعل.
وفي أغسطس (آب) الماضي قررت الكويت ترحيل تسعة من المقيمين المصريين الذين شاركوا في مظاهرات أمام القنصلية المصرية والسفارة الأميركية في الكويت، احتجاجا على مقتل المئات في فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في محافظتي القاهرة والجيزة بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو (تموز) الماضي استجابة لمظاهرات حاشدة مطالبة بتنحيته.
وبدأ المصريون في الكويت مع باقي المصريين في الخارج الخميس الماضي الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية في مقر السفارة. وانتهت أمس عملية الاقتراع في الخارج، ومن المقرر أن تجرى في الداخل يومي 26، و27 مايو (أيار).
* أصدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان، أمس تقريرا نوعيا عن الرصد الإعلامي للانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تنطلق الأسبوع المقبل، تناول التقرير الاهتمام الإعلامي على عينة من 12 موقعا إلكترونيا تابعا للصحف المصرية القومية (شبه الرسمية) والخاصة.
وأظهر التقرير أن المواقع الخاصة هي الأكثر اهتماما بمتابعة الانتخابات الرئاسية والحملات الانتخابية للمرشحين المشير عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي، أما فيما يتعلق بحيادية الأخبار التي جرى رصدها، وهل اتسمت تلك الأخبار بالإيجابية أم السلبية أم الحيادية، فقد تراوحت النسبة، حيث جاءت الأخبار الإيجابية بنسبة رصد وصلت إلى 44%، تليها في المرتبة الثانية الأخبار السلبية بنسبة رصد بلغت نحو 30%، في حين جاءت الأخبار المحايدة في المرتبة الأخيرة بنسبة وصلت إلى 26% فقط.
* أعلنت الدكتورة عزة العشماوي الأمين العام للمجلس القومي للطفولة والأمومة أن المجلس وجه خطابات رسمية لممثلي الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة عبد الفتاح السيسي وحمدين صباحي، محذرا من استغلال الأطفال في الدعاية الانتخابية للمرشحين.
وقالت العشماوي إن استغلال الأطفال يتعارض مع ما نص عليه دستور مصر، وقانون الطفل والذي نص على حظر كل مساس بحق الطفل في الحماية من الاستغلال، ويعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه كل من اقترف هذا الجرم.
وقالت العشماوي إن هذه الخطوة تأتى بعد أن ناشد المجلس أكثر من مرة الحملات الانتخابية الرسمية لكلا المرشحين خلال الأسابيع الماضية؛ لعدم استغلال الأطفال في الحملات الدعائية للمرشحين، إلا أن المجلس رصد استغلالا للأطفال خلال الأيام الماضية، فضلا عن الإعلان عن تنظيم مسيرات يشارك فيها أطفال خلال الأيام المقبلة.
* أنهت جامعة الدول العربية أمس استعداداتها لمتابعة الانتخابات الرئاسية في مصر يومي 26 و27 مايو (أيار) الحالي، حيث اجتمعت السفيرة هيفاء أبو غزالة الأمين العام المساعد رئيس قطاع الإعلام والاتصال بالجامعة مع فريق بعثة مراقبي الجامعة لوضع اللمسات النهائية فيما يخص ترتيبات متابعة للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في نحو 22 محافظة مصرية. حضر الاجتماع نائب الأمين العام للجامعة العربية السفير أحمد بن حلي والأمين العام المساعد للشؤون المالية والإدارية السفير عدنان خضير وممثلي إدارة أمانة الانتخابات.
وتناول الاجتماع المعايير التي سيجري وفقها متابعة الانتخابات في المحافظات المصرية التي ستتوزع فيها بعثة الجامعة العربية التي تضم نحو 100 مراقب «من جنسيات غير مصرية لضمان الحيادية» بدءا من يوم 24 مايو الحالي.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.