«ذا غايت هاوس»... قطعة من الريف الإنجليزي في قلب لندن

«ذا غايت هاوس»... قطعة من الريف الإنجليزي في قلب لندن

مبنى عمره 380 سنة ورحلة صيد على طريقة الأرستقراطيين
الأربعاء - 24 ذو القعدة 1438 هـ - 16 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14141]
لندن: جوسلين إيليا
إذا كنت قد سمعت بفندق «ذا ستافورد» التاريخي في منطقة سانت جيمس بقلب لندن فأنت من بين المحظوظين فعلا، لأن هذا الفندق هو قطعة من تاريخ لندن والأهم هو أنه جوهرة مخفية وراء قنطرة من الحجارة لا يدخله إلا عشاق الاكتشاف والاستكشاف، ومن زاره لا يمكن أن يصفه إلا بالتحفة المعمارية والفنية الإنجليزية التي تبهر الزائر لما يراه بالداخل.

«ذا ستافورد» لم يكتف بتاريخه العريق الذي يعود إلى أكثر من 380 سنة من العظمة حيث كان بالماضي مركز خيل الأمراء والنبلاء والسياسيين واليوم يتمتع عشاق السفر والفنادق الراقية بإقامة لا تشبه سواها في أجنحة عايشت أجمل حقبات لندن وأبشعها أيام الحرب، ولم يكتف الفندق بـ11 جناحاً فأضاف جناحا جديدا أطلق عليه اسم «ذا غايت هاوس» The Gate House وهو اسم على مسمى لأن مبناه منفصل يقع عند مدخل الفندق من الجهة الخلفية، وتم افتتاحه الأسبوع الماضي بحضور كثيف للفنانين ومصممي الأزياء العالميين وأعيان المدينة، فهو يمتد على ثلاثة طوابق، وله مدخلان، الأول في الطابق السفلي والثاني في الطابق الأول تصل إليه عبر سلم يطل على الباحة الجميلة التي تقع وسط أبنية الفندق الحديثة والقديمة والرابط فيما بينها كلها هو الأسلوب الإنجليزي والعودة إلى الجذور وعلى الرغم من أن الديكورات حديثة إلا أنها تعتمد على مفردات البيت الإنجليزي الريفي من خلال استخدام الأسقف المدعمة بقطع عملاقة من الخشب الغليظ تمام مثل تلك التي تراها في البيوت الريفية مع مدفأة في الوسط.

جميع الأجنحة في الفندق جميلة إلا أن «ذا غايت هاوس» مميز لأن تصميمه كان متحورا حول حاجيات السائح العربي وهنا أعني الزائر العربي الباحث عن الفخامة في قالب من الحداثة وفي موقع أكثر من ملائم للوصول إلى أشهر المعالم السياحية في وسط المدينة.

فهو يقع في منطقة سانت جيمس القريبة من بيكاديللي وساحة الطرف الأغر «ترافلغار سكوير» وعلى مسافة 5 دقائق مشيا على الأقدام من منطقة مايفير الراقية ومنها إلى شارع «ريجنتس ستريت» للتسوق والأكل في أهم المطاعم في المنطقة انطلاقا من مطعم «ذا غايم بيرد» التابع للفندق والذي افتتح أخيرا ويركز على المأكولات البريطانية الأصيلة وعلى الطرائد الطازجة في مواسمها الأصلية ويجلب سمك السلمون من مصادره الأصلية ويعتبر منذ افتتاحه من أهم مطاعم المدينة التي لا تجد مثل مطبخها في أماكن أخرى.



- «ذا غايت هاوس»

الجناح الجديد هو أشبه بمنزل أكثر منه جناحا في فندق، لأنه وكما ذكرنا له مدخله الخاص وهذا ما يلائم الباحثين عن الخصوصية المطلقة، كما أنه يناسب العائلات لأنه يضم غرفتي نوم مع توابعها ومطبخا صغيرا وغرفة طعام ومكتبا بالإضافة إلى مصعد داخلي يؤمن راحة الصعود والنزول إلى جميع طوابق الجناح الثلاثة.

وضعت مصممة الديكور العالمية ألكسندرا شامباليمو بصمتها الراقية على جميع حيثيات المكان فكانت النتيجة، بسيطة وأنيقة من دون تكلف مزجت ما بين الأصالة الإنجليزية والحداثة التي تم تطويعها في التكنولوجيا الحديثة مثل الإضاءة وغيرها.

أكثر ما يميز الجناح هو الشعور بالمساحة الواسعة في جميع الطوابق والنوافذ العملاقة التي يتخلل من خلالها النور الطبيعي من الخارج.

وفي الداخل ستجد نفسك وكأنك في متحف حديث، فالجدران تزينها اللوحات العصرية الجميلة والهدف من الديكور هو بث الشعور بالراحة وكأنك في منزلك.

ويقول ستيوارت بروكتر مدير عام الفندق عن عملية تجديد أجنحة «الإسطبلات» و«ذا غايت هاوس» إنها فكرة لإحياء التراث الإنجليزي والمحافظة عليه ليبقى دائما شامخا ويعكس أمجاد تاريخ المبنى. وعبر بروكتور عن فرحته بالنتيجة لأن الديكور برأيه يعكس صورة الريف الإنجليزي الأصيل ويوصله إلى قلب لندن.

فمبنى «ذا ستافورد» له قصة وتاريخ لا يشبهان مباني باقي فنادق المدينة فكان لا بد من المحافظة عليه وكان من الضروري تلاوة القصة بطريقة ساحرة ملؤها الروح الإنجليزية المليئة بالدعابة والرصانة بالوقت نفسه.

يشار إلى أن فندق «ذا ستافورد» افتتح لأول مرة كفندق في عام 1912 وبني بالأصل كمساكن خاصة في القرن السابع عشر، وكان يسكن في الشقة رقم 17 اللورد والليدي ليتلتون، ابنة إيرل سبنسر التي كانت تعمل مربية لدى الملكة فيكتوريا. www.thestaffordlondon.com



- «ذا ستافورد» ينقلك إلى الريف في أقل من ساعتين

وبما أن الإقامة في «ذا ستافور» هي إنجليزية بحتة فلا بد أن يكون هناك ما يربطها بالريف الإنجليزي الجميل، ولذا قام الفندق بتنظيم رحلة خاصة إلى الريف وتحديدا إلى مقاطعة «هامشير»، على ضفة نهر «تيست» Test River ووقع الخيار على تنظيم رحلة لتعليم صيد السمك Fly Fishing والمعروف عن أن هذه الرياضة هي من بين أشهر هوايات الطبقة الإنجليزية الأرستقراطية، ولها طقوسها ولباسها.

انطلقت الرحلة من وسط لندن واستغرقت ساعة وخمسين دقيقة لم نشعر بها لأن طريقة النقل كانت بالتعاون مع شركة «بنتلي»، فخارج الفندق وعند الانطلاق كانت سيارات رباعية الدفع من طراز «بنتلي بنتايغا» Bentley Bentayga بالانتظار لتأخذنا في رحلة إنجليزية بامتياز.

نحو الساعتين من الزمن كانت تفصلنا عن روعة الطبيعة الغناءة لنصل إلى مهد هواية صيد السمك «الطائر» بحيث ينظر إلى منطقة «كمبريدج» على أنها من أشهر الأماكن حول العالم التي تجد فيها مدارس خاصة تعلمك هذه الهواية العريقة التي تعتبر من أهم هوايات الأرستقراطيين إلى جانب الصيد بالبندقية.

وتعتبر القرى الصغيرة المحيطة بـ«كمبريدج» من أجمل المناطق في إنجلترا وصنفت منطقة ستوكبريدج» على أنها الأجمل، فكلها مطلة على نهر «تيست» ومناسبة للمشي وممارسة الرياضة وصيد سمك الترويت النهري.

وتعتبر شركة «أورفيس» Orvis من بين أهم الشركات التي تعنى بهذه الهواية وتقدم على موقعها www.orvis.co.uk جميع المعلومات اللازمة حول هذه الرياضة ويمكن شراء جميع المعدات مثل صنارة الصيد واللباس بالإضافة إلى حجز حصص لتعلم الرياضة على يد صيادين ماهرين متخصصين.



- كيف تقضي أجمل يوم على ضفة النهر؟

عندما تنوي القيام بمثل هذه المغامرة فيجب ملابسك بشكل جيد، فتذكر بأن المناخ في إنجلترا متقلب ولذا يجب أن تصطحب معك سترة تقيك البرد ولو في عز الصيف، كما أن النظارة الشمسية ضرورية ليس لتحمي عيونك من الشمس إنما لحمايتها من رمي الصنارة في الماء، فهذا النوع من صيد السمك يتطلب بأن ترمي الصنارة بشكل قوي وفيه الكثير من الزخم وبالتالي فقد تغرز فيك الصنارة في حال كان الطقس عاصفا تماما مثلما كان في اليوم الذي قمنا فيه بمغامرتنا.

أما بالنسبة للحذاء فيجب أن يكون مريحا وإذا كنت تنوي أخذ الصيد على محمل الجد فأنصحك بحذاء من البلاستيك في حال قررت الوقوف في ماء النهر الضحل. وتقوم شركة «أورفيس» بتسهيل اليوم وتنظيمه بشكل رائع، فتؤمن لك لوازم الصيد وفي الوقت الذي تقوم به بتعلم الصيد، يكون السمك على النار وبانتظارك.

لحسن حظنا، فكنا برفقة الشيف البريطاني جيمس دورانت الشيف الرئيس في «ذا غايم بيرد» فقام بتحضير الغداء في الهواء الطلق، وقام بشي السمك الطازج واكتفى بإضافة زيت الزيتون والملح لأن المذاق الطازج برأيه ليس بحاجة لأي جهد للتطوير وتحسين النكهة.

وبعد الصيد لأكثر من ساعتين متواصلتين وتعلم أصول الرياضة مع القليل من المواقف الطريفة، فبدلا من صيد السمك تم تصيد المعلم المسكين وغرزت بسترته الصنارة ولكن مثل هذه المواقف معهودة لدى المتمرسين وليست بمشكلة.

مشهد أشبه بكتب التاريخ

من الصعب وصف المشهد بكلمات، ولكني سأحاول أن أرسم لكم صورة تقريبية للمشهد الذي يشبه فعلا قصص التاريخ والأفلام الإنجليزية مثل «برايد آند بريجيديس» Pride And Prejudice والسيد «دارسي» Mr Darcy الوسيم الذي أدى دوره الممثل البريطاني كولين فيرث، فعندما وصلنا إلى النهر كان بانتظارنا مجموعة من الصيادين بلباسهم التقليدي تماما مثل تلك التي تراها في الأفلام والكتب القديمة، قبعات باللون الأخضر الفاتح «الكاكي» وجاكيتات من التويد وأحذية عالية، ولكنة إنجليزية راقية جدا، تعرف ببريطانيا بلكنة الملكة أو «إنجليزية الملكة» نسبة لرقيها وطريقة لفظ مخارج الحروف بطريقة لا تشبه تكلم الطبقة العاملة والشعبية في البلاد.

وعند وصولنا سمعنا بأن العازب الأشهر في إنجلترا سينضم إلينا للصيد لاحقا، فحشريتي الصحافية دفعتني إلى طرح السؤال (ليس لاهتمام شخصي إنما بداعي كتابة هذا الموضوع) لمعرفة تلك الشخصية، وعرفت بعدها بأن صديق الأمير ويليام المقرب توماس فان ستروبينزي الذي عاد إلى سوق الزواج من جديد بعدما أعلن طلاقه منذ ثلاثة أشهر هو العازب الذي سيشاركنا الصيد والغداء، وبالفعل المشهد كان طريفا جدا وأشبه بالأفلام من دون أي مبالغة، لأن جميع أعيان المنطقة من الأرستقراطيين حضروا من حيث لا أدري برفقة بناتهم وصديقاتهم ومعارفهم، بهدف تعريفهن على السير فان ستروبينزي، فرحت أراقب المشهد من بعيد وكان بالفعل لافتا خاصة أن صديق ولي العهد الأمير ويليام لم يكن مهتما إلا بصنارته وصيد السمك والتهامها فيما بعد.



- غداء ولا ألذ

عندما تحجز يوما للصيد من الممكن أيضا أن تحجز غداء على ضفة النهر، وبما أن فندق «ذا سترافورد» كان وراء تنظيم رحلتنا فكنا محظوظين بالشيف جيمس دورانت الذي رافقنا طيلة اليوم وقام بطهي السمك إلى جانب أصناف لا تحصى ولا تعد للسلطات اللذيذة.

فهناك خيمة صغيرة على ضفة النهر مع جلسات بسيطة تحتها تقيك الشمس والشتاء، وبعد الغداء الملوكي وبعد محاولة صيد فاشلة جديدة، كان لا بد من تناول الشاي الإنجليزي مع جميع أطايبه مثل الكيك والسكونز والكريمة والمربى، فتم تحضير الحلوى في الفندق على يد طاهي الحلوى المختص وتم تقديمه على ضفة النهر ليكتمل المشهد الإنجليزي الذي لا يمكن وصفه إلا بالروعة.
المملكة المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة