سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

ترميم وتشغيل ربع مساحتها عبر مشروع طموح

TT

سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)
خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)

تنهض الحياة في حلب، ثاني أكبر المدن السورية بعد العاصمة دمشق، من رحم الموت، تماماً كالنباتات والأشجار الخضراء التي تشق طريقها نحو السماء وسط غابات سوداء محترقة. فسوق حلب التاريخية، التي تُوصف بأنها «قلب المدينة النابض»، تستعيد روحها ببطء، في مشهد يجمع بين الألم والأمل.

وتُجسِّد الصورة الراهنة لهذه السوق العريقة مثالاً صارخاً للتناقض بين الحياة والموت، وبين الضوء والظلام، وبين الألوان الزاهية وتلك الباهتة. فبينما عادت الأضواء والحركة إلى الأسواق الواقعة خلف «الجامع الأُموي الكبير» بعد ترميمها وإعادة تشغيلها خلال الفترة الماضية، لا تزال الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب غارقة في الصمت، مثقلة بالركام والدمار الهائل.

تبدو تلك المنطقة وكأنها موطن للأشباح، يتجنبها المارة، لا سيما في ساعات الظلام، رغم أنها كانت قبل الحرب السورية تعج بالحيوية، وتصدح فيها أصوات البائعين، وتفيض بالحركة والنشاط.

دمار هائل خلفته الحرب في سوق حلب (الشرق الأوسط)

تُعدُّ سوق حلب من أقدم وأكبر الأسواق المسقوفة في العالم، وتتمتع بمكانة تاريخية واقتصادية وثقافية بارزة في سوريا، إذ تضم عشرات الأسواق المتصلة الممتدة على طول الشارع المستقيم، من باب أنطاكية وصولاً إلى محيط قلعة حلب.

وإلى جانب متاجرها وخاناتها، تحتضن السوق حمَّامات أثرية عريقة، في مقدمتها حمَّام يلبغا العائد إلى الحقبة المملوكية، وحمَّام نور الدين الزنكي الذي يعود إلى الفترة الزنكية. كما تضم خانات تاريخية كانت تؤدي دور الفنادق التجارية القديمة، من أبرزها خان الجمرك.

وتتميّز أسواق حلب بتخصُّص كل سوق بحرفة أو بضاعة بعينها. ونظراً لقيمتها التاريخية والحضارية الفريدة، أُدرجت السوق ضمن قائمة التراث العالمي «لليونيسكو» عام 1986، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من مدينة حلب القديمة.

أحد الخانات الأثرية المدمرة في السوق التاريخية (الشرق الأوسط)

قبل الحرب، كانت السوق تحوي آلاف المحلات التي اشتهرت بمنتجات متنوعة، من الحرير والتوابل إلى الصابون. وخلال الحرب السورية، تعرّضت السوق لأضرار جسيمة نتيجة القصف والمعارك، مما أدى إلى تدميرها جزئياً في بعض المناطق وكلياً في أخرى.

تخضع أزقة السوق التاريخية، التي يصل طولها الإجمالي إلى نحو 13 كيلومتراً، حالياً لعملية ترميم واسعة ومتدرجة تشمل جهوداً محلية ودولية. وبفضل هذه الجهود، أُعيد افتتاح وتشغيل نحو 13 سوقاً من أصل 40، وفق ما أفاد به خبراء الترميم والتجار في حديثهم لـ«الشرق الأوسط».

أعمال الترميم تجري ببطء (الشرق الأوسط)

وتعود جذور سوق حلب إلى العصور الهلنستية والرومانية، حين كانت المدينة محطة تجارية مهمة على طرق القوافل بين الشرق والغرب، وازدهرت السوق بشكل كبير منذ العصر الأُموي، ثم توسَّعت وتطوَّرت في العصور الأيوبية والمملوكية، في حين شهدت أكبر مراحل توسعها في العصر العثماني حين بُنيت معظم أقسامها المسقوفة الحالية على غرار «سوق المدينة»، و«سوق العطارين»، و«سوق الصاغة»، و«سوق النحاسين»، وأصبح مركزاً تجارياً إقليمياً يربط الأناضول ببلاد الشام وبلاد ما بين النهرين.

إنقاذ الأسواق التاريخية

تعمل مؤسسة «الآغا خان» للثقافة منذ عام 2018، بالتعاون مع شركاء محليين، على برنامج لترميم السوق التاريخية. شملت هذه الأعمال إعادة تأهيل 8 أقسام رئيسية، وإرجاع أكثر من 277 محلاً تجارياً إلى أصحابها، وتأهيل نحو 500 متر من الممرات داخلها. بالإضافة إلى تنفيذ أعمال تثبيت طارئة لـ6 معالم تاريخية تضررت جراء زلازل عام 2023، بدعم كريم من مؤسسة «ألِف».

الحياة تعود تدريجياً إلى السوق (الشرق الأوسط)

كما تعمل «اليونيسكو» مع شركاء دوليين في مشروعات استقرار وترميم تشمل أجزاء من الأسواق والأعمال التراثية المتضررة.

تُعد سوق «السقطية 1» شرياناً أساسياً للأسواق القديمة في حلب، لوقوعها على الخط المستقيم الممتد من باب أنطاكية وصولاً إلى سوق الزرب، وفق ما أشارت فاطمة خولندي، مهندسة معمارية في صندوق «الآغا خان» للثقافة، التي رافقت فريق «الشرق الأوسط» في جولته داخل السوق.

المهندسة فاطمة خولندي (الشرق الأوسط)

تتحدث المهندسة السورية الشابة بحماس وفخر عن جماليات سوق حلب التاريخية وتفردها، وعن أعمال الترميم التي أُنجزت خلال الأعوام الماضية، قائلة: «اختيرت سوق (السقطية 1)، المتخصصة في بيع المكسرات، كمشروع (بايلوت) أو نموذج لمشروعات ترميم صندوق (الآغا خان) في السوق، لا سيما أن نسبة الضرر بها كانت أقل مقارنة بالمستويات الهائلة من الدمار في الأسواق الأخرى. ونجح المشروع في إعادة بريق السوق مجدداً، وتسليم 53 محلاً تعمل جميعها الآن». وتابعت: «في حين تضاء المتاجر بالكهرباء المركزية للمدينة، فإن نهر الأسواق المرممة يسطع بضوء خلايا الطاقة الشمسية».

إحدى الأسواق بعد ترميمها وتشغيلها (الشرق الأوسط)

تتميز سوق «السقطية 1» الممتدة لنحو مائة متر بقبابها وأقواسها الحجرية الفريدة، وتحتضن خان الجمرك المملوكي. أما سوق «خان الحرير» المجاورة للجامع الأموي الكبير، الذي يخضع هو الآخر لعمليات ترميم، فقد كانت تعاني من دمار واسع، وفق ما أفاد به المرمّمون. وبدأ فريق العمل في عام 2019 بتوثيق السوق للوقوف على شكلها الأصلي، لا سيما بعد انهيار واجهاتها الحجرية بالكامل.

مواد ترميم أصلية

ويراعي فريق المرممين إعادة استخدام الأحجار الأصلية المستخرجة من الموقع، إلى جانب الاستعانة بأحجار متطابقة من محاجر قريبة وبأحجام متباينة، تطبيقاً لمفهوم «إعادة الشيء إلى أصله»، وفق المهندسة السورية.

ومن بين الأسواق التي شملها الترميم في حلب، سوق «الأحمدية»، إحدى الأسواق التسعة على الشارع المستقيم الممتد من باب أنطاكية غرباً حتى نهاية سوق الزرب شرقاً المطل على قلعة حلب الأثرية. وتشتهر هذه السوق بتجارة الألبسة والقطنيات والمكسرات.

متجر لبيع المكسرات (الشرق الأوسط)

تمتد سوق الأحمدية على طول 39 متراً، وتضم 19 محلاً تجارياً، بالإضافة إلى سبيل للمياه ومقهى الشلبي، الذي يمنح السوق أهميتها لندرة المقاهي في الأسواق المشابهة، ويُعد تحفة فنية بطرازه المعماري الفريد. وقد تعرض المقهى للدمار إثر زلزال عام 2023 قبل أن يُرمّم مجدداً. كما تضم السوق قبة الأحمدية المشهورة بزخارفها المميزة، ومظلة خشبية مزخرفة تعرضت للحرق خلال الحرب.

سوق خان الحرير بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

نجح فريق الترميم في إعادة الأسواق المرممة إلى صورتها الأصلية عبر استخدام مواد وأدوات يدوية دقيقة، تعتمد على براعة وعمالة ماهرة. وتقول المهندسة فاطمة: «يساعدنا التوثيق الجيد للأسواق المدمرة في الوصول إلى نتائج مرضية، ففي بعض الأحيان تستغرق عملية التوثيق والتخطيط للترميم 7 أشهر. وخلال العمل نستعين بعمالة ماهرة تنفِّذ المخططات بدقة، ونعتمد تماماً على العنصر البشري في نحت وقص ومعالجة الأحجار المستخدمة لإعادة بناء المتاجر، إدراكاً منا لأهميتها وقيمتها الأثرية».

وتُعد «سوق المحماص»، التي تنتهي بالشارع الخلفي للجامع الكبير وتضم قبة خشبية نادرة، أحدث مشروع ترميم انتهى صندوق «الآغا خان» منه في حلب. واستغرق العمل وقتاً طويلاً لإنهائه بعد أن بلغت نسبة الدمار فيه نحو 90 في المائة. وتوضح فاطمة: «نبحث عن مخططات قديمة، ونكشف الأساسات لإجراء رصد مساحي يحدد حدود المحال، ثم نُقيِّم الأضرار ونرفع تقريراً لمهندسي المرافق الصحية والكهرباء».

التاجر أبو علاء (الشرق الأوسط)

وأمام خان القصابية وقف تاجر ستيني يلقب بـ«أبو علاء» معدداً الأهمية التاريخية للسوق، وعبّر بنبرة حماسية عن اعتزازه الكبير بالمكان الذي يعمل به منذ أن كان طفلاً صغيراً، ويقول إن «حلب مدينة تاريخية تمرض ولا تموت بعدما شهدت حروباً وزلازل»، مؤكداً أنها تراهن على «العراقة» التي اكتسبتها منذ مئات السنين.

عائدون إلى حلب

داخل متجره المتخصص في بيع «صابون الغار» الشهير، جلس الرجل الستيني محمود أرناب، منتظراً زبائنه، يتذكر أيام الحرب التي عاشتها حلب واضطرته للهجرة إلى تركيا عام 2014، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان اليوم الذي يمر وقتئذ يكون اليوم التالي له أسوأ، لكن اليوم بعد تحرير سوريا من نظام بشار الأسد فإن الغد بات أفضل من اليوم الذي نعيشه في المدينة».

محمود أرناب (الشرق الأوسط)

ويضيف أرناب أنه «عاد منذ بضعة أشهر من تركيا وفتح متجرة مجدداً بعد ترميمه»، معبراً عن سعادته الكبيرة بالعودة إلى «ست الكل» حلب، وأكد أن الزحام الذي تشهده السوق في الفترة الجارية بدأ قبل 3 أشهر فقط.

وفي زاوية أخرى من السوق كان يترجل مصطفى الرحماني، الذي يسكن في بيت قريب من قلعة حلب، بخطوات ثابتة نحو أحد المساجد القريبة من الجامع الأموي الكبير المغلق، لأداء صلاة المغرب.

عبَّر صاحب اللحية البيضاء والوجه الباسم، عن ارتياحه الشديد بالعودة إلى حلب بعد 10 سنوات كاملة قضاها في مدينة الإسكندرية المصرية هو وأسرته، حيث افتتح مطعماً هناك للمأكولات السورية، لكنه فضَّل العودة قبل شهرين إلى حلب لاستئناف حياته بها رفقة أبنائه الذين عادوا معه أيضاً من مصر ويعملون حالياً في أحد مطاعم حلب.

لا يشعر الرجل بقلق كبير تجاه الأوضاع الراهنة في المدينة، ويتوقع تحسن الأوضاع وترميم بقية الأسواق المدمرة وإعادة فتح مطعمه، منتظراً وصول معداته وأدواته التي شحنها من مصر إلى سوريا.

جانب من أعمال الترميم (الشرق الأوسط)

انتعاشة مرهونة بالسلام

ويرهن تيري غراندان، مدير برامج «صندوق الآغا خان للثقافة»، ومدير مشروع الحفاظ والترميم والتخطيط الحضري في حلب، الاستمرار في إعادة ترميم السوق القديمة وانتعاشها بإحلال السلام في سوريا بشكل عام، وفي حلب بشكل خاص.

ويشير غراندان إلى أن إعادة تشغيل الأسواق تبقى مهمة صعبة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «جزء من سكان حلب لم يعد بعد، كان عدد سكان المدينة القديمة يُقدّر بنحو 120 ألف نسمة قبل الحرب، واليوم يقيم فيها نحو 50 ألفاً فقط. وهؤلاء السكان كانوا يشكلون جزءاً أساسياً من الحركة في السوق والعمل التجاري». وأضاف: «أُعيد تشغيل بعض الورش التي تمد الأسواق بالبضائع والمشغولات».

وبسبب طول فترة الإغلاق، يرى غراندان أن الدول التي كانت تعتمد على سوق حلب لشراء البضائع السورية خلال العقود الماضية تحولت إلى أسواق بديلة.

جانب من معروضات حلب التراثية (الشرق الأوسط)

ويؤكد تيري أن الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب شهدت دماراً كبيراً، ويمكن لـ«صندوق الآغا خان للثقافة» أن يُرمم سوقاً كل عام.

وفاقم الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا المجاورة منذ عامين الوضع في حلب، حيث تقدر منظمة «اليونيسكو» أن نحو 60 في المائة من المدينة القديمة تضررت بشدة، في حين تدمرت نحو 30 في المائة منها بشكل كامل.

وشجَّعت عمليات الترميم بعض التجار على إعادة تأهيل متاجرهم بأنفسهم، دون انتظار تدخلات حكومية، وفق ما رصدت «الشرق الأوسط»، لا سيما في الأسواق الأقل تضرراً.


مقالات ذات صلة

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

يوميات الشرق «توابيت السيرابيوم» ضمن آثار سقّارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

واقعة «تابوت السيرابيوم» بسقّارة تجدّد الجدل حول تأمين الآثار المصرية

جددت واقعة تسلق سائحتين لأحد التوابيت داخل السيرابيوم بمنطقة سقّارة الأثرية (غرب القاهرة) الجدل حول تأمين المواقع الأثرية المصرية والحفاظ عليها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق  اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان.

عصام فضل (القاهرة )
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
يوميات الشرق لوحات تعبر عن الأبراج السماوية في المعرض الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

معرض أثري في برلين يكشف «افتتان الفراعنة» بالأبراج السماوية

تحت عنوان «القدر في النجوم: بدايات الأبراج» افتتح المعرض الأثري بالمتحف المصري في العاصمة الألمانية برلين.

محمد الكفراوي (القاهرة )
المشرق العربي صورة تُظهِر الموقع الأثري لهيبودروم (ميدان سباق الخيل) الروماني في مدينة صور جنوب لبنان

مواقع أثرية بمدينة صور اللبنانية تحت رحمة الغارات الإسرائيلية

في موقع البصّ في مدينة صور في جنوب لبنان، تتصدّر علامة «الدرع الأزرق» مدخل المَعلم المُدرج على قائمة التراث العالمي، في محاولة لحمايته من الغارات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
TT

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)
يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

مع انتهاء موسم الدراما الرمضانية، تبرز الحاجة إلى قراءة نتائجه من داخل صناعة الإنتاج. في هذا السياق، يقدّم المنتج صادق الصبّاح رؤيته للمشهد، مستنداً إلى خبرة تمتدّ منذ عام 1981.

ومن موقعه على رأس «سيدرز برودكشن» (الصبّاح إخوان)، يشارك في إنتاج أعمال درامية تُقدَّم سنوياً في بلدان عربية عدَّة؛ من سوريا إلى مصر فالمغرب، ضِمن إطار عابر للحدود.

في الموسم الرمضاني الماضي، قدَّم مجموعة من الأعمال التي لقيت حضوراً لدى المشاهد العربي، متولّياً الإشراف على مختلف مراحل إنتاجها. ويعتمد في اختياراته على خبرة تراكمية لصياغة أعمال متكاملة.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الصبّاح عن المشهد الدرامي، ويستعرض ملامح الخريطة الرمضانية لعام 2027، كما يقيِّم تجاربه مع مواهب شابة، ويعلِّق على تعاوناته مع نجوم أعماله.

تقييم الموسم والمرحلة المقبلة

يحمل موسم رمضان 2027 عملاً سعودياً (شركة الصبّاح)

عقب انقضاء كل موسم رمضاني، تُجري شركة «الصبّاح إخوان» مراجعة لأعمالها وللمشهد الدرامي عموماً. ويوضح صادق الصبّاح، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»: «نعقد سلسلة اجتماعات تمتدّ لأيام، نراجع فيها ما قُدِّم ونبحث في الخطوات المقبلة للموسم الجديد. وفي رمضان 2027 نعمل على مجموعة من الأعمال الدرامية، بينها تعاون متجدِّد مع تيم حسن ضِمن مشروع مختلف، بعد تجربته في (مولانا). كما نتَّجه إلى إنتاجات خليجية، ولا سيما سعودية، إلى جانب استمرار حضور الدراما المصرية، مع اهتمام بدعم مواهب تمثيلية جديدة. وقد قدَّمنا، خلال العام الحالي، عمرو سعد في مسلسل (إفراج) ضِمن إطار مختلف عن أعماله السابقة. كذلك نعمل على مشروع لمسلسل مغربي، مع انتقال الأفكار إلى مراحل التنفيذ».

ياسمينة زيتون في تجربتها الأولى

في كل موسم رمضاني، يقدّم الصبّاح وجوهاً تمثيلية شابة، يختبر من خلالها حضورها وإمكاناتها. وقد تكرَّر ذلك، العام الحالي، مع تقديم وجهين جديدين: ملكة جمال لبنان السابقة ياسمينة زيتون، والإعلامية جينيفر عازار، فهل تتجهان إلى أدوار أكبر في أعماله المقبلة؟

يجيب: «قد يحدث ذلك في حالة ياسمينة زيتون، إذا أثبتت جدارتها، ولا سيما أننا حرصنا على تقديمها بعيداً عن صورتها المرتبطة بلقبها الجمالي. خاضت تجربتها الأولى في (بخمس أرواح)، وأرى أنها نجحت في الاختبار، كما خضعت لتدريبات في التمثيل مع فادي أبي سمرا على مدى 8 أشهر، إضافة إلى تدريب مع أساتذة سوريين، ما أسهم في تطوير أدائها. وقد نُظّمت هذه الورش بإشرافنا».

ويضيف: «أما جينيفر عازار فكان التوجّه في البداية لإسناد دور ياسمينة إليها، قبل أن نرى أن حضورها أنسب لشخصية زلفا، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التدريب لتعزيز أدواتها. كلتاهما تمتلكان قدرات وإمكانات قابلة للتطوير، وقد خاضتا التجربة برضا، رغم ما تطلَّبته من جهد. فالمواهب الجديدة يمكن أن تُغني الدراما العربية ككل».

الشارة الغنائية خارج إطار النجوم

إنتاجات «الصبّاح إخوان» الرمضانية كانت شاملة عربياً (شركة الصبّاح)

اللافت، هذا العام، في شارات مسلسليْ «مولانا» و«بخمس أرواح» غياب أصوات النجوم، فقد قُدِّمت شارتا البداية والنهاية في العمل الأول بصوتيْ منى واصف وسارة درويش، في حين اكتفى العمل الثاني بالموسيقى. فما أسباب هذا التوجّه؟

يوضح صادق الصبّاح: «في السابق تعاقدنا مع نجوم غناء لتنفيذ الشارات، لكننا، هذا العام، فضَّلنا إعادة توجيه الكلفة نحو عناصر إنتاجية أخرى، في ظل الظروف الراهنة. لذلك استعنّا بصوتيْ منى واصف وسارة درويش على موسيقى من تأليف أريجان، الذي سبق أن تعاونّا معه، في حين اختار مُخرج (بخمس أرواح) الاعتماد على الموسيقى فقط في الشارة، وهو خيار لقي قبولاً لدى الجمهور».

ولم يقتصر هذا التوجّه على ذلك، بل شمل أيضاً كاريس بشار، التي جمعت في «بخمس أرواح» بين التمثيل وأداء مقاطع غنائية ضِمن العمل. ويعلِّق الصبّاح: «أُلقّبها بـ(وَحْشة تمثيل)، حضورها متكامل وأداؤها رائع، إنها مُبدعة، ولا تزال حتى اليوم تصقل موهبتها، حتى إنها خضعت لدروس مسرحية في أمستردام».

البطولات المطلقة تتراجع

يشير الصبّاح إلى تراجع حضور البطولات المطلقة، في ظل بروز مواهب شابة يجري إشراكها في الأعمال الدرامية. ويقول: «عندما يتوافر هذا العدد من الطاقات الجديدة، يصبح من الضروري توظيفها. أعتمد هذا النهج في مصر أيضاً، حيث اتفقتُ مع نقابة الفنانين على إشراك خرِّيجي معهد الفنون في تجارب الأداء، بدءاً من أدوار صغيرة تتدرَّج مع الوقت. كما أُطبِّق المقاربة نفسها في لبنان، حيث يعمل المخرجون على الاستفادة من هذه الطاقات».

تأجيل «ممكن» خارج السباق الرمضاني

مسلسل «ممكن» مستوحى من فيلم «بريتي وومن» (شركة الصبّاح)

أثار خروج مسلسل «ممكن»، بطولة نادين نسيب نجيم وظافر العابدين، من السباق الرمضاني تساؤلات حول أسبابه. يوضح الصبّاح: «بعد نقاشات مع مجموعة (إم بي سي)، تقرّر تأجيل العرض. طبيعة العمل، المستوحَى من الفيلم الأميركي (Pretty Woman)، لم تكن ملائمة للشهر الفضيل. وقد أنهينا التصوير أخيراً، مع اعتماد عدد حلقات أقل، على أن يُسلَّم العمل قريباً إلى (إم بي سي)؛ لعرضه في توقيت لاحق». ويشير إلى استمرار تعاونه مع نادين نسيب نجيم، واصفاً إياها بأنها من الأسماء الأساسية في أعمال الشركة.

تحديات الكتّاب في الدراما العربية

وعن تعاونه المرتقب مع الكاتبة نادين جابر، بعد انتقالها سابقاً إلى «إيغل فيلمز»، يقول: «نادين كاتبة لها أسلوبها، ولها كامل الحرية في خياراتها. تعود، اليوم، للتعاون معنا في عمل رمضاني لموسم 2028، وتعمل على مشروعات أخرى؛ بينها عمل مصري، وآخر لبناني. نواصل البحث عن كتَّاب دراما، في ظل نقص بهذا المجال على مستوى المنطقة. نتلقى عدداً كبيراً من النصوص، تُراجعها لجنة متخصصة، لكننا لا نزال نبحث عن نصوص تلبي متطلباتنا».

وعن الأعمال التي تابعها خلال الشهر الكريم، يختم المنتج صادق الصبّاح: «تابعت مسلسل (أب ولكن) بطولة محمد فراج، إلى جانب أعمالنا. كما لفتتني مخرجة العمل ياسمين أحمد كامل، وطلبت من ابني أنور مواكبة جيل المخرجين الشباب للاستفادة من طاقاتهم، وتطوير العمل الدرامي».


حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
TT

حفرية مصرية عمرها 18 مليون سنة تكشف تطور القردة العُليا

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)
«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

أعلن فريق بحثي مصري، الخميس، اكتشاف حفرية لقرد قديم في منطقة وادي مغرة بشمال مصر، قد يغير خريطة البحث عن أصول القردة العليا والأسلاف الأوائل للبشر.

وأوضح الباحثون من فريق «سلام لاب» بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (دلتا مصر)، أن هذا الكشف يشير إلى أن أقرب الأسلاف للقردة العليا قد تكون نشأت في شمال أفريقيا، خارج المناطق التقليدية التي دُرست طويلاً في شرق أفريقيا. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «Science».

«مصريبيتيكوس» وخريطة انتشار القردة العليا خلال عصر الميوسين (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وأطلق الباحثون على الحفرية المكتشفة اسم «مصريبيتيكوس مغرانسيس» (Masripithecus moghraensis)، أو «القرد المصري من مغرة».

ويعود تاريخ الحفرية، وهي عبارة عن فك سفلي، إلى عصر الميوسين المبكر؛ أي قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة. ويُعد هذا النوع أقرب صلة معروفة بسلالة القردة التي أدت في نهاية المطاف إلى جميع القردة الحية اليوم.

أصل القردة العُليا

ومن المعروف أن أقدم القردة، أو القردة الأولى (stem hominoids)، نشأت في أفريقيا، خلال عصر الأوليغوسين قبل أكثر من 25 مليون سنة، وتنوعت هناك قبل أن تنتشر إلى أوراسيا منذ نحو 14 إلى 16 مليون سنة، خلال عصر الميوسين.

ومع ذلك، ظل أصل القردة العُليا، التي تضم جميع الأنواع الحية وآخر سلف مشترك لها، أمراً غير مؤكد؛ نظراً لندرة الأحافير من تلك الفترة وصعوبة تفسيرها. وتزيد هذه الصعوبة عدم تكافؤ سجل الأحافير في أفريقيا، حيث اقتصرت معظم الاكتشافات على مناطق قليلة، ما يترك مساحات واسعة محتملة لم تُستكشف بعد.

رسم تخيلي لـ«مصريبيتيكوس مغرانسيس» (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وجاء في مقالة مرتبطة بنتائج الدراسة نُشرت بدورية «Science» أن «النتائج تشير إلى أن علماء الحفريات ربما كانوا يبحثون عن أسلاف القردة العُليا في المكان الخطأ».

وحسب الدراسة، يعكس هذا الاكتشاف أهمية توسيع نطاق البحث الجغرافي؛ إذ إن التركيز السابق على مناطق محددة في أفريقيا قد ترك أجزاء واسعة من موطن قردة الميوسين دون استكشاف.

وقالت الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة الرئيسية للدراسة بمركز الحفريات الفقارية بكلية العلوم في جامعة المنصورة، إن الاكتشاف يفتح نافذة جديدة وواسعة لفهم تطور القردة العليا مثل الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الاكتشاف يلقي الضوء على منطقة غير مكتشفة تماماً فيما يتعلق بحفريات القردة العُليا، وهي شمال أفريقيا، وتحديداً مصر؛ إذ كانت معظم الحفريات السابقة مكتشفة في شرق أفريقيا، خصوصاً كينيا وأوغندا.

وأوضحت الأشقر أن نتائج الدراسة تدعم الفرضية القائلة إن أصل القردة العُليا قد يكون في شمال أفريقيا، وتحديداً في مصر.

«تأريخ الأطراف»

ولتحديد مكان النوع المكتشف في شجرة التطور، استخدم الفريق نهجاً حديثاً يُعرف بـ«تأريخ الأطراف» (Bayesian tip-dating)، وهو أسلوب يجمع بين السمات التشريحية وأعمار الحفريات لتقدير العلاقات التطورية وأوقات التفرع. وتشير نتائج التحليلات إلى أن «مصريبيتيكوس» يمثل القرد الأولي الأكثر ارتباطاً بالسلالة التي أدت إلى ظهور جميع القردة الحية.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبيتيكوس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية)

وعما يميز هذا الاكتشاف عن الأحافير المكتشفة سابقاً في شرق أفريقيا، أشارت الأشقر إلى أن مقارنة الحفرية المكتشفة مع مثيلاتها السابقة أظهرت أن ما يميز «مصريبيتيكوس» هو حجم الأنياب الكبيرة في الفك السفلي مقارنة بحجم الأسنان الخلفية، وطبوغرافيا السن شديدة التجعيد، وعظمة الفك قوية للغاية، وعادةً ما تميز الأنياب الكبيرة ذكور القردة العُليا عن الإناث، لكن الناب المكتشف كان أكبر من أي ناب ذكري معروف سابقاً.

وأشارت الأشقر إلى أن منطقة وادي مغرة في شمال مصر تكتسب أهمية خاصة، كونها المنطقة الوحيدة الباقية في مصر التي تحتوي على صخور تعود إلى عصر الميوسين، ما يتيح فرصة البحث عن حفريات مماثلة تعود إلى هذه الحقبة.


فوائد صحية عديدة لخفض ملح الطعام

الإفراط في ملح الطعام مرتبط بمخاطر صحية (الجمعية الطبية الأميركية)
الإفراط في ملح الطعام مرتبط بمخاطر صحية (الجمعية الطبية الأميركية)
TT

فوائد صحية عديدة لخفض ملح الطعام

الإفراط في ملح الطعام مرتبط بمخاطر صحية (الجمعية الطبية الأميركية)
الإفراط في ملح الطعام مرتبط بمخاطر صحية (الجمعية الطبية الأميركية)

كشف باحثون من جامعة فاندربيلت الأميركية، أن الإفراط في استهلاك الصوديوم (ملح الطعام) في النظام الغذائي يُعد عاملاً مستقلاً ومهماً يزيد خطر الإصابة بحالات جديدة من فشل القلب.

وأوضح الباحثون أن تناول كميات مرتفعة من الملح يرتبط بزيادة ملحوظة في احتمالات الإصابة بالمرض، حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، ونُشرت النتائج، الأربعاء، في مجلة «الكلية الأميركية لأمراض القلب».

وفشل القلب، هو حالة مرضية مزمنة تصيب عضلة القلب، وتحدّ من قدرتها على ضخ الدم بكفاءة إلى أنحاء الجسم، ما يؤدي إلى تراكم السوائل في الرئتين والأطراف، ما يسبب ضيقاً في التنفس، وإرهاقاً عاماً، وانتفاخاً في الساقين والكاحلين.

واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات أكثر من 25 ألف مشارك، حيث بلغ متوسط استهلاك الصوديوم اليومي نحو 4269 ملليغراماً، متجاوزاً الحد الأقصى الموصى به، والبالغ 2300 ملليغرام وفق الإرشادات الغذائية.

وأظهرت النتائج أن هذا المستوى المرتفع من الاستهلاك ارتبط بزيادة خطر الإصابة بحالات جديدة من فشل القلب بنسبة 15 في المائة، بغض النظر عن عوامل مثل جودة النظام الغذائي، وإجمالي السعرات الحرارية، أو وجود أمراض مزمنة كارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

ووفق الفريق، يُعد فشل القلب من أبرز التحديات الصحية، إذ يسهم في نحو 425 ألف حالة وفاة سنوياً في الولايات المتحدة، مع تسجيل ما يقارب مليون حالة جديدة كل عام. كما يشكل عبئاً اقتصادياً كبيراً نتيجة تكاليف العلاج والرعاية المستمرة، خصوصاً في المجتمعات منخفضة الدخل والأكثر عرضة للمخاطر الصحية.

وتشير تقديرات الباحثين إلى أن خفض استهلاك الصوديوم بشكل طفيف، إلى 4 آلاف ملليغرام يومياً أو أقل، قد يقلل من حالات فشل القلب بنسبة 6.6 في المائة خلال 10 سنوات، ما قد يسهم في تقليل الوفيات وتوفير نحو ملياري دولار سنوياً من نفقات الرعاية الصحية.

ورغم أهمية تقليل استهلاك الملح، حذّر الباحثون من أن تحقيق ذلك ليس سهلاً، خصوصاً في المجتمعات المنخفضة الدخل، حيث تحدّ محدودية الخيارات الغذائية الصحية وضعف وسائل النقل من القدرة على الوصول إلى أطعمة منخفضة الصوديوم.

استراتيجيات عامة

وشدد الفريق على ضرورة تبني استراتيجيات صحية عامة متعددة المستويات، تشمل تحسين توفر الأغذية الصحية وتعزيز التوعية الغذائية، للحد من مخاطر الإصابة بفشل القلب على نطاق واسع.

وتدعم هذه النتائج ما توصلت إليه أبحاث سابقة، من بينها تقارير منظمة الصحة العالمية، التي تشير إلى أن الإفراط في استهلاك الملح يرتبط بطيف واسع من المخاطر الصحية، أبرزها ارتفاع ضغط الدم، وزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية. كما يرتبط أيضاً بزيادة خطر أمراض الكلى وسرطان المعدة وهشاشة العظام، فضلاً عن دوره في احتباس السوائل وزيادة العبء على القلب، ما يشير إلى أن تقليل استهلاك الملح يُعد من أكثر الإجراءات فاعلية للوقاية من الأمراض المزمنة وتحسين الصحة العامة.