8 مصارف يمنية تنقل مقارها من صنعاء هرباً من عقوبات أميركا

المقر الرئيسي للبنك المركزي اليمني في مدينة عدن (إعلام حكومي)
المقر الرئيسي للبنك المركزي اليمني في مدينة عدن (إعلام حكومي)
TT

8 مصارف يمنية تنقل مقارها من صنعاء هرباً من عقوبات أميركا

المقر الرئيسي للبنك المركزي اليمني في مدينة عدن (إعلام حكومي)
المقر الرئيسي للبنك المركزي اليمني في مدينة عدن (إعلام حكومي)

على وقع العقوبات الأميركية المفروضة على الحوثيين من قبل إدارة الرئيس ترمب، تعتزم 8 مصارف يمنية في مناطق سيطرة الجماعة الانتقال إلى العاصمة اليمنية المحررة عدن في مسعى منها لتفادي أثر هذه العقوبات.

وأكد البنك المركزي اليمني، في بيان، أن البنوك التي قررت النزوح الجماعي إلى عدن هي بنك التضامن الإسلامي، وبنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي، ومصرف اليمن البحرين الشامل، والبنك الإسلامي اليمني للتمويل والاستثمار، وبنك سبأ الإسلامي، وبنك اليمن والخليج، والبنك التجاري اليمني، وبنك الأمل للتمويل الأصغر.

وقال البنك في بيانه إنه مستعد لتقديم جميع أشكال الدعم والحماية الممكنة للبنوك والمؤسسات المالية لضمان استمرار خدماتها للمواطنين في جميع المحافظات، وسيعمل على إصدار شهادات رسمية للتأكد من تنفيذ قرارات النقل.

وكانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعادت تصنيف الحوثيين «منظمة إرهابية أجنبية» مع اتخاذ وزارة الخزانة عقوبات مالية واقتصادية ضد الكيانات والقيادات الحوثية مع منح استثناءات تتعلق بالجوانب الإنسانية.

من اجتماع سابق لإدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأفاد البنك المركزي اليمني مرحباً بخطوة الانتقال، بأنه تلقى في وقت سابق بلاغاً خطياً من غالبية البنوك التي تقع مراكزها في صنعاء بقرار اتخذته لنقل مراكزها وأعمالها إلى العاصمة المؤقتة عدن تفادياً لوقوعها تحت طائلة العقوبات الصارمة التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن أعلنت البدء في تنفيذ قرار التصنيف.

يشار إلى أن البنك المركزي اليمني كان في أبريل (نيسان) 2024 أمهل المصارف في مناطق سيطرة الحوثيين 60 يوماً من أجل نقل مقارها إلى عدن، واتخذ قراراً بسحب العملة القديمة التي يستخدمها الحوثيون.

وكانت هذه القرارات تهدف إلى تحرير القطاع المصرفي والرد على الحرب الاقتصادية الحوثية، إلا أن وساطة أممية أدت إلى تعليق تنفيذ هذه القرارات، بعد أن هدد الحوثيون بتفجير الحرب ونسف التهدئة.

وخلال السنوات الماضية أدت تدابير الجماعة الحوثية إلى انقسام مصرفي؛ إذ فرضت سعراً محدداً للدولار في مناطق سيطرتها، ومنعت تداول الأوراق النقدية الصادرة عن البنك المركزي في عدن، كما فرضت عمولات على تحويل الأموال إلى مناطق سيطرتها تصل إلى 3 أضعاف المبالغ المحوَّلة من مناطق سيطرة الحكومة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تغيّر مقاربتها للأمن الغذائي في اليمن

العالم العربي مزارعتان يمنيتان تعالجان سيقان المحاصيل لتحويلها سماداً عضوياً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة تغيّر مقاربتها للأمن الغذائي في اليمن

دعت الأمم المتحدة إلى تغيير مقاربة الأمن الغذائي في اليمن، بالاستثمار في الزراعة وسلاسل القيمة واقتصاد الريف، بدلاً من الاقتصار على الاستجابة الإنسانية الطارئة

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي فريق «كورال تعز» يقدم الأغنية اليمنية بوصفها رسالة أمل (إعلام محلي)

حصار الحوثيين لم يوقف نبض الثقافة في تعز

تواصل تعز مواجهة آثار الحرب والحصار الحوثي، عبر مبادرات ثقافية وفنية شملت تأسيس فريق كورال، وتوثيق الحكايات الشعبية، وإحياء الحرف والملابس التراثية لصون الهوية.

محمد ناصر (عدن)
الخليج العاصمة السعودية الرياض (واس)

إدانات عربية وإسلامية ودولية للإرهاب الحوثي ضد السعودية

حشدت الهجمات الصاروخية التي شنّتها ميليشيا الحوثي على جنوب السعودية، سلسلة مواقف عربية وإسلامية ودولية أكدت رفضها للاعتداء، وعدّته انتهاكاً للقانون الدولي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم «تحالف دعم الشرعية في اليمن» (الشرق الأوسط)

«التحالف»: التعامل مع تهديد باليستي حوثي

أعلن «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، الاثنين، تعامل الدفاعات الجوية مع تهديد باليستي من ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الجيش اليمني قصف مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط (رويترز)

إيران تصعّد ضد سيادة اليمن... وتدفع بالحوثيين لنسف التهدئة

تصعيد جديد بين الحكومة اليمنية والحوثيين بعد استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، مع رفع الجاهزية العسكرية وتحذيرات رئاسية من انتهاك السيادة.

«الشرق الأوسط» (عدن)

استحداث مسابقات سعودية للفئات العمرية تحت 5 و7 و9 أعوام

البطولات الجديدة تستهدف صناعة جيل يمثل كرة القدم السعودية مستقبلاً (أكاديمية مهد)
البطولات الجديدة تستهدف صناعة جيل يمثل كرة القدم السعودية مستقبلاً (أكاديمية مهد)
TT

استحداث مسابقات سعودية للفئات العمرية تحت 5 و7 و9 أعوام

البطولات الجديدة تستهدف صناعة جيل يمثل كرة القدم السعودية مستقبلاً (أكاديمية مهد)
البطولات الجديدة تستهدف صناعة جيل يمثل كرة القدم السعودية مستقبلاً (أكاديمية مهد)

أعلن الاتحاد السعودي لكرة القدم استحداث مسابقات جديدة للفئات العمرية تحت 5 و7 و9 أعوام، للمرة الأولى، ضمن خطته الاستراتيجية لتطوير مسابقات الفئات السنية، واستكمال منظومة المنافسات التي تمتد حتى تحت 21 عاماً.

يأتي إطلاق هذه المسابقات في إطار مسار تطوير المواهب الوطنية، الذي يهدف إلى توسيع قاعدة الممارسين، وإتاحة فرص أكبر للأندية والأكاديميات والمدارس والجهات الرياضية للمشاركة في المنافسات الرسمية، إلى جانب توفير بيئة منظمة تسهم في تعليم اللاعبين، وتنمية مهاراتهم الأساسية، وتعزيز شغفهم بكرة القدم منذ المراحل العمرية المبكرة.

وستقام مسابقات الفئات المستحدَثة بنظام التجمعات (المهرجانات) داخل المدن، بما يسهم في تقليل مسافات التنقل، وزيادة عدد المباريات، ورفع معدلات المشاركة، في حين تستمر مسابقات الفئات تحت 11 و12 و13 و14 عاماً وفق الهيكلة المطورة، من خلال نظام الدوري داخل المدن والمناطق، مع التوسع في عدد المدن والمناطق المستضيفة، بما يعزز الاحتكاك الفني ويدعم عملية اكتشاف وتطوير المواهب.

المنافسات ستقام بطريقة التجمع مع مشاركة الآلاف من اللاعبين (الاتحاد السعودي لكرة القدم)

وتهدف المسابقات المستحدَثة إلى تحقيق مستهدفات فنية طموحة تشمل 50 مدينة حول المملكة، وإتاحة أكثر من 20 مباراة لكل فريق خلال الموسم، مع استهداف مشاركة أكثر من 1300 فريق، وإقامة ما يزيد عن 13 ألف مباراة، إلى جانب استهداف مشاركة أكثر من 24 ألف لاعب، بما يسهم في توسيع قاعدة الممارسين، وتوفير عدد أكبر من دقائق اللعب، وتطوير مهارات اللاعبين في المراحل السنية المبكرة.

وشهد الموسم الماضي إقامة 3248 مباراة ضِمن مسابقات الواعدين (البراعم سابقاً)، بمشاركة أكثر من 12 ألف لاعب من 488 فريقاً، في مؤشر يعكس اتساع قاعدة المشاركة واستمرار تطور المنافسات على مستوى المملكة.

ولا يقتصر أثر هذه المسابقات على تطوير اللاعبين، بل يمتد إلى تنمية المنظومة الكُروية، بشكل متكامل، من خلال توفير فرص أكبر لتطوير الحكام والمراقبين والمنظمين، حيث شهد الموسم الماضي مشاركة أكثر من 6500 حكم و3065 مراقباً في إدارة وتنظيم مسابقات الفئات السنية، في انعكاس مباشر للنمو المتواصل الذي تشهده المنافسات على مختلف المستويات.

ويدعو الاتحاد السعودي لكرة القدم المبادرة بالتسجيل واستكمال متطلبات الحصول على الرُّخَص اللازمة وعضوية الاتحاد، خلال الفترة التي تنتهي في 13 أغسطس (آب) المقبل، بما يضمن استكمال الإجراءات النظامية والاستعداد للمشاركة في منافسات الموسم الجديد.

ويأتي تطوير مسابقات البراعم والواعدين ضِمن مستهدفات الاتحاد السعودي لكرة القدم الرامية إلى بناء مسار متكامل لتطوير اللاعبين، يبدأ من المراحل العمرية المبكرة، ويمتد وصولاً إلى المنتخبات الوطنية، بما يسهم في إعداد جيل جديد من المواهب القادرة على تمثيل الكرة السعودية مستقبلاً.


«آيس» تقتل مهاجراً بالخطأ في ماين بعد آخر في تكساس

ورود تحيط صورة الشاب الذي قتله ضابط من دائرة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس» في بيدفورد - ماين (أ.ف.ب)
ورود تحيط صورة الشاب الذي قتله ضابط من دائرة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس» في بيدفورد - ماين (أ.ف.ب)
TT

«آيس» تقتل مهاجراً بالخطأ في ماين بعد آخر في تكساس

ورود تحيط صورة الشاب الذي قتله ضابط من دائرة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس» في بيدفورد - ماين (أ.ف.ب)
ورود تحيط صورة الشاب الذي قتله ضابط من دائرة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس» في بيدفورد - ماين (أ.ف.ب)

أطلق عنصر من دائرة الهجرة والجمارك «آيس» الأميركية النار على سائق سيارة في ولاية ماين، مما أدى إلى مقتله، بعد أقل من أسبوع على مقتل رجل آخر في تكساس برصاص هذه القوة الفيدرالية، وفي تاسع حال وفاة منذ بدأ الرئيس دونالد ترمب حملته على الهجرة.

وحددت منظمات حقوق المهاجرين هوية الرجل الذي قتل في بيدفورد، ماين، بأنه شاب كولومبي يبلغ من العمر 26 عاماً. وأفادت السفارة الكولومبية في واشنطن أنها على اتصال بالسلطات الأميركية بشأن وفاة المواطن الكولومبي، قائلة إنها «تقدم المساعدة القنصلية اللازمة لعائلته».

وأفادت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، التي تقع «آيس» ضمن مسؤولياتها، في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، بأن عناصرها كانوا يراقبون عنواناً لشخص صدر بحقه أمر ترحيل نهائي من البلاد. وأضافت أنه عندما حاول عملاء «آيس» إيقاف سيارة يقودها شخص قادم من ذلك العنوان، «حاولت السيارة الفرار من المكان، وخوفاً على السلامة العامة، أطلق أحد الضباط النار».

وقبل البيان الموجز الذي أصدرته «آيس» في شأن الحادث، صرّح السيناتور المستقل عن الولاية أنغوس كينغ بأن وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين أخبره بأن الضابط أطلق النار بعدما حاول الرجل استخدام سيارته كسلاح ضد عملاء «آيس» في مدينة بيدفورد. وأضاف أن العملاء المعنيين لم يكونوا يرتدون كاميرات مثبتة على أجسادهم.

احتجاجات ضد «آيس»

عند سؤاله عبر شبكة «سي إن إن» للتلفزيون عن التصريحات المتضاربة، قال السيناتور كينغ إن هذا هو جوهر التحقيق. وتساءل: «هل حاول هذا الشاب بالفعل دهس أحد عملاء دائرة الهجرة والجمارك، أم أنه كان يُعرض حياة الآخرين للخطر في الشارع؟ هل كان هناك توقع معقول لحدوث أذى جسدي أو استخدام القوة المميتة لتبرير إطلاق النار؟». ونقل عن مولين أيضاً أن الضباط كانوا في بيدفورد لتنفيذ أمر اعتقال، ولكن ليس في حقّ الشخص الذي أُطلق عليه النار.

لقطة من شريط فيديو لشخص يُعتقد أنه ضابط من دائرة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس» عند التقاطع الذي شهد إطلاق النار في بيدفورد - ماين (رويترز)

كذلك، نسبت السيناتورة الجمهورية عن ماين سوزان كولينز لمولين أن مكتب المفتش العام بوزارة الأمن الداخلي يُجري تحقيقاً بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي».

وقال مكتب وزارة العدل في ماين، الذي يُجري تحقيقاً أيضاً، إن الإفادات الأولية تشير إلى أن سائق السيارة كان يحاول الفرار باتجاه الضابط، علماً أن الأخير أوقف عن العمل.

وأفاد الشاهد دانيال بوشيه أنه سمع السائق يقول: «حاولت التوقف». وأضاف أنه نظر من نافذة شقته في الطابق الثالث بعد سماعه صوت إطلاق النار، ورأى سيارة صغيرة «انعطفت 90 درجة نحو الرصيف» وخلفها سيارة دفع رباعي. وأضاف أن السائق أصيب، وبدأت السيارة بالتحرك في الشارع حتى اصطدمت بها سيارة الدفع الرباعي. وقال بصوت مخنوق: «كان وجهه ملطخاً بالدماء، ورأسه كذلك. سمعت الضحية بوضوح يقول: حاولت التوقف». وأكد أنه رأى ضابطاً من «آيس» يُحضر حقيبة إسعافات أولية إلى مكان الرجل قبل وصول سيارة الإسعاف والإطفاء. وذكر بوشيه أن الضابط قال: «كنت منفعلاً، فأطلقتُ عليه النار، فنظر إلي وقال: حاول دهسي، أو ما شابه ذلك. لا أتذكر كلماته بالضبط».

غضب حقوقي

وأفاد ناشطون بأن الرجل كان مصرحاً له بالعمل في الولايات المتحدة. وقالت مجموعتان حقوقيتان - ائتلاف حقوق المهاجرين في ولاية مين ومنظمة «بريزنتي!» - إن الرجل الذي قُتل كان لديه إذن عمل.

وتجمّع متظاهرون مناهضون لـ«آيس» قرب موقع الحادث في بيدفورد مساء الاثنين، رافعين لافتات يطالبون فيها بإلغاء دائرة «آيس». وقال رئيس مجلس نواب الولاية الديمقراطي راين فيكتو: «سنظل دائماً مدينة للمهاجرين». كذلك، تظاهر عدد قليل من مؤيدي «آيس» ومؤيدي ترمب على الجانب الآخر من الشارع.

وجاء الحادث في سياق تصعيد حملة ترمب على الهجرة. وهو يلي حادثاً آخر وقع في 7 يوليو (تموز) الماضي، حين أطلق ضابط من «آيس» النار على لورينزو سالغادو أراوخو (52 عاماً) في هيوستن، مما أدى إلى مقتله.

تأتي حوادث إطلاق النار هذه في خضم سعي إدارة ترمب لتنفيذ برنامجها للترحيل الجماعي. وخلال فترة الأيام الخمسة في نهاية يونيو (حزيران)، قبضت «آيس» على أكثر من عشرة آلاف شخص.

وقبضت السلطات على مئات الأشخاص في ماين منذ عودة ترمب. وكان لمكتب «آيس» وجود مكثف في ماين في وقت سابق من هذا العام، مما أدى إلى احتجاجات. وصرح مسؤولو الهجرة لاحقاً في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي بأنهم أوقفوا «العمليات المكثفة» في ماين بعد مئات الاعتقالات.

وتُظهر سجلات المحاكم أنه في حين أن بعض المعتقلين مدانون بجنايات، فإن آخرين لديهم إجراءات هجرة لم تُحسم أو اعتقلوا ولكن لم يُدانوا قط.


الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار
TT

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»، «من غرناطة»، يجيب الآخر. ثم يعود الأول ليسأل: «وإلى أين ستعود؟»، «إلى غرناطة» يجيب الثاني. وقبل أن يفترقا بقليل، يسأل الأول الثاني: «وما هي مهنتك؟»، فيجيب الثاني قائلاً، وقد بدت عليه أمارات الدهشة والاستغراب: «وماذا عليه أن يعمل من يكون قادماً من غرناطة؟!».

قد لا يجد القارئ في هذه الحوارية القصيرة، ما يتسق مع الموضوع الذي تتصدى له هذه المقالة. ذلك أن الدلالة الأقرب إلى الذهن التي يمكن استخلاصها من الحوار، هي أن الحب المَرضي الذي يكنّه لوركا لمدينته الواقعة في الجنوب الإسباني، والذي جعله يتخذ من الفارس الثاني قناعاً له، قد دفعه إلى القول بلسان أحد أبطاله المتخيلين، بأن الانتماء إلى مدينة بجمال غرناطة وعراقتها، قد يكون كافياً لمنح ساكنها شعوراً بالاكتفاء والثمل العشقي بالمكان، إلى حد لا يسمح له بفعل أي شيء آخر.

ولأن الشعر حمَّال أوجه ومتعدد الطبقات، فقد استدرجني النص، الذي التصق بذاكرتي، منذ قراءتي له قبل عقود عدة، إلى تأويل آخر، تراءى لي معه بأن الفارس الثاني هو الشاعر، وأن غرناطة هي الشعر الذي يستغني بنفسه عن أي إضافة، ويصرّ على أن يكون محور اهتمام المشتغل به وديدنه، و«مهنته» الوحيدة.

ولعلهم لم يكونوا بعيدين عن الحقيقة، أولئك الذين يرون في الشعر فناً نرجسياً بامتياز، بحيث لا يقبل معه أي «ضرَّة» منافسة، وأن تحقُّقه على النحو الأمثل، يحتاج بحكم انفتاح معجمه التعبيري على ضروب لا نهائية من الاحتمالات ومصادفات التجاور، إلى عدد لا نهائي أيضاً من الحيوات. إلا أن ثمة أسئلة مُلحّة لا بد من طرحها في هذا المجال، يتصل بعضها بإمكانية الجمع بين فنين أو أكثر، وبتعددية الهوية الإبداعية، ويتصل بعضها الآخر بقدرة المبدع على أن يقدّم نوعين من الإبداع بالمستوى نفسه، والعمق إياه.

والواقع فيما يخص السؤال الأول، أن ما ينطبق على الشعر، ينطبق بهذا القدر أو ذاك على الفنون الأخرى، التي لا يرضى كلٌّ منها بأنصاف الحلول، ولا يقبل التنازل عن حصته من الولاء، لأي منافس أو شريك. ويكفي أن نلقي نظرة متفحصة على تجارب المبدعين في المجالات كافة، لكي نصل إلى الاستنتاج بأن الفنون المختلفة، وإن تباينت أساليبها وأشكال تعبيرها، تحمل في عمقها الأخير الخصائص الجينية نفسها، والنزوع الأحادي إياه. كما أن كل فن من الفنون، يحتاج من صاحبه، فيما يتعدى الموهبة الفطرية، إلى أن يبذل في سبيله، جماع طاقته وذروة اشتعالاته، وكامل سنوات عمره. ومن دون ذلك لن يمكّنه من بلوغ هملايا الإبداع، وسيتركه في أحسن الحالات، في مكان وسط بين القمم والسفوح.

ومع أن التكلفة الباهظة لثنائية الهوية الإبداعية وتعددها، لم تمنع الكثيرين من الإقدام على هذه المجازفة الخطرة، وتوزيع أنفسهم بين أشكال للتعبير شديدة التباين، فإنهم قليلون جداً أولئك الذين استطاعوا تقديم نوعين من الأدب والفن، بالبراعة نفسها والمستوى إياه. ولعل التجربة الفريدة للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، هي أول ما يخطر على الذهن لدى التحدث عن العبقرية التعددية، وهو الذي لم تمنعه تجربته الرومانسية المتميزة في مجال الشعر، من أن يقدم بالمستوى نفسه أعمالاً روائية موازية في الأهمية، مثل «البؤساء» و«أحدب نوتردام». وإذ استطاع يوهان فولفانغ غوته من ناحية أخرى، أن يرفد اللغة والثقافة الألمانيتين بمشروع ثقافي متكامل، لا تبدو معه الفوارق شديدة الاتساع، بين الشعر والفلسفة والرواية والمسرح، فقد تمكن الروسي باسترناك، صاحب «الدكتور زيفاغو» أن يقدم في الآن ذاته توازناً مشابهاً وثنائي «القطب»، على مستويي الشعر والرواية.

ومع ذلك، فإذا كان الأدب والفكر الأوروبيان، قد قدَّما للعالم عناوين عدّة للهوية الإبداعية المركبة، من أمثال بوشكين، في مجالات الشعر والسرد والمسرح، ووليم بليك في مجال الرسم، ورامبرانت في كتابة اليوميات، إضافة إلى فان غوخ في أدب الرسائل، وأندريه بروتون في الشعر والرواية، وجان بول سارتر في الفلسفة والرواية والمسرح، وآخرين غيرهم، فإن ما يجب التأكيد عليه، هو أن توقيع كل واحد من هؤلاء على صفحة الخلود، كان يتصل بمجال حيوي واحد وأساسي، هو الشعر في حالات بوشكين ووليم بليك وبروتون، والرسم في حالتي رامبرانت وفان غوخ، والفلسفة في حالة سارتر.

ولم يكن للثقافة العربية، أن تظل بمنأى عن ثنائية الهوية الإبداعية أو تعددها، وبخاصة في مجال الجمع بين الرواية والشعر. إلا أن الذين أقدموا على خوض تلك المجازفة، لم يستطيعوا حجب التفاوت الواضح بين هويتهم الإبداعية الأم، وبين الهوية الرديفة، التي بدت أقرب إلى الهواية والحرفة، منها إلى الفطرة الأصلية. فما كتبه جبرا إبراهيم جبرا، وغادة السمان، وكاتب ياسين، والطاهر بن جلون ورشيد الضعيف وغيرهم، من قصائد ودواوين، يصعب أن يقارن بما حققته أعمالهم الروائية من عمق وفرادة وتميز.

كما أن الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب، من أمثال محمد الماغوط، وغازي القصيبي، ومحمد الأشعري، وعباس بيضون، وسليم بركات، وبول شاوول، وحسن نجمي، وعبده وازن وأحمد الشهاوي وكثر غيرهم، تظل على أهمية بعضها، أقل قيمة من قصائدهم ودواوينهم، التي تحتل مكانة متقدمة في الشعرية العربية المعاصرة. أما تجربة إبراهيم نصر الله، التي يقف فيها الشعر والرواية جنباً إلى جنب، وفي خانتين متماثلتين، فتكاد تكون إحدى الاستثناءات القليلة، التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها.

وإذا كان ما تقدم، لا ينفي على نحو قطعي، وجود مبدعين متعددي المواهب، إلا أن هذه الأعطية الاستثنائية، لا تنزل على ممنوحيها نزول النعمة الخالصة، بل هي نقمتهم وسبب شقائهم وانشطارهم على أنفسهم، في الوقت ذاته. ذلك أن التعايش مع نوعين أساسيين من أنواع الأدب والفن، سيضع صاحبه في حالة استنزاف دائمة، وسيتركه نهباً للأزمات الجسدية والنفسية، خاصة وأن كلاً من النوعين سيعتاش على «لحم» الآخر، ويقتات من مخزونه ورصيده.

وإذا كان الشاعر اللبناني الراحل حسن عبد الله، قد اختار التعبير عن القصر المأساوي للحياة، بالقول على طريقته الساخرة: «الحياة قليلة، الحياة أقلُّ من امرأتين»، فإن هذا الأمر ينطبق بالقدر نفسه على ما يترتب عن انشطار الهوية الإبداعية، من مصاعب وتبعات. وقد يكون الوضع المثخن بالقلق الشيزوفريني، للكاتب الذي يجمع بين جنسين إبداعيين في حياة واحدة، مماثلاً لوضع شاعر بدوي قديم، قاده تعلقه المحموم بالنساء، إلى الزواج من امرأتين اثنتين، شُغف بكلتيهما حباً. حتى إذا تكسرت أحلامه على صخرة الواقع المر، هتف قائلاً بقدر كبير من الخذلان:

تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي بما يشقى به زوجُ اثنتينِ

فقلتُ أصير بينهما خروفاً أنعَّم بين أكرم نعجتينِ

فصرتُ كنعجةٍ تضحي وتمسي تُداوَلُ بين أخبث ذئبتينِلهذي ليلةٌ ولتلك أخرى عذابٌ دائمٌ في الليلتينِ!

الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب تظل على أهمية بعضها أقل قيمة من قصائدهم