قال المخرج الفلسطيني مؤيد عليان إن فيلمه «حوار مع البحر» لم يبدأ من فكرة سينمائية مجردة، وإنما خرج من واقعة حقيقية عاشتها عائلة زوجته، حين تلقّت، قبل نحو 4 أعوام، إخطاراً من «مؤسسة التأمين الوطني» الإسرائيلية يطالبها بسداد مبلغ كبير تراكم باسم أحد أفرادها، رغم أنه كان قد توفي غرقاً في البحر الأحمر قبل نحو 20 عاماً.
وأوضح مؤيد عليان، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن المشكلة تمثّلت في أن الوفاة لم تكن مسجلة في النظام الرسمي، ما وضع الأسرة أمام مفارقة قاسية اضطرتها إلى إثبات أن شخصاً توفي بالفعل، لافتاً إلى أن هذه الواقعة ظلّت عالقة في ذهنه، قبل أن تتحول لاحقاً إلى الشرارة الأولى لفيلم روائي يتجاوز الحادثة الأصلية إلى أسئلة أوسع عن الذاكرة والذنب والعائلة والقدس.
وأكد عليان أن أحد أفراد العائلة اضطر إلى السفر نحو 300 كيلومتر إلى مدينة إيلات؛ حيث كان المستشفى قد استقبل الجثمان عقب حادث الغرق، من أجل الحصول على الوثائق التي تثبت الوفاة بعد مرور نحو عقدين عليها، موضحاً أنه شاهد تفاصيل هذه التجربة عن قرب، لكنه لم يتدخل في البداية أو يفكر في تحويلها إلى فيلم، لأنها كانت مسألة حساسة بالنسبة إلى العائلة، قبل أن يحتاج إلى نحو عام حتى يشعر بأنه يستطيع طلب الإذن باستعارة الواقعة الأولى فقط، أي مطالبة المؤسسة الرسمية للأسرة بإثبات وفاة شخص مات قبل سنوات طويلة، لتبدأ عملية بناء قصة خيالية بالكامل، مؤكداً أن الأحداث والشخصيات في الفيلم، باستثناء الشرارة الأولى، ليست نقلاً لما حدث في الواقع، وإنما جاءت من تأملاته في الحياة الفلسطينية داخل القدس.

وتدور أحداث «حوار مع البحر» حول «كمال»، رجل فلسطيني في الستين من عمره، يتلقى أمراً من محكمة إسرائيلية يطالبه بسداد مبلغ كبير للتأمين الوطني باسم ابنه «وائل»، الذي يعرف «كمال» أنه غرق في البحر الأحمر قبل أكثر من 20 عاماً. وحين يكتشف أن السلطات لا تملك سجلاً رسمياً يثبت وفاة ابنه، يبدأ رحلة للبحث عن الحقيقة، وكشف ما حدث لـ«وائل»، فيتحول التحقيق في مصير الابن تدريجياً إلى مواجهة مع الماضي والشعور بالذنب وعلاقته بعائلته.
ويشارك في بطولة الفيلم كامل الباشا، وعامر حليحل، وبهيرة العباسي، وماريا زريق، وربى بلال، وهيثم العمري. وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي» في إيطاليا، وكان عرضه الثاني في مهرجان «تورنتو السينمائي الدولي» في كندا، وحصل على دعم من «مؤسسة البحر الأحمر».
وقال مؤيد عليان إن السيناريو مرّ بنحو 4 أو 5 نسخ وتعديلات، وكانت المناقشات الأكثر عمقاً مرتبطة بشخصية «كمال»، التي جسّدها الفنان الفلسطيني كامل الباشا، خصوصاً السؤال النفسي حول ما إذا كان الرجل غير متأكد فعلاً من وفاة ابنه، أم أنه يصنع لنفسه احتمالات وأوهاماً تساعده على تخفيف شعوره بالذنب تجاه ابنه وعائلته.
وأشار إلى أن كامل الباشا كان حاضراً في ذهنه مع بدء كتابة السيناريو، وظلّ يتخيله في الشخصية عبر النسخ المختلفة، موضحاً أنه يعرفه منذ نحو 20 عاماً، منذ فترة الدراسة والعمل في المسرح الوطني الفلسطيني، كما سبق أن تعاون معه في فيلمه القصير الأول وفيلمه الروائي الطويل الأول.
وأضاف أنه وصل في مرحلة ما إلى خشية ألا يستطيع مواصلة الكتابة إذا لم يُعجب الباشا بالسيناريو، فذهب إليه في منزله، وطلب منه قراءته، وبعد أن انتهى منه قال له إنه موافق على المشاركة، عادّاً أن اختيار الباشا كان مهماً أيضاً لأنه مقدسي، ويعرف بعمق التجربة التي تنطلق منها الشخصية.

وقال عليان إن تصوير الفيلم في القدس جرى في ظروف خطيرة ومرعبة أكثر بكثير من تجاربه السابقة، بسبب الحرب والتوتر الأمني. ولذلك اضطرت عملية الإنتاج إلى تطوير أسلوب حذر في الحركة والعمل، خصوصاً في البلدة القديمة؛ حيث جرى التعامل مع الطاقم تقريباً كما لو كان فريقاً يصور فيلماً وثائقياً، فتم توزيع أماكن الماكياج والإقامة والطعام وغيرها على مواقع مختلفة حتى لا يظهر وجود فريق سينمائي كبير يلفت الانتباه.
وأوضح أن التصوير في القدس الغربية كان أكثر تعقيداً، لأن الحصول على تصاريح لتصوير إنتاج عربي فلسطيني كان شبه مستحيل؛ لذلك لجأ الفريق إلى تصوير بعض المشاهد الخارجية بطاقم صغير يُشبه فرق الأفلام الوثائقية، في حين أعاد بناء بعض المواقع أو طابقها في رام الله وبيت لحم بالضفة الغربية عندما كانت المشاهد تحتاج إلى إغلاق طرق أو وجود عدد أكبر من العاملين والمعدات.
ولفت إلى أن أصعب المشاهد التي واجهها أثناء التصوير كان تصوير مشهد موكب ليلي في طريق الآلام، بسبب وجود عدد من الكومبارس، وخطر لفت انتباه الاحتلال، فضلاً عن ظهور مستوطنين أثناء تصوير مشاهد ليلية في شوارع القدس، مشيراً إلى أن وجود عدد من أفراد الطاقم الأجانب، وبينهم مدير تصوير إيطالي وفنيو كاميرا وإضاءة فرنسيون، جعل من الصعب على المستوطنين معرفة طبيعة المجموعة، وما الذي تقوم بتصويره.

وتحدّث المخرج عن الجانب الإنتاجي، موضحاً أن تمويل الفيلم كان من أصعب مراحل المشروع، خصوصاً مع تراجع ميزانيات صناديق دعم السينما العربية، مشيراً إلى أن «صندوق البحر الأحمر» كان من أوائل الجهات التي دعمت المشروع، قبل أن تنضم جهات أخرى في مراحل مختلفة، فضلاً عن دعم قدمه أصدقاء ومعارف للعائلة، ومشاركة عدد من أفراد فريق العمل بأجور منخفضة، انطلاقاً من رغبتهم في إنجاز الفيلم.
ويرى المخرج الفلسطيني أن المهرجانات الدولية تُمثل بالنسبة للفيلم الفلسطيني أكثر من مجرد منصة للعرض أو فرصة للانتشار، لأنها تفتح أبواباً أمام الفيلم، وتمنحه ختم حضور دولي، وفي الوقت نفسه تحمل مشاركة العمل الفلسطيني في هذه المهرجانات معنى إضافياً، يتمثل في تأكيد وجود السينما الفلسطينية وخصوصيتها وقدرتها على تقديم حكاياتها، رغم المحاولات المستمرة لطمس حضور الفلسطيني وروايته.









