قال المخرج الأفغاني-البريطاني إلهام إحساس إن فكرة فيلمه الوثائقي القصير «رائد الفضاء المنسي» انطلقت من دهشته حين اكتشف أن رائداً أفغانياً وصل إلى الفضاء عام 1988، في حين لم يكن يعرف هذه القصة من قبل، شأنه شأن كثيرين. ودفعه ذلك إلى التساؤل عن القصص الأخرى التي غابت عن الذاكرة رغم أهميتها، مشيراً إلى أن رحلة رائد الفضاء عبد الأحد مومند شكّلت بالنسبة إليه مدخلاً لطرح أسئلة أوسع حول ما تحتفظ به ذاكرة الشعوب وما يُمحى من تاريخها.
وأضاف إلهام إحساس، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر تطبيق «زووم»، أن غياب قصة مومند لم يكن، في نظره، مجرد نتيجة لمرور الزمن، بل يعكس الطريقة التي تُصاغ بها الروايات عن أفغانستان؛ إذ ظلت البلاد حاضرة في الوعي العالمي من خلال الحروب والانهيارات والعناوين السياسية، في حين توارت القصص التي تجسّد إنجازاتها العلمية والثقافية.

ويروي فيلم «رائد الفضاء المنسي» قصة عبد الأحد مومند، أول رائد فضاء أفغاني والوحيد حتى الآن، الذي انطلق عام 1988 إلى محطة «مير» الفضائية، في مهمة شكّلت لحظة استثنائية في تاريخ بلاده. وخلال الرحلة، أعدّ الشاي الأفغاني لطاقم المحطة، كما أصبحت اللغة البشتونية، بحسب الفيلم، رابع لغة تُستخدم في الفضاء، بعدما تحدث بها مومند خلال اتصال بوالدته من المدار.
ويستعيد الفيلم هذه القصة من خلال المزج بين المواد الأرشيفية والذاكرة الشخصية والموسيقى الأفغانية، وعُرض عالمياً للمرة الأولى ضمن فعاليات الدورة الـ79 من مهرجان «لوكارنو السينمائي» في سويسرا.
وأضاف أن «المشروع شهد تحولاً كبيراً خلال مراحل الإعداد، بعدما عثرتُ على صورة فوتوغرافية قديمة لوالدي، الذي كان يعمل صحافياً في كابل، خلال إجرائه مقابلة مع عبد الأحد مومند عقب عودته من رحلته الفضائية». وأوضح أن الفيلم بدأ بوصفه رحلة بحث عن رائد الفضاء، قبل أن تتحول تلك الصورة إلى نقطة الارتكاز الأساسية فيه؛ إذ فتحت الباب أمام قصة أخرى تتعلق بعائلته، وبالعلاقة بين الذاكرة الشخصية والمنفى والتاريخ.
وأكد أن حضور والده في الحكاية غيّر طبيعة الفيلم بالكامل؛ إذ لم تعد القصة تقتصر على البحث عن شخصية تاريخية، بل أصبحت تتناول أيضاً تاريخ عائلته وتجربة اقتلاعها من الوطن، وكيف حملت ذكرياتها معها إلى المنفى. وقال إن «هذا التحول دفعني إلى إعادة بناء الفيلم والتخلي عن أشهر من العمل، بعدما اكتشفت أن المادة نفسها تقودني إلى مسار مختلف وأكثر صدقاً من الفكرة الأولى التي انطلق منها المشروع».

وأكد المخرج الأفغاني-البريطاني أنه كثيراً ما تساءل عن الصورة التي كان يمكن أن تبدو عليها أفغانستان لو ظلت رحلة مومند حاضرة في الذاكرة الدولية، معتبراً أن «ارتباط اسم البلاد بإنجاز علمي وإنساني كان سيمنحها حضوراً مختلفاً في مخيلة العالم، وربما أسهم أيضاً في تغيير نظرة الآخرين إلى الأفغان خارج وطنهم، بعيداً عن الصورة النمطية التي تربط بلادهم بالحروب».
وأوضح أن المنفى يحتل مكانة أساسية في الفيلم، انطلاقاً من قناعته بأن الابتعاد عن الوطن قد يجعل العودة إليه أشد استحالة من الوصول إلى الفضاء نفسه. وأضاف: «يستطيع الإنسان أن ينظر إلى السماء كل يوم، لكنه قد يعجز عن العودة إلى المكان الذي وُلد فيه. هذا الشعور يمثّل جوهر تجربة الشتات التي يعيشها ملايين الأشخاص، وليس الأفغان وحدهم».
وأكد المخرج أنه تعمّد الإبقاء على الخدوش والعيوب في المواد الأرشيفية التي استعان بها، لكونها جزءاً من الحكاية وليست عيوباً ينبغي إخفاؤها. ورأى أن إزالة آثار الزمن عن تلك الصور كانت ستفقدها جزءاً من معناها؛ لأن الفيلم يتناول، في جوهره، تأثير الزمن في البشر والأماكن والذاكرة، مشيراً إلى أن ما تحمله اللقطات القديمة من نقص وفراغات يعكس أيضاً الكيفية التي تستقر بها الذكريات داخل الإنسان.

وأضاف أن «الموسيقى الأفغانية وُظفت بوصفها جزءاً من البناء السردي للعمل؛ إذ اعتمد الفيلم على 3 أغنيات أفغانية قديمة لتقسيمه إلى فصول». ورأى أن الموسيقى تمتلك قدرة على نقل ذاكرة المكان ومشاعره تفوق قدرة الكلمات، كما تستحضر لدى أبناء الشتات إحساساً فورياً بالانتماء؛ لذلك أدت دوراً أساسياً في تشكيل إيقاع الفيلم وبنيته.
وعزا غياب قصص الإنجازات العلمية في الدول التي شهدت حروباً إلى أن هذه الإنجازات تربك الصورة النمطية التي اعتاد العالم أن يرى من خلالها تلك البلدان. وأضاف أن «التركيز على العلماء والمبدعين وصنّاع الثقافة يكشف حجم ما خسرته هذه المجتمعات، ويقدّم صورة أكثر اكتمالاً عنها، بدلاً من اختزالها في مشاهد الصراع وحدها».
وأشار إلى أن أحد أهداف الفيلم يتمثَّل في تعريف الأجيال الأفغانية الجديدة بعبد الأحد مومند، معرباً عن أمله في أن يمنحها العمل شعوراً بالفخر والانتماء، وأن يدفعها إلى إدراك أن تاريخ بلادها لا يقتصر على الحروب، بل يضم أيضاً شخصيات استطاعت تحقيق إنجازات استثنائية، رغم الظروف التي مرّت بها أفغانستان.





