السياحة ليلية في روما ... هرباً من قيظ الصيف

يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
TT

السياحة ليلية في روما ... هرباً من قيظ الصيف

يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)

لم يعد ارتفاع درجات الحرارة في إيطاليا مجرد تحدٍ يواجه السكان في أشهر الصيف، بل بدأ يغيّر أيضاً عادات السياح وطريقة إدارة أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد. ومع وصول الحرارة في روما إلى نحو 40 درجة مئوية، تتجه المتاحف والمواقع الأثرية إلى حل بسيط وعملي: نقل جزء من النشاط السياحي من ساعات النهار إلى الليل. وفقاً لصحيفة «التايمز».

فمع اشتداد موجات الحر وتكرارها، أصبح التجول بين الآثار المفتوحة تحت الشمس تجربة مرهقة، وأحياناً خطرة، بالنسبة إلى الزوار. وفي المقابل، توفر ساعات المساء طقساً أكثر اعتدالاً، وتمنح المدن التاريخية فرصة لاستقبال السياح من دون تعريضهم لحرارة منتصف النهار.

ويبرز الكولوسيوم في روما نموذجاً لهذا التكيف. فقد ضاعفت السلطات هذا الصيف عدد الليالي التي يظل فيها الموقع مفتوحاً حتى الساعة 11 مساءً، من ليلتين إلى أربع ليالٍ أسبوعياً. وقال سيموني كويليتشي، مدير الكولوسيوم، إن جميع التذاكر نفدت، مشيراً إلى أن الأجواء ليلاً «أكثر اعتدالاً» و«أكثر هدوءاً».

يشارك الزوار في جولة ليلة في الكولوسيوم خلال هذا الصيف وذلك لإتاحة الفرصة لمزيد من الزوار لمشاهدة المدرج الروماني الشهير في أجواء أكثر برودة (أ.ف.ب)

ونجاح التجربة دفع المسؤولين إلى التفكير في تمديد ساعات الزيارة الليلية حتى سبتمبر (أيلول)، في مؤشر إلى أن فتح المواقع الأثرية ليلاً قد يتحول من إجراء استثنائي خلال موجات الحر إلى جزء دائم من إدارة السياحة في إيطاليا.

ولا يقتصر التغيير على الكولوسيوم. ففي قلب روما، يفتح «البانثيون»، الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي، أبوابه حتى الساعة 11 مساءً في معظم ليالي أغسطس (آب). كما تستقبل حمامات كاراكلا الزوار حتى الساعة 10:45 مساءً في ليالٍ محددة، بينما يستعد هرم سيستيوس لفتح أبوابه ليلاً للمرة الأولى في سبتمبر (أيلول). ويستقبل مجمع فيتوريوانو الزوار حتى الساعة 11:30 مساءً في أيام محددة.

وتكشف هذه الخطوة عن جانب آخر من تأثير تغير المناخ: فهو لا يفرض فقط البحث عن وسائل لحماية الناس من الحرارة، بل يدفع قطاعات كاملة إلى إعادة تنظيم أنشطتها لتتناسب مع مناخ أكثر سخونة.

يتحدث سيمون كويليتشي مدير حديقة الكولوسيوم الأثرية خلال مقابلة مع زوار يشاركون في جولة ليلة في الكولوسيوم، لمشاهدة المدرج الروماني الشهير في درجات حرارة أكثر برودة بعد غروب الشمس (أ.ف.ب)

ويبدو ذلك واضحاً في المنتدى الروماني، حيث بدأت تنظيم زيارات ليلية. وقال مسؤول في روما إن الموقع «يتحول إلى فرن حقيقي في الصيف»، نظراً إلى افتقاره للأشجار والظلال، بينما يعكس الرخام الأبيض الحرارة مباشرة على الزوار.

وفي مدن إيطالية أخرى، تظهر حلول مشابهة. ففي البندقية، اعتادت المتاحف تمديد ساعات استقبال الزوار خلال الصيف حتى الساعة 11 مساءً. وفي بومبي، تتيح السلطات هذا العام زيارات مسائية حتى أكتوبر (تشرين الأول). أما في فلورنسا، فيفتح «ممر فاساري» في معرض أوفيتزي أبوابه ليلاً مرة أسبوعياً خلال الصيف.

ولا يتعلق الأمر براحة السياح فقط. فوزير السياحة الإيطالي جانماركو ماتسي يرى أن الزيارات المسائية تساعد أيضاً على توزيع أعداد السياح على ساعات اليوم، في وقت تشهد فيه البلاد إقبالاً سياحياً كبيراً، كما أن إضاءة المواقع الأثرية ليلاً تضيف تجربة مختلفة، وتمنح المدن التاريخية حياة جديدة بعد غروب الشمس، لكن العامل المناخي يبقى الدافع الأبرز. فقد أصبحت موجات الحر أكثر تكراراً في جنوب أوروبا، فيما تشهد إيطاليا ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة، بالتزامن مع تسجيل مياه البحر المتوسط مستويات قياسية.

ويرى سيموني فيردي، مدير معرض أوفيتزي، أن هذه الظروف قد تؤدي إلى تغيير أكبر في خريطة السياحة الإيطالية خلال السنوات المقبلة، متوقعاً «إعادة توزيع جذرية للزوار على مدار العام»، مع تفضيل فترات أخرى غير فصل الصيف.

يشارك الزوار في جولة ليلة في الكولوسيوم وهي جولة بصحبة مرشد في المدرج الروماني القديم تستغرق حوالي 60 دقيقة. (أ.ف.ب).

وبالنسبة إلى مرشدي السياح، لم تعد الحرارة مجرد إزعاج يمكن تحمله. تقول إحدى المرشدات إنها تضطر أحياناً إلى إدخال مجموعاتها إلى الكنائس بعد جولات طويلة تحت الشمس، حتى يحصل الزوار على فرصة للراحة واستعادة نشاطهم. وتقول: «إنها مسألة بقاء؛ هكذا أحافظ على سلامة زواري».

وهكذا، يبدو أن تغير المناخ بدأ يعيد كتابة جدول السياحة في إيطاليا. فبدلاً من إغلاق المواقع الأثرية أمام حرارة النهار، تتجه البلاد إلى نقل جزء من تجربتها السياحية إلى الليل، في محاولة للتكيف مع صيف أكثر حرارة، والحفاظ في الوقت نفسه على تدفق الزوار إلى مدنها وآثارها.



بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
TT

بمقترح سعودي... 4 مارس يوماً للمرأة الخليجية

من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)
من اجتماع وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول الخليج في المنامة الخميس (مجلس التعاون)

أقرَّ وزراء الشؤون والتنمية الاجتماعية بدول مجلس التعاون، اعتماد 4 مارس (آذار) من كل عام يوماً للمرأة الخليجية، بما يعكس الاهتمام المشترك بتعزيز حضورها، وإبراز إسهاماتها في الأسرة والمجتمع والتنمية.

وجاء الاعتماد، خلال اجتماع للوزراء في المنامة، الخميس؛ بناءً على مقترح تقدَّمت به السعودية ممثلةً بمجلس شؤون الأسرة، انطلاقاً من مبادرة كويتية لتخصيص يوم للمرأة الخليجية، وحظي بتوافق أعضاء اللجنة الدائمة لشؤون المرأة بدول الخليج.

ويستند اختيار 4 مارس إلى الدلالة التي تحملها المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون، وما تجسده من أهداف المجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء، بما يعكس دور المرأة بصفتها شريكاً فاعلاً في مسيرة العمل الخليجي المشترك.

ويكتسب التاريخ بُعداً إعلامياً لوقوعه في مستهل الشهر الذي يشهد اهتماماً عالمياً بقضايا المرأة، بما يتيح مساحة خليجية للاحتفاء بها وإبراز إسهاماتها، قبيل يومها الدولي في 8 مارس.

ناقش المجتمعون استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة (مجلس التعاون)

ويُمثِّل اعتماد يوم المرأة الخليجية مناسبة سنوية لإبراز إسهاماتها وحضورها في مختلف المجالات، وتقديم تجربة تعكس خصوصية دول مجلس التعاون وهويتها المشتركة.

كما تُعزِّز هذه المناسبة السنوية حضور المرأة في مسارات العمل الخليجي المشترك، بما يجسد روح التكامل والتعاون بين دول المجلس.

وناقش الاجتماع عدداً من الموضوعات المتعلقة بتطوير التعاون، بينها استراتيجية العمل الخليجي المشترك في مجال العمل والقوى العاملة، التي تتناول محاور عدة، من أبرزها، مهارات سوق العمل، ومكافحة العمل الجبري والاتجار بالأشخاص، وتعزيز التوازن وتكافؤ الفرص في السوق.

وبحث الوزراء مواصلة إعداد الإطار الاسترشادي الخليجي للوظائف الخضراء، وآخر لتنظيم وتوحيد جهود استقدام عمال الخدمة المنزلية في دول المجلس، ومشروع لتنظيم بيئة العمل في اقتصاد المنصات، وتعزيز السلامة والصحة المهنية، وجاهزية أسواق العمل.


بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
TT

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)
مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

في عام 2006، أثار فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة الأميركية صوفيا كوبولا - بأسلوبه الخيالي وألوانه الزاهية التي تشبه الحلوى - انقساماً في الآراء بين الجمهور، وذلك بسبب تفاصيل حديثة مثل أحذية للمصمم مانولو بلانيك، والموسيقى التصويرية المعاصرة. ومع ذلك، تحوَّل الفيلم بمرور الوقت إلى عمل كلاسيكي، ويحتفي «قصر فرساي» بالذكرى الـ20 لصدوره من خلال معرض يُقام في «بيتيت تريانون (Petit Trianon)»؛ وهو القصر الصغير الواقع ضمن المجمع الملكي والذي خُصِّص للملكة لاستخدامها الخاص في سبعينات القرن الـ18، حيث صُوِّرت أجزاء من فيلم «ماري أنطوانيت».

يُقام المعرض تحت إشراف هيلين ديلاليكس ولوران سالومي ويستمر حتى 24 يناير (كانون الثاني)، حيث يعرض من جديد الأزياء التي صمَّمتها ميلينا كانونيرو (والتي نالت عنها جائزة الأوسكار) إلى جانب مجموعة من الدعائم السينمائية والرسومات التخطيطية والصور الفوتوغرافية. وفي الغرف الخاصة بماري أنطوانيت، تُستخدَم تماثيل عرض الملابس (ألمانيكان) لإعادة تجسيد بعض المشاهد واللقطات من الفيلم.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

كما تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور، التي صوَّرت نحو 100 ساعة من اللقطات خلف الكواليس بهدف إنجاز فيلم وثائقي. ورغم رحيل إليانور كوبولا في عام 2024 دون إتمام المشروع، فإن ابنتها أكملته نيابة عنها. ومن المقرر طرح الفيلم الوثائقي «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)» - الذي يُعدُّ بمثابة كبسولة زمنية توثِّق الفيلم الأصلي ومسيرة مخرجة شابة كانت تشق طريقها في عالم السينما - في دور العرض الأميركية بتاريخ 23 أكتوبر (تشرين الأول).

في مقابلة حديثة، تحدثت كوبولا (55 عاماً) عن عودتها إلى قصر فرساي، ونضالها من أجل إبراز المنظور النسائي في الفيلم، ومشاهدتها لمقاطع فيديو معدلة بأسلوب «الهيب هوب» لفيلم «ماري أنطوانيت» على منصة «تيك توك».

فيما يلي مقتطفات محرَّرة من تلك المحادثة.

* هل شعرتِ بالمفاجأة عندما تواصل معكِ مسؤولو «قصر فرساي» بخصوص هذا المعرض؟

- نعم، لقد فوجئت حقاً؛ كان شعوراً سريالياً أن أُوجد هناك مجدداً، في المقر الحقيقي لماري أنطوانيت، ومعي الأزياء التي استُخدِمت في نسختنا من الفيلم. لقد أعجبني اهتمام القائمين على المعرض بمواد التحضير والأبحاث، لذا تحمَّست لفتح الصناديق التي كنت أحتفظ بها في مخزن بمنزل عائلتي في «نابا فالي». كما احتفظت آن سيبيل، مديرة العمل الفني، بكثير من الأشياء، وقامت مُصمِّمة الأزياء الرائعة لدينا، ميلينا كانونيرو، بتتبع قطع مختلفة وتجميع الإكسسوارات لإعادة تشكيل المشهد بالكامل، حتى إننا أعدنا تهيئة بعض أنظمة الإضاءة التي استُخدمت في الفيلم.

* ما الذي تتذكرينه عن مشاعركِ في العمل على الفيلم؟

- كان الأمر مرهقاً ومربكاً للغاية، لأنني لم يسبق لي أن توليت مشروعاً بهذا الحجم من قبل. تطلب إنجاز العمل وجود عدد هائل من الأشخاص، بمَن في ذلك الممثلون الثانويون (الكومبارس) وطاقم العمل. أعتقد أنني كنت أتمتع بنوع من السذاجة التي تميِّز مرحلة الشباب؛ فلا أظن أنني سأقدم على خطوة مثل هذه الآن.

لكنني كنت أمتلك رؤيةً واضحةً للغاية في مخيلتي، وكنت أسعى حقاً لتقديم نوع مختلف من الأفلام التاريخية. فالأفلام التي نشأتُ عليها كانت تعتمد على مشاهد بصرية ضخمة تشبه اللوحات الفنية؛ إذ كان ينتابني دائماً شعور بأنك تنظر إلى التاريخ من بعيد، بينما أردتُ لهذا الفيلم أن يمنح المشاهد شعوراً بالانتقال الفعلي عبر الزمن والعيش جنباً إلى جنب مع الشخصيات، وعندما زرتُ الغرف الخاصة الحقيقية لماري أنطوانيت، أدهشني أن الأقمشة كانت تتميَّز بلون فيروزي زاهٍ؛ وهو أمر لم يكن مألوفاً في الأفلام التاريخية آنذاك، حيث كانت الألوان السائدة دائماً هي درجات الألوان الترابية الهادئة والباهتة.

مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* هل فاجأكِ الجدل الذي أُثير حول المفارقات الزمنية (استخدام عناصر حديثة في سياق تاريخي) في الفيلم عند صدوره؟

- كان أمراً محبطاً أن يشعر البعض بالإساءة الشديدة بسبب ذلك. بالنسبة لي، يصعب عليّ استيعاب فكرة أن الموسيقى الحديثة قد تكون مسيئة للناس إلى هذا الحد، خصوصاً أن هذا الأسلوب أصبح شائعاً جداً الآن. كنت أدرك أن قيام مخرجة أميركية بتقديم هذه القصة قد يُنظَر إليه بوصفه أمراً مستفزاً أو متمرداً بعض الشيء، لكنك لا تستطيع أبداً التنبؤ مسبقاً بكيفية تلقي الجمهور للأعمال الفنية.

* يبدو أن سمعة الفيلم قد تغيرت بشكل ملحوظ منذ طرحه. هل تشعرين بذلك؟

- بالتأكيد. أشعر بأن الفيلم اكتسب جمهوراً جديداً تماماً من الشباب؛ فابنتاي تريانني مقاطع فيديو معدلة للفيلم على أنغام موسيقى الهيب هوب عبر تطبيق «تيك توك»، وهو أمر أحبه كثيراً. لقد كانت مفاجأة سارة وممتعة، لأن الأفلام عادةً لا تحظى بالحديث عنها أو الاهتمام بها بعد فترة من عرضها.

* سيصدر الفيلم الوثائقي الذي قمتِ بمونتاجه استناداً إلى اللقطات التي صوّرتها والدتك، «صناعة ماري أنطوانيت (Making Marie Antoinette)»، في الولايات المتحدة خلال شهر أكتوبر. لماذا استغرق الأمر كل هذا الوقت للعودة إلى تلك المادة؟

- لم يُستخدَم سوى جزء صغير جداً منها كمادة إضافية لإصدار الـ«DVD» في ذلك الوقت، ثم مضينا قدماً في حياتنا؛ فقد كنت منشغلة بإنجاب وتربية أطفالي ونسيت الأمر تماماً. ولكن خلال الجائحة، اجتمعت العائلة بأكملها في منزلنا في «نابا». أخرجت أمي اللقطات لمشاهدتها، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أراها فيها. لقد كان أمراً مذهلاً بالنسبة لي أن أرى كل التفاصيل التي التقطتها عدستها، وكل جوانب الحرفية والإتقان: الأزياء، والشعر المستعار، والزهور. كانت لديها رغبة حقيقية في تقديم عمل فني باستخدام تلك اللقطات. لقد رحلت عن عالمنا قبل عامين، لكن في أواخر حياتها، كان إنجاز هذا الفيلم أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لها، وقد وعدتها بأنني سأفعل ذلك. لقد عملت كثيراً خلال العام الماضي مع مونتير وصديق لوالدتي، محاولةً استشراف الطريقة التي كانت تود أن يُصاغ بها الفيلم، رغم صعوبة تكوين رؤية موضوعية للأمر؛ نظراً لأنني أظهر فيه، ولأن رؤية نفسي في تلك المرحلة العمرية المبكرة تسبب لي نوعاً من الحرج.

جيسون شوارتزمان وكيرستن دانست في مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا (imdb)

* لماذا؟

- لأنني لم أكن أتمتع حينها بتلك الثقة في فرض رأيي أو إثبات ذاتي؛ كنت لا أزال أشق طريقي بوصفي مخرجةً شابةً. وفكرتُ أن هذا قد يكون مثيراً لاهتمام الشباب الآخرين الشغوفين بالسينما، ليروا كيف تتطور رحلة الإنسان بوصفه شخصاً مبدعاً. كما أن الأمر يتيح لي الرؤية من خلال عيني والدتي، وهي تراقب ابنتها في أثناء العمل. لقد كان العمل على هذا الفيلم تجربة عاطفية للغاية، وشعرتُ بأنه بمثابة هدية تركتها لي.


بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا
صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا
TT

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا
صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

حين اندلعت حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، لم تكن المعركة مقصورة على خنادق الجبهة وخطوط النار الأمامية فحسب، بل امتدت لتشمل كل فئات المجتمع المصري في ملحمة تاريخية غير مسبوقة.

وفي عمق هذا المشهد الاستثنائي، اختارت أربع من أبرز نجمات الفن والسينما المصرية الكلاسيكية سياقاً مغايراً تماماً لأضواء الشهرة والنجومية؛ فقد خلعن فساتين الفن الأنيقة، وارتدين ملابس التمريض البيضاء كمتطوعات في جمعية الهلال الأحمر المصري، ليمضين شهوراً طويلة داخل ردهات المستشفيات العسكرية يقدمن الرعاية الطبية، والنفسية، والإنسانية، للجرحى ومصابي العمليات الحربية في مستشفيات «قصر العيني» و«المعادي العسكري».

ولم يكن هذا الوجود مجرد لقطة عابرة لالتقاط الصور أو أداء واجب بروتوكولي، بل كان عملاً ميدانياً شاقاً ووفاءً وطنياً خالصاً حُفر في ذاكرة حرب التحرير.

قدمت كل من فاتن حمامة، ونادية لطفي، وتحية كاريوكا، وهالة فاخر، نموذجاً حياً للمثقف والفنان الذي ينحاز لوطنه في لحظات المصير، وهو الإرث الإنساني الذي عاد ليتصدر المشهد الرقمي بقوة مؤخراً مع تداول واسع على مواقع التواصل الاجتماعي لصور النجمات الأربع بالرداء الأبيض بجوار أسرّة المصابين، وسط إشادة واسعة واحتفاء لافت من المغردين والجمهور المصري ببسالتهن وتجردهن من بريق النجومية لصالح الواجب.

فاتن حمامة... «سيدة الشاشة» تقود جهود الإغاثة في «الهلال الأحمر»

عندما نشبت الحرب كانت النجمة فاتن حمامة (التي كانت تبلغ من العمر آنذاك 42 عاماً وتعمل ممثلة سينمائية ومؤلفة تتربع على عرش النجومية كسيدة للشاشة العربية) من أوائل المتطوعات اللاتي لَبّين نداء الواجب عبر جمعية الهلال الأحمر.

ولم تكتفِ النجمة الكبيرة بالدعم المعنوي، بل انخرطت بشكل كامل كممرضة متطوعة، تتنقل بانتظام بين غرف الجرحى ومصابي الحرب داخل المستشفيات.

وعُرفت فاتن حمامة بلمستها الإنسانية الحانية خلف الكواليس؛ إذ كانت تزور أبطال المعارك في المستشفيات المختلفة بصورة شبه يومية لتطمئن على جودة الرعاية الطبية ونوعية الطعام المقدم لهم.

وتذكر السجلات التاريخية للجمعية أنها كانت تقضي ساعات طوالاً مع أسر الشهداء والمصابين لتقديم الدعم النفسي لهم، بل إنها اصطحبت معها في كثير من الأحيان زميلاتها من الوسط الفني لتوزيع الحلوى وتلبية الاحتياجات الشخصية للمقاتلين الذين بُترت أطرافهم أو أصيبوا بجروح بالغة.

فاتن حمامة في زيارة الجنود من مُصابي الحرب (أسبوع القاهرة للصورة)

نادية لطفي... «أركان حرب الفن» في خنادق مستشفى المعادي

امتلكت الفنانة نادية لطفي (كانت تبلغ في ذلك الوقت 36 عاماً وتعمل ممثلة سينمائية رائدة) تجربة فريدة اعتُبرت الأكثر ثراءً وتوثيقاً في تلك الفترة. ونقلت نادية لطفي نشاطها وحياتها بالكامل تقريباً إلى داخل مستشفى المعادي العسكري ومستشفى قصر العيني، لتنخرط في أعمال التمريض الشاقة التي شملت تنظيف غرف الجرحى، والمساعدة في تضميد الإصابات الحرجة.

وتجاوز دورها حدود الرعاية الصحية إلى أبعاد إنسانية وتوثيقية أعمق؛ إذ كانت تجلس ساعات طوالاً بجوار الجنود المصابين حاملة الأوراق والأقلام، لتكتب رسائلهم التي يملونها عليها لإرسالها إلى أمهاتهم وزوجاتهم في القرى والمحافظات لطمأنتهم بأنهم على قيد الحياة.

الفنانة نادية لطفي (صورة متدولة على وسائل الإعلام المصرية من أرشيف الهلال الأحمر المصري)

وبسبب هذه البسالة والجهد الميداني الذي شمل أيضاً مرافقة المخرج شادي عبد السلام لتصوير الفيلم التسجيلي الشهير «جيوش الشمس» لتوثيق شهادات الأبطال، أطلق عليها الكاتب الكبير يوسف إدريس لقب «أركان حرب الفن».

تحية كاريوكا... «كبيرة الممرضات» وعنبر رقم «21»

جسّدت النجمة تحية كاريوكا (كانت تبلغ حينها 58 عاماً وتعمل ممثلة وراقصة استعراضية ومناضلة سياسية معروفة بتاريخها الوطني) روح التضحية في أبهى صورها؛ إذ تطوعت بشكل رسمي في «الهلال الأحمر»، وحصلت على رتبة وُصفت في أرشيفات المجلس القومي للمرأة بـ«كبيرة الممرضات المتطوعات».

النجمة تحية كاريوكا (صورة متدولة على وسائل الإعلام المصرية من أرشيف الهلال الأحمر المصري)

ولم يكن عملها عابراً، بل أقامت كاريوكا بشكل شبه كامل لعدة أشهر داخل العنبر رقم «21» في مستشفى قصر العيني لخدمة جرحى ومصابي الحرب. وتولت بنفسها المهام التمريضية الأساسية والإشراف على تقديم الأدوية، إلى جانب قيادة حملات موسعة لجمع التبرعات المالية والعينية لصالح المجهود الحربي وتأمين المستلزمات الطبية للمستشفيات، مكملةً بذلك مسيرة طويلة من النضال الوطني الذي بدأته منذ العدوان الثلاثي وحرب 1967.

هالة فاخر... جيل الشباب يشارك في رعاية أسر الأبطال

مثّلت الفنانة الشابة آنذاك هالة فاخر (كانت تبلغ من العمر وقت الحرب 27 عاماً وتعمل ممثلة مسرحية وسينمائية صاعدة من عائلة فنية عريقة) جيل الشباب الذي أصر على ترك بصمته في معركة الكرامة.

وانضمت هالة فاخر إلى زميلاتها الكبار كممرضة متطوعة في «الهلال الأحمر»، مرتديةً الزي الرسمي الأبيض لتأدية واجبها الإنساني.

وتركز دور هالة فاخر بشكل مكثف على الجوانب اللوجستية والدعم الميداني والنفسي للجنود؛ إذ لم يقتصر نشاطها على رعاية الجرحى داخل العنابر الطبية فحسب، بل امتد ليشمل تنظيم زيارات ميدانية لبيوت ومنازل أسر الشهداء والمصابين في مختلف الأحياء.

وساهمت بجهد وافر في تقديم الدعم الاجتماعي المباشر لتلك الأسر، معبرةً عن وعي جيل من الفنانين الشباب بمسؤوليتهم المجتمعية والوطنية في مساندة الدولة خلال أصعب فتراتها التاريخية.