لم يعد ارتفاع درجات الحرارة في إيطاليا مجرد تحدٍ يواجه السكان في أشهر الصيف، بل بدأ يغيّر أيضاً عادات السياح وطريقة إدارة أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد. ومع وصول الحرارة في روما إلى نحو 40 درجة مئوية، تتجه المتاحف والمواقع الأثرية إلى حل بسيط وعملي: نقل جزء من النشاط السياحي من ساعات النهار إلى الليل. وفقاً لصحيفة «التايمز».
فمع اشتداد موجات الحر وتكرارها، أصبح التجول بين الآثار المفتوحة تحت الشمس تجربة مرهقة، وأحياناً خطرة، بالنسبة إلى الزوار. وفي المقابل، توفر ساعات المساء طقساً أكثر اعتدالاً، وتمنح المدن التاريخية فرصة لاستقبال السياح من دون تعريضهم لحرارة منتصف النهار.
ويبرز الكولوسيوم في روما نموذجاً لهذا التكيف. فقد ضاعفت السلطات هذا الصيف عدد الليالي التي يظل فيها الموقع مفتوحاً حتى الساعة 11 مساءً، من ليلتين إلى أربع ليالٍ أسبوعياً. وقال سيموني كويليتشي، مدير الكولوسيوم، إن جميع التذاكر نفدت، مشيراً إلى أن الأجواء ليلاً «أكثر اعتدالاً» و«أكثر هدوءاً».

ونجاح التجربة دفع المسؤولين إلى التفكير في تمديد ساعات الزيارة الليلية حتى سبتمبر (أيلول)، في مؤشر إلى أن فتح المواقع الأثرية ليلاً قد يتحول من إجراء استثنائي خلال موجات الحر إلى جزء دائم من إدارة السياحة في إيطاليا.
ولا يقتصر التغيير على الكولوسيوم. ففي قلب روما، يفتح «البانثيون»، الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي، أبوابه حتى الساعة 11 مساءً في معظم ليالي أغسطس (آب). كما تستقبل حمامات كاراكلا الزوار حتى الساعة 10:45 مساءً في ليالٍ محددة، بينما يستعد هرم سيستيوس لفتح أبوابه ليلاً للمرة الأولى في سبتمبر (أيلول). ويستقبل مجمع فيتوريوانو الزوار حتى الساعة 11:30 مساءً في أيام محددة.
وتكشف هذه الخطوة عن جانب آخر من تأثير تغير المناخ: فهو لا يفرض فقط البحث عن وسائل لحماية الناس من الحرارة، بل يدفع قطاعات كاملة إلى إعادة تنظيم أنشطتها لتتناسب مع مناخ أكثر سخونة.

ويبدو ذلك واضحاً في المنتدى الروماني، حيث بدأت تنظيم زيارات ليلية. وقال مسؤول في روما إن الموقع «يتحول إلى فرن حقيقي في الصيف»، نظراً إلى افتقاره للأشجار والظلال، بينما يعكس الرخام الأبيض الحرارة مباشرة على الزوار.
وفي مدن إيطالية أخرى، تظهر حلول مشابهة. ففي البندقية، اعتادت المتاحف تمديد ساعات استقبال الزوار خلال الصيف حتى الساعة 11 مساءً. وفي بومبي، تتيح السلطات هذا العام زيارات مسائية حتى أكتوبر (تشرين الأول). أما في فلورنسا، فيفتح «ممر فاساري» في معرض أوفيتزي أبوابه ليلاً مرة أسبوعياً خلال الصيف.
ولا يتعلق الأمر براحة السياح فقط. فوزير السياحة الإيطالي جانماركو ماتسي يرى أن الزيارات المسائية تساعد أيضاً على توزيع أعداد السياح على ساعات اليوم، في وقت تشهد فيه البلاد إقبالاً سياحياً كبيراً، كما أن إضاءة المواقع الأثرية ليلاً تضيف تجربة مختلفة، وتمنح المدن التاريخية حياة جديدة بعد غروب الشمس، لكن العامل المناخي يبقى الدافع الأبرز. فقد أصبحت موجات الحر أكثر تكراراً في جنوب أوروبا، فيما تشهد إيطاليا ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة، بالتزامن مع تسجيل مياه البحر المتوسط مستويات قياسية.
ويرى سيموني فيردي، مدير معرض أوفيتزي، أن هذه الظروف قد تؤدي إلى تغيير أكبر في خريطة السياحة الإيطالية خلال السنوات المقبلة، متوقعاً «إعادة توزيع جذرية للزوار على مدار العام»، مع تفضيل فترات أخرى غير فصل الصيف.

وبالنسبة إلى مرشدي السياح، لم تعد الحرارة مجرد إزعاج يمكن تحمله. تقول إحدى المرشدات إنها تضطر أحياناً إلى إدخال مجموعاتها إلى الكنائس بعد جولات طويلة تحت الشمس، حتى يحصل الزوار على فرصة للراحة واستعادة نشاطهم. وتقول: «إنها مسألة بقاء؛ هكذا أحافظ على سلامة زواري».
وهكذا، يبدو أن تغير المناخ بدأ يعيد كتابة جدول السياحة في إيطاليا. فبدلاً من إغلاق المواقع الأثرية أمام حرارة النهار، تتجه البلاد إلى نقل جزء من تجربتها السياحية إلى الليل، في محاولة للتكيف مع صيف أكثر حرارة، والحفاظ في الوقت نفسه على تدفق الزوار إلى مدنها وآثارها.




